موضوع «أمثال» في القرءان الكريم — 72 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
يقع موضوع الأمثال في فرع قصص السابقين والرسل، لكن آياته لا تقف عند سرد واقعة أو تعيين شخص؛ بل تجعل من المشهد، ومن حال الجماعة، ومن صورة العمل، طريقًا لرؤية ما يخفى في النزاع القائم. وسؤاله المركزي هو: كيف يُنقَل الحق أو الباطل، والهدى أو الضلال، والعاقبة أو الخسران، من دعوى مجرّدة إلى صورةٍ تقابلها النفس وتُدرك وجهها؟ لذلك يَرِد المثل في القرءان مصروفًا للناس: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا﴾سورة الإسرَاء٨٩. فالتصريف لا يُلغي اختلاف الاستجابة؛ إذ تعرض مواضع أخرى وجوهًا متصلة لهذا التكرار: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا﴾سورة الكَهف٥٤، و﴿وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ﴾سورة الرُّوم٥٨، و﴿وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾سورة الزُّمَر٢٧.
ويبرز المثل هنا بوصفه موضع مقابلة: نور وظلمات، بقاء وذهاب، أصل ثابت واجتثاث، إنفاق يثمر وإنفاق يذهب، واستواء منفيّ بين صورتين. وهو لا يمنح القارئ جوابًا معزولًا عن النظر، بل يدعوه إلى عقل الصورة؛ ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ﴾سورة العَنكبُوت٤٣. ومن ثمّ تتصل الأمثال بالرسل والأمم السابقة اتصالَ اعتبار: القصة قد تُضرَب مثلًا، ولكن المثل يلتقط منها جهةً تتجاوز تعيين القوم إلى كشف سنّةٍ في الاستجابة والعاقبة.
من النظير إلى إظهار المقصود
تجمع خلاصة الجذر «مثل» بين وضع شيء بإزاء شيء، وبين إثبات نظيرٍ أو معادلٍ في قدر أو حكم. وهذا ظاهر في الأمثال المضروبة: لا تتطابق الصورة المنقولة مع الأمر المقصود في كل وجه، وإنما تُثبّت الجهة التي تكشفه. فالماء والسيل والزبد ليست مقصودةً لذاتها، بل تُوضَع بإزاء الحق والباطل حتى يظهر اختلاف المصير: ﴿كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ﴾سورة الرَّعد١٧. فـ«المثل» آلة نظرٍ تُحكِم المقابلة ولا تمحو الفارق بين طرفيها.
وأما الجذر «فسر» فلا يرد في المادة إلا جوابًا على أمثالٍ يُؤتى بها على جهة الاعتراض: ﴿وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا﴾سورة الفُرقَان٣٣. وبه يظهر أن المثل قد يكون سؤالًا ملتويًا أو اعتراضًا، وأن الجواب يأتي بالحق وبكشفٍ أحسن لوجه المقصود. فليست كلّ صورةٍ مضروبة سواءً: منها ما يفتح سبيل العقل، ومنها ما يصرف صاحبه عن السبيل؛ والآيات نفسها تفرّق بين الضربين.
مسارات الأمثال بين الإبانة والاعتراض والعاقبة
تبدأ الأمثال ببناء المقابلة التي تجعل المعنى منظورًا. فمن الكلمة الطيبة إلى الشجرة الطيبة، ثم إلى الكلمة الخبيثة والشجرة الخبيثة، يتتابع الثبات والإثمار في جهة، والاجتثاث وفقد القرار في جهة مقابلة: ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾سورة إبراهِيم٢٤، و﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ﴾سورة إبراهِيم٢٦. ويعزّز مثل الحق والباطل هذا البناء؛ فالذي ينفع يمكث، وما يرتفع زبدًا ينتهي إلى الذهاب. إن حركة الأمثال هنا ليست تزيينًا للقول، بل نقلٌ من دعوى إلى مشهدٍ يبيّن ثباتها أو انقطاعها.
ولا تنحصر هذه المقابلة في الشجرة والزبد، بل تتكرر في أمثال مسمّاة تستقلّ كلّ واحدة منها بصورتها. فأبرزها صورة النور التي تتدرج من المشكاة إلى المصباح والزجاجة والشجرة، ثم تُتبع بذكر ضرب الأمثال: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾سورة النور٣٥. وإلى جانبها مثل العنكبوت، حيث يجعل اتخاذ الأولياء بإزاء بيتها: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾سورة العَنكبُوت٤١، ومثل الذباب الذي يفتتح بالأمر بالاستماع إلى المثل سورة الحج٧٣. فهذه الصور لا تتبع شاهدًا واحدًا، بل تنوّع جهات النظر بين النور والبيت والعجز.
