موضوع «الجبال» في القرءان الكريم — 37 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
تضع الآيات الجبال في نقطة توتر ظاهرة: فهي أوتاد، ومرساة، ومنصوبة للنظر؛ ثم تقع عليها أفعال النسف والتسيير والدك. فالسؤال الذي تبنيه المادة ليس عن ضخامة الجبل وحدها، بل عن حقيقة رسوخه: أهو قوة قائمة بذاتها، أم مخلوق تظهر عظمته نفسها دليلاً على نفاذ الأمر فيه؟ يجيء الوصف ﴿وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا﴾سورة النَّبَإ٧، ثم يأتي الجواب المقابل ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا﴾سورة طه١٠٥. وبين الطرفين تتسع صورة الموضوع: موضع منفعة وسكن، ومشهد تسبيح وخشوع، وعلامة حسية تتبدل حالها كلها.
كتلة عظيمة لا تستقلّ
تجمع خلاصة الجذر «جبل» بين الرسوخ والعلو وبين الخضوع؛ فلا تقف عند هيئة حجرية ساكنة. وتؤيدها الآيات حين تعرض الجبل في صور متباعدة تجمعها قابلية التصرّف فيه: يسبّح، ويؤوب، ويُسخّر، ويُدك، ويُنسف، ويُسيّر. كما توسّع الجِبِلّة الدلالة إلى كتلة بشرية مخلوقة كثيرة، فلا يبقى الجامع مجرد المادة، بل الكتلة العظيمة التي تبدو ثابتة ثم يظهر أنها داخلة في الخلق والأمر. ومن ثمّ لا يجعل الموضوع من الجبل معياراً لاستقلال أو منعة، بل معياراً تتجلى به حدود المخلوق.
من المنصوب إلى المنسوف
تبدأ الصورة من الهيئة التي يلحظها الإنسان. فالجبال أوتاد ﴿وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا﴾سورة النَّبَإ٧، وهي مما أرساه الله: ﴿وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا﴾سورة النَّازعَات٣٢، وهي موضع سؤال للنظر في كيفية نصبها: ﴿وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ﴾سورة الغَاشِية١٩. ولا تختزل هذه الهيئة في لون واحد أو كتلة مصمتة؛ فالآية تعرض ﴿وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ﴾سورة فَاطِر٢٧. فالرسوخ المنظور لا يلغي التنوع، والنظر إلى الجبل يفتح على صنع متقن لا على مادة صامتة.
وتدخل الجبال في حياة الناس من باب السكن والانتفاع، مع بقاء المنفعة مقيدة بما جعله الله. فالناس ﴿وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ﴾سورة الأعرَاف٧٤، ووصف آخر يقرر أنهم ﴿يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ﴾سورة الحِجر٨٢، ثم يصف فعل النحت نفسه بـ﴿وَتَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا فَٰرِهِينَ﴾سورة الشعراء١٤٩. لكن هذا الحضور البشري لا ينقل الملك إلى الإنسان؛ إذ إن الجبال نفسها من الجعل: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا﴾سورة النَّحل٨١. فالبناء داخل الجبل يكشف قدرة الإنسان على الانتفاع، ولا يبدل موقع الجبل بوصفه آية من الخلق.
ثم تنقل الآيات الجبل من مشهد السكون إلى مشهد العبودية. فهو في جملة ما يسجد: ﴿وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ﴾سورة الحج١٨. ويسخّر مع داود: ﴿وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَ﴾سورة الأنبيَاء٧٩، ويأتيه النداء ﴿يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَ﴾سورة سَبإ١٠، وتفصّل آية أخرى هذا التسخير: ﴿إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ﴾سورة صٓ١٨. ويبلغ نفي الاستقلال ذروته حين ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا﴾سورة الأعرَاف١٤٣، وحين ﴿وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ﴾سورة الأعرَاف١٧١؛ فما يبدو أثبت الأشياء لا يمتنع عن الأمر.
