قَ
قَولات
موسوعة جذور القرءان

مدلول الآية · قراءة داخليّة من الجذور والسياقالمُرسَلات٤٠

الجزء 29صفحة 5813 قَولات3 حقول

خلاصة المدلول

مدلول الآية أن إعلان الويل هنا ليس وصف عقوبة مفصّلًا، بل حكم مقطوع يجيء عقب تحدّي الكيد العاجز: بعد أن عُرّف اليوم بأنه يوم الفصل وجُمع المخاطبون والأولون، وقيل لهم إن كان لكم كيد فكيدون، جاءت ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ لتغلق باب الحيلة بإعلان الشقاء على رادّي الحق. ﴿وَيۡلٞ﴾ يجعل الجملة صيغة حكم، و﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ يربط الحكم بذلك الظرف المفصول المحال إليه، و﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ يحدد الجهة لا بوصف الكذب الخبري وحده، بل بردّ الحق بعد ظهوره. ثم يأتي بعدها نعيم المتقين، فيتضح أن الآية حدّ فاصل بين عجز المكذبين وكرامة المتقين.

كيف وصلنا إلى المدلول

⌄

تُقرأ الآية من موقعها القريب لا من ألفاظها منفردة.

  • قبلها مباشرة جاء تعريف الحدث: ﴿هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِۖ جَمَعۡنَٰكُمۡ وَٱلۡأَوَّلِينَ﴾، ثم جاء التحدي: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمۡ كَيۡدٞ فَكِيدُونِ﴾.
  • فالآية المدروسة لا تفتتح وعيدًا معلّقًا في فراغ، بل تأتي بعد أن صار اليوم يوم فصل وجمع، وبعد أن عُرضت آخر صورة من صور الحيلة: إن كان لهم كيد فليباشروه.
  • عند هذا الحد تأتي ﴿وَيۡلٞ﴾ لا لتسمي نوع العذاب، بل لتعلن سقوط القدرة على الدفع وحلول الكارثة المعلنة.
  • لو قيل نثرًا: عذاب يومئذ للمكذبين، لتحول التركيب إلى خبر عن نوع جزاء، ولضاع أن صدر الجملة نفسه كلمة حكم وإعلان.

﴿وَيۡلٞ﴾ نكرة منوّنة، لا مضافة إلى نوع ولا معرفة بأل، فتترك الشقاء مفتوحًا في قوته، لكنها لا تترك الجهة مبهمة، لأن اللام في آخر الجملة ستصبّه على فئة محددة.

  • والواو في أولها تصل هذا الإعلان بما قبله، لكنها لا تجعله تفريعًا بالفاء؛ فليس المعنى: بسبب عجز الكيد وحده جاء الويل، بل المعنى أن جملة الفصل والجمع والتحدي تنتهي بهذا الحكم.
  • هنا تفيد صفحة جذر «ويل» في ضبط القراءة: الجذر ليس مادة عذاب ولا فعل إهلاك، بل صيغة قولية تعلن وقوع الكارثة على من تعلقت به.
  • لذلك فالأثر في هذه الآية أن التركيب يحسم الحكم قبل تفصيل المصير، ويجعل السامع أمام إعلان لا أمام وصف مشهد.
  • ثم تأتي ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ لتمنع الويل من أن يكون دعاءً عامًا أو تهديدًا بلا زمان.

هذه القَولة مركبة من «يوم» و«إذ»؛ «يوم» يحفظ ظرفًا محدودًا، و«إذ» تعيد الظرف إلى ما عُرّف قبله في السياق.

  • فهي لا تقول يومًا مجهولًا، ولا تقول اليوم بأل كأنه حاضر معرّف بذاته، بل تقول: ذلك اليوم المشار إليه بما سبق.
  • في السياق القريب يتحدد هذا الإحالة من «يوم لا ينطقون»، و«لا يؤذن لهم»، و«يوم الفصل»، وجمع المخاطبين والأولين.
  • ومن غير ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ قد ينفصل الويل عن مشهد الفصل، ومن غير «يوم» قد يضعف معنى الظرف المحدود الجامع، ومن غير «إذ» قد يضيع رجوع الجملة إلى البنية السابقة.
  • أما الرسم فهو قرينة خادمة لا حكم مستقل: اتصال «يوم» بـ«إذ» في صورة واحدة مع الهمزة على النبرة وتنوين العوض يجعل الإحالة مضغوطة في لفظ واحد، لكن الفرق بين صور الضبط القريبة لا يثبت وحده مدلولًا زائدًا في هذا التركيب؛ لذلك يبقى ما زاد على وظيفة الإحالة ملاحظة رسمية غير محسومة.

القَولة الثالثة هي عصب التعيين: ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾.

  • اللام تجعل الويل متجهًا إليهم، وليست الفئة مذكورة بعد الحكم عرضًا.
  • «أل» تجعل الوصف معرفًا داخل السياق، لا جماعة مبهمة.
  • وصيغة ﴿مُكَذِّبِينَ﴾ من التكذيب المضعف تجعلهم رادّي حق لا مجرد أصحاب خبر كاذب.
  • هذا الفرق هو الذي تعدله صفحة جذر «كذب» في قراءة الآية: القَولة لا تختار «الكاذبين»، لأن المقام ليس خصومة قول بين صادق وكاذب، بل ردّ للحق الذي صار السياق يعرض آثاره: نطق ممنوع، إذن منتف، فصل واقع، جمع حاصل، كيد ساقط.

