مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر خصم في القُرءان الكَريم — 18 موضعًا
جواب مباشر
دلالة جذر خصم في القرءان
دلالة جذر «خصم» في القرءان: خصم = المقابلة النزاعيّة بالحجّة والدعوى. تكون فعلًا يقع بين طرفين أو أكثر في الكلام أو الحكم أو الموقف الأخر… ← التعريف الكامل
ورد الجذر 18 موضعًا، في 12 صيغة في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «الجدل والحجاج والخصام». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر خصم من شواهد القرءان وحده.
الصِيَغ المُسجَّلة ·12
التَعريف المُحكَم لجَذر خصم في القُرءان الكَريم
خصم = المقابلة النزاعيّة بالحجّة والدعوى. تكون فعلًا يقع بين طرفين أو أكثر في الكلام أو الحكم أو الموقف الأخرويّ، وتكون وصفًا لازمًا لمن اتّصف بها ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ و﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ و﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾. فلا يَنحصر الجذر في وقوع المخاصمة، بل يَشمل الاتّصافَ بها والاستعدادَ لها.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
خصم يصف المقابلة النزاعية التي تحتاج حسمًا، من خصومة الإنسان إلى تخاصم أهل النار والخصمين بين يدي داود.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر خصم
يدور الجذر على المقابلة النزاعية. فهو يظهر وصفًا للإنسان الخصيم المبين، واسمًا للطرفين المتنازعين، ومصدرًا للخصام، وفعلًا للاختصام بين جماعات أو يوم القيامة. اختبار الاستيعاب يثبت أن المواضع القضائية والكلامية والأخروية لا تخرج عن هذا الجامع: طرف يواجه طرفًا في دعوى أو موقف، ولا يكتفي بمجرد الكلام.
الآية المَركَزيّة لِجَذر خصم
الشاهد المركزي: سورة الحج ١٩: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ﴾
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
| الصيغة | العدد | الوجه |
|---|---|---|
| ﴿يَخۡتَصِمُونَ﴾ | 4 | فعل مضارع |
| ﴿خَصِيمٞ﴾ / ﴿خَصِيمٗا﴾ | 3 | وصف |
| ﴿خَصۡمَانِ﴾ | 2 | تثنية |
| ﴿ٱلۡخِصَامِ﴾ | 2 | مصدر معرّف |
| ﴿تَخَاصُمُ﴾ | 1 | مصدر |
| ﴿تَخۡتَصِمُواْ﴾ | 1 | فعل مضارع |
| ﴿تَخۡتَصِمُونَ﴾ | 1 | فعل مضارع |
| ﴿خَصِمُونَ﴾ | 1 | وصف جمع |
| ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ | 1 | فعل مضارع |
| ﴿ٱخۡتَصَمُواْ﴾ | 1 | فعل ماضٍ |
| ﴿ٱلۡخَصۡمِ﴾ | 1 | اسم معرّف |
يتوزّع الجذر بين أفعالٍ تدلّ على وقوع المخاصمة أو توجّهها، وأسماءٍ تعرض أطرافها أو وصفهم، ومصادرٍ تسمّي الحالة نفسها. ويبرز الفعل المضارع في بناء الحضور المتجدّد للمخاصمة، إلى جانب انتقال الصيغ بين المفرد والتثنية والجمع.
التَجميع الصَرفيّ الآليّ لِصيَغ جَذر خصم بِالأَوزان
صيغ الجَذر «خصم» بِرَسمها التَوقيفيّ، مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع). العَدَد أَعلى كُلّ بِطاقَة تَقريبيّ لِأَنَّ التَجميع آليّ؛ والجَرد الكامِل في شَريط «الصِيَغ المُسجَّلة» أَعلى الصَفحَة.
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر خصم
إجمالي المواضع: 18 موضعًا في 17 آية، منها 1 آية تحوي أكثر من موضع.
- سورة البَقَرَة ٢٠٤ — ٱلۡخِصَامِ
- سورة آل عِمران ٤٤ — يَخۡتَصِمُونَ
- سورة النِّسَاء ١٠٥ — خَصِيمٗا
- سورة النَّحل ٤ — خَصِيمٞ
- سورة الحج ١٩ — خَصۡمَانِ، ٱخۡتَصَمُواْ
- سورة الشعراء ٩٦ — يَخۡتَصِمُونَ
- سورة النَّمل ٤٥ — يَخۡتَصِمُونَ
- سورة يسٓ ٤٩ — يَخِصِّمُونَ
- سورة يسٓ ٧٧ — خَصِيمٞ
- سورة صٓ ٢١ — ٱلۡخَصۡمِ
- سورة صٓ ٢٢ — خَصۡمَانِ
- سورة صٓ ٦٤ — تَخَاصُمُ
- سورة صٓ ٦٩ — يَخۡتَصِمُونَ
- سورة الزُّمَر ٣١ — تَخۡتَصِمُونَ
- سورة الزُّخرُف ١٨ — ٱلۡخِصَامِ
- سورة الزُّخرُف ٥٨ — خَصِمُونَ
- سورة قٓ ٢٨ — تَخۡتَصِمُواْ
- الصِيَغ: 12 صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: يَخۡتَصِمُونَ.
- أَبرَز الصِيَغ: يَخۡتَصِمُونَ (4) ٱلۡخِصَامِ (2) خَصِيمٞ (2) خَصۡمَانِ (2) خَصِيمٗا (1) ٱخۡتَصَمُواْ (1) يَخِصِّمُونَ (1) ٱلۡخَصۡمِ (1)
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
القاسم المشترك هو حضور طرف مقابل. الخصيم لا يكون وحده من حيث المعنى؛ فهو مهيأ للمجادلة أو واقع فيها، والخصمان لا يظهران إلا مع دعوى تتطلب حكمًا أو فصلًا.
مُقارَنَة جَذر خصم بِجذور شَبيهَة
يفترق خصم عن جدل بأن الجدل إبراز الحجة وترديدها، أما الخصم فهو وضع نزاعي بين أطراف. ويفترق عن مرى بأن المراء منازعة في الحق بعد ظهوره، أما الخصام أعم في مواضع الحكم والآخرة والكلام. ويفترق عن بغي بأن البغي ظلم في التعدي، أما الخصومة فقد تكون موضع حكم ولو وقع فيها بغي.
اختِبار الاستِبدال
في سورة النِّسَاء ١٠٥ لا يكفي معنى جدل؛ لأن النهي عن أن يكون النبي خصيمًا للخائنين يخص موقع الطرف المنافح. وفي ص 22 لا يصلح مراء بدل خصمان؛ لأن النص يطلب الحكم بين طرفين. وفي ق 28 النهي عن الاختصام لدى الله يثبت موقف المنازعة لا مجرد القول.
الفُروق الدَقيقَة
تتدرج المواضع من خصومة الإنسان المفاجئة بعد الخلق، إلى خصومة قضائية بين طرفين، إلى تخاصم أهل النار. هذا الاتساع لا يغيّر الجامع، بل يكشف أن الجذر يصف بنية المقابلة النزاعية نفسها.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الجدل والحجاج والخصام.
ينتمي إلى حقل الجدل والحجاج والخصام، وزاويته الخاصة ليست صناعة الحجة وحدها، بل تحوّل القول أو الموقف إلى مواجهة بين خصمين.
مَنهَج تَحليل جَذر خصم
اعتُمد العدد الخام لأن سورة الحج ١٩ يحوي وقوعين حقيقيين: خصمان واختصموا. وسُجلت صورة غير في صف سورة الزُّخرُف ١٨ بوصفها انزياحًا في حقل الرسم، مع إبقاء المرجع لأنه يحمل لفظ الخصام في النص.
الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر حكم)
خصم يدل على مقابلة نزاعية بين طرفين أو أكثر، وأقوى طرف قرءاني يقابله في الوظيفة هو حكم؛ لأن الخصومة تطلب فصلًا أو تقابل حكم العدل بانحياز الخصيم. في النساء يأتي الحكم بالحق بين الناس ثم النهي عن أن يكون المخاطب خصيمًا للخائنين: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾. وفي ص يجتمع الخصمان وطلب الحكم بينهما بالحق: ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾. فحكم ليس ضدًا لفظيًا لخصم، لكنه المقابل السياقي الذي ينقل الموقف من تنازع الأطراف إلى فصل الحق بينهم. أما لدد وجدال وبغي فهي أوصاف أو أفعال داخل الخصومة لا تقابلها. لذلك تسجل العلاقة مع حكم بوصفها مقابلة سياقية في الآية نفسها، لا ضدًا صريحًا مطلقًا.
- الخصومة تقيم طرفين متقابلين، والحكم يطلب رفع هذا التقابل إلى فصل عادل.
- اجتماع الجذرين مرتين يجعل العلاقة وظيفية لا عرضية: نزاع يعرض، وحكم يفصل.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر خصم
- سورة البَقَرَة ٢٠٤: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾
- سورة النِّسَاء ١٠٥: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾
- سورة النَّحل ٤: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾
- سورة الحج ١٩: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ﴾
- سورة صٓ ٢٢: ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾
- سورة الزُّمَر ٣١: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾
- سورة قٓ ٢٨: ﴿قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ﴾
الملاحَظات اللَطيفَة عَن جَذر خصم
من لطائف الجذر أن صيغة يختصمون هي الأكثر تكرارًا بأربع وقوعات، وأن سورة ص تجمع أربع زوايا: الخصم، خصمان، تخاصم أهل النار، واختصام الملأ الأعلى. هذا يجعل السورة مركزًا لاختبار اتساع الجذر.
لطيفة بنيوية تُضاف إلى لطائف «خصم» — الصورة المُدغَمة الفريدة:
للجذر صورتان رسميّتان من صورة الخصومة المتبادلة: صورةٌ تَرِد بأربعة مواضع ﴿يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة آل عِمران ٤٤، سورة الشعراء ٩٦، سورة النَّمل ٤٥، ص ٦٩)، وصورةٌ مُدغَمةٌ لا تَرِد إلّا مرّةً واحدةً في كلّ القرءان ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ (سورة يسٓ ٤٩). وتنفرد هذه الصورة الوحيدة بأنّها تقع في سياق البغتة، إذ تأخذهم الصيحةُ الواحدةُ وهم في عين المخاصمة: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾، فاجتماع الصورة الرسميّة الفريدة مع الأخذ المفاجئ يجعل هذا الموضع منفردًا في توزيع صور الجذر داخل القرءان. تنبيه: لا يُدرَج «التضعيف = مبالغة» ولا يُذكَر تعليل نحويّ مستورد؛ الملاحظة مقصورة على صورة الرسم والتوزيع الداخليّ.
الخصومة في القرءان مدارها اللسان والحجّة لا السلاح والقلب؛ فالخصم مُحاجِجٌ مُجادِلٌ، والعدوّ صاحب عداوةٍ في القلب وفعلٍ في الميدان.
١) لا يقع الجذر في مواضعه في سياق قتالٍ ولا إعدادٍ للحرب، بل في القول والدعوى والحكم. في سورة البَقَرَة ٢٠٤ يُربط الخصام صراحةً بالكلام: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ ثُمَّ ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾، فالخصومة وصفٌ لقوله.
٢) الخصم مقرونٌ بالبيان والجدل: في سورة الزُّخرُف ٥٨ وصفهم بالجدل ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾، وفي سورة النَّحل ٤ وسورة يسٓ ٧٧ يُوصف الإنسان ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾؛ والمبين من النطق لا من الضرب.
٣) موطنها مجلس الحكم: في سورة النِّسَاء ١٠٥ ﴿لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ ثُمَّ ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾، وفي ص ٢٢ ﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ﴾. وحتّى خصومة الآخرة قوليّة: سورة الحج ١٩ ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾، وسورة يسٓ ٤٩ ﴿وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾.
٤) في مقابل ذلك، العداوة تنزل منزلة القلب والميدان. تقترن بالبغضاء التي محلّها الباطن: سورة المَائدة ٩١ ﴿أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ﴾، وزوالها انقلابُ القلب ولاءً: سورة فُصِّلَت ٣٤ ﴿فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾.
