المَوضوعات ‹ الغيب واليوم الآخر ‹ اللذين يؤمنون بالغيب: الغيب والبرزخ ‹ الدنيا والآخرة ‹ الحياة - الموت - الخلود
النشور - البعث
50 آية موثَّقة · 42 آية محوريّة · 8 آياتٍ ذات صلة
موضوع «النشور - البعث» في القرءان الكريم — 50 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
لا يحدّ النصّ النشور بلفظٍ مفردٍ معزول، بل يرسم له حدًّا من أفعالٍ ومصائر: موتٌ، ثم بعثٌ أو نشرٌ، ثم رجوعٌ. ففي خبرٍ موجز يقع البعث من بعد الموت: ﴿ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ﴾ (سورة البَقَرَة٥٦)، وفي المشهد الآخر تُذكر إماتةٌ ثم بعثٌ بعد لبثٍ معلوم، ويُعرض فيه العظم وكيف يُكسى لحمًا: ﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥ﴾ (سورة البَقَرَة٢٥٩). فلا يكون البعث في هذه الحدود استمرارًا للحياة الدنيوية، بل طورًا يلي الموت. ويصرّح النصّ بأنّ المبعوثين يُرجعون: ﴿وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ﴾ (سورة الأنعَام٣٦)، وبأنّ المنتهى إليه: ﴿وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ﴾ (سورة المُلك١٥).
الموت والبرزخ والبعث
ويتكرر هذا البناء في صيغةٍ ثلاثيةٍ لافتة: ولادة ثم موت ثم بعث حيًّا، في موضعين متقابلين: ﴿وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا﴾ (سورة مَريَم١٥)، ﴿وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا﴾ (سورة مَريَم٣٣). ويقابل ذلك حدٌّ فاصل قبل يوم البعث: ﴿وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ (سورة المؤمنُون١٠٠). ومن ثمّ لا تذيب الحزمة الموت والنشور في حالةٍ واحدة؛ فهناك موت، وبرزخ إلى يوم، ثم بعث. وحتى ذكر اللبث يجعل اليوم غايةً زمنيةً: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ (سورة الصَّافَات١٤٤)، وترد صيغة طلب الإمهال إلى اليوم نفسه في الأعراف والحجر وص: ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ (سورة الأعرَاف١٤)، ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ (سورة الحِجر٣٦)، ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ (سورة صٓ٧٩).
والنصّ يضع بإزاء هذا الحدّ موقفَ نفيٍ متكرر، لا سؤالًا واحدًا عابرًا. فمنه حصر الحياة في الدنيا: ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ﴾ (سورة الأنعَام٢٩)، ومثله: ﴿نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ﴾ (سورة المؤمنُون٣٧). ويظهر النفي أيضاً في قولٍ يُتلقّى بالوصف الآتي: ﴿وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ﴾ (سورة هُود٧)، ثم ومنه النفي المقسم عليه: ﴿لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ (سورة النَّحل٣٨)، ويقابله في الآية نفسها: ﴿بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا﴾ (سورة النَّحل٣٨). وتعود بنية الاعتراض في ذكر التراب والعظام: ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا﴾ (سورة الإسرَاء٤٩)، وتكرر الآية اللاحقة العبارة نفسها في سياق الجزاء (سورة الإسرَاء٩٨)، كما تتكرر مع التراب والعظام في المؤمنون والصافات والواقعة: ﴿أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ﴾ (سورة المؤمنُون٨٢)، ﴿أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ﴾ (سورة الصَّافَات١٦)، ﴿أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ﴾ (سورة الوَاقِعة٤٧). ويجيء نفي النشور نفسه: ﴿وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ﴾ (سورة الدُّخان٣٥)، أو نفي رجائه: ﴿لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا﴾ (سورة الفُرقَان٤٠). فالتقابل النصيّ بين الموت والبعث لا يخفي اعتراض التفرّق، بل يعرضه بعباراته المتعددة، ومن صيغ النفي الجامعة: ﴿أَن لَّن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ أَحَدٗا﴾ (سورة الجِن٧).
إحياء الأرض شاهد النشور
وعند ذكر الريبة لا يقتصر الخطاب على خبر النهاية، بل يورد تدرجًا مشهودًا في الخلق ويمزجه بتحول الأرض: ﴿إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ﴾ (سورة الحج٥)، ثم: ﴿وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ﴾ (سورة الحج٥). ويتحول هذا المشهد إلى تسمية صريحة: ﴿فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ﴾ (سورة فَاطِر٩)، وإلى مقابلة بين إنشار البلدة وإخراج المخاطبين: ﴿فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ﴾ (سورة الزُّخرُف١١). فالاقتران الثابت هنا بين موت الأرض وحياتها، وبين النشور أو الإخراج، يجعل حركة الأرض شاهدًا داخل البنية نفسها، لا موضوعًا منفصلًا عنها.
القدرة والمشيئة ويوم الخروج
لكنّ النص لا يجعل هذا المثال وحده حدًّا للقدرة؛ ففيه حصرٌ يساوي بين خلق الجماعة وبعثها: ﴿مَّا خَلۡقُكُمۡ وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسٖ وَٰحِدَةٍ﴾ (سورة لُقمَان٢٨). وفيه سؤال ينفي أن تكون آلهة الأرض ناشرة: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ﴾ (سورة الأنبيَاء٢١)، ثم تمييزٌ بين ما لا يملك الموت ولا الحياة ولا النشور وبين المالك له: ﴿وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا﴾ (سورة الفُرقَان٣). وفي مقابل الجهل بميعاد البعث: ﴿وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ﴾ (سورة النَّحل٢١)، ﴿وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ﴾ (سورة النَّمل٦٥)، يرد تعيين الحدث لا تعيين موعده: ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ﴾ (سورة الحج٧). ويؤكد الإسناد إلى المشيئة: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ﴾ (سورة عَبَسَ٢٢).
ويأخذ البعث في مواضع أخرى اسم يوم القيامة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ﴾ (سورة المؤمنُون١٦)، واسم يوم البعث: ﴿فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ﴾ (سورة الرُّوم٥٦). وعند وقوعه يتبدل القول المنكر إلى نداء: ﴿يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَا﴾ (سورة يسٓ٥٢)، ويظهر الخروج: ﴿يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ كَأَنَّهُمۡ جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ﴾ (سورة القَمَر٧). فلا يُفهم النشور من هذا التصوير بوصفه خبرًا ذهنيًّا فحسب، إذ ينتقل اللفظ من الوعد والنفي إلى يومٍ وخروجٍ ومبعوثين.
البعث والنشور ويوم البعث
والأثر المقترن بالبعث في الحزمة ليس واحدًا على الجميع. ففي موضعٍ سؤالٌ أن لا يقع خزي في ذلك اليوم: ﴿وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ﴾ (سورة الشعراء٨٧). وفي موضعين يقيَّد بعث الجميع بالإنباء أو بالحلف: ﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْ﴾ (سورة المُجَادلة٦)، ﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ﴾ (سورة المُجَادلة١٨). ويأتي التنبؤ بما عملوا متصلاً بتوكيد البعث: ﴿لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡ﴾ (سورة التغَابُن٧)، كما يجعل سؤال المبعوثين توبيخًا: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ﴾ (سورة المُطَففين٤). وبهذا تتميز ألفاظ الحزمة: فالبعث فعل الإقامة بعد الموت، والنشور اسم للمصير والخروج والرجوع، ويوم البعث ظرفهما؛ ولا تفصل الآيات بين هذه الألفاظ فصل المتطابقات، بل تصلها في سلسلةٍ واحدة محددة المراحل والجهة والنتيجة.