موضوع «عدل الله» في القرءان الكريم — 21 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
يقف الموضوع عند صلةٍ محكمة بين ما يصدر عن الربّ وما يلقاه العبد: فالكلمة تتمّ صدقًا وعدلًا، ثمّ يعود عمل الإنسان عليه لا على غيره. يقول النصّ: ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾سورة الأنعَام١١٥، ويجعل ثمرة الفعل لصاحبه: ﴿مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾سورة فُصِّلَت٤٦. فالسؤال المركزيّ ليس وصفًا مجرّدًا، بل: كيف تنتظم الكلمة والحكم والجزاء بحيث لا يقع ميلٌ على العبيد؟
العدل المنسوب إلى الله
يجمع جذر عدل الاستقامة بين طرفين: في الحكم والشهادة والبدل والخلق والكلمة. وهنا يضيّق الموضوع دائرته إلى الكلمة المنسوبة إلى الربّ وإلى نفي الظلم عن العبيد؛ فالعدل في سورة الأنعَام١١٥ جزء من تمام الكلمة، لا أمرٌ منفصل عنها، وفي سورة فُصِّلَت٤٦ يظهر في عودة الصالح والإساءة إلى نفس العامل. ويصل جذر ءله هذه الجهة بالله: فالاسم يعيّن من تُنسب إليه الكلمة والحكم، فلا يبقى العدل قاعدةً سائبةً بين الناس، بل يتّصل بالله الذي يصفه النصّ بالسميع العليم في ختام سورة الأنعَام١١٥. أمّا جعل المعادل لله، الوارد في خلاصة الجذر، فليس من هذا العدل؛ إذ يتحوّل فيه معنى المعادلة إلى صرف الجهة عن حقّها.
من تمام الكلمة إلى استقامة المعاملة
في المحور الأوّل، يجمع سورة الأنعَام١١٥ الصدق والعدل في تمام كلمة الربّ، ثمّ يغلق باب التبديل: ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾سورة الأنعَام١١٥. فالصدق لا يُعرض منفردًا عن العدل، وكلاهما داخل في كلمة لا يبدّلها أحد.
وفي المحور الثاني، يترجم الخطاب هذا الميزان في الفعل الإنسانيّ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِ﴾سورة النِّسَاء٥٨. ويتّسع الاختبار حين تكون الشهادة على النفس والوالدين والأقربين، وحين يواجه الحكم الغنى والفقر والهوى في سورة النِّسَاء١٣٥. ثمّ يدفع سورة المَائدة٨ احتمالَ أن يصير الشنآن سببًا للانحراف، ويقرن العدل بالتقوى.
وفي المحور الثالث، يبرز الجزاء الشخصيّ: ﴿مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾سورة فُصِّلَت٤٦. وتجاوره صورٌ عملية للميزان: الوفاء في الكيل والميزان، والعدل في القول ولو مع ذي القربى في سورة الأنعَام١٥٢، والإصلاح بين الطائفتين بالعدل والقسط في سورة الحُجُرَات٩. بذلك لا يبقى العدل عنوانًا للحكم وحده، بل يمتدّ إلى المال والقول والنزاع والنتيجة.
حدود العدل بين الصفات والمشيئة والعلم
يتمايز عدل الله عن «صفات الله» لأنّ عيّنة ذلك الموضوع تقف عند الحمد والربوبية والرحمة: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾سورة الفَاتِحة٢؛ أمّا هنا فالمشهد هو تمام الكلمة، والحكم، ومصير العمل. ويتمايز عن «رحمة الله» التي تشهد لها التوبة: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾سورة البَقَرَة٣٧؛ فالعدل في هذه المادة يركّز على عدم الظلم وعلى استقامة القسمة في الشهادة والجزاء. وعن «المشيئة» يتميّز بأنّ شواهده تعرض الإيتاء والنزع: ﴿تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ﴾سورة آل عِمران٢٦، بينما تعرض آيات العدل المعيار الذي يمنع الهوى والشنآن من الميل.
تسع آيات بين أصل الميزان وتطبيقاته
المادة الموثّقة تسع آيات: آيتان محوريتان وسبع آيات ذات صلة. هذا التوزيع يجعل النصّ المحوريّ قليلًا شديد التركيز: كلمة الربّ التامّة، ثمّ عمل العبد العائد إليه. وتبرز الأنعام والنساء بآيتين لكلّ منهما؛ فالأولى تجمع الكلمة والقول والميزان، والثانية تجمع الأمانة والحكم والشهادة. ثمّ تظهر فُصِّلَت والمائدة والنحل بآية لكلّ منها، فتصل نفي الظلم بالأمر بالعدل ومقاومة الشنآن. والقراءة الجامعة تكشف انتقالًا من أصلٍ ثابت إلى ميادين تتبدّل فيها الضغوط ولا يتبدّل فيها الميزان.
خيوط الحكم والشهادة والإصلاح
يفتح الموضوع اتصالًا مباشرًا بالقسط، والأمانات، والوفاء بالعهد، والإصلاح. وفي سورة الشُّورى١٥ يردّ العدل إلى مقامٍ جامع بين المخاطَبين: ﴿وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡۖ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ﴾سورة الشُّورى١٥. فتلتقي وحدة الربّ مع تمييز الأعمال، ويلتقي الحكم بين الناس مع الحساب الذي لا يحمل فيه أحدٌ عمل غيره.