مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر جنب في القُرءان الكَريم — 33 موضعًا
جواب مباشر
دلالة جذر جنب في القرءان
دلالة جذر «جنب» في القرءان: جنب هو الناحية: ناحيةُ المكان في جانب الطور، وناحيةُ البدن في الجنوب، ووصفُ الجار والصاحب في ﴿وَٱلۡجَارِ ٱلۡج… ← التعريف الكامل
ورد الجذر 33 موضعًا، في 27 صيغة في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «أسماء الزمان والمكان والجهة». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر جنب من شواهد القرءان وحده.
الصِيَغ المُسجَّلة ·27
التَعريف المُحكَم لجَذر جنب في القُرءان الكَريم
جنب هو الناحية: ناحيةُ المكان في جانب الطور، وناحيةُ البدن في الجنوب، ووصفُ الجار والصاحب في ﴿وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ﴾ (سورة النِّسَاء ٣٦)، والحالُ الموجب للاغتسال قبل الصلاة، والنأيُ بالجانب إعراضًا، والمنسوب إلى الله في ﴿فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ﴾ (سورة الزُّمَر ٥٦)؛ ومن الجذر الاجتناب فعلًا يُبعِد العبد عن الرجس والطاغوت وكبائر الإثم.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
المعنى المحكم: الجانبية والمجانبة؛ موضعًا وهيئة وحالًا وسلوكًا.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر جنب
جنب يدل على الناحية أو الإبعاد إلى ناحية عن المباشرة. منه الجانب المكاني: ﴿مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ﴾، والجنب البدني: ﴿وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾، وحالة الجنابة التي تستدعي التطهر قبل الصلاة: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ﴾، والفعل الأخلاقي في الإبعاد: ﴿فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾. فالجذر يدور على الناحية والجانب، ولا يلزم منه بُعدٌ عن المباشرة: فمنه ما يوصف به الجار والصاحب ﴿وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ﴾ (سورة النِّسَاء ٣٦)، ومنه النأي بالجانب إعراضًا ﴿أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ﴾ (سورة الإسرَاء ٨٣)، ومنه المنسوب إلى الله ﴿مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ﴾ (سورة الزُّمَر ٥٦). فليس الجذر فصلًا مطلقًا، بل هو الناحية، ويتعيّن وجهها بما يُضاف إليه وبالفعل الداخل عليه.
الآية المَركَزيّة لِجَذر جنب
أوضح شاهد هو قوله تعالى: ﴿فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ﴾؛ لأنه يكرر فعل الاجتناب في آية واحدة لإبعاد النفس عن رجسين مختلفين.
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
| الصيغة | العدد | الوجه الدلاليّ |
|---|---|---|
| ﴿جَانِبَ﴾ / ﴿جَانِبِ﴾ | 4 | جهة وموقع |
| ﴿بِجَانِبِ﴾ | 2 | موضع مجاور |
| ﴿بِجَانِبِهِۦ﴾ | 2 | جانب منسوب إليه |
| ﴿وَٱجۡتَنِبُواْ﴾ | 2 | أمر بالمجانبة |
| ﴿يَجۡتَنِبُونَ﴾ | 2 | مجانبة متكرّرة |
| بقية الصيغ المفردة: ﴿بِٱلۡجَنۢبِ﴾، ﴿تَجۡتَنِبُواْ﴾، ﴿جَانِبٖ﴾، ﴿جَنۢبِ﴾، ﴿جُنُبًا﴾، ﴿جُنُبٖ﴾، ﴿جُنُبٗا﴾، ﴿جُنُوبُهَا﴾، ﴿جُنُوبُهُمۡ﴾، ﴿جُنُوبِكُمۡۚ﴾، ﴿جُنُوبِهِمۡ﴾، ﴿فَٱجۡتَنِبُواْ﴾، ﴿فَٱجۡتَنِبُوهُ﴾، ﴿لِجَنۢبِهِۦٓ﴾، ﴿وَجُنُوبُهُمۡ﴾، ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾، ﴿وَٱجۡنُبۡنِي﴾، ﴿ٱجۡتَنَبُواْ﴾، ﴿ٱجۡتَنِبُواْ﴾، ﴿ٱلۡجُنُبِ﴾ | 21 | تنوّع بين الجهة والحال والمجانبة |
تتوزّع الصيغ بين أسماء الجهة والجنب وما يتصل بها، وبين أفعال الاجتناب والتجنّب والإجناب. ويظهر الجذر في بناء مكانيّ يحدّد الجانب، وفي بناء فعليّ يجعل المجانبة فعلاً وأمرًا وحالًا.