ولو عوملت القَولة كتعريف عام للكذب لضاق مدلول الآية إلى مخالفة خبر للواقع، بينما الآية تجعل سبب الويل موقفًا كاملًا من الحق.

  • كذلك لا تقوم «للمفترين» مقامها، لأن الافتراء يبرز إنشاء الباطل، أما هذا الشطر فيبرز رد الحق بعد قيامه.
  • ولا تقوم «للجاحدين» مقامها، لأن الجحد يبرز ستر الحق، أما «المكذبين» تجمع الرد والإنكار العملي داخل إيقاع الويل.
  • بعد الآية ينتقل السياق إلى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي ظِلَٰلٖ وَعُيُونٖ﴾ ثم إلى الأكل والشرب الهنيء وجزاء المحسنين.
  • هذا التعاقب يجعل الآية حدًا بين جماعتين: من واجه الفصل بالكيد والتكذيب، ومن صار في ظل وعيون وعمل محسن.

لذلك فمدلول الآية ليس وعيدًا منفردًا، بل قفل لمشهد عجز المكذبين وافتتاح ضمني للتقابل مع المتقين: الويل لهم عند ذلك اليوم بعينه، لأن صفتهم ليست خطأ عابرًا بل ردّ للحق في موطن الفصل.

أثر كلّ جذر في بناء المدلول

⌄

هذه الخريطة تفصل أثر كل جذر في الآية ثم تجمعها: الجذور هنا هي ويل، يوم، كذب. المقصود ليس إعادة تعريف الجذور، بل بيان كيف تدخل كل مادة في بناء مدلول الآية.

جذر ويل1 في الآية
وَيۡلٞ
القول والكلام والبيان 40 في المتن

مدلول الجذر: «ويل» = كلمة قولية تُطلق عند شدّة الانكشاف: إعلانًا بسوء عاقبة على المعلَن عليه، أو زجرًا للمخاطب من طريق سوء، أو نداءً ذاتيًا عند ندم أو فزع أو تعجّب.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «ويل» هنا في 1 موضع/مواضع: وَيۡلٞ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «القول والكلام والبيان» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «ويل» = كلمة قولية تُطلق عند شدّة الانكشاف: إعلانًا بسوء عاقبة على المعلَن عليه، أو زجرًا للمخاطب من طريق سوء، أو نداءً ذاتيًا عند ندم أو فزع أو تعجّب.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يتمايز «ويل» عن أسماء العذاب والهلاك بأنه قول يوسم به المقام، لا نفس العقوبة.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة وَيۡلٞ: لو استُبدل في ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ المرسلات بـ«عذابٌ شديد للمكذبين» لانكسر التكرار العشري بنيويًا (لأنه قائم على جرس صوتي محدّد لكلمة «ويل»)، ولانتقل الكلام من إعلان إلى إخبار. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

جذر يوم1 في الآية
يَوۡمَئِذٖ
يوم القيامة وأسمائها | الليل والنهار والأوقات 475 في المتن

مدلول الجذر: يوم: زمن يتعيّن بسياقه، بحدثه أو وصفه أو الإضافة إليه أو مقام الخطاب. وقد يُبيّن مقداره أو يُعدّ أو يتكرّر بتكرّر الحال. ومن وجوهه يوم القيامة بأسمائه، كالدين والفصل والحساب والجمع، وأيام الدنيا والخلق المعدودة، كستة أيام وأيام معدودات. ويأتي «اليوم» لحاضر المتكلّم، و«يومئذ» للإحالة إلى زمن الحدث في الدنيا أو الآخرة.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «يوم» هنا في 1 موضع/مواضع: يَوۡمَئِذٖ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «يوم القيامة وأسمائها الليل والنهار والأوقات» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: يوم: زمن يتعيّن بسياقه، بحدثه أو وصفه أو الإضافة إليه أو مقام الخطاب. وقد يُبيّن مقداره أو يُعدّ أو يتكرّر بتكرّر الحال.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: الجذر وجه الشبه الفارق الجوهري الشاهد ------------ يوم زمن يتعيّن بحدثه أو وصفه أو مقام الخطاب، ويُعرف مقداره حيث يبيّنه السياق سَاعَة ميعاد.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة يَوۡمَئِذٖ: الآية: «ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ» (سورة هُود ١٠٣). - لو استُبدل «يَوۡم» بـ«حِين»: «ذلك حِينٌ مَجموع له النَّاس». لبقي أصل الدلالة الزمنية، لكن غاب لفظ «يوم» الذي يعيّن السياق به يوم الجمع. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

جذر كذب1 في الآية
لِّلۡمُكَذِّبِينَ
الكفر والجحود والإنكار | الكذب والافتراء والزور 282 في المتن

مدلول الجذر: «كذب» يدور على خلاف الصدق: في خبر يخالف الواقع، أو شهادة تخالف باطن قائلها وإن صحّ مضمونها. والتكذيب حكم على شخص أو قول أو أمر بأنه غير صادق وأكثره ردّ الحق الوارد من آية أو رسول أو ساعة أو لقاء أو يوم دين أو الحسنى. وقد يكون إبطالًا لدعوى باطلة، كما في سورة الفُرقَان ١٩. ويأتي نفي الكذب عن الفؤاد فيما رأى، وعن وقوع الواقعة، وعن الوعد الذي لا يُخلَف.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «كذب» هنا في 1 موضع/مواضع: لِّلۡمُكَذِّبِينَ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الكفر والجحود والإنكار الكذب والافتراء والزور» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «كذب» يدور على خلاف الصدق: في خبر يخالف الواقع، أو شهادة تخالف باطن قائلها وإن صحّ مضمونها. والتكذيب حكم على شخص أو قول أو أمر بأنه غير صادق وأكثره ردّ الحق الوارد من آية أو رسول أو ساعة أو لقاء أو يوم دين أو الحسنى.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: لا يطابق «كذب» «افترى» مع تقاربهما فالافتراء يبرز إنشاء الدعوى ونسبتها، والكذب يصف عدم صدقها، سواء كانت مختلقة أو مخالفة لشهادة صاحبها.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة لِّلۡمُكَذِّبِينَ: أقرب الجذور إلى «كذب» هو «افترى»، واختبار الاستبدال يكشف الحدّ بينهما: في ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ﴾ (سورة النَّحل ١٠٥) يأتي «الكذب» مفعولًا للافتراء — أي إنّ الافتراء فعلُ إنشاءِ كذبٍ مختلَق. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

اجتماع هذه الجذور يصنع مدلول الآية من الحركة بين جذورها وصيغها وسياقها. فكل جذر يضيف حدًا، ثم تأتي الصيغ والترتيب والاستبدال لتبيّن أي حد هو أصل المعنى وأي حد يقيّده أو يوسعه.

شبكة الاستبدال لكلّ قَولة

3 قَولات · الاختبارات المتاحة: 3⌄
استبدال ﴿وَيۡلٞ﴾جذر ويل

لو وضعت عبارة نثرية مثل: عذاب شديد، لضاع أن صدر الجملة كلمة إعلان وحكم. ﴿وَيۡلٞ﴾ لا تشرح نوع العقوبة، بل تقطع السامع بحلول الكارثة على أصحاب الوصف، وهذا مناسب لما بعد تحدي الكيد.

استبدال ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾جذر يوم

لو قيل نثرًا: حينئذ، لضاق الظرف إلى لحظة مبهمة وفقد معنى اليوم الجامع للفصل والجمع. ولو قيل: في ذلك اليوم، لانحل الضغط التركيبي بين اليوم والإحالة. ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ تجمع الحد الزمني ورجوعه إلى السياق السابق.

استبدال ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾جذر كذب

لو قيل: للكاذبين، لانصرف الذهن إلى خبر مخالف للواقع. ولو قيل: للمفترين، لتقدم إنشاء الباطل. ولو قيل: للجاحدين، لبرز الستر والإنكار. ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ تحفظ فعل الرد بعد ظهور الحق، وتجعل الويل موجها إلى هذا الوصف بعينه.

لطائف وثمرات

⌄
  • لا تبدأ من العذاب

    الآية لا تبدأ بوصف ما يقع، بل بإعلان ﴿وَيۡلٞ﴾. لذلك فالمدلول الأول هو الحكم المعلن، ثم يأتي الزمن والجهة.

  • ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ مفتاح السياق

    القَولة تعيد القارئ إلى يوم الفصل والجمع ومنع الاعتذار، فلا تترك الويل وعيدًا عامًا.

  • المكذبون لا الكاذبون

    اختيار ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ يجعل القضية ردّ الحق، لا مجرد إنشاء خبر كاذب. بهذا تتصل الآية بما قبلها من الفصل وما بعدها من فرز المتقين.

  • طرفا الجملة

    تبدأ الجملة بإعلان ﴿وَيۡلٞ﴾ وتنتهي بتعيين ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾، وبينهما ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾. هذا النسق يجعل الحكم في الصدر، والزمن في الوسط، والجهة في الخاتمة؛ فلا يسبق وصف الفئة إعلان الحكم، ولا ينفصل الحكم عن يومه.

  • بين الكيد والويل

    الشطر السابق يقول: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمۡ كَيۡدٞ فَكِيدُونِ﴾، ثم تأتي الآية المدروسة. اللطيفة هنا أن الويل لا يأتي بعد تفصيل جواب لكيدهم، بل يحل محل كل جواب: إن عجز الكيد، فالإعلان كاف في قفل الباب.

  • بين الويل والظل

    بعد الآية يرد: ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي ظِلَٰلٖ وَعُيُونٖ﴾. فالقرب النصي يجعل ﴿وَيۡلٞ﴾ في مقابلة ﴿ظِلَٰلٖ وَعُيُونٖ﴾: إعلان شقاء للمكذبين، ومقام إكرام للمتقين. هذا تقابل موضعي من السياق القريب لا تعميم خارج الآية.

قرائن بناء المدلول

⌄
  • إغلاق باب الكيد

    الآية تأتي بعد تحدي «فكيدون». لذلك ﴿وَيۡلٞ﴾ لا يعمل كخبر عادي عن جزاء، بل كحكم يقطع ما بقي من احتمال الدفع. الكيد عُرض ثم جاء الويل إعلانًا بأن الحيلة لا تنقلهم من حكم الفصل.

  • تثبيت الزمن بالإحالة

    ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ تربط الويل بما سبق من يوم لا نطق فيه ولا إذن، ثم يوم الفصل والجمع. فالحكم ليس عائمًا، بل معلّق بذلك الظرف المعرّف من السياق القريب.

  • تعيين الجهة باللام والوصف

    ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ تجعل الويل متجهًا إلى فئة موصوفة برد الحق. اللام تصب الحكم عليهم، وأل تجعل الصفة معروفة في السياق، وصيغة التكذيب تمنع اختزال الذنب في خبر كاذب.