٥) ويظهر العدوّ حيث يغيب الخصم تمامًا: ساحة القتال والإعداد، سورة الأنفَال ٦٠ ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ ﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾. فلا يأتي (خصم) قطّ في إعدادٍ أو قتال، ولا تأتي العداوة موصوفةً بجدلٍ أو طلب حكم: خصومةٌ بالحجّة أمام فاصل، وعداوةٌ في القلب تفضي إلى الفعل.
الخصومة حين تبلغ مقام الربوبيّة لا تبقى جدلًا، بل تنقلب مصيرًا يُقتَصّ من صاحبه. تكشف مواضع الجذر عن تدرّج صاعد ينتهي عند الربّ:
١) المنعطف الفاصل أنّ الجذر يجتمع مع لفظ «ربّ» في موضعين: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (سورة الحج ١٩)، و﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّمَر ٣١). ففي الأوّل محلُّ الخصومة الربُّ نفسه، وفي الثاني موضعُها بين يدَيه يوم القيامة؛ وهو أعلى ما تبلغه الخصومة.
٢) وجوابها لا يأتي حكمًا قوليًّا بل عقابًا حسّيًّا متّصلًا بالآية: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ﴾ (سورة الحج ١٩). فالخصومة في مقام الربّ ترتدّ على المُخاصِم نارًا.
٣) ويُختم المسار بأن التخاصم يصير حالًا دائمة لأهل النار، مؤكَّدًا بأدوات التحقيق: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (ص ٦٤)، فلم يَعُد فعلًا عارضًا.
٤) ويظهر التقابل في سورة ص ذاتها: خصومةٌ يُحتكَم فيها إلى عدل ﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ﴾ (ص ٢٢)، في مقابل ﴿تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (ص ٦٤) التي لا حَكَم بعدها.
٥) والخصومة مذمومةٌ حين تُوجَّه للحقّ: الإنسان موصوفٌ بها فور خلقه ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة النَّحل ٤، وسورة يسٓ ٧٧)، وأشدّها ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٠٤) و﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّخرُف ٥٨). والنهي الوحيد المباشر: ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (سورة النِّسَاء ١٠٥) — أي لا تُخاصِم نصرةً للباطل.
فالقاعدة المطّردة على المواضع كلّها: كلّما ارتفعت الخصومة من نزاع الناس إلى مخاصمة الربّ والحقّ، انقلبت من جدلٍ يُحتكَم فيه إلى عقابٍ يُقتَصّ به، حتّى تستقرّ حالًا لأهل النار.
الخَصمُ في القرءان طرفٌ مُحدَّدٌ مُعَيَّنٌ لا كثرةٌ مُبهَمة، وأكثرُ ما يَرِد في تقابلٍ ثنائيّ. ولا يَطّرد الانحصارُ في قُطبَين: ففي سورة آل عِمران ٤٤ يَختصم مُتنافسون على كفالةٍ واحدة ﴿يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ﴾، ولا تَقسمهم الآيةُ قُطبَين.
١) الصيغة المثنّاة تنطق بهذا التحديد صراحةً: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (سورة الحج ١٩)، ﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾ (ص ٢٢). فالخَصمُ يَرِدُ طرفَين، يُشار إليهما بـ﴿هَٰذَانِ﴾، ويُقسَّمان بـ﴿بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾.
٢) وحين يُجمَع يبقى الخَصمُ جماعةً مُعَيَّنةً ذات وجهٍ واحدٍ في النزاع: ﴿نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ﴾ (ص ٢١) — جماعةٌ بعينها دخلت محرابًا بعينه على رجلٍ بعينه.
٣) والفردُ خصيمٌ مُحدَّدٌ كذلك: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة النَّحل ٤، سورة يسٓ ٧٧)، و﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (سورة النِّسَاء ١٠٥) طرفًا منحازًا لِفئةٍ مُعَيَّنة، و﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٠٤) لشخصٍ مُعَيَّن.
٤) وحين يُذَمُّ قومٌ بالخصومة فبوصفٍ لازمٍ لهم وحدهم: ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّخرُف ٥٨)، ﴿وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾ (سورة الزُّخرُف ١٨) — طرفٌ معروفٌ لا حشدٌ مفتوح.
٥) في مقابل هذا الانحصار الثنائيّ، تأتي الصيغة المثنّاة من «جمع» للحشدِ المفتوح المتلاقي: ﴿يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ (سورة آل عِمران ١٥٥ و١٦٦، سورة الأنفَال ٤١)، ﴿فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ (سورة الشعراء ٦١). فـ﴿ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ كتلتان لا حصرَ لأفرادهما، و﴿خَصۡمَانِ﴾ طرفان محصوران؛ الأوّل لقاءُ كثرةٍ، والثاني مواجهةُ مُحدَّدَين.
٦) ولا يجتمع الجذران في آيةٍ واحدةٍ في القرءان كلّه: الخصومةُ مُساءلةٌ بين طرفَين مُعيَّنَين، والجمعُ احتشادُ عددٍ مفتوح؛ فافترقا في النصّ كما افترقا في الدلالة على التحديد والكثرة.
أَبواب الفِعل لِجَذر خصم
الجامِع الدَلاليّ في الجذر «خصم» هو وُقوع طَرَفَين في تَنازُع بِالقَول أَو الحُجَّة. لكِنَّ القُرءان وَزَّع هذا المَعنى عَلى أَربَعَة أَبواب لا يَسُدّ أَحَدُها مَسَدّ الآخَر: المُجرَّد (خَصِيم، خَصۡم، خَصِم، خَصِمون) يُثبِت الصِفَة في الفاعِل قَبل وُقوع الفعل، فهو طَبع لازِم أَو وَصف ثابِت. والتَفاعُل (تَخاصُم) يُصَوِّر الخِصام بَين جَمع في وَقتٍ واحِد بِلا غالِب. والافتِعال (اختَصَمَ/يَختَصِمون) يَنقُل الخِصام إلى فعل واقِع بِجَهد ومُغالَبَة، ومَوضِعه الغالِب يَوم القيامَة. والمَصدَر الاسميّ (الخِصام) يَرفَع الفعل عَن الفاعِلين ويَجعَلهُ حالَةً يُوصَف بِها العَبد. ومَدار الفَرق: هَل الخِصام صِفَة في الذات، أَم مُشارَكَة في زَمَن، أَم فعل مُتَكَلَّف، أَم حالَة قائمَة تُذَمّ؟
- ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (سورة النِّسَاء ١٠٥)
- ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة النَّحل ٤)
- ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (سورة الحج ١٩)
- ﴿أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة يسٓ ٧٧)
- ﴿وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ﴾ (سورة صٓ ٢١)
- ﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ﴾ (سورة صٓ ٢٢)
- ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّخرُف ٥٨)
- ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (سورة صٓ ٦٤)
- ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (سورة الحج ١٩)
- ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة آل عِمران ٤٤)
- ﴿قَالُواْ وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الشعراء ٩٦)
- ﴿فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة النَّمل ٤٥)
- ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾ (سورة يسٓ ٤٩)
- ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة صٓ ٦٩)
- ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّمَر ٣١)
- ﴿قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ﴾ (سورة قٓ ٢٨)
- ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٠٤)
- ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾ (سورة الزُّخرُف ١٨)
لَطائف بِنيويّة
- غياب الفعل الماضي والمُضارِع من المُجَرَّد قانون بِنيويّ في هذا الجذر: لم يَرِد في القُرءان «خَصَمَ» ولا «يَخۡصِمُ» ولا أَيّ صيغَة فِعليَّة من المُجَرَّد البَتَّة، بَل اقتَصَر المُجَرَّد عَلى ثَلاث صيغ اسميَّة (خَصِيم، خَصۡم، خَصِم) و﴿خَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّخرُف ٥٨). فالمُجَرَّد في هذا الجذر مَوقوف بِنيويًّا عَلى إِثبات الصِفَة لا إِجراء الفِعل، والقُرءان نَقَل كل ما يَتَعَلَّق بِالفِعل إلى الافتِعال. وهذا فَريد بَين الجُذور الكِبيرَة، إذ غَيرها يَجمَع بَين فِعل المُجَرَّد وَأَسمائه.
- تَوزيع سورَة صٓ يَكشِف نَمَطًا فَريدًا: أَربَعَة مَواضِع من ثَمانيَة عَشَر في سورَة واحِدَة (سورة صٓ ٢١، ٢٢، ٦٤، ٦٩) — أَي ٢٢٪ من كل الجذر. والمَواضِع تَتَوَزَّع عَلى ثَلاثَة أَبواب: المُجَرَّد ﴿ٱلۡخَصۡمِ﴾ (سورة صٓ ٢١) و﴿خَصۡمَانِ﴾ (سورة صٓ ٢٢)، والتَفاعُل ﴿تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (سورة صٓ ٦٤)، والافتِعال ﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة صٓ ٦٩). فالسورَة وَحدها تَجمَع ثَلاثَة من أَربَعَة أَبواب الجذر، وتُجَسِّد التَدَرُّج: من الخَصۡم بَين دَاوُد، إلى التَخاصُم في النار، إلى الاختِصام في المَلَإِ الأَعلى.
- ارتِباط الافتِعال بِالآخِرَة قانون شِبه مُطلَق: من ثَمانيَة مَواضِع لِلافتِعال، سَبعَة في سياق الآخِرَة أَو ما يُحيل إِلَيها (سورة الحج ١٩، سورة الشعراء ٩٦، سورة يسٓ ٤٩ في صيحَة العَذاب، سورة صٓ ٦٩، سورة الزُّمَر ٣١، سورة قٓ ٢٨، سورة النَّمل ٤٥ في فَريقَي ثَمود بَعد الإِنذار). والمَوضِع الوَحيد الذي يَخرُج عَن هذا النَمَط هو ﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة آل عِمران ٤٤) في كُفَلاء مَريَم. فالافتِعال في هذا الجذر هو فِعل الخِصام الأُخرَويّ بِامتِياز، بِخِلاف المُجَرَّد الذي يُوصَف به الإِنسان في حَياته الدُنيا (سورة النَّحل ٤، سورة يسٓ ٧٧).
- تَكرار بِنيَة «خَلَقَ الإِنسان من نُطفَة فَإِذا هو خَصيم مُبين» في سورة النَّحل ٤ وسورة يسٓ ٧٧ بِالحَرف الواحِد تَقريبًا: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة النَّحل ٤) و﴿أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة يسٓ ٧٧). الصيغَة «خَصِيم مُبين» تَتَجاوَر مَع ذِكر النُطفَة دائمًا، فالقُرءان يَجعَل صِفَة الخُصومَة لازِمَةً لِالإِنسان من أَصل خِلقَته. والفاء في ﴿فَإِذَا﴾ لِلمُفاجَأَة، فَكَأَنَّ الانتِقال من النُطفَة إلى الخَصيم المُبين قَلب بِنيويّ كامِل.
- ظاهِرَة الإِدغام في سورة يسٓ ٤٩: ﴿وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾ صيغَة مُفرَدَة لا تَتَكَرَّر في القُرءان، أَصلها «يَختَصِمون» (افتِعال) فأُدغِمَت التاء في الصاد بَعد نَقل حَرَكَتها إلى الخاء، فَصارَت ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بِشَدَّة عَلى الصاد. والمَوضِع يَصِف اللَحظَة التي تَأخُذهم الصَيحَة فَجأَةً وهُم مَشغولون بِالخِصام الدُنيَويّ — والإِدغام يُحدِث في النُطق سُرعَةً ومُفاجَأَةً تُناسِب المَشهَد المُفاجِئ ﴿صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ﴾. فالصِيغَة الصَوتيَّة جُزء من البَلاغَة البِنيويَّة.