التَجميع الصَرفيّ الآليّ لِصيَغ جَذر جنب بِالأَوزان
صيغ الجَذر «جنب» بِرَسمها التَوقيفيّ، مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع). العَدَد أَعلى كُلّ بِطاقَة تَقريبيّ لِأَنَّ التَجميع آليّ؛ والجَرد الكامِل في شَريط «الصِيَغ المُسجَّلة» أَعلى الصَفحَة.
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر جنب
ورد جنب 33 مرة في 31 آية. تكرر الجذر مرتين في سورة النِّسَاء ٣٦ وسورة الحج ٣٠.
- الصِيَغ: 27 صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: وَٱجۡتَنِبُواْ.
- أَبرَز الصِيَغ: وَٱجۡتَنِبُواْ (2) جَانِبَ (2) بِجَانِبِهِۦ (2) جَانِبِ (2) بِجَانِبِ (2) يَجۡتَنِبُونَ (2) جُنُوبِهِمۡ (1) تَجۡتَنِبُواْ (1)
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
القاسم المشترك هو إخراج الشيء من المركز إلى ناحية: جانب الطور، الجنوب في هيئة الذكر، الجار الجنب والصاحب بالجنب، والاجتناب بوصفه إبعادًا عمليًا عن الرجس.
مُقارَنَة جَذر جنب بِجذور شَبيهَة
يفترق جنب عن بعد بأن البعد مسافة عامة، أما جنب فيحفظ معنى الناحية أو المجانبة. ويفترق عن هجر بأن الهجر ترك وانقطاع، أما الاجتناب إبعاد النفس عن شيء مع بقاء الشيء معروفًا محددًا.
اختِبار الاستِبدال
استبدال جنب ببعد في جانب الطور يضيع تحديد الناحية. واستبدال اجتنبوا باتركوا يخفف معنى إبعاد النفس عن الرجس والطاغوت والظن.
الفُروق الدَقيقَة
مواضع الطور الأربعة تجعل جانبًا حدًا مكانيًا للوحي. ومواضع الاجتناب تجعل الجذر فعل وقاية عملية: ﴿وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾، و﴿وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ﴾. وموضع الجنب في الصلاة يربط الحال الجسدية بحاجز مؤقت يرفعه التطهر.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: أسماء الزمان والمكان والجهة · الفصل والحجاب والمنع.
ينتمي جنب إلى حقل الفصل والحجاب والمنع من جهة المجانبة، كما في ﴿فَٱجۡتَنِبُوهُ﴾ (سورة المَائدة ٩٠). ويندرج في حقل أسماء الزمان والمكان والجهة إذ يرد الجانب مضافًا إلى موضع معيّن في ﴿مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ﴾ (سورة مَريَم ٥٢). ويتصل أيضًا بالجسد والجهة من خلال الجنوب والجانب، وتظهر الجنوب في هيئة ذكر مع القيام والقعود في ﴿وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾ (سورة آل عِمران ١٩١). وتبقى دلالة الجنب في هذا الموضع متعلقة بما يصرح به السياق من وضع الجسد والجهة، ولا يجاوز ذلك.
مَنهَج تَحليل جَذر جنب
أعيد ضبط الصيغ بفصل 21 صيغة معيارية عن 27 صورة رسم، وحذف ضد وصل لأنه لم يثبت إحالة عكسية نصية. واعتمدت المواضع المكررة داخل الآية عند وجود كلمتين حقيقيتين.
الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر قرب)
جنب يجمع معنى الناحية والإبعاد عن مركز المباشرة. أقرب مقابله في القرءان هو قرب، لا بوصفه ضدًا مطلقًا لكل استعمالات الجذر، بل لأن بعض المواضع تبني فرقًا بين الجار ذي القربى والجار الجنب، وبين القرب إلى موضع النداء والوقوف عند جانب الطور، وبين منع قربان الصلاة في حال الجنب حتى الاغتسال. فالقرب يحدد جهة الدنو والمباشرة، والجنب يحدد جهة الناحية أو البعد عن تلك المباشرة. أما اجتناب الرجس والطاغوت فهو فعل إبعاد أخلاقي، ولا يصنع وحده ضدًا جديدًا؛ وكذلك الجنوب الجسدية في الذكر والسجدة مواضع هيئة لا تقابلها علاقة ضدية.
- القرب هو دنو ومباشرة، والجنب ناحية أو إبعاد عن المباشرة.
- ليست كل مواضع جنب ضدًا لقرب، لكن الشواهد الثلاثة تجعل العلاقة القرءانية معتبرة.
نَتيجَة تَحليل جَذر جنب
النتيجة: جنب ورد 33 مرة في 31 آية، ومعناه المحكم الجانبية والمجانبة: موضعًا وهيئة وحالًا وسلوكًا.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر جنب
سورة النِّسَاء ٣٦: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا﴾
سورة النِّسَاء ٤٣: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾
سورة المَائدة ٦: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾
سورة التوبَة ٣٥: ﴿يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ﴾
سورة مَريَم ٥٢: ﴿وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا﴾
سورة الحج ٣٦: ﴿وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾
سورة القَصَص ١١: ﴿وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ﴾
سورة السَّجدة ١٦: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾
سورة الزُّمَر ١٧: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ﴾
سورة الزُّمَر ٥٦: ﴿أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ﴾
سورة فُصِّلَت ٥١: ﴿وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ﴾
سورة اللَّيل ١٧: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى﴾
الملاحَظات اللَطيفَة عَن جَذر جنب
١. صيغ الاجتناب — الفرع السلوكيّ: تجمع صيغ الاجتناب والتجنّب والإجناب اثني عشر موضعًا. ومن صورها: تجتنبوا، اجتنبوا، يجتنبون، فاجتنبوه، فاجتنبوا، واجتنبوا، ويتجنبها، وسيجنبها، واجنبني. ويبرز فيها اجتناب المنهيّ عنه، لكنّها لا تنحصر في المجانبة الإراديّة؛ فمنها طلب الإبعاد، ومنها التجنيب المبنيّ للمفعول، ومنها تجنّب الذكرى.
٢. جانب الطور — ناحية النداء والمواعدة: يتكرّر ذكر جانب الطور في أربعة مواضع: سورة مَريَم ٥٢، وسورة طه ٨٠، وسورة القَصَص ٢٩، وسورة القَصَص ٤٦. ومن ذلك ﴿مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ﴾ (سورة مَريَم ٥٢). يحدّد الجذر الناحية في سياقات النداء والمواعدة، فيكتسب التحديد المكانيّ خصوصيّته من الحدث المذكور معه.
٣. الجنوب في مقامات البدن: ترد «جنوب» في خمسة مواضع. ففي الذكر حال القيام والقعود والاضطجاع يرد ﴿وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾ (سورة آل عِمران ١٩١)، و﴿وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ﴾ (سورة النِّسَاء ١٠٣). وفي السجدة يرد ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ﴾ (سورة السَّجدة ١٦). ويأتي اللفظ أيضًا في وجوب جنوب البدن في سياق النحر (سورة الحج ٣٦)، وفي كيّ الذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله (سورة التوبَة ٣٥). فالجنوب تُذكَر في أحوال العبادة والشعيرة والعذاب، ولا تختصّ بمقام واحد.
٤. التجنيب مقابل التجنّب: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى﴾ (سورة اللَّيل ١٧) يقابله في البناء ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى﴾ (سورة الأعلى ١١). الأوّل مبنيّ للمفعول، فيقع التجنيب على الأتقى، والثاني مسند إلى الأشقى نفسه. ويختلف المتعلّق أيضًا: التجنيب في الليل من النار، والتجنّب في الأعلى للذكرى. فالمقابلة تكشف اختلاف البناء والمتعلّق، ولا تجعل الضميرين عائدين على شيء واحد.