  • التقابل بعد الآية

    بعد إعلان الويل يرد ذكر المتقين في ظل وعيون وفواكه، ثم الأكل والشرب الهنيء وجزاء المحسنين. بذلك تصير الآية حدًا فاصلا بين عجز المكذبين وكرامة المتقين.

الرسم والهيئة

المحسوم وغير المحسوم⌄
  • هيئة ﴿وَيۡلٞ﴾

    المحسوم في هذا التركيب أن القَولة جاءت بلا فاء، وبلا نداء، وبلا ضمير، وبلا أل؛ وهذا يخدم كونها إعلان حكم لا صرخة واقع في المصيبة. هذه القَولة رسمُها هيكلٌ واحدٌ في المصحف كلّه — ﴿وَيۡلٞ﴾ في ١٤ موضعًا بلا صورةٍ ثانية. فلا تنويعَ رسميًّا يُقارَن هنا، وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.

  • هيئة ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾

    المحسوم أن الرسم يجمع «يوم» و«إذ» في قَولة واحدة، فتأتي الإحالة الزمنية مضغوطة غير مفصولة. وجود الهمزة والتنوين يخدم وظيفة الرجوع إلى السياق السابق. هذه القَولة رسمُها هيكلٌ واحدٌ في المصحف كلّه — ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ في ٤٧ موضعًا بلا صورةٍ ثانية. فلا تنويعَ رسميًّا يُقارَن هنا، وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.

  • هيئة ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾

    المحسوم أن اللام في أول القَولة تجعل الويل متجهًا إلى الفئة، وأن «أل» تجعلها معرفة، وأن صيغة اسم الفاعل من التكذيب المضعف تحفظ معنى الرد. الرسم هنا ليس مجرد كتابة للفظ، بل يبرز التحام اللام بالتعريف في جهة واحدة. هذه القَولة رسمُها هيكلٌ واحدٌ في المصحف كلّه — ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ في ١٢ موضعًا بلا صورةٍ ثانية. فلا تنويعَ رسميًّا يُقارَن هنا، وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.

إحصاءات الآية واستنباطات عابرة للصفحات

⌄
3قَولات الآية
3جذور مميزة
3حقول دلالية
جذور متكررة
10آيات السياق
1وصلات موسوعية
29الجزء
581صفحة المصحف

عابر للصفحات: ترتبط قَولات هذه الآية بطبقات الموقع (الإيقاعات) — بروابطها المحقّقة دون تكرار.

مخططات سريعة

⌄

توزيع جذور الآية

ويل 1
يوم 1
كذب 1

حقول الآية

القول والكلام والبيان 1
يوم القيامة وأسمائها | الليل والنهار والأوقات 1
الكفر والجحود والإنكار | الكذب والافتراء والزور 1

أكثر جذور السياق حضورًا

لا توجد نافذة سياق كافية.

الجذور في الآية

بيان مختصَر داخل الصفحة⌄
جذر ويل1 في الآية · 40 في المتن
القول والكلام والبيان

«ويل» = كلمة قولية تُطلق عند شدّة الانكشاف: إعلانًا بسوء عاقبة على المعلَن عليه، أو زجرًا للمخاطب من طريق سوء، أو نداءً ذاتيًا عند ندم أو فزع أو تعجّب. يستوعب ذلك إعلان الحكم: ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾، و﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ﴾، وزجر المخاطب: ﴿وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ﴾، ونداء النفس: ﴿يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا﴾.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

تكملة البيان: «ويل» = كلمة قولية تُطلق عند شدّة الانكشاف: إعلانًا بسوء عاقبة على المعلَن عليه، أو زجرًا للمخاطب من طريق سوء، أو نداءً ذاتيًا عند ندم أو فزع أو تعجّب. يستوعب ذلك إعلان الحكم: ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾، و﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ﴾، وزجر المخاطب: ﴿وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ﴾، ونداء النفس: ﴿يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا﴾. لذلك لا تُحصر في «هلاك لا يُستدرك»؛ فهذا وجه غالب في الإعلان والنداء الأخروي، لا حدّ الجذر كله.

حد الجذر: كلمة قولية للشدة: إعلان سوء عاقبة، أو زجر محذّر، أو نداء نفس عند ندم أو فزع أو تعجّب.

فروق قريبة: يتمايز «ويل» عن أسماء العذاب والهلاك بأنه قول يوسم به المقام، لا نفس العقوبة. فـ﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ يجمع الويل والنار، فيبقى الويل إعلانًا والنار جهة العاقبة. و﴿يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ﴾ نداء من المنكشف عليهم اليوم، لا اسم لليوم نفسه. وكذلك لا يذوب في الحسرة؛ لأن ﴿يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا﴾ ندم، أما ﴿يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ﴾ فتعجّب واستعظام، فدلّ ذلك على أن النداء أوسع من الحسرة وحدها.

اختبار الاستبدال: لو استُبدل في ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ المرسلات بـ«عذابٌ شديد للمكذبين» لانكسر التكرار العشري بنيويًا (لأنه قائم على جرس صوتي محدّد لكلمة «ويل»)، ولانتقل الكلام من إعلان إلى إخبار. ولو في ﴿يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ﴾ سورة الأنبيَاء ١٤ قيل «يا حسرتنا» لانتقل المقام من ندب الكارثة الواقعة إلى الندم على فرصة فائتة. ولو في ﴿وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ﴾ سورة طه ٦١ قيل «احذروا» لذهب الإيقاع التحذيري الموسوي القاهر.

فتح صفحة الجذر الكاملة
جذر يوم1 في الآية · 475 في المتن
يوم القيامة وأسمائها | الليل والنهار والأوقات

يوم: زمن يتعيّن بسياقه، بحدثه أو وصفه أو الإضافة إليه أو مقام الخطاب. وقد يُبيّن مقداره أو يُعدّ أو يتكرّر بتكرّر الحال. ومن وجوهه يوم القيامة بأسمائه، كالدين والفصل والحساب والجمع، وأيام الدنيا والخلق المعدودة، كستة أيام وأيام معدودات. ويأتي «اليوم» لحاضر المتكلّم، و«يومئذ» للإحالة إلى زمن الحدث في الدنيا أو الآخرة.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

حد الجذر: يتعيّن مقدار اليوم بالسياق، كما في ﴿فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (سورة السَّجدة ٥). ويقبل التبعيض في تقدير اللبث: ﴿أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٥٩). ويوم القيامة يوم الجمع والجزاء الذي تعدّدت أسماؤه، فلا يستقلّ لفظ اليوم بتعيين مقدار واحد لكل هذه المواضع.

فروق قريبة: الجذر وجه الشبه الفارق الجوهري الشاهد ------------ يوم زمن يتعيّن بحدثه أو وصفه أو مقام الخطاب، ويُعرف مقداره حيث يبيّنه السياق سَاعَة ميعاد وقوع الحدث وَقتُ وُقوع الحَدَث، ويُسَمَّى بِه يَومُ القيامَة نَفسُه ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا﴾ (سورة طه ١٥)، فَلا تَرتيبَ بَينَه وبَين «يوم» في المِقدار ﴿مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ﴾ سورة سَبإ ٣٠ حِين ظرف للحدث زمن لا يعيّن هذا السياق مقداره، وجُعل غاية للمتاع، فلا يلزم أن يكون أطول من يوم ﴿وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ﴾ سورة البَقَرَة ٣٦ دَهر اتساع المدة زمن ممتدّ يذكر السياق حينًا منه، دون تعيين نسبة مقداره إلى اليوم ﴿حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ﴾ سورة الإنسَان ١ أَجَل توقيت الأمر الزَّمَن المَنوط بانتِهاء، يَفترض غايَة تَنتَهي إِليها ﴿وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَا﴾ سورة الأنعَام ١٢٨ أَمَد فاصل بين حالين مدة تُذكر في مقابلة قرب.

اختبار الاستبدال: الآية: «ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ» (سورة هُود ١٠٣). - لو استُبدل «يَوۡم» بـ«حِين»: «ذلك حِينٌ مَجموع له النَّاس». لبقي أصل الدلالة الزمنية، لكن غاب لفظ «يوم» الذي يعيّن السياق به يوم الجمع. ولا يثبت هذا الاستبدال وحده فرقًا في طول المدة أو طرفيها. - لو استُبدل بـ«سَاعَة»: «ذلك ساعةٌ مَجموع لها النَّاس». لبقيت صلة بموعد الحدث، وترد الساعة نفسها للقيامة في سورة طه ١٥. لذلك لا يلزم من استعمالها اختزال الحدث في لحظة؛ وإنما يتغيّر التعبير الذي اختاره هذا السياق. - لو استُبدل بـ«وَقت»: «ذلك وَقتٌ مَجموع له النَّاس». لبقي معنى التوقيت العام، مع غياب تسمية اليوم التي تصل هذا الموضع بيوم الفصل ويوم الحساب. يجمع «يوم» هنا تعيين الزمن، ووقوع الجمع فيه، ووصفه بأنه مشهود. ويتصل ذلك بتسمياته الأخرى، مثل يوم الفصل ويوم الحساب. تشترك الألفاظ البديلة معه في الدلالة الزمنية، لكنها لا تطابق التعبير بعلاقاته داخل هذه الآية.

فتح صفحة الجذر الكاملة
جذر كذب1 في الآية · 282 في المتن
الكفر والجحود والإنكار | الكذب والافتراء والزور

«كذب» يدور على خلاف الصدق: في خبر يخالف الواقع، أو شهادة تخالف باطن قائلها وإن صحّ مضمونها. والتكذيب حكم على شخص أو قول أو أمر بأنه غير صادق؛ وأكثره ردّ الحق الوارد من آية أو رسول أو ساعة أو لقاء أو يوم دين أو الحسنى. وقد يكون إبطالًا لدعوى باطلة، كما في سورة الفُرقَان ١٩. ويأتي نفي الكذب عن الفؤاد فيما رأى، وعن وقوع الواقعة، وعن الوعد الذي لا يُخلَف؛ فلا يثبت ذلك وقوع كذب الفؤاد. فالمطابقة في الخبر غير الحكم بصدق خبر الغير، والسياق يبيّن صحة ذلك الحكم أو بطلانه.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

حد الجذر: «كذب» زاويته خلاف الصدق: القول لا يطابق الحقّ، أو لا يطابق باطنَ قائله وإن صدق مضمونُه، أو المتلقّي يحكم بعدم صدق ما ورد عليه. لذلك يفترق عن «افترى» الذي يُنشئ دعوى مختلَقة، وعن «جحد» الذي يُبرز ستر الحقّ بعد تبيُّنه. وأغلب التكذيب ردّ الآيات والرسل والساعة ويوم الدين. لكنه قد يبطل قولًا باطلًا، كما في سورة الفُرقَان ١٩؛ ونفي الكذب يثبت الصدق في متعلق النفي.