- حَرف الجَرّ ﴿فِي﴾ مَع الافتِعال والمَصدَر — قانون مَوضوع الخِصام: في الافتِعال ﴿ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (سورة الحج ١٩)، وفي المَصدَر ﴿فِي ٱلۡخِصَامِ﴾ (سورة الزُّخرُف ١٨). وفي بَقيَّة مَواضِع الافتِعال يُذكَر الظَرف لا المَوضوع: ﴿لَدَيَّ﴾ (سورة قٓ ٢٨)، ﴿عِندَ رَبِّكُمۡ﴾ (سورة الزُّمَر ٣١)، ﴿فِيهَا﴾ — في النار (سورة الشعراء ٩٦). فالخِصام في القُرءان يُذكَر مَوضوعه نادِرًا، وأَكثَر ما يُذكَر هو ظَرف وُقوعه: عِندَ الرَبّ، لَدَى الله، في النار، في المَلَإِ الأَعلى. والمَوضِع الوَحيد الذي يُذكَر فيه المَوضوع صَريحًا هو سورة الحج ١٩ — والمَوضوع نَفسه هو الرَبّ.
- تَقابُل ﴿أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ مَع ﴿فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾: مَوضِعا المَصدَر الوَحيدان (سورة البَقَرَة ٢٠٤، سورة الزُّخرُف ١٨) يَكشِفان طَرَفَي ذَمّ مُتَقابِلَين في الخِصام. الأَوَّل ذَمّ بِفَرط القُدرَة عَلى الخِصام والتَوَسُّع فيه ﴿أَلَدُّ﴾، والثاني ذَمّ بِالعَجز عَن البَيان داخل الخِصام ﴿غَيۡرُ مُبِينٖ﴾. فالمَصدَر في القُرءان لا يَأتي عَلى صيغَة مَدح أَبَدًا، بَل يَجعَل الخِصام بِوَصفه حالَةً قائمَةً مَدخَلًا لِلذَمّ من جِهَتَين: الإِفراط أَو القُصور.
اكتِشافات بِنيويّة تَخصّ جَذر خصم
- قانون اقتِران «في» بِظَرف الخِصام لا بِمَوضوعه يَنفَرِد الجَذر «خصم» في القُرءان بِقانون بِنيويّ ثابِت في طَريقَة تَعديَته بِحَرف الجَرّ «في»: حين يَجيء الفِعل في صيغَة الافتِعال أَو يَجيء المَصدَر، يَرتَبِط «في» في الغالِب بِظَرف الخِصام لا بِمَ…يَنفَرِد الجَذر «خصم» في القُرءان بِقانون بِنيويّ ثابِت في طَريقَة تَعديَته بِحَرف الجَرّ «في»: حين يَجيء الفِعل في صيغَة الافتِعال أَو يَجيء المَصدَر، يَرتَبِط «في» في الغالِب بِظَرف الخِصام لا بِمَوضوعه. فالظَرف يَتَنَوَّع بَين ظَرف مَكان كَالنار: ﴿وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الشعراء ٩٦)، وَظَرف حَضرَة الرَبّ بِحَرف غَير «في»: ﴿لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ﴾ (سورة قٓ ٢٨)، وَ﴿عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّمَر ٣١)، وَمَوقِع المَلَإِ الأَعلى: ﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة صٓ ٦٩). يَخرُج عَن هذا النَمَط مَوضِع واحِد فَريد يَدخُل فيه «في» عَلى مَوضوع الخِصام لا عَلى ظَرفه: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡ﴾ (سورة الحج ١٩) — فَالاختِصام هُنا «في» الرَبّ نَفسه، أَي عَلى شَأنه وَأَمره. وَيَنضَمّ تَركيب المَصدَر: ﴿وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾ (سورة الزُّخرُف ١٨)، حَيث «في» تَدخُل عَلى المَصدَر بِوَصفِه حالًا. فَحَصيلَة التَوزيع: «في» مَع الخِصام تَصِف الظَرف في الغالِب، وَلا تَكشِف مَوضوعه إلّا في مَوضِع واحِد، وَهو الرَبّ. وَلا يَدخُل «في» عَلى حَضرَة الله بَل «عِندَ» أَو «لَدَى»، فَكَأَنَّ النَصّ يَحفَظ «في» لِالظَرف المُحيط، وَ«عند/لدى» لِحَضرَة الفَصل الإلهيّ.