جنب وفلح
١. يرد جذر «جنب» في القرءان في ثلاثة وثلاثين موضعًا: واحد وعشرون موضعًا اسميًّا، واثنا عشر موضعًا فعليًّا. تشمل الأسماء جانبًا وجنبًا وجنوبًا وجُنُبًا، وتشمل الأفعال الاجتناب والتجنّب والإجناب والتجنيب. ولا يلتقي الجذر بجذر «فلح» إلّا في موضع واحد: ﴿فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ (سورة المَائدة ٩٠).
٢. في هذا الموضع يقترن الأمر بالاجتناب بالفلاح، ويرد الفلاح غايةً معلّقة بـ«لعلّ». ويوصف المأمور باجتنابه بأنه ﴿رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ﴾ (سورة المَائدة ٩٠). فالنصّ يأمر بالاجتناب ويربطه برجاء الفلاح؛ ولا يخبر بهذه الصيغة عن وقوع الاجتناب أو تحقّق الفلاح للمخاطبين.
٣. من متعلّقات الاجتناب المنهيّ عنها: ﴿فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ﴾ (سورة الحج ٣٠)، و﴿وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ (سورة النَّحل ٣٦). ويأتي الشرط في ﴿إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ﴾ (سورة النِّسَاء ٣١)، والأمر في ﴿ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾ (سورة الحُجُرَات ١٢). تصف هذه الشواهد اجتناب ما يُنهى عنه؛ أمّا تجنّب الأشقى للذكرى فلا يدخل في هذا الوصف المحمود.
٤. يرد الفلاح كذلك مع التزكّي: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ (سورة الأعلى ١٤)، ومع الإيمان: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ (سورة المؤمنُون ١). ويُنْفى عن الظالمين: ﴿إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ (سورة الأنعَام ٢١). توسّع هذه الشواهد النظر في الفلاح، لكنّ نفيه عن الظالمين لا يساوي نصًّا نفيه عن كلّ من لم يُذكر له اجتناب.
٥. تضيف المقارنة بين الأتقى والأشقى فرقًا إلى صلة الاجتناب بالفلاح. ففي سورة المَائدة ٩٠ أمر باجتناب الرجس مع رجاء الفلاح، وفي سورة اللَّيل ١٧ خبر عن تجنيب الأتقى النار، وفي سورة الأعلى ١١ خبر عن تجنّب الأشقى الذكرى. تتجاور هنا المجانبة المحمودة والإبعاد عن العذاب والمجانبة المذمومة. ولا تُستخرج من هذا التجاور قاعدة جازمة بأنّ كلّ من لم يجتنب المحارم لزمته النار.
جنب وطهر
١. يلتقي الجذران في آية واحدة، هي سورة المَائدة ٦. يرد فيها ﴿وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ﴾، ويرد أيضًا ﴿وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ﴾. تُذكَر الجنابة حالةً يُؤمر أصحابها بالتطهّر، ويأتي ذكر إرادة التطهير في سياق أحكام الآية. فهذا اقتران لفظيّ بين الجذرين لا يتكرّر في غيرها.
٢. يرد «جُنُب» في الحال المتّصلة بالتطهّر والاغتسال في موضعين: سورة المَائدة ٦، وسورة النِّسَاء ٤٣. وفي الثاني ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ﴾. يقترن وصف الحال في الموضعين بما يُطلب للخروج منها: التطهّر في أحدهما، والاغتسال في الآخر.
٣. تمتدّ سائر استعمالات الجذر إلى الناحية والصحبة والبدن والإبعاد. فمنها ﴿وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ﴾ (سورة النِّسَاء ٣٦)، ومنها جنوب الذاكرين في سورة آل عِمران ١٩١، ومنها الأمر بالاجتناب في سورة المَائدة ٩٠. فالحال التي تستدعي التطهّر فرع محدود بموضعين ضمن استعمالات الجذر الأوسع.
٤. يمتدّ «طهر» إلى مجالات أخرى. ففي حال بدنيّة يرد ﴿حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٢٢). وفي الصدقة المأخوذة من الأموال يرد ﴿تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (سورة التوبَة ١٠٣)، فالتطهير مسند إلى أصحاب الأموال، لا إلى المال وحده. وفي أهل البيت يرد ﴿وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾ (سورة الأحزَاب ٣٣). ويأتي الوصف في ﴿صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ﴾ (سورة البَينَة ٢)، وفي ﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ﴾ (سورة الوَاقِعة ٧٩). يثبت الشاهد الأخير وصف المطهّرين، ولا يعيّن هذا المقطع وحده هويّتهم.
