جَذر كذب في القُرءان الكَريم — ٢٨٢ مَوضعًا

الحَقل: الكذب والافتراء والزور · المَواضع: ٢٨٢ · الصِيَغ: ٧٣

التَعريف المُحكَم لجَذر كذب في القُرءان الكَريم

«كذب» هو انفصام المطابقة بين الدعوى والحقّ: إمّا بخبرٍ يخالف الواقع، وإمّا بردِّ آيةٍ أو رسولٍ بعد ظهور جهة الحقّ، وإمّا بإدراكٍ لا يطابق ما رُئي. فالجذر يجمع الكذب الخبريّ والتكذيب العمليّ للآيات تحت محورٍ واحدٍ هو نقض المطابقة، ولذلك يصحّ نفيُه عن الفؤاد الصادق فيما رأى، وعن الحدث الذي لا يقبل التكذيب، وعن الوعد الذي لا يُخلَف.

الخُلاصَة الجَوهَريّة

«كذب» زاويتُه إسقاط المطابقة: القول لا يطابق الحقّ، أو المتلقّي يردّ الآية فلا يجعلها صادقةً عنده. لذلك يفترق عن «افترى» الذي يُنشئ دعوى مختلَقة، وعن «جحد» الذي يُبرز ستر الحقّ بعد تبيُّنه.

المَفهوم القُرءانيّ لجَذر كذب

«كذب» في القرآن لا يقتصر على خبرٍ ملفوظٍ غير صحيح؛ بل يدور كلُّ موضع من مواضعه على محورٍ واحدٍ هو انفصام المطابقة بين الدعوى والحقّ. ويتجلّى هذا المحور في ثلاثة مسالك متّصلة. الأوّل: الكذب الخبريّ — قولٌ لا يطابق الواقع: ﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ﴾ (يوسف 18)، ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ (آل عمران 78). والثاني — وهو الأغلب في القرآن —: التكذيب، أي ردُّ الآية أو الرسول بعد ظهوره وقيام جهة الحقّ: ﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ (الشعراء 141)، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهۡلَكۡنَٰهُمۡ﴾ (الشعراء 139). والثالث: نفي الكذب نفسِه عمّا لا يقبله — عن الفؤاد فيما رأى ﴿مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ﴾ (النجم 11)، وعن الحدث الإلهيّ ﴿لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ (الواقعة 2)، وعن وعد الله ﴿ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ﴾ (هود 65). وتأتي صيغ المبالغة (كَذَّاب، كِذَّاب) حيث يُجعل الكذب وصفًا راسخًا للفاعل أو مصدرًا مؤكِّدًا للفعل: ﴿هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ﴾ (ص 4)، ﴿وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابٗا﴾ (النبأ 28). فالجامع ليس نوع اللفظ ولا صورته الصرفيّة، بل غياب المطابقة ذاتُه — خبرًا كان أو ردًّا للوحي أو إدراكًا — حتّى إذا ثبتت المطابقة صحّ نفيُ الكذب أصلًا.

الآية المَركَزيّة لِجَذر كذب

الآية المركزيّة هي اللازمة المكرّرة في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. تكشف هذه الآية جوهر الجذر: التكذيب فيها ليس خبرًا كاذبًا، بل ردٌّ لآلاء الربّ بعد عرضها واحدةً واحدةً. وتكرارها إحدى وثلاثين مرّةً يجعل من «التكذيب» موقفًا من نعمةٍ ظاهرةٍ لا تُجحَد إلّا انفصامًا عن المطابقة. وهي تجلٍّ صافٍ لأنّ متعلَّقها — الآلاء — حقٌّ بيِّنٌ لا يحتمل الاختلاق، فيتمحّض الفