موضوع «البغض» في القرءان الكريم — 57 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
قراءة في الموضوع
البغض بين ما يَظهر وما يستقرّ
يقع البغض في خريطة الإنسان ضمن أهواء النفس وقناعاتها، لكن آياته تعرضه في النفس وفيما يقع بين الناس؛ بل تسأل كيف ينتقل من داخل الصدور إلى ما يقع بين الناس، وكيف يُعلن أو يُخفى أو يُنزع. فالبغضاء تبدو من الأفواه، غير أن ما تخفيه الصدور أوسع منها: ﴿قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ﴾سورة آل عِمران١١٨. ويقابل هذا الخفاءَ سؤالُ إخراج الأضغان: ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ﴾سورة مُحمد٢٩.
ومن ثمّ لا يستوي في هذا الموضوع ما يجري في القلب، وما يقال بالفم، وما يتشكّل بين الأطراف. فالبغضاء تقترن بالعداوة في مشاهد جماعية، وترد في مفاصلة معلنة، ويأتي إلى جانبها الكره والمقت والغل والأضغان. والسؤال الذي تجمعه الآيات: متى يكون النفور حالةً مضمرة، ومتى يصير رابطة خصومة بين الناس، وما الذي يكشفه أو يزيله؟
جذرٌ يجعل البغضاء واقعةً بين الأطراف
خلاصة الجذر المعروض تجعل «بغض» ملفًّا واحدًا تتعدد حقوله: حالة خصومة قائمة، وظهور من الأفواه، وإلقاء بين جماعات، وإيقاع بين الناس، وإعلان في المفاصلة. وهذا الاتساع ظاهر في أن اللفظ لا يرد وحده في آياته المحورية، بل في اقتران ثابت بالعداوة. ففي موضع يرد: ﴿فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾سورة المَائدة١٤، وفي موضع آخر: ﴿وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾سورة المَائدة٦٤.
فدلالة الجذر هنا لا تُختزل في تسمية شعور داخلي؛ لأن «بينهم» جزء من بنية المشهد. ثم تتسع إلى فعل يراد به إيقاع هذه العلاقة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ﴾سورة المَائدة٩١. وتبلغ حدّ المفاصلة حين يقال: ﴿وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ﴾سورة المُمتَحنَة٤.
من الكره الخفيّ إلى البين المعلن
البغضاء الملقاة والعداوة البادية
يتكرر في سورة المَائدة١٤ و٦٤ بناء واحد: عداوة وبغضاء تقع «بينهم» وتمتد إلى يوم القيامة. اختلاف الفعلين، «أغرينا» و«ألقينا»، لا يبدل حصيلة المشهد: رابطة خصومة لا فردًا يكره في عزلته. ثم يأتي سورة المُمتَحنَة٤ ليجعل البين نفسه موضع ظهور: ﴿وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا﴾سورة المُمتَحنَة٤. فالآية لا تسمي بغضاء مبهمة، بل تربطها بحدّ ظاهر بين جهتين وبشرط مذكور بعدها. ومع سورة آل عِمران١١٨ يظهر مسار مغاير: اللفظ يبدو من الأفواه قبل أن يستوفي ما في الصدور؛ فيبقى الظاهر شاهدًا على الخفي لا مساويًا له.
كره ما أُنزل وكره الرضوان
في سورة مُحمد٩ و٢٨ يتصل الكره بنتيجة تتكرر بلفظ واحد. فالأولى تقول: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾سورة مُحمد٩، والثانية تجمع اتباع ما أسخط الله مع الكره: ﴿وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾سورة مُحمد٢٨. فتكرار الإحباط يصل بين متعلقين مختلفين للكره، ويجعل الأثر جزءًا من قراءة الموضعين لا ملحقًا بهما. وتضيف سورة مُحمد٢٦ أن القول قد يصل أصحاب هذا الكره بعضهم ببعض: ﴿قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِ﴾سورة مُحمد٢٦.
ومع ذلك لا تجعل الآيات كل كره حكمًا واحدًا؛ إذ تعرض سورة البَقَرَة٢١٦ مقابلة بين ما يكره وما يحب: ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ﴾سورة البَقَرَة٢١٦. فالموضوع يقتضي تتبع المتعلَّق والسياق والأثر، لا الاكتفاء باسم الكره.
