موضوع «الغيب» في القرءان الكريم — 58 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
الغيب في الآيات حدٌّ للعلاقة بين ما يحيط به علم الله وما لا يملكه الإنسان علمًا من ذاته. لذلك يبدأ وصف المؤمنين بـ﴿يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ (سورة البَقَرَة٣)، ثم يتكرر الغيب مع الخوف والخشية والنصرة: ﴿مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ (سورة المَائدة٩٤)، ﴿يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ﴾ (سورة الأنبيَاء٤٩)، ﴿خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ (سورة يسٓ١١)، ﴿مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ (سورة قٓ٣٣)، ﴿يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ (سورة الحدِيد٢٥)، ﴿يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ (سورة فَاطِر١٨)، و﴿يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ﴾ (سورة المُلك١٢). ويلحق به الوعد: ﴿وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ (سورة مَريَم٦١). فلا يقدمه النص علمًا يتملكه المؤمن، بل موقفًا يظهر في عبادته وعمله.
ثم تأتي أخبار الغيب لا بوصفها علمًا ذاتيًا لمتلقيها، بل في صيغة الإيحاء: ﴿مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَ﴾ (سورة آل عِمران٤٤)، ﴿تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَ﴾ (سورة هُود٤٩)، ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَ﴾ (سورة يُوسُف١٠٢). وتحد الآية هذا التلقي بـ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ﴾ (سورة آل عِمران١٧٩). لذلك يجتمع ﴿وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ﴾ و﴿إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ﴾ (سورة الأنعَام٥٠)، ويعاد النفي في سورة هُود٣١، ويظهر أثره في ﴿وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ﴾ (سورة الأعرَاف١٨٨). والإظهار نفسه مقيد بالمالك: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا﴾ (سورة الجِن٢٦). وتظهر عاقبة هذا الفارق في قول الرسل ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ (سورة المَائدة١٠٩)، وفي قول عيسى ﴿تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَ﴾ (سورة المَائدة١١٦)، وفي ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ (سورة سَبإ٤٨). ويقابل الإنباء المأذون قولٌ يتجاوز حدّه: ﴿أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ﴾ (سورة مَريَم٧٨)، و﴿أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ﴾ (سورة الطُّور٤١)، وهي نفسها (سورة القَلَم٤٧)، و﴿أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ﴾ (سورة النَّجم٣٥). ويسمّي تعدد القول في العدد ﴿رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِ﴾ (سورة الكَهف٢٢)، ويصف قولًا آخر بـ﴿يَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ﴾ (سورة سَبإ٥٣). فالفرق من الشواهد: الأنباء توصف بالإيحاء، والرجم والقذف والكتابة ترد في مقام إنكار. ولا يقصر النص الغيب على المستقبل: فأنباء القصص عما لم يحضر، ويقع معه المكتوم، بينما الساعة في ﴿وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ﴾ (سورة النَّحل٧٧)، و﴿وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ﴾ (سورة النَّمل٦٥). وينفيه عن غير الإنسان أيضًا: ﴿أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ﴾ (سورة سَبإ١٤). وتعود العاقبة إلى ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾ (سورة التوبَة٩٤)، وإلى ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ (سورة التوبَة١٠٥)، ثم إلى ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾ (سورة الجُمعَة٨). ويختم التنزيل بيان طريق التبليغ: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ﴾ (سورة التَّكوير٢٤).
خشية الغيب وأثرها العملي
وتفصل الآيات بين الإيمان الذي يثبت عند خفاء الرقيب وبين مجرد دعوى المعرفة: فابتلاء الصيد لا يكتفي بذكر الخوف، بل يعقبه الحد العملي ﴿فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ (سورة المَائدة٩٤). وفي الأنبياء تقرن الخشية بالغيب بموقف من الآتي: ﴿وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ﴾ (سورة الأنبيَاء٤٩)، بينما يصف موضع قٓ الداخل الذي يصاحبها: ﴿وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ﴾ (سورة قٓ٣٣). فالغيب هنا لا يبقى اسمًا للغائب، بل يظهر في امتناع المعتدي، وفي الإشفاق، وفي رجوع القلب. ويزيد خبر هود تعيين حد التلقي؛ فهو يصرح بعد الإيحاء: ﴿مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَا﴾ (سورة هُود٤٩). ولذلك يكون مقابل الوحي في خبر أصحاب الكهف قولًا يطلب منه ألا يتجاوز الدليل: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا﴾ (سورة الكَهف٢٢). وهذا يشرح وظيفة وصف الرجم: ليس كل خبر عن الغائب سواء، إذ يفرّق النص بين ما جاء به الإيحاء وما يدور به الجدل بلا علم. ويؤكد نفي المشاركة في أصل العلم قوله: ﴿لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ (سورة النَّمل٦٥)، ثم يجعل ما يدخل في الكتاب شاملًا للحدين: ﴿وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ (سورة سَبإ٣).
علم الغيب والحكم والجزاء
وعلى هذا لا ينفصل علم الغيب عن الحكم ولا عن الجزاء؛ ففي الدعاء يرد ﴿أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ (سورة الزُّمَر٤٦)، وفي الخشية المقترنة بالصلاة يرد ﴿وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦ﴾ (سورة فَاطِر١٨). فالبناء متدرج: غيب لله علمًا وملكًا، وخبر منه يوحى، وإنسان مؤمن يخشى ويعمل، وادعاء يرد حين يتقمص علمًا لم يعط.