٥. ويُذكر الماء بوصفه طهورًا: ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا﴾ (سورة الفُرقَان ٤٨)، وبوصفه وسيلة للتطهير: ﴿مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ﴾ (سورة الأنفَال ١١). ويتعلّق الأمر بالتطهير بالثياب أيضًا: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ﴾ (سورة المُدثر ٤). أمّا «جُنُب» في موضعيه فهو وصف لأشخاص في حال تستدعي التطهّر، ولا يصف ماءً أو أداة.
٦. الفرق في موضع الالتقاء أنّ «جُنُب» يصف الحال، وأنّ الأمر بالتطهّر يبيّن المطلوب من أصحابها. وتربط سورة النِّسَاء ٤٣ تلك الحال بالنهي عن قرب الصلاة، مع الاستثناء المذكور وغاية الاغتسال. يلتقي الجذران لفظًا في سورة المَائدة ٦ وحدها، ويختلف مداهما خارجها. ولا يصحّ تعميم لزوم الوصف على جذر «جنب» كلّه، أو تعميم التعدّي على جميع صيغ «طهر».
جنب ووقي
١. تبرز الوقاية من العذاب مجالًا للمقارنة بين الجذرين، دون أن تستوعب جميع استعمالاتهما. ففي الاجتناب يُسنَد الابتعاد إلى المجتنِب، وفي صيغ الحماية من «وقي» يُذكر مَن يُصرف عنه الأذى وما يُصرف عنه. وقد تتعلّق الوقاية بالعذاب أو بالمكر أو بالحرّ والبأس، فلا تنحصر في العذاب الأخرويّ.
٢. في شواهد الأمر بالاجتناب المتقدّمة يُخاطَب الإنسان باجتناب الطاغوت والرجس وكثير من الظنّ. ويأتي وصف المجتنِبين في ﴿ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ﴾ (سورة النَّجم ٣٢)، ويَرِد المعنى أيضًا في سورة الشُّورى ٣٧. الفاعل هنا مَن يجتنب، والمتعلّق ما يجتنبه. وهذا وصف لهذه الشواهد، لا حكم بأنّ كلّ تجنّب محمود؛ فتجنّب الذكرى في سورة الأعلى ١١ يمنع ذلك التعميم.
٣. في شواهد الحماية يرد ﴿وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾ (سورة الدُّخان ٥٦؛ سورة الطُّور ١٨)، و﴿فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ﴾ (سورة غَافِر ٤٥)، و﴿فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ﴾ (سورة الإنسَان ١١). وفي الدعاء يرد ﴿وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾ (سورة غَافِر ٧)، و﴿وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٠١؛ سورة آل عِمران ١٦). الإنسان هنا مَن يُطلَب أو يُخبَر بصرف الأذى عنه. وتختلف صيغة الدعاء عن الخبر؛ فطلب الوقاية ليس إخبارًا بتحقّقها.
٤. وقد تُسنَد الوقاية إلى لباس: ﴿سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ﴾ (سورة النَّحل ٨١). تذكر العبارة المخاطبين الذين تقع لهم الوقاية، والحرّ والبأس اللذين تقيهم منهما السرابيل. أمّا شواهد الاجتناب فتصف فعل المجتنِب تجاه متعلّقه، ولا تستلزم انتقالًا مكانيًّا للجسد.
٥. يجتمع الجذران في أربع آيات: سورة آل عِمران ١٩١، وسورة الحُجُرَات ١٢، وسورة النَّجم ٣٢، وسورة اللَّيل ١٧. في الحجرات يقترن الأمر باجتناب كثير من الظنّ بالأمر بتقوى الله؛ ولا يثبت العطف بالواو ترتيبًا زمنيًّا بينهما. وفي النجم يأتي وصف اجتناب كبائر الإثم مع بيان علم الله بمن اتّقى. وفي آل عمران يُذكر الذكر على الجنوب، ويَرِد الدعاء بالوقاية من عذاب النار في الآية نفسها. فاجتماعهما هنا يضمّ حال الذاكرين إلى دعائهم، ولا يجعل «جنوب» فعل اجتناب.
