مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر فكر في القُرءان الكَريم — 18 موضعًا
جواب مباشر
دلالة جذر فكر في القرءان
دلالة جذر «فكر» في القرءان: فكر هو تشغيل النظر الداخلي في المعطيات لتقدير دلالتها وما يترتب عليها؛ يكون ممدوحًا حين يتجه إلى آيات الله وا… ← التعريف الكامل
ورد الجذر 18 موضعًا، في 7 صيغ في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «الفهم والإدراك والوعي». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر فكر من شواهد القرءان وحده.
الصِيَغ المُسجَّلة ·7
التَعريف المُحكَم لجَذر فكر في القُرءان الكَريم
فكر هو تشغيل النظر الداخلي في المعطيات لتقدير دلالتها وما يترتب عليها؛ يكون ممدوحًا حين يتجه إلى آيات الله والخلق والوحي، ويكون مذمومًا حين يصير تقديرًا للباطل.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
التفكر في القرءان حركة نظر لا حصيلة جامدة: ينظر في الخلق، والنفس، والأمثال، والبيان، وتسخير ما في السماوات والأرض. وموضع «فكر وقدر» يثبت أن الجذر هو فعل التقدير نفسه، وأن الحكم عليه يتبع وجهته ونتيجته.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر فكر
يَرِد فكر في ملف البيانات الداخلي في 18 موضعًا، وكلها تدور على تشغيل النظر الداخلي في المعطيات لتقدير دلالتها وما يلزم عنها. الغالب هو صيغة المضارع الجماعية أو المخاطبة في سياق الآيات والبيان والخلق والأمثال، مثل: ﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾، و﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
غير أن الموضع المنفرد في سورة المُدثر ١٨: ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ يثبت أن أصل الجذر ليس المدح بذاته، بل فعل التقدير والتقليب؛ يمدح إذا اتجه إلى آيات الحق، ويذم إذا صار تقديرًا كائدًا للباطل.
إذن المفهوم القرءاني المحكم: فكر ليس مجرد العلم ولا نتيجة الإدراك، بل حركة داخلية متأنية تُقلب المعطيات حتى تظهر دلالتها أو تُصنع منها نتيجة.
الآية المَركَزيّة لِجَذر فكر
سورة آل عِمران ١٩١
﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
| الصيغة | العدد | الوجه البنيويّ |
|---|---|---|
| ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ | 10 | مضارع للجمع الغائب |
| ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ | 3 | مضارع للجمع المخاطب |
| ﴿تَتَفَكَّرُواْۚ﴾ | 1 | مضارع للجمع المخاطب |
| ﴿فَكَّرَ﴾ | 1 | فعل ماضٍ مفرد |
| ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ | 1 | مضارع للجمع الغائب مع الواو |
| ﴿يَتَفَكَّرُواْ﴾ | 1 | مضارع للجمع الغائب |
| ﴿يَتَفَكَّرُواْۗ﴾ | 1 | مضارع للجمع الغائب |
تغلب صيغة المضارع في صور الجذر، فتتوزّع بين خطاب الجمع وغيبتهم، بينما ترد صيغة الماضي مفردة. وتبقى صور الوقف والعلامات جزءًا من الرسم المضبوط، فلا تختلط بعدد الصيغ المعيارية.
التَجميع الصَرفيّ الآليّ لِصيَغ جَذر فكر بِالأَوزان
صيغ الجَذر «فكر» بِرَسمها التَوقيفيّ، مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع). العَدَد أَعلى كُلّ بِطاقَة تَقريبيّ لِأَنَّ التَجميع آليّ؛ والجَرد الكامِل في شَريط «الصِيَغ المُسجَّلة» أَعلى الصَفحَة.
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر فكر
إجمالي مواضع ملف البيانات الداخلي: 18 موضعًا في 18 آية.
المراجع: سورة البَقَرَة ٢١٩، ٢٦٦، سورة آل عِمران ١٩١، سورة الأنعَام ٥٠، سورة الأعرَاف ١٧٦، ١٨٤، سورة يُونس ٢٤، سورة الرَّعد ٣، سورة النَّحل ١١، ٤٤، ٦٩، سورة الرُّوم ٨، ٢١، سورة سَبإ ٤٦، سورة الزُّمَر ٤٢، سورة الجاثِية ١٣، سورة الحَشر ٢١، سورة المُدثر ١٨.
- الصِيَغ: 7 صيغ فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: يَتَفَكَّرُونَ.