فروق قريبة: لا يطابق «كذب» «افترى» مع تقاربهما فالافتراء يبرز إنشاء الدعوى ونسبتها، والكذب يصف عدم صدقها، سواء كانت مختلقة أو مخالفة لشهادة صاحبها. ولذلك يكون الكذب مفعولًا للافتراء: ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ﴾ (سورة النَّحل ١٠٥). ولا يطابق التكذيب الجحود فالتكذيب حكم بعدم الصدق، والجحود في ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ (سورة النَّمل ١٤) إنكار مع يقين النفس. ويحوّل النص جهة الإنكار من الرسول إلى الآيات: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ (سورة الأنعَام ٣٣). فلا يلزم من كل تكذيب علم المكذّب بالحق، كما يظهر في سورة يُونس ٣٩. ولا يطابق الكذب البهتان ففي ﴿وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ (سورة النِّسَاء ١١٢) يرمي المرء بريئًا بما كسبه هو.

اختبار الاستبدال: أقرب الجذور إلى «كذب» هو «افترى»، واختبار الاستبدال يكشف الحدّ بينهما: في ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ﴾ (سورة النَّحل ١٠٥) يأتي «الكذب» مفعولًا للافتراء — أي إنّ الافتراء فعلُ إنشاءِ كذبٍ مختلَق فالكذب أعمُّ والافتراء أخصّ (إنشاءٌ ونسبة). ولو وُضع «افترى» مكان «كذّب» في ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (سورة الرَّحمٰن ١٣) لاختلّ المعنى، لأنّ الآلاء حقٌّ قائمٌ يُردّ ولا يُختلَق — فالتكذيب هنا ردّ لآلاء قائمة، والافتراء إنشاء دعوى لا تصح. وأمّا «جحد» فالنصّ نفسُه يفرّقه عن التكذيب: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ (سورة الأنعَام ٣٣) — فلو استُبدل «يجحدون» بـ«يكذّبون» لضاع قيدُ العلم الذي يحمله الجحود، إذ الجحود إنكارٌ مع معرفةٍ بالحقّ، والتكذيب أعمُّ منه لا يلزم منه العلم.

فتح صفحة الجذر الكاملة

القَولات (تفكيك ميكانيكيّ)

⌄
الترتيبالقَولة ↗الصيغةالجذر
1وَيۡلٞويلويل
2يَوۡمَئِذٖيومئذيوم
3لِّلۡمُكَذِّبِينَللمكذبينكذب

السياق القريب (٥ قبل · ٥ بعد)

⌄

السياق القريب يضبط الآية من جهتين. قبلها يتدرج المشهد من منع النطق والاعتذار إلى إعلان يوم الفصل والجمع ثم تحدي الكيد؛ فتأتي الآية قفلًا لهذا المسار: لا كلام ينفع، ولا إذن يفتح عذرًا، ولا كيد يدفع الحكم. وبعدها ينفتح مشهد المتقين في الظلال والعيون والفواكه والجزاء الحسن؛ فيظهر أن الويل ليس مجرد عقوبة، بل علامة فرز بين من رد الحق ومن اتقى وأحسن. لهذا لا تقرأ ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ كزمن عام، بل كإحالة إلى ظرف الفصل الذي صنعه السياق القريب.

السياق الأوسع — موضع الآية في حجّة السورة

⌄
موضع الآية في حجّة السورة

يقفل تحدي الكيد بإعلان الويل، فينتقل الحكم بعد عجز الخصوم إلى المقابلة بين المصيرين.

يتكرر هذا الإيقاع في السورة بعد انكشاف عجز الكيد، فيثبت وجه الحكم قبل عرض الجزاء المقابل.

حجّة السورة كاملةًالمُرسَلات⌄
الخيط الناظم للسورة

تبني سورة المرسلات حجة واحدة محكمة: البلاغ الذي يميّز وينذر ليس كلامًا معلقًا، لأن ما يخبر به واقع، ولأن هذا الوقوع ينقل الخلق من انتظام اعتادوه إلى يوم يفصل فيه بين المواقف من ذلك البلاغ. تبدأ الحجة بحركة مرسلة تتدرج من الإرسال والعصف والنشر إلى الفرق وإلقاء الذكر، فتبيّن أن الإنذار سبق الحكم وعقدت به الحجة. ثم لا تترك الوعد في مجال الدعوى، بل تعرض طمس النجوم وفرج السماء ونسف الجبال وتوقيت الرسل، حتى يتعين المقصد: يوم الفصل. وتردّ على التكذيب بشاهد الأخذ، ثم بشواهد النشأة والأرض، فلا يبقى رد الحق مجرد موقف ذهني بعيد يحيط بالمخاطب ويقوم به.

ويُحكم البناء بتحويل كل شاهد إلى حدّ بين جهتين: الإلقاء يصير عذرًا أو نذرًا، والوعد يصير وقوعًا، والصور الكونية تصير تمهيدًا للفصل، وشواهد الخلق تصير إلزامًا، ثم يُرى جزاء المتقين في مقابلة الإمهال القصير للمجرمين. وعقدة المسار هي ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٞ﴾؛ فبها ينتقل القسم من بيان وظيفة البلاغ إلى عرض ما يثبت مآله. وبعد أن يتكرر الحكم على المكذبين عقب شواهد متجددة، ينتهي الخطاب إلى امتناعهم عن الركوع ثم إلى سؤال يسد باب انتظار بيان آخر. فالسورة تثبت أن الفصل ليس خبرًا مؤجلًا، بل نتيجة لازمة لبلاغ قام، وقدرة ظهرت، وموقف أصر على التكذيب.