وتتسع سلسلة الأمثال المسمّاة إلى صور الإنسان والعمل والجماعة. ففي سورة آل عِمران٥٩ يرد مثل عيسى وآدم، وفي سورة النَّحل٧٥ و٧٦ مثل العبد المملوك ومثل الرجلين، ثم مثل الرجلين ذوي الجنتين سورة الكَهف٣٢، ومثل الرجل ذي الشركاء والرجل السلم سورة الزُّمَر٢٩. ويظهر مثل الكلب في سورة الأعرَاف١٧٦-177، ومثل الحمار في سورة الجُمعَة٥، وتُضرَب امرأتا نوح ولوط مثلًا للذين كفروا وامرأة فرعون مثلًا للذين آمنوا في سورة التَّحرِيم١٠-11. ولا تقف الصور عند الأشخاص؛ فمثل الريح التي أصابت الحرث سورة آل عِمران١١٧، ومثل القرية الآمنة سورة النَّحل١١٢، ومثل الغيث سورة الحدِيد٢٠، ومثل الجبل سورة الحَشر٢١، ومثل الزرع سورة الفَتح٢٩، تجعل أثر العمل أو الحال منظورًا في صورة مخصوصة. وهكذا تتكرر الصيغة لا لتعيد المشهد نفسه، بل لتجعل كل صورة مسمّاة موضعًا مستقلًا للمقابلة والاعتبار.
ثم تكشف الآيات أن المثل نفسه ميدان اختبار للاستجابة. ففي موضع البعوضة يختلف تلقّي الصورة بين من يعلم أنها الحق ومن يجعلها موضع سؤال معترض: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾سورة البَقَرَة٢٦. ويتردد السؤال نفسه عند ذكر العدة في سورة المُدثر٣١، بينما تُصوّر آيتا سورة الإسرَاء٤٨ وسورة الفُرقَان٩ ضرب الأمثال على جهةٍ تفضي إلى الضلال وفقد السبيل. فالمثل لا يعمل خارج موقف سامعه؛ بل يُظهر في المتلقي قابليةَ التذكر أو الجدل، والعقل أو الإعراض.
وتنتقل الأمثال إلى الأعمال والعلاقات لتجعل أثرها مرئيًا. فالإنفاق في سبيل الله يُرى حبةً تنبت سنابل: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾سورة البَقَرَة٢٦١. وفي المقابل، يبقى التراب على الصفوان ما دام لم يصبه الوابل، ثم ينكشف الصلد الذي لا يملكه صاحبه: ﴿فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾سورة البَقَرَة٢٦٤. وبينهما مثل الجنة بربوة التي يؤتيها الوابل أو الطلّ أكلها: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾سورة البَقَرَة٢٦٥. فالتقابل لا يصف ظاهر الفعل فقط، بل يُظهر ثمرةَ وجهته.
ويستوعب الموضوع الأمثال التي تُضرَب من أحوال السابقين. فالأمر الصريح: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ﴾سورة يسٓ١٣، ثم تتسع المادة إلى إرسالٍ وتكذيبٍ وتعزيز، واعتراضٍ على المرسلين، وتهديد، ودعوةٍ إلى اتباعهم، ثم نهاية القوم. ولا تُختزل السلسلة في أولها؛ فالتكرار في ختامها يضعها في قانون متصل: ﴿يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾سورة يسٓ٣٠. ويجاورها قولٌ جامع: ﴿وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا﴾سورة الفُرقَان٣٩، وقولٌ يخاطب الساكنين في مساكن الظالمين: ﴿وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ﴾سورة إبراهِيم٤٥. وهكذا لا تصبح القصة مجرد خبرٍ مضى، بل مثلًا يواجه الحاضر بجهة الاستجابة والعاقبة. وتكشف السلسلة تتابع الدعوة والرد والعاقبة في صورة واحدة قابلة للاعتبار.
