موضوع «الليل والنهار» في القرءان الكريم — 88 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
يقع الليل والنهار في خريطة الكون بوصفهما تعاقبًا مشهودًا داخل الخلق، لا مجرّد ظرفين تمرّ فيهما الوقائع. فالخطاب يجمع اختلافهما إلى خلق السماوات والأرض ليجعله موضع نظرٍ وعقل: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾سورة آل عِمران١٩٠. وتوسّع الآيات هذا الموضع حين تصل الاختلاف بما خُلق في السماوات والأرض سورة يُونس٦، أو بما ينزل من السماء وتدبّ به الأرض وتصريف الرياح سورة البَقَرَة١٦٤ وسورة الجاثِية٥.
وسؤال الموضوع، كما تصوغه مواده، هو: كيف يكون انتقال الليل والنهار نفسه دالًّا على تدبيرٍ حاضر، وعلى نظامٍ يضم السكون والإبصار والمعاش والحساب؟ لذلك لا تقف الآيات عند تسمية الطرفين، بل تعرض الإيلاج والتقليب والتكوير والانسلاخ، ثم تردّ وجوهه إلى النظر والعقل والذكر والشكر، وتصلها في سورة فُصِّلَت٣٧ بنهي السجود للشمس والقمر والأمر بالسجود لله.
الليل غطاءٌ والنهار ضوءٌ ممتدّ
يعرض جذر الليل جهة الغطاء المظلم: فيه السكون، واللباس، والقيام، وما يستتر فيه من حركة وسرى؛ فلا يساوي في زاويته الزمن المطلق. وتظهر هذه الجهة في قوله: ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا﴾سورة النَّبَإ١٠، وفي قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا﴾سورة الفُرقَان٤٧. فاللباس والسكن يرسمان وظيفة الغطاء، ثم تفتح الآيات ذات الصلة جهة القيام والقول في الليل سورة المُزمل٦.
أما جذر نهر فتظهر منه هنا جهة النهار: الضوء الممتد المقابل لليل. ولا تُنقل إليه جهة الأنهار أو الانتهار، وإن اجتمعت الألفاظ في الجذر؛ فكل موضع يعيّن مدخله. فالنهار في هذا الموضوع مبصر ومعاش، كما في ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا﴾سورة النَّبَإ١١، وفي سورة يُونس٦٧ وسورة النَّمل٨٦ وسورة غَافِر٦١. وحين ترد الأنهار في سورة الرَّعد٣، تبقى في شبكة الأرض والثمرات، ولا تحلّ محل النهار في بناء التعاقب.
من حركة الغشي إلى سكن العيش والحساب
الإيلاج والتقليب: يتكرر التصوير لا ليعيد عبارة واحدة، بل ليكشف وجوه التحول بين الطرفين. ﴿تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ﴾سورة آل عِمران٢٧ يجاور إخراج الحي من الميت، فيضع التعاقب في سياق قدرة تتجاوز المشهد المباشر. ثم يرد الإيلاج مع الشمس والقمر وأجل جريهما في سورة لُقمَان٢٩ وسورة فَاطِر١٣، وفي سورة الحج٦١ مقرونًا بكون الله سميعًا بصيرًا، ومع علم ذات الصدور في سورة الحدِيد٦، ويصوّره التقليب عبرةً لأولي الأبصار في سورة النور٤٤. أما ﴿وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ﴾سورة يسٓ٣٧ فيجعل ظهور الظلمة نتيجة مشهودة لانسلاخ النهار، ويمنع تصور الطرفين كحالتين ساكنتين.
الغشي والسباق والجريان: في سورة الأعرَاف٥٤ وسورة الرَّعد٣ يأتي الليل مغشيًا النهار، وفي سورة يسٓ٤٠ حدٌّ فاصل: ﴿لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ﴾سورة يسٓ٤٠. ويأتي التكوير في سورة الزُّمَر٥، والإغشاش وإخراج الضحى في سورة النَّازعَات٢٩. بذلك يتصل تعاقب الليل والنهار بالشمس والقمر والنجوم في سورة الأعرَاف٥٤ وسورة إبراهِيم٣٣ وسورة النَّحل١٢ وسورة الأنبيَاء٣٣، لكنّه لا يذوب فيها: فموضوعه هو العلاقة المتجددة بين الغطاء والظهور، لا ذكر الأجرام منفردة.