محاور السورة
  • البلاغ الذي يعقد الحجة﴿ وَٱلۡمُرۡسَلَٰتِ عُرۡفٗا ﴾١سورة المُرسَلات﴿ فَٱلۡعَٰصِفَٰتِ عَصۡفٗا ﴾٢سورة المُرسَلات﴿ وَٱلنَّٰشِرَٰتِ نَشۡرٗا ﴾٣سورة المُرسَلات﴿ فَٱلۡفَٰرِقَٰتِ فَرۡقٗا ﴾٤سورة المُرسَلات﴿ فَٱلۡمُلۡقِيَٰتِ ذِكۡرًا ﴾٥سورة المُرسَلات﴿ عُذۡرًا أَوۡ نُذۡرًا ﴾٦سورة المُرسَلات﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٞ ﴾٧سورة المُرسَلات
    يفتتح هذا المحور حركة مقصودة تتدرج من الإرسال إلى العصف والنشر والفرق، فلا تكون الحركة غاية منفصلة بل تنتهي إلى إلقاء ذكر. ثم يبين أن الذكر يعمل عذرًا أو نذرًا، فيتحدد موقعه بوصفه بيانًا سابقًا لما بعده. ومن هذه الوظيفة يعقد المحور أصل الحجة في الحكم بأن الموعود واقع، فيسلّم مباشرة إلى مشاهد التحول التي ستجعل ذلك الحكم ظاهر الأثر.
  • تحقق الوعد ويوم الفصل﴿ فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتۡ ﴾٨سورة المُرسَلات﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتۡ ﴾٩سورة المُرسَلات﴿ وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ نُسِفَتۡ ﴾١٠سورة المُرسَلات﴿ وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتۡ ﴾١١سورة المُرسَلات﴿ لِأَيِّ يَوۡمٍ أُجِّلَتۡ ﴾١٢سورة المُرسَلات﴿ لِيَوۡمِ ٱلۡفَصۡلِ ﴾١٣سورة المُرسَلات﴿ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ﴾١٤سورة المُرسَلات﴿ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ﴾١٥سورة المُرسَلات
    يحوّل هذا المحور الحكم بالوقوع إلى مشاهد تمس العلامات العلوية والسماء والجبال، ثم يبلغ توقيت الرسل؛ وبذلك لا ينفصل اضطراب المشهود عن جهة البلاغ التي سبقت. والسؤال عن اليوم لا يطلب موعدًا مبهمًا، بل ينتهي بتسميته يوم الفصل وتعظيم شأنه، ثم يصدر الوعيد. فهو يسلّم من أصل البلاغ في المحور الأول إلى تعيين النتيجة التي يكشف فيها موقف التكذيب.
  • شاهد الأخذ والنشأة المقدرة﴿ أَلَمۡ نُهۡلِكِ ٱلۡأَوَّلِينَ ﴾١٦سورة المُرسَلات﴿ ثُمَّ نُتۡبِعُهُمُ ٱلۡأٓخِرِينَ ﴾١٧سورة المُرسَلات﴿ كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ﴾١٨سورة المُرسَلات﴿ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ﴾١٩سورة المُرسَلات﴿ أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ﴾٢٠سورة المُرسَلات﴿ فَجَعَلۡنَٰهُ فِي قَرَارٖ مَّكِينٍ ﴾٢١سورة المُرسَلات﴿ إِلَىٰ قَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ﴾٢٢سورة المُرسَلات﴿ فَقَدَرۡنَا فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ ﴾٢٣سورة المُرسَلات﴿ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ﴾٢٤سورة المُرسَلات
    بعد تسمية يوم الفصل، يقيم المحور شاهدًا من أخذ الأولين وإلحاق الآخرين، ثم يحوله إلى قاعدة في المجرمين. ولا يكتفي بهذا الشاهد، بل يرد المخاطبين إلى أصلهم من ماء مهين، وإلى قرارهم وحدهم المعلوم، ليظهر التقدير في نشأتهم نفسها. وهكذا يصل الوعيد السابق بحجة قريبة، ثم يفتح الطريق إلى شاهد الأرض الذي يوسّع مجال القدرة أمامهم.
  • الأرض وعاء الحياة والمصير﴿ أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا ﴾٢٥سورة المُرسَلات﴿ أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا ﴾٢٦سورة المُرسَلات﴿ وَجَعَلۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ شَٰمِخَٰتٖ وَأَسۡقَيۡنَٰكُم مَّآءٗ فُرَاتٗا ﴾٢٧سورة المُرسَلات﴿ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ﴾٢٨سورة المُرسَلات
    ينقل هذا المحور النظر من نشأة الفرد إلى الأرض التي تضم الأحياء والأموات، وتحمل الرواسي، ويسقى أهلها ماء فراتًا. فالجعل فيها ليس خلفية للمسار، بل شاهد تدبير يجمع العيش والمآل في موضع واحد. وبعد أن ختم المحور السابق التقدير في الخلق، يكمل هذا المحور البرهان في المحيط، ثم يقفله بالوعيد ليفتح صورة الجزاء الموعود للمكذبين.
  • مصير ما كذبوا به﴿ ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ﴾٢٩سورة المُرسَلات﴿ ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ ظِلّٖ ذِي ثَلَٰثِ شُعَبٖ ﴾٣٠سورة المُرسَلات﴿ لَّا ظَلِيلٖ وَلَا يُغۡنِي مِنَ ٱللَّهَبِ ﴾٣١سورة المُرسَلات﴿ إِنَّهَا تَرۡمِي بِشَرَرٖ كَٱلۡقَصۡرِ ﴾٣٢سورة المُرسَلات﴿ كَأَنَّهُۥ جِمَٰلَتٞ صُفۡرٞ ﴾٣٣سورة المُرسَلات﴿ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ﴾٣٤سورة المُرسَلات
    يترك المحور شواهد القدرة لينقل المكذبين إلى ما كانوا به يكذبون، فيظهر الفرق بين الاسم الذي يوهم بالحماية وبين ظل لا يظل ولا يغني من اللهب. ثم تتسع الصورة بشرر عظيم وهيئة مخيفة، فلا يبقى للانتقال معنى ذهني. وبذلك يترجم الوعيد الذي ختم شاهد الأرض إلى مصير محسوس، ويهيئ للحظة العجز عن الكلام والاعتذار في المحور التالي.
  • جمع الخصوم وانقطاع الكيد﴿ هَٰذَا يَوۡمُ لَا يَنطِقُونَ ﴾٣٥سورة المُرسَلات﴿ وَلَا يُؤۡذَنُ لَهُمۡ فَيَعۡتَذِرُونَ ﴾٣٦سورة المُرسَلات﴿ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ﴾٣٧سورة المُرسَلات﴿ هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِۖ جَمَعۡنَٰكُمۡ وَٱلۡأَوَّلِينَ ﴾٣٨سورة المُرسَلات﴿ فَإِن كَانَ لَكُمۡ كَيۡدٞ فَكِيدُونِ ﴾٣٩سورة المُرسَلات﴿ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ﴾٤٠سورة المُرسَلات
    يبين هذا المحور أن يوم الفصل لا يقتصر على صورة الجزاء، بل يمنع النطق والاعتذار، فيظهر انقطاع كل دفع متأخر. ثم يصرح بجمع المخاطبين والأولين في اليوم نفسه، ويتحول التحدي إلى طلب الكيد حيث لا يملك أثرًا. ومن ثم يعيد الوعيد حكمًا على هذا العجز، ويسلّم إلى المقابلة النهائية بين جزاء المتقين وإمهال المجرمين وموقفهم من الأمر.
  • الجزاء والموقف الختامي﴿ إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي ظِلَٰلٖ وَعُيُونٖ ﴾٤١سورة المُرسَلات﴿ وَفَوَٰكِهَ مِمَّا يَشۡتَهُونَ ﴾٤٢سورة المُرسَلات﴿ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ﴾٤٣سورة المُرسَلات﴿ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾٤٤سورة المُرسَلات﴿ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ﴾٤٥سورة المُرسَلات﴿ كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجۡرِمُونَ ﴾٤٦سورة المُرسَلات﴿ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ﴾٤٧سورة المُرسَلات﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرۡكَعُواْ لَا يَرۡكَعُونَ ﴾٤٨سورة المُرسَلات﴿ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ﴾٤٩سورة المُرسَلات﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ﴾٥٠سورة المُرسَلات
    يعرض المحور جهة المتقين في ظلال وعيون وفواكه وهناء مربوط بالعمل، ثم يثبت ذلك جزاء للمحسنين. وفي المقابل يجيء للمجرمين تمتع قليل لا كرامة فيه، ويتكرر الوعيد ويظهر امتناعهم عند الأمر بالركوع. لذلك لا تختم السورة بمقارنة وصفية بين حالين، بل بسؤال عن الإيمان بعد قيام البيان، فيرد الخاتمة إلى أصل الحجة الذي افتتح بالذكر والإنذار.
حركة الحجّة آية بعد آية