وتستوعب الآيات المحورية سلسلة التحول فلا تتركها في شاهد منفرد. تبدأ بإظهار الأرض عند تسيير الجبال: ﴿وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ﴾سورة الكَهف٤٧، وتتدرج في ألفاظ الهدم: ﴿وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا﴾سورة مَريَم٩٠، ﴿وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا﴾سورة الطُّور١٠، ﴿وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسّٗا﴾سورة الوَاقِعة٥، ﴿وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾سورة الحَاقة١٤، و﴿وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ نُسِفَتۡ﴾سورة المُرسَلات١٠. ثم تعرض تبدل الصورة: ﴿وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ﴾سورة المَعَارج٩، ﴿وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا﴾سورة المُزمل١٤، ﴿وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٱلۡمَنفُوشِ﴾سورة القَارعَة٥، حتى تكون سراباً: ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا﴾سورة النَّبَإ٢٠. وتضم السلسلة أيضاً المشهد الذي يحسبها الناظر جامدة وهي تمر: ﴿وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ﴾سورة النَّمل٨٨، والإيجاز الحاسم ﴿وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ سُيِّرَتۡ﴾سورة التَّكوير٣. هكذا يفسر تكرار النسف والتسيير والدك بعضه بعضاً: الرسوخ وصف للحال المرئية، لا حدّ لقدرة الخالق.
حدود الجوار في خريطة الكون
يمتاز موضوع الجبال عن «الكون» بأن ذلك الموضوع يجمع مشاهد متفرقة في أفق الخلق، مثل ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾سورة البَقَرَة١٦٤، أما الجبال فتتبع الكتلة نفسها في أوصافها وأفعال التحول الواقعة عليها. ويجاور «حركة الأرض» الجبال عند الراسيات: ﴿وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ﴾سورة النَّحل١٥، غير أن زاوية موضوعنا لا تقف عند حال الأرض، بل تجعل الجبل نفسه مرئياً وهو يمر ويُنسف.
وكذلك لا يستبدل موضوع «الليل والنهار» بالجبال، لأن شاهده يدور على الإيلاج: ﴿تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ﴾سورة آل عِمران٢٧، ولا يستبدل موضوع «الشمس» بها، إذ ترد الشمس والقمر في الحساب: ﴿وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ﴾سورة الأنعَام٩٦. الجبل هنا ليس جزءاً من قائمة كونية فحسب؛ إنه موضع يجمع السكن والتسبيح والانهدام، وهي حدود لا تؤديها هذه المجاورات.
اتساع المشهد وتكثيفه
توثّق المادة 37 آية للموضوع، منها 26 محورية و11 ذات صلة؛ وهذا يفسر اتساع صورة الجبال بين الوصف والمنفعة والتسخير والتحول. ويظهر التوزع أن أكثر السور حضوراً سورة الأعرَاف (3)، ثم سورة النَّحل (2)، وسورة النَّبَإ (2)، وسورة هُود (2)، وسورة الحِجر (1). وتلفت هذه الخريطة إلى أن التكرار ليس إعادة هيئة واحدة: فالأعرَاف يضع الجبل في النحت والدك والنتق، والنَّبَإ يجمع الأوتاد مع السراب؛ فيقابل موضع الرسوخ بموضع زوال الصورة.
خيوط الخشوع والأمانة والاحتماء
تتصل الجبال بخيط الخشوع حين يرد المثل: ﴿لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ﴾سورة الحَشر٢١، وبخيط الأمانة حين تدخل في العرض مع السماوات والأرض: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ﴾سورة الأحزَاب٧٢. كما يصحح خيط الاحتماء توهم المنعة المادية؛ فمقابل الالتجاء إلى جبل يأتي القول ﴿لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾سورة هُود٤٣. فتتساند الخيوط كلها على ردّ ظاهر القوة إلى خضوع المخلوق.