وفي مسار آخر تصوّر الأمثال سرعة زوال الحياة الدنيا وافتتان النظر بظاهرها. فالأرض التي أخذت زخرفها تؤول حصيدًا: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾سورة يُونس٢٤. وتعيد سورة الكَهف٤٥ بناء الصورة بالماء والنبات، لكنّها تنتهي إلى الهشيم الذي تذروه الرياح: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا﴾سورة الكَهف٤٥. ويأتي مثل السراب والظلمات ليمنع انخداع البصر بوجود ما ليس بماء أو بنور. وتقابل هذه النهايات أمثال الجنة، حيث الدوام والعاقبة، فيتحول المثل من وصف مشهد إلى ميزانٍ بين مصيرين.
المثل ليس قصةَ شخص ولا خبرَ قوم
يتمايز هذا الموضوع عن موضوع موسى وفرعون بأن ذلك الموضوع يُقيم القراءة على واقعة نجاةٍ وإغراقٍ وشخصين مسمّيين: ﴿وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾سورة البَقَرَة٥٠. أما الأمثال فتأخذ من أحوال القرى والرسل ومن غيرها وجهًا قابلًا للعرض المتكرر، من غير أن يكون تعيين الواقعة غايتها الأولى.
ويتباين مع موضوع إبراهيم الذي تدور شواهده حول الابتلاء والإمامة والبيت: ﴿وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ﴾سورة البَقَرَة١٢٤. فالمثل لا يختص بشخص ولا بسلسلة شخصه، بل يضع صورًا متقابلة للناس. وكذلك يفترق عن موضوع يوسف الذي يبتدئ بقولٍ يعيّن القصص نفسه: ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ﴾سورة يُوسُف٣. فهناك تتوالى قصة محددة، وهنا تتوزع الصور بين الإنفاق والنور والقرية والشجرة والحياة الدنيا.
وأوثق الصلة تظهر مع موضوع نوح وهود وصالح؛ إذ تتكرر في شواهدهما دعوة القوم وردّ الملإ، مثل: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾سورة الأعرَاف٥٩. لكن الأمثال تجمع هذا النمط وتحوّله إلى اعتبارٍ مفتوح، كما في مثل أصحاب القرية؛ لذلك لا يستبدل أحد الموضوعين الآخر: ذاك يحفظ تفصيل الدعوة في قومها، وهذا يكشف الصورة الجامعة التي تنتقل عبر أحوالٍ متعددة.
اتساع المادة وتكاثف مواضع القصص
تدل البيانات على 102 آيات موثقة للموضوع، منها 58 محورية و44 ذات صلة. وهذا الاتساع يفسّر لماذا لا يكفي تعريف المثل من شاهد واحد: فالمادة تمتد من صورة النور والظلمات، إلى صور الإنفاق، إلى أمثال القرى والرسل، إلى الحياة الدنيا والجنة والعاقبة.
ويظهر التوزع أن سورة يسٓ تتصدر بـ19، ثم الكَهف بـ15، ثم البَقَرَة بـ12، وتأتي إبراهِيم والنَّحل بـ5 لكلٍّ منهما. وهذا يكشف زاوية دقيقة في موقع الموضوع: إن حضوره الكثيف لا ينحصر في الأمثال القصيرة؛ بل يتصل في يسٓ بمثل أصحاب القرية وسلسلة المرسلين، وفي الكَهف بمثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا، وفي البَقَرَة بمقابلات الإنفاق والاستجابة. فالمثل في هذا الموضع باب يجمع المشهد والسلوك والقصة والعاقبة.
خيوط الصورة والحق والرسل
يفتح موضوع الأمثال خيطًا مع الجذر «فسر» عند مجيء الحق في مواجهة مثل المعترض، وخيطًا مع الجذر «مثل» في المماثلة والمعادلة والمقابلة. كما يتصل بموضوعات الرسل والأمم لا لأن كل قصة مثل، بل لأن القصة قد تُعرض حتى تصير موضع اعتبارٍ ممتدًا. ويكشف قوله: ﴿فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ﴾سورة الزُّخرُف٥٦ انتقالَ الجماعة من وقوعها الخاص إلى دلالتها لمن بعدهم.
ويتصل كذلك بالحق والباطل اتصالًا مباشرًا في مثل الزبد، وبالنور والظلمات في صور الهدى والضلال. ومن هذه الخيوط تتسع القراءة: المثل لا يضيف صورةً إلى المعنى فحسب، بل يُظهر موضعَ الاختلاف في السامع، ويصل الحاضر بما مضى، ويجعل العاقبة قابلةً للنظر والتذكر.