السكن والإبصار: يقرر سورة الأنعَام٩٦ أن الليل سكن وأن الشمس والقمر حسبان، ثم يصرّح الموضعان المتقابلان بأن الليل للسكون والنهار مبصر سورة يُونس٦٧ وسورة النَّمل٨٦. ولا يقف البيان عند منفعة كل طرف، بل يبيّن أن اجتماعهما رحمة تتيح السكن وابتغاء الفضل والشكر سورة القَصَص٧٣، وأن المنام والابتغاء يقعان بالليل والنهار سورة الرُّوم٢٣. وتكشف صيغة الامتحان الذهني هشاشة الاستمرار المنفرد: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ﴾سورة القَصَص٧١، ويقابله النهار السرمد في سورة القَصَص٧٢.
الآيتان والخلفة: يصف سورة الإسرَاء١٢ الليل والنهار بأنهما آيتان، ويجعل آية النهار مبصرة لابتغاء الفضل ومعرفة عدد السنين والحساب. ثم يوجز سورة الفُرقَان٦٢ الغاية الجامعة: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا﴾سورة الفُرقَان٦٢. فالتعاقب ليس انفصالًا بين وظيفتين، بل خلفة تتيح الرجوع إلى الذكر والشكر، وتلتئم مع اختلاف الليل والنهار الذي يجاور الإحياء والإماتة في سورة المؤمنُون٨٠.
حدود الموضوع بين الآية الكونيّة والأجرام ومشهد الأرض
يتصل الموضوع بموضوع الكون اتصال الجزء بالشبكة: فـسورة البَقَرَة١٦٤ يجمع اختلاف الليل والنهار إلى الفلك والماء والدواب والرياح والسحاب. لكن زاوية الليل والنهار تضيق إلى التعاقب نفسه ووظائفه؛ أما الكون فيتسع لمشاهد لا تقوم على هذا الزوج، ومنها ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ﴾سورة الأنعَام٧٥.
ويتصل بالشمس اتصال انتظام لا استبدال. فالشمس عنصر في حسبان سورة الأنعَام٩٦، وفي تسخير سورة النَّحل١٢، بينما يختص موضوع الشمس بمشهد البزوغ والأفول في ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ﴾سورة الأنعَام٧٨. كما أن حركة الأرض والجبال تتناولان الأرض والرواسي والماء، مثل سورة النَّحل١٥، لا انتقال الغطاء والضياء الذي يحكم هذا الموضوع.
خمسون آية ترسم شبكةً موزّعة
الآيات الموثقة خمسون: منها أربع وثلاثون محورية وست عشرة ذات صلة. هذا التوزيع يرسم قلبًا واسعًا للتعاقب الكوني، وحوافّ تكشف امتداده إلى الصيام والسكون والقيام والسبح. فالليل في سورة البَقَرَة١٨٧ حدٌّ ينتهي إليه الصيام، وفي سورة الأنعَام٦٠ يقابل ما يجترح بالنهار، وفي سورة المُزمل٢٠ يدخل في التقدير والقيام؛ وهي خيوط مساندة لا تنقل مركز الموضوع من الآية الكونية إلى هذه المواضع.
ويتكرر الحضور الأبرز في الأنعام ويونس والقصص والمزمل بثلاث آيات لكلٍّ منها، ثم البقرة بآيتين. وتكشف هذه الكثافة أن المادة لا تحبس الليل والنهار في صيغة واحدة: الأنعام تجمع السكن والحسبان وما سكن، ويونس تجمع الاختلاف والسكون ومشهد الظلمة، والقصص يبني مقابلة السرمد والرحمة، والمزمل يفتح جهة الليل والنهار في العمل والقيام. هكذا تمنع الخريطة اختزال الموضوع في مقابلة ضوء وظلمة وحدها.
خيوط من السكون إلى الذكر
يفتح الموضوع خيطًا مع الآيات الكونية الجامعة عبر العقل والنظر، ومع الشمس والقمر عبر الجريان والحسبان، ومع جذر الليل عبر اللباس والقيام. وتشد الآيات ذات الصلة هذا الخيط إلى القول والعمل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا﴾سورة المُزمل٦، ثم ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا﴾سورة المُزمل٧. فتظل الخلفة التي في سورة الفُرقَان٦٢ جسرًا بين المشهد الكوني وما يوقظه في الإنسان من ذكر وشكر.