موضوع «تسخير» في القرءان الكريم — 40 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
يقع التسخير في خريطة القرءان عند موضعٍ يصل الخلق بالأمر، ويصل ما يراه الإنسان بما يُطلب منه بعد رؤيته. فالمشهد ليس تعدادًا لأشياء متفرقة، إذ تُجمع الشمس والقمر والنجوم تحت قيد واحد: ﴿وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓ﴾سورة الأعرَاف٥٤، ثم يمتدّ الجامع إلى ما في السماوات والأرض: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ﴾سورة الجاثِية١٣. وسؤال الموضوع المركزي: كيف تُقرأ هذه الأشياء حين تظهر جاريةً ومنضبطةً ونافعةً؟ الجواب المبثوث في الآيات يجعلها آياتٍ للعقل والإيمان والتفكر، ويحوّل الانتفاع بها إلى تذكّرٍ وشكرٍ وتكبير، لا إلى استقلال الإنسان بما ينتفع به.
من السَّخر إلى الحشر والغوص: صورٌ لجهةٍ واحدة
يحمل جذر سخر في هذا الموضوع وجه التسخير الإلهي الكوني، حيث يظهر الشيء تحت أمر الله أو في نفعٍ مسوق للناس. ولا يختلط هذا الوجه بوجه السخرية بين البشر ولا بتسخير المعاش؛ فآية المعاش نفسها تقول: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ﴾سورة الزُّخرُف٣٢، أما آيات الموضوع فتجعل البحر والفلك والليل والنهار وما في السماوات والأرض ميدانًا للفعل الإلهي. فاشتراك الرسم لا يلغي اختلاف المشهد الذي تحدده الآيات.
وتدخل سليمان هنا بوصفه اسمًا تتبين دلالته من مواضعه: ما عنده ليس ملكًا منفلتًا، بل عملٌ بإذن الرب وأمره. فالريح تجري بأمره في ﴿فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ﴾سورة صٓ٣٦، والجن يعملون ﴿بِإِذۡنِ رَبِّهِۦ﴾سورة سَبإ١٢. ويكشف جذر حشر عن جمعٍ موجَّه لا فوضى فيه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ﴾سورة النَّمل١٧. أما الغوص فينفرد بفاعليه من الشياطين: ﴿وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ﴾سورة الأنبيَاء٨٢، وتؤكده صيغة ﴿وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ﴾سورة صٓ٣٧؛ فيتحدد بذلك عمل مخصوص داخل تسخير مخصوص.
الأمر الجاري، والنعمة المشهودة، والتسخير المعيَّن
تتكرر الشمس والقمر في نسق لا يترك التسخير دعوى مجردة: ﴿كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ﴾سورة الرَّعد٢، و﴿كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى﴾سورة لُقمَان٢٩، و﴿كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ﴾سورة الزُّمَر٥. ويحيط بهذا الجري دخول الليل في النهار ودخول النهار في الليل في سورة لُقمَان٢٩ وسورة فَاطِر١٣، وتكوير أحدهما على الآخر في سورة الزُّمَر٥. لذلك لا تدل الدأبية في ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ﴾سورة إبراهِيم٣٣ على دوامٍ منفصل عن الأمر، بل على انتظامٍ تُردّ أسبابه إلى الله. ويؤكد سورة النَّحل١٢ هذا الجمع بين الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، فيما يجعل سورة العَنكبُوت٦١ نسبة تسخير الشمس والقمر إلى الله سؤالًا كاشفًا لمن يقر بذلك ثم يُؤفك.
ويتسع التسخير من انتظام العلو إلى منافع الأرض والبحر. فالفلك تجري في البحر بأمره في سورة إبراهِيم٣٢ وسورة الحج٦٥ وسورة الجاثِية١٢، والبحر نفسه مسخّر لتجتمع فيه المأكولات والحلية ومسير الفلك وابتغاء الفضل: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَا﴾سورة النَّحل١٤. وتدخل الطير في المشهد بقيدٍ أدق: ﴿مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ﴾سورة النَّحل٧٩. كما يجعل سورة البَقَرَة١٦٤ السحاب المسخر، والماء، وإحياء الأرض، والدواب، وتصريف الرياح، والفلك، آياتٍ في مشهد واحد.
ولا تقف المنفعة عند الاستعمال؛ فالبدن المسخرة تقود إلى الشكر في سورة الحج٣٦، ثم تصحح جهة القصد: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ﴾سورة الحج٣٧. وعند الركوب يعلَّم الإنسان أن يقول: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ﴾سورة الزُّخرُف١٣. وهكذا تصل النعمة الظاهرة والباطنة في سورة لُقمَان٢٠، ورأفة الله بالناس في سورة الحج٦٥، إلى استجابةٍ تمنع أن يتحول الانتفاع إلى غفلة.