٦. في سورة اللَّيل ١٧ يجتمع التجنيب مع وصف الأتقى. فعل التجنيب مبنيّ للمفعول، والأتقى نائب فاعل؛ فلا تسمّي هذه الصيغة وحدها مَن يُجَنِّب. ويُخبر السياق بتجنيب النار مَن وُصف بالتقوى، فيلتقي الجذران في وصف النجاة وصاحبها. وهذا الالتقاء أوضح صلةً بالوقاية من اجتماع لفظ الجنوب مع الدعاء في سورة آل عِمران ١٩١، مع بقاء المواضع الأربعة جميعًا ضمن الالتقاء اللفظيّ.
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر جنب في القرءان
صيغ الاجتناب — الفرع السلوكي الأقوى: تجمع صيغ الاجتناب والتجنب والإجناب ما يقارب 12 موضعًا (تجتنبوا، اجتنبوا، يجتنبون، فاجتنبوه، فاجتنبوا، واجتنبوا، ويتجنبها، وسيجنبها، واجنبني، وغيرها)، مما يجعل المجانبة الإرادية الفرع الكمّي الأكبر في هذا الجذر، وهو فرع وقائي بامتياز.
جانب الطور — ناحية الوحي: يتكرر «جانب الطور» في أربعة مواضع (سورة مَريَم ٥٢، سورة طه ٨٠، سورة القَصَص ٢٩، سورة القَصَص ٤٦)، فيجعل الجذر أداةً لتحديد الناحية التي ينبثق منها النداء الإلهي، لا مجرد لفظ مكاني عام.
الجنوب في ثلاثة مقامات متباينة: يرد جُنُوب في سياقات ثلاثة متمايزة: ذكر الله في حال القيام والقعود والاضطجاع (سورة آل عِمران ١٩١ وسورة النِّسَاء ١٠٣)، ووجوب الهدي بعد الذبح (سورة الحج ٣٦)، وكيّ المانعين للزكاة يوم القيامة (سورة التوبَة ٣٥) — ثلاثة مقامات في جهة واحدة: الجسد موضع الحال عبادةً وشعيرةً وعذابًا.
التجنيب الإلهي مقابل التجنّب الإرادي: سورة اللَّيل ١٧ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى﴾ يقابله سورة الأعلى ١١ ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى﴾ — المبنى الصرفي متطابق في سياق مقابل: الأتقى يُجنَّب بفعل إلهي، والأشقى يتجنّب بإرادته. حركة واحدة بفاعلَين، ونتيجتان في اتجاهَين.
مدار الجذرين الجامع هو الوقاية من العذاب، لكنّ الموضع البنيويّ لكلٍّ منهما مختلف: «جنب» في صيغ الاجتناب يصف فِعلَ العبد المتعدّي إلى ما يُبتعَد عنه، و«وقي» في صيغ الحماية يصف فِعلَ الحاجز أو الحافظ الذي يَصرف الأذى عن العبد. الاجتناب مبادرةٌ من الإنسان نحو موضوعٍ مرفوض، والوقاية صرفٌ للأذى الواقع.
صيغ الاجتناب يكون فاعلُها العبدَ، ومفعولُها هو الشرّ المُبتعَد عنه: ﴿وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ﴾ (سورة النَّحل ٣٦)، ﴿فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ (سورة المَائدة ٩٠)، ﴿فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ﴾ (سورة الحج ٣٠)، ﴿ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾ (سورة الحُجُرَات ١٢)، ﴿ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ﴾ (سورة النَّجم ٣٢ وسورة الشُّورى ٣٧). الموضوع دائمًا شرٌّ مُحدَّد يَنأى عنه العبد بإرادته.
صيغ الحماية في «وقي» يكون فاعلُها اللهَ غالبًا، ومفعولها الأوّل العبدَ، ومفعولها الثاني العذابَ المصروف: ﴿وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾ (سورة الدُّخان ٥٦ وسورة الطُّور ١٨)، ﴿فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ (سورة غَافِر ٤٥)، ﴿فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ﴾ (سورة الإنسَان ١١)، وفي الدعاء ﴿وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾ (سورة غَافِر ٧)، ﴿وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٠١ وآل عمران ١٦). فالعبد هنا مفعولٌ يُصرَف عنه الأذى لا فاعلٌ يَنأى.