- صيغَة «خَصِيم» المُبالِغَة: خُصومَةٌ مَوقوفَةٌ على الإنسان ذَمًّا يُفرِّق القُرءان بين بابَين اسميَّين لجذر «خصم» لا يَسُدّ أَحَدُهما مَسَدّ الآخَر: «خَصۡم» اسمٌ مُجرَّد يُسَمّي الطَرَف المُتَنازِع كَكِيان، فيَرِد مُثَنّى مَحضًا ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي…يُفرِّق القُرءان بين بابَين اسميَّين لجذر «خصم» لا يَسُدّ أَحَدُهما مَسَدّ الآخَر: «خَصۡم» اسمٌ مُجرَّد يُسَمّي الطَرَف المُتَنازِع كَكِيان، فيَرِد مُثَنّى مَحضًا ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (سورة الحج ١٩) و﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾ (سورة صٓ ٢٢)؛ أمّا صيغَة المُبالَغَة «خَصِيم/خَصِم» فلا تَصِف كِيانًا مُحايِدًا، بل تَصِف الإنسانَ في مَقامِ ذَمٍّ دائمًا، ولا تَخرُج عنه. وأَوضَح بُرهانٍ على ذلك تَكرار الجُملَة بِنَصِّها مَرَّتَين عَقِب ذِكر أَصلِ الإنسان من نُطفَة: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة النَّحل ٤)، ثُمَّ ﴿أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة يسٓ ٧٧). فالمُخاصَمَة لازِمَةٌ تَنبَثِق مِن أَصلِه الضَئيل فَجأَةً «فَإِذَا». وتَطَّرِد الصيغَة في الذَمّ: نَهيٌ ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (سورة النِّسَاء ١٠٥)، ووَصمٌ بالجَدَل ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّخرُف ٥٨). فالاسم المُجرَّد يُسَمّي الطَرَف، والمُبالَغَة تَدمَغ الإنسانَ بالخُصومَة طَبعًا مَذمومًا.
- صيغَة الافتِعال «اختَصَمَ» تَلزَمُها الكَثرَة، والمُجَرَّد «خَصيم» لِلفَرد يُمَيِّز القُرءان في جذر «خصم» بين بابَين صَرفيَّين لا يَتَبادَلان مَواقِعَهما: باب الافتِعال «اختَصَمَ / يَختَصِم» الذي يَقتَضي تَشارُكَ طَرَفَين فَأَكثَر، وباب المُجَرَّد «خَصيم» الذي يَصِف فَردًا…يُمَيِّز القُرءان في جذر «خصم» بين بابَين صَرفيَّين لا يَتَبادَلان مَواقِعَهما: باب الافتِعال «اختَصَمَ / يَختَصِم» الذي يَقتَضي تَشارُكَ طَرَفَين فَأَكثَر، وباب المُجَرَّد «خَصيم» الذي يَصِف فَردًا واحِدًا. فالافتِعال يَرِد سَبعَ مَرّاتٍ، وفي كُلِّها يَكون فاعِلُه جَمعًا أَو مُثَنّى دون استِثناء: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ﴾ (سورة الحج ١٩)، و﴿فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة النَّمل ٤٥)، و﴿وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الشعراء ٩٦)، و﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّمَر ٣١). فالخُصومَة في صيغَة الافتِعال فِعلٌ تَبادُليّ لا يَنعَقِد بِواحِد، لأنّ المُفاعَلَة تَستَدعي خَصمًا يُقابِلُه خَصم. أمّا المُجَرَّد فيَقِف عِند الفَرد المُنفَرِد بِخُصومَته: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة النَّحل ٤)، و﴿تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (سورة النِّسَاء ١٠٥). فلا يَجتَمِع في القُرءان «خَصيمٌ» يَختَصِم وَحدَه، ولا «اختِصامٌ» لِفَردٍ بِلا طَرَفٍ مُقابِل؛ فالصيغَة هي التي تَحمِل عَدَدَ الأَطراف: المُجَرَّد لِلواحِد، والافتِعال لِالتَّعَدُّد. وهذا يُفَسِّر لِمَ جاء «خَصۡمَان» مُثَنًّى حَيثُ وَرَد الافتِعال في الحَجّ، فالبِنيَة الصَّرفيَّة والعَدَدِيَّة مُتَطابِقَتان.