وتكشف المواضع المعيّنة أن التسخير لا يقتصر على النفع المعتاد. فقد سُخرت الجبال والطير مع داود في سورة الأنبيَاء٧٩، وفُصّل تسبيح الجبال بالعشي والإشراق في سورة صٓ١٨، وحُشرت الطير وكلٌّ له أواب في سورة صٓ١٩. ومع سليمان تجري الريح العاصفة بأمره في سورة الأنبيَاء٨١، وتظهر في سورة سَبإ١٢ مع العين والجن العاملين بإذن الرب. وعلى الضد من سياق النعمة تأتي الريح في ﴿سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ﴾سورة الحَاقة٧؛ فالمحور ليس رخاء الشيء أو شدته، بل كونه واقعًا تحت جهة التسخير الإلهي.
حدود التماس مع موضوعات الله المجاورة
تختلف زاوية التسخير عن صفات الله؛ فالعينات هناك تسمي الله بالرحمن الرحيم وتجعله رب العالمين في سورة الفَاتِحة١–سورة الفَاتِحة٣، أما هنا فتتبع أثر الأمر في أشياء جارية ومنتفع بها. وهي تختلف عن التنزيه الذي يواجه جعل الأنداد في ﴿فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا﴾سورة البَقَرَة٢٢؛ لأن التسخير يعرض البرهان المشهود الذي تتجه منه هذه الحدود، ولا يكتفي بصيغة النفي.
وتفارق إرادة الله والمشيئة من جهة التركيز: عينات الإرادة تعرض ما لو شاء الله أن يفعله في سورة البَقَرَة٢٠، وعينات المشيئة تعرض إيتاء الملك ونزعه في سورة آل عِمران٢٦؛ أما التسخير فيصوّر الفعل متحققًا في جري الشمس والقمر، وإمساك الطير، وجريان الفلك. ويفارق علم الله الذي يصرح بالإحاطة في ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾سورة البَقَرَة٢٩، إذ يقرأ التسخير العالم من جهة انقياده وأثره.
وأقرب الصلات بالرحمة والتوكل، لكن حدّ الاستبدال ظاهر: الرحمة تسمي التواب الرحيم في سورة البَقَرَة٣٧، والتوكل يوجّه المؤمنين إلى الاعتماد على الله في سورة آل عِمران١٢٢ و١٦٠، بينما التسخير يضع بين يديهما مادة النظر: رأفةٌ في سورة الحج٦٥، ونعمةٌ تستدعي الشكر، واعترافٌ بأن الإنسان لم يكن له مقرنًا.
اتساع المشهد وتكثيف مواضع البيان
تضم المادة إحدى وثلاثين آية موثقة: ثلاث وعشرون محورية وثمانٍ ذات صلة. وهذه النسبة تجعل أساس القراءة قائمًا على مشاهد التسخير نفسها، ثم تأتي مواضع سليمان والحشر والغوص لتكشف صورة مخصصة من المبدأ نفسه، لا لتنتزع الموضوع من امتداده الكوني.
وتبرز صٓ بأربع آيات، فتجعل الجبال والريح والشياطين في موضع كثيف من التسخير المعيّن. وتحضر النحل والأنبياء والحج بثلاث آيات لكل منها: البحر والطير في النحل، والجبال والريح والغوص في الأنبياء، والبدن وما في الأرض والفلك في الحج. أما إبراهِيم ففيها آيتان تجمعان الفلك والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار. فالتوزع لا يكرر مادة واحدة، بل يوزع أنماطًا متكاملة: نظامًا، ومنفعةً، وعبادةً، وتسخيرًا مخصوصًا.
من الأمر إلى الشكر، ومن التسخير إلى الإسلام
يفتح الموضوع خيطًا إلى صفات الله وعلمه وإرادته ومشيئته من غير أن يذيب فيها خصوصيته: الأمر حاضر في جريان المسخرات، والعلم حاضر في ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ﴾سورة الأنبيَاء٨١، والملك حاضر في ﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ﴾سورة فَاطِر١٣. ويفتح خيطًا إلى الرحمة والتوكل لأن من يرى البحر والفلك والطير والبدن لا ينتهي عند الوصف، بل عند الشكر والتقوى والتسبيح. وفي مواضع سليمان يتصل هذا كله بالإذن والإنابة: القدرة الموهوبة لا تحجب جهة الرب، بل تجعلها أوضح في الريح والجن والطير.