الأضغان والغل: الداخل الذي يُكشف ويُنزع
الأضغان في سورة مُحمد٢٩ أمر متوقع إخراجه، ثم تأتي سورة مُحمد٣٧ بصيغة صريحة: ﴿وَيُخۡرِجۡ أَضۡغَٰنَكُمۡ﴾سورة مُحمد٣٧. وهذا يضع في القلب ما ليس مستغنيًا عن الظهور. وفي الجهة المقابلة تأتي صورة النزع لا الإخراج: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾سورة الحِجر٤٧. ويُطلب كذلك: ﴿وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾سورة الحَشر١٠. فصورة البغض تمتد إلى الخفي، لكن آيات الغل تركز على ما في الصدور وعلى نفيه، بينما آيات البغضاء تجعل ما بين الناس ظاهرًا في بنيتها.
المقت والقلى واسم الشانئ
لا تذيب الآيات المقت والقلى والشنآن في لفظ البغض. فالمقت يرد في مواجهة بالنفس: ﴿لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ﴾سورة غَافِر١٠، ويأتي القلى منفيًّا: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾سورة الضُّحى٣، أما الشانئ فيرد اسمًا لجهة مقابلة: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ﴾سورة الكَوثر٣. اجتماعها يوسّع حقل النفور، لكن اختلاف مواضعها يحفظ لكل لفظ زاويته.
البغض وجواره: جهات لا تتطابق
مع الحب تظهر المقابلة داخل تقويم ما يتجه إليه القلب؛ فالآية تقول: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾سورة البَقَرَة١٦٥، وتجمع الحب والكره في إمكان أن يلتبس على الإنسان خير الشيء وشره في سورة البَقَرَة٢١٦. أما البغضاء فشاهدها المميز أنها تقترن بالعداوة وبـ«بينهم» و«بيننا وبينكم»؛ لذلك لا يكفي استبدالها بالحب في هذه المشاهد، إذ يضيع وصف العلاقة بين الأطراف.
ومع الغل يلتقي الموضوعان في الصدور، إلا أن الغل يتحدد في دعاء نفيه ونزعِه، كما في سورة الحَشر١٠ وسورة الحِجر٤٧، بينما تتبع البغضاء من الأفواه إلى البين وإلى الإيقاع بين الناس. فلا يلغي أحدهما الآخر: الغل يفتح مشهد القلب المنزوع، والبغضاء تفتح مشهد الخصومة التي قد تستقر بين الجماعات.
ومع الحسد، تعرض الآية دافعًا مذكورًا بعبارة ﴿حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم﴾سورة البَقَرَة١٠٩، وتصل به إرادة ردّ الآخرين. أما البغضاء فتسمّي ظاهر القول وخفي الصدر، ثم تسمّي العداوة المقترنة بها. فالشاهدان يلتقيان في أثرهما على الغير، لكن كلًّا منهما يعيّن زاوية مختلفة لا ينهض الآخر مقامها.
اتساع الحقل وتكاثف مواضعه
تضم المادة تسعًا وأربعين آية موثقة: منها إحدى عشرة محورية وثمان وثلاثون ذات صلة. هذا الفارق يجعل المحور مبنيًّا على مواضع البغض المركزية، فيما توسع الآيات ذات الصلة شبكة الكره والمقت والغل والحسد والشنآن من غير أن تحل محلها. وتتقدم المَائدة بست آيات، ثم التوبَة بست، ثم مُحمد بخمس، ثم غَافِر والأعرَاف بثلاث لكلٍّ منهما. ويجعل هذا التوزع ظاهر البغضاء الجماعي، والكره المتصل بما أُنزل، والمقت، موزعةً في مواضع متعددة لا محصورة في مشهد واحد.
خيوط تفتح قراءة أوسع
أقرب الخيوط هو العداوة، لا لمجرد جوار اللفظ، بل لاقترانه المتكرر بالبغضاء في سورة المَائدة١٤ و٦٤ و٩١ وسورة المُمتَحنَة٤. ويصل الخيط الثاني إلى الأضغان والغل: الأول يخرج من القلوب، والثاني ينزع منها أو يدعى ألا يجعل فيها. ويصل الخيط الثالث إلى الكره؛ فبعضه متعلق بما أُنزل أو بالرضوان في سورة مُحمد٩ و٢٨، وبعضه يعرض تقويمًا لا يطابق شعور الإنسان ما يكون خيرًا أو شرًا في سورة البَقَرَة٢١٦. وهذه الخيوط تحفظ للبغض مركزه: ما يضمره القلب حين يتحول، أو يوشك أن يتحول، إلى بينٍ وعداوةٍ وفعل.