النظر في الخلق والنفس حتى ينكشف الحق والأجل
يقع التفكر هنا في ملتقى الكون والخلق، لكنه لا يقف عند مشهدٍ معزول؛ فالسؤال الذي تفتحه الآيات المحورية هو: ماذا يرى الإنسان حين يردّ خلق السماوات والأرض إلى نفسه، ثم يقرأ هذا الخلق في ضوء الحق والأجل؟ تصف الآية الأولى هيئةً متصلة من الذكر والتفكر والدعاء: ﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ سورة آل عِمران ١٩١. وفي الآية الأخرى يبدأ الخطاب بالنفس، ثم يوسّع النظر إلى السماوات والأرض وما بينهما: ﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ﴾ سورة الرُّوم ٨. فالتفكر حركة تصل بين المرئيّ، ومعنى الخلق، ومصير الناظر نفسه.
فكر: حركة تقدير تتعيّن بوجهتها
يحمل الجذر «فكر» في الخلاصة المعروضة معنى حركة نظر، لا حصيلة ساكنة. وتؤيده مواضع الموضوع: فهو ينفتح على الخلق في سورة آل عِمران ١٩١، وعلى النفس والحق والأجل في سورة الرُّوم ٨، وعلى الأمثال والبيان والتسخير في الآيات ذات الصلة. كما أن موضع «فكر وقدر» في الخلاصة يبيّن أن الفعل نفسه يتصل بالتقدير، فلا يكفي وقوعه للحكم عليه؛ بل تظهر وجهته ونتيجته من الشيء الذي يتناوله ومن الأثر الذي ينتهي إليه. لذلك لا تحصر آيات هذا الموضوع التفكر في الكون، وإن كان الكون موضعه الأوضح، بل تعرضه فعلاً يَصل الشاهد بالمعنى الذي يدل عليه.
من الذكر إلى نفي الباطل
في سورة آل عِمران ١٩١ لا يأتي التفكر منفردًا، بل بين ذكرٍ حاضر في أحوال الجسد ودعاءٍ ينتهي إلى طلب الوقاية. والنظر متجه إلى خلق السماوات والأرض، والنتيجة المنطوقة ليست وصفًا تفصيليًا للمخلوقات، بل نفي الباطل عن الخلق. بهذا الترتيب يصبح التفكر عبورًا من دوام الصلة إلى قراءة الخلق ثم إلى موقفٍ مسؤول من نتيجته.
وتعيد سورة الرُّوم ٨ هذا المحور من مدخل آخر: يبدأ التفكر «في أنفسهم»، ثم يكشف أن السماوات والأرض وما بينهما مخلوقة بالحق وأجل مسمّى. فالنفس ليست خارجة عن مجال النظر، والكون ليس خلفية بعيدة عنها. وتشد الآية النتيجة إلى لقاء الرب، فيتجاور في المحوران اتساع الخلق وقرب المصير، من غير أن يختزل أحدهما الآخر.
آيات الأرض والحياة: مشاهد متفرقة ووحدة دعوة
تتوزع الآيات ذات الصلة على مشاهد الأرض وما يخرج منها. فامتداد الأرض والجبال والأنهار والثمرات وتعاقب الليل والنهار يجتمع في قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الرَّعد ٣. ولا يقف النداء عند الصورة الكلية؛ فالزرع والزيتون والنخيل والأعناب والثمرات موضع آية كذلك: ﴿يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة النَّحل ١١.
ويظهر التكرار أن التفكر لا يتعلّق بنوع واحد من المشاهد. ففي مسالك النحل وخروج الشراب اختلاف ألوانه: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة النَّحل ٦٩. وفي ما سُخّر في السماوات والأرض: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الجاثِية ١٣. اختلاف المشاهد يحفظ للنداء اتساعه، وتكرار خاتمته يجمعها في وجهة واحدة.
البيان والمثل والنفس: التفكر اختبار للقراءة
لا تُعرض الآيات الكونية وحدها للتفكر؛ فالبيان نفسه يطلب قارئًا يتفكر. يأتي تنزيل الذكر مقرونًا بتبيين ما نُزّل للناس: ﴿بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة النَّحل ٤٤. والمثل لا ينتهي عند صورته، إذ يعلّق القرءان ضرب الأمثال بالتفكر: ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الحَشر ٢١.
ويعود هذا الاختبار إلى النفس في موضعين متقاربين في الدعوى ومختلفين في هيئة الطلب: ﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ سورة الأعرَاف ١٨٤، ثم ﴿۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ﴾ سورة سَبإ ٤٦. فالتفكر هنا لا يضيف خبرًا جديدًا، بل يعيد فحص ما قيل وما شوهد حتى يزول الحكم الذي لا يسنده الشاهد.
بين التفكر والعلم والعقل والإعراض والتفقه
يتميز التفكر عن «العلم» في العيّنات المعروضة بأن العلم يرد خبرًا معلنًا وحدًّا لما لا يعلمه المخاطب: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ سورة البَقَرَة ٣٠. أما التفكر فيعرض حركة المخاطب في النظر إلى الآيات أو إلى نفسه؛ فلا يستبدل أحد الموضعين الآخر، وإن التقيا في طلب انكشاف الحق.
والعقل في العينة يواجه تناقضًا بين الأمر والنسيان: ﴿۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ سورة البَقَرَة ٤٤، بينما التفكر يتسع لمشهد الخلق والمثل والبيان. والإعراض يرسم المقابل العملي لاستقبال الآية: ﴿وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ﴾ سورة الأنعَام ٤؛ فموضعه الانصراف، وموضع التفكر الإقامة مع الشاهد. وأما التفقه فيتحدد في التفقه في الدين ثم الإنذار والحذر: ﴿۞ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ سورة التوبَة ١٢٢. فتفرده في هذه العينة بوظيفته المتصلة بالإنذار، لا بمشاهد الخلق التي تكثر في التفكر.
توزع قليل يكشف تعدد المداخل
تضم المادة سبع عشرة آية موثقة: اثنتان محوريتان وخمس عشرة ذات صلة. وهذا يجعل الآيتين المحوريتين مركز القراءة، ثم تأتي الآيات الأخرى لتكشف اتساع دوائرها. وتتقدم النحل بثلاث آيات، فتظهر فيها الأرض والنبات والنحل والبيان، بينما تتكرر الروم والبقرة والأعراف بآيتين لكل منها؛ فيتجاور الخلق والنفس والأمثال وفحص الدعوى. وتحضر آل عمران بآية محورية تضع خلق السماوات والأرض في صلة الذكر والدعاء. لا يعطينا التوزع طريقًا واحدًا للتفكر، بل مداخل متعددة تتلاقى عند الاستجابة للآيات.
خيوط من الخلق إلى البيان والمصير
يفتح التفكر خيطًا مع العلم حين ينتقل الإنسان من الشاهد إلى ما يتبين له، ومع العقل حين يمتحن توافق القول والعمل، ومع الإعراض بوصفه الوجه المناقض للإقامة عند الآية، ومع التفقه حين يصير ما يُتلقى باعثًا على الحذر. وداخل موضوعه نفسه تتصل الأرض والنفس والزوجية والأجل وتسخير ما في السماوات والأرض؛ ويؤكد ذلك قوله: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الرُّوم ٢١.