حين يكون الواقي حاجزًا ماديًّا يبقى المفعول الأذى لا الإنسان الفاعل: ﴿سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡ﴾ (سورة النَّحل ٨١). والاجتناب لا يأتي بحاجزٍ خارجيّ، بل بانتقال العبد نفسه عن الموضوع.
الجذران يجتمعان في أربع آيات، وفيها يَظهر تكاملهما لا تطابقهما: في ﴿ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ … وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ (سورة الحُجُرَات ١٢) يتقدّم اجتنابُ العبد ثُمّ تأتي تقواه. وفي ﴿ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ … هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ (سورة النَّجم ٣٢) يُختَم وصف المجتنِبين بمن اتّقى. وفي ﴿وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ … فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (سورة آل عِمران ١٩١) يُذكَر الجَنب موضعًا للذِّكر ثُمّ يُطلَب صرفُ عذاب النار.
وأوضح موضع لالتقائهما قوله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى﴾ (سورة اللَّيل ١٧): الفعل من «جنب» مبنيّ للمجهول والفاعلُ المضمَر هو اللهُ، والمفعولُ الناجي هو «الأتقى» المشتقُّ من «وقي». فاجتمع في موضعٍ واحدٍ تجنيبُ النار بفعلٍ إلهيّ ووصفُ الناجي بالتقوى، فصار التجنيبُ والتقوى وجهين لوقايةٍ واحدةٍ من العذاب.
أَبواب الفِعل لِجَذر جنب
جذر «جنب» يدور حول الجانب: العُضوُ الجانبيّ من البدن، والناحيةُ الجانبيّة من المكان، والحالُ الجانبيّ من الطهارة (الجَنابة). من هذا الأصل الحسّيّ تتفرّع الأبواب المزيدة: التفعيل (جَنَّبَ) فعلُ الإبعاد المتعدّي بفاعل خارجيّ، والتفعُّل (تَجَنَّبَ) المطاوع المتكلِّف بفاعل ذاتيّ، والافتعال (ٱجۡتَنَبَ) الابتعاد المُحكم القاطع. والتقابل الأخصّ يتجلّى في سورتَي اللَّيل والأعلى: «وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى» (تجنيب من الله) و«وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى» (تجنُّب من النفس) — البابان يلتقيان في الإبعاد ويفترقان في الفاعل.
- ﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾ — سورة آل عِمران ١٩١
- ﴿وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا﴾ — سورة مَريَم ٥٢
- ﴿وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْ﴾ — سورة المَائدة ٦
- ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ﴾ — سورة الزُّمَر ٥٦
- ﴿وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ — سورة إبراهِيم ٣٥
- ﴿فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡ﴾ — سورة التوبَة ٣٥
- ﴿وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ﴾ — سورة النَّحل ٣٦
- ﴿إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ﴾ — سورة النِّسَاء ٣١
- ﴿رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ﴾ — سورة المَائدة ٩٠
- ﴿وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ﴾ — سورة الشُّورى ٣٧
- ﴿ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞ﴾ — سورة الحُجُرَات ١٢
- ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى﴾ — سورة اللَّيل ١٧
- ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى﴾ — سورة الأعلى ١١
لَطائف بِنيويّة
- تقابل الليل والأعلى: فاعلان ومفعولان متضادّان: موضعا التفعيل والتفعُّل الوحيدان في القرءان يتقابلان تقابلًا تامًّا: «وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى» (سورة اللَّيل ١٧) ↔ «وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى» (سورة الأعلى ١١). التفعيلُ فاعلُه الله والمفعولُ الناجي هو الأتقى من النار، والتفعُّلُ فاعلُه النفسُ الشقيّة والمفعولُ المتروك هو الذكرى. تقابلٌ في الباب الصرفيّ، وفي الفاعل، وفي المفعول، وفي وصف الفاعل.
- ثلاثيّة الجانب: عُضوٌ وناحيةٌ وحالٌ: الباب المجرّد يحمل ثلاث دلالات حسّيّة منسجمة مع الأصل: العضوُ الجانبيّ من البدن (جَنۢب، جُنُوب)، والناحيةُ الجانبيّة من المكان (جَانِب)، والحالُ الطهاريّ الموجب للغُسل (جُنُب). الجامع بينها: ما يقعُ على جنبٍ أو في جنب — حسّيًّا أو حُكميًّا.