- أَبرَز الصِيَغ: يَتَفَكَّرُونَ (10) تَتَفَكَّرُونَ (3) وَيَتَفَكَّرُونَ (1) يَتَفَكَّرُواْۗ (1) يَتَفَكَّرُواْ (1) تَتَفَكَّرُواْۚ (1) فَكَّرَ (1)
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
القاسم المشترك هو حركة التقدير الذهني: جمع المعطيات، تقليبها، ثم استخراج ما تدل عليه. هذا ظاهر في صيغ «يتفكرون» بعد ذكر الآيات، وظاهر أيضًا في «فكر وقدر» حيث تحول التقليب إلى تقدير مذموم.
مُقارَنَة جَذر فكر بِجذور شَبيهَة
يفترق فكر عن مجرد العلم بأن العلم قد يكون نتيجة، أما فكر فهو فعل النظر الموصل إليها. ويفترق عن الغفلة لأنه حضور نشط أمام الآية أو المثال أو النفس، لا مرور بلا اعتبار. ويفترق عن التقدير الباطل بأن الجذر واحد في الحركة، لكن السياق يميز وجهتها.
اختِبار الاستِبدال
لو استبدل في سورة آل عِمران ١٩١ بلفظ يدل على مجرد المعرفة لفات معنى الحركة المستمرة في «وَيَتَفَكَّرُونَ». ولو استبدل في سورة المُدثر ١٨ بلفظ علمي محايد لفات معنى التقدير المصنوع الذي عقبته الآيات بذكر التقدير مرة أخرى.
الفُروق الدَقيقَة
1. صيغة المضارع المتكرر هي الغالب: 17 موضعًا مقابل موضع ماض واحد. 2. التفكر يأتي غالبًا بعد عرض آية أو مثل أو مشهد كوني؛ فهو جواب ذهني مطلوب من المخاطب. 3. «فكر وقدر» ليس خروجًا عن الجذر، بل كشف أن التقليب قد ينحرف إذا توجه إلى صناعة نتيجة باطلة.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الفهم والإدراك والوعي.
ينتمي فكر إلى حقل الحكمة والبصيرة لأنه الأداة العملية لاستخراج البصيرة من الآيات والخلق والوحي. الحقل لا يعني أن كل فكر ممدوح، بل يعني أن صلاحه القرءاني في توجيهه إلى الدلالة الحقّة.
مَنهَج تَحليل جَذر فكر
حُسبت المواضع من ملف البيانات الداخلي لا من الصيغ العامة. وفُصل عدد الصيغ المعيارية في الحقل المعياري عن الصور المضبوطة في حقل الصورة الرسمية. كما عومل موضع سورة المُدثر ١٨ بوصفه شاهدًا داخليًا لازمًا يوسّع التعريف من التفكر الممدوح وحده إلى فعل التقدير الذهني بحسب وجهته.
التَقابُل الداخِليّ في جَذر فكر
لا يثبت لفكر ضد خارجي صريح، لأن الجذر نفسه يدل على تشغيل النظر الداخلي في المعطيات، ثم يتحدد مدحه أو ذمه بحسب وجهته. يظهر التفكر الممدوح في آيات الخلق والحق، مثل: ﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾، ويظهر استعمال مذموم للجذر في تقدير باطل: ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾. فالعلاقة الأدق تقابل داخلي بين فكر ينفتح على الآية والحق، وفكر يتحول إلى تقدير معاند. وليس الجهل أو الغفلة ضدًا مباشرًا للجذر؛ فقد يكون عدم التفكير غيابًا للفعل، لا مقابلة قرءانية مثبتة. كما أن عقل ولبب وذكر جذور إدراك قريبة، لكنها تؤدي وظائف أخرى ولا تنقض فعل التفكير. لذلك يكون التصنيف تقابلًا داخليًا، لا ضدًا صريحًا ولا مقابلة مع جذر خارجي.
- الجذر لا يمدح لذاته ولا يذم لذاته، بل يتلون باتجاه النظر.
- التقابل بين وجهتي التفكير أدق من افتراض ضد خارجي لا يجتمع معه في النص.
نَتيجَة تَحليل جَذر فكر
ينتظم فكر في 18 موضعًا قرءانيًا: 17 موضعًا بصيغ تفكّر مضارعة وممدوحة في سياق الآيات والبيان، وموضع واحد «فكر» في سياق تقدير مذموم. الصيغ المعيارية في الحقل المعياري ست، والصور المضبوطة في حقل الصورة الرسمية سبع.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر فكر
الشواهد الجوهرية:
- سورة آل عِمران ١٩١ — ﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾
الصيغة: وَيَتَفَكَّرُونَ؛ التفكر في الخلق حتى يبلغ معنى ﴿مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾.