تتحرك الحجة من بيان الطريق الذي يصل به الذكر إلى المخاطب إلى بيان ما يترتب على ردّه. فافتتاح الإرسال والعصف والنشر والفرق لا يقف عند صورة الحركة، بل يبلغ إلى ﴿فَٱلۡمُلۡقِيَٰتِ ذِكۡرًا﴾، ثم يوضح أن الذكر عذر أو نذر، فيقوم البيان قبل النتيجة. بعد ذلك تأتي العقدة: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٞ﴾، فتفصل بين التمهيد وبين علامات وقوعه في طمس النجوم وفرج السماء ونسف الجبال وتوقيت الرسل، ثم تسمية يوم الفصل. ويستأنف المسار بشاهد الأخذ وشواهد الخلق والأرض، فيتكرر الحكم على المكذبين بعد كل باب. ثم ينتقلون إلى ما كذبوا به، فيظهر لهم ظل لا حماية فيه وشرر لا مدفع له، ويتلوه يوم لا نطق فيه ولا اعتذار ولا كيد. وأخيرًا تقام المقابلة بين هناء المتقين وإمهال المجرمين؛ وينكشف الرد في صورة عملية حين يقال لهم الركوع فلا يركعون، فتغلق الخاتمة باب التعلل بسؤال الإيمان بعد هذا الحديث.

بنية متصاعدة عبر الآيات

يتصاعد الحكم على المكذبين على هيئة إيقاع عائد بعد محطات متباينة: عقب تعيين يوم الفصل، ثم بعد شاهد الأخذ، ثم بعد شواهد الخلق والأرض، ثم بعد صورة المصير، ثم بعد انقطاع الاعتذار والكيد، وأخيرًا حول مقابلة الجزاء والإمهال والامتناع عن الركوع. تكرار ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ لا يعيد معنى ساكنًا؛ بل يجعل كل شاهد جديد داخل الحكم نفسه، حتى ينتهي التكذيب من دعوى إلى موقف مكشوف العاقبة.