- «مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ» — تخصيص النداء الموسويّ: ثلاث مواضع في القرءان تربط «جَانِب» بالطُّور: سورة مَريَم ٥٢ «جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ»، سورة طه ٨٠ «جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ»، سورة القَصَص ٢٩ «مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗا». والرابعُ سورة القَصَص ٤٤ «بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ». الناحيةُ المكانيّةُ هنا تُخصِّصُ موقعَ الوحي والمناجاة — جانبٌ بعينه، لا جانبٌ مطلق.
- «جَنۢبِ ٱللَّهِ» — موضع منفرد في الزُّمَر: في سورة الزُّمَر ٥٦ يأتي «جَنۢبِ» مُضافًا إلى لفظ الجلالة في موضع وحيد في القرءان كلّه: «يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ». الاستعمال انفراديٌّ بنيويًّا، ويحتمل دلالة «الناحية» المضافة إلى الله بمعنى ما يلي أمرَه أو ذكرَه. لا يتكرّر هذا الاستعمال في القرءان.
- «وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ» — صيغة متطابقة في الإسراء وفصّلت: تتكرّر صيغة «أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ» في موضعين فقط: سورة الإسرَاء ٨٣ وسورة فُصِّلَت ٥١، كلاهما في وصف الإنسان عند الإنعام. الفعل «نَأَىٰ» مع «بِجَانِبِهِۦ» يُصوِّر إعراضًا بدنيًّا بالجانب (التولّي والانحراف) قبل أن يكون إعراضًا قلبيًّا — التقابل البنيويّ بين الموضعين تقابلٌ في الذيل فقط (يَـُٔوسٗا / فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ).
- الافتعال متعلَّقُه دائمًا شرٌّ معنويّ كبير: ثلاثة مواضع الافتعال في الجدول، ومعها مواضع الأسماء والمصادر (فَٱجۡتَنِبُواْ، وَٱجۡتَنِبُواْ، وَٱجۡنُبۡنِي)، متعلَّقُها دائمًا شرٌّ معنويّ كبير: الطاغوت، كبائر الإثم والفواحش، الرجس من الأوثان، قول الزور، عبادة الأصنام. لا يأتي الاجتناب القرءانيّ مع شيءٍ ماديٍّ صغير — هو دائمًا قطعٌ عن أصول الشرّ.
- تدرّج الإبعاد: مجرَّد → افتعال → تفعيل/تفعُّل: الجذر يتدرّج بنيويًّا من الإثبات إلى الإبعاد: الباب المجرّد يُثبت الجانبَ (عضوًا أو ناحيةً أو حالًا)، والافتعال يُحكم الابتعادَ عنه إراديًّا (اجتناب الكبائر)، والتفعيل/التفعُّل يُجسِّدان الإبعادَ النهائيّ في مشهد الجزاء (الليل والأعلى). الجذر إذن خريطةٌ من الجانب الحسّيّ إلى الموقف الجزائيّ.
أَدعِيَة قُرءانيّة من جَذر جنب
- آل عِمران — الآية 191–194﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ﴾ ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾
- إبراهِيم — الآية 35–41﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ﴾ ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ﴾
مُقارَنات هذا الجَذر
فُروق المُتَطابِقات لِجَذر جنب
- النُشوز ⟂ الجَنابة جَذر «نشز»النُشوز تباعدٌ نفسيٌّ بين الزوجين: ترفُّعٌ ونفورٌ وتمرُّدٌ يفسد العِشرة ويُعالَج بالموعظة والإصلاح. أمّا الجَنابة فحالةٌ بدنيّةٌ ناشئةٌ عن القُرب الزوجيّ، تمنع الصلاة حتى الاغتسال. فالأوّل بُعدٌ في القلوب يطرده الإصلاح، والثاني أثرٌ في البدن بعد التقارب يرفعه الاغتسال.
الجُموع — صِيَغ جَمع جَذر جنب
- 33 موضعًاالجَذر «جنب» لا يُفرِز جَمعًا في القرءان الكريم.