- سورة سَبإ ٤٦ — ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ﴾
الصيغة: تَتَفَكَّرُواْۚ؛ التفكر هنا مأمور به بعد قيام لله مثنى وفرادى.
- سورة المُدثر ١٨ — ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾
الصيغة: فَكَّرَ؛ شاهد أن الجذر يصف فعل التقدير ولو في سياق مذموم.
الملاحَظات اللَطيفَة عَن جَذر فكر
1. الصيغة الماضية «فَكَّرَ» منفردة في سورة المُدثر ١٨؛ وكل ما عداها مضارع أو متصل بالمضارع، مما يجعل التفكر القرءاني غالبًا حركة متجددة لا حدثًا منغلقًا.
2. تركيب «لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ» يرد بهذه الصورة في ستة مواضع: سورة الرَّعد ٣، سورة النَّحل ١١، ٦٩، سورة الرُّوم ٢١، سورة الزُّمَر ٤٢، سورة الجاثِية ١٣؛ ويرد بصورة «لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ» في سورة يُونس ٢٤، فتكون الجملة سبعة مواضع.
3. صيغ «لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ» و«لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ» تظهر في خمسة مواضع: سورة البَقَرَة ٢١٩، ٢٦٦، سورة الأعرَاف ١٧٦، سورة النَّحل ٤٤، سورة الحَشر ٢١؛ وفيها التفكر غاية للبيان وضرب الأمثال والقصص.
4. لا يظهر في ملف البيانات الداخلي تركيب «لا يتفكرون»؛ مواضع التقريع تأتي بصيغة الاستفهام أو الأمر بالتفكر لا بمجرد نفي الفعل.
5. أعلى تجمع سوري في النحل بثلاثة مواضع، وكلها حول آيات الرزق والوحي والشفاء، مما يربط التفكر بمظاهر الامتنان والبيان.
• أَبرَز الفاعِلين: اللَّه (5). • تَوزيع مِحوَريّ: إلهيّ (6).
يفترق التدبّر — وهو صيغة التفعّل من دبر — عن التفكّر افتراقًا في جهة المتعلَّق لا في مجرّد المعنى. فأصل دبر في القرءان جهةُ الخلف والعاقبة وآخِرُ الأمر؛ ومن ثَمّ كان التدبّرُ تتبُّعَ القول إلى ما وراء ظاهره وإلى منتهاه. ولذلك جاء متعلَّقُ التدبّر في كلّ مواضعه الأربعة قولًا منزَّلًا لا غير: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ﴾ (سورة النِّسَاء ٨٢)، و﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ (سورة مُحمد ٢٤)، و﴿أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ﴾ (سورة المؤمنُون ٦٨)، و﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ﴾ (ص 29). فلا يقع التدبّر في القرءان إلّا على القرءان أو القول أو آيات الكتاب المنزَّل.
وأمّا التفكّر فلا يقع متعلَّقُه الصريح على نصِّ القرءان قطّ في مواضعه الثمانية عشر، بل الغالب فيه المخلوق والمشهود وما يُضرَب من الأمثال؛ ويخرج عن هذا الغالب ثلاثة مواضع: موضعٌ يأتي فيه التفكّر غايةً لبيان المنزَّل ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة النَّحل ٤٤)، وموضعان مادّتُهما دعوى قيلت في صاحبهم ﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ﴾ (سورة الأعرَاف ١٨٤) و﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ﴾ (سورة سَبإ ٤٦). فحين يُصرَّح بمتعلَّقه بحرف «في» يكون خلقَ السماوات والأرض أو النفس: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ (سورة آل عِمران ١٩١)، و﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ﴾ (سورة الرُّوم ٨). وحين يأتي غايةً للبيان يكون عَقِب عرضِ آيةٍ كونيّة أو مثَلٍ مضروب: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة النَّحل ٦٩)، و﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الجاثِية ١٣). فمادّة التفكّر معطًى حاضرٌ مشهود يُقلَّب لتُستخرَج دلالتُه، لا خطابٌ يُتتبَّع إلى عاقبته.
ويثبت هذا الافتراقَ أنّ الجذرين لا يجتمعان في آيةٍ واحدةٍ البتّة، ولا تجتمع صيغةُ تدبّرٍ مع صيغةِ تفكّرٍ في موضعٍ واحد؛ فكلٌّ منهما يعمل في حقله: التدبّر في الوحي المتلوّ، والتفكّر في الآيات المخلوقة. حتى الموضع الوحيد الذي يُذكَر فيه لفظُ القرءان مع التفكّر لا ينقض ذلك؛ ففي ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الحَشر ٢١) كان القرءانُ مُنزَّلًا «على جبل» في المثَل المضروب، ومادّةُ التفكّر هي الأمثالُ المضروبة للناس لا تتبُّعُ القول نفسه. كذلك الموضع الماضي الوحيد ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (سورة المُدثر ١٨) يكشف أنّ التفكّر في أصله فعلُ تقديرٍ وتقليبٍ للمعطى، يُحمَد إذا توجّه إلى آيات الحقّ ويُذَمّ إذا صار تقديرًا للباطل — وهو معنًى مغايرٌ لتتبُّع الخطاب الذي عليه التدبّر. فالخلاصة أنّ التدبّر مقصورٌ على ما أُنزِل من القول لاستخراج عاقبته، والتفكّر مبثوثٌ في الخلق والنفس والمثَل لاستخراج دلالته، ولا يتبادلان المتعلَّق في القرءان.
1. جذر «نفس» من أوسع جذور القرءان انتشارًا، إذ يرد في نحو ست وتسعين ومئتي موضع موزّعة على عامّة السور، بينما لا يرد «فكر» إلّا في ثمانية عشر موضعًا. ومع هذا الانتشار الواسع لا يجتمع الجذران في آية واحدة إلّا في ثلاثة مواضع فقط: ﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ﴾ (سورة الرُّوم ٨)، و﴿أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا﴾ ثُمَّ ﴿لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الرُّوم ٢١)، و﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا﴾ ثُمَّ ﴿لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الزُّمَر ٤٢).
2. الفارق البنيويّ في هذه المواضع الثلاثة أنّ «النفس» ليست هي الذات الفاعلة للتفكّر قطّ، بل هي إمّا موضع النظر أو الآية المخلوقة المعروضة للنظر. ففي سورة الرُّوم ٨ جاءت النفس مجرورة بحرف «في» موضعًا للتفكّر: ﴿يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ﴾، وهو الموضع الوحيد الذي يتّجه فيه التفكّر إلى النفس نفسها لا إلى ما حولها من الخلق.
3. أمّا في سورة الرُّوم ٢١ وسورة الزُّمَر ٤٢ فالنفس مفعول لفعل إلهيّ: ﴿خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ﴾ و﴿يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ﴾، ثُمَّ تُعرَض هذه النفوس آيةً ﴿لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾. فالنفس معطًى يُخلَق أو يُتوفّى، والتفكّر فعل يُمارَس عليها، فلا تتبادلان الموقع.
4. ويثبت هذا أنّ فاعل «فكر» في مواضعه الثمانية عشر كلِّها إنسانٌ ناظر بصيغة الجماعة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ أو ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، عدا الموضع الماضي المفرد ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (سورة المُدثر ١٨)؛ فالتفكّر حركة فعليّة لها فاعل قائم بها، في مقابل أنّ النفس موصوفة محمولة: تُخلَق، وتُتوفّى، وتُحاسَب، وتُزكّى، ولا تُسنَد إليها صيغة تفكّرٍ مباشرة.
5. فالخلاصة أنّ «فكر» اسم للفعل القائم بالناظر، و«نفس» اسم للذات المنظور فيها أو المنظور إليها؛ ولذلك انحصر اجتماعهما في ثلاثة مواضع تكون النفس فيها موضعَ النظر (سورة الرُّوم ٨) أو آيةً تُعرَض للنظر (سورة الرُّوم ٢١، سورة الزُّمَر ٤٢)، ولم تكن قطّ هي الفاعلة للتفكّر.
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر فكر في القرءان
تركيب «لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ» يرد في ستة مواضع: سورة الرَّعد ٣، سورة النَّحل ١١، ٦٩، سورة الرُّوم ٢١، سورة الزُّمَر ٤٢، سورة الجاثِية ١٣.
صيغ «لَعَلَّكُمۡ/لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ» تظهر في سورة البَقَرَة ٢١٩، ٢٦٦، سورة النَّحل ٤٤، سورة الحَشر ٢١؛ وفيها التفكر غاية للبيان وضرب الأمثال.
أَدعِيَة قُرءانيّة من جَذر فكر
- آل عِمران — الآية 191–194﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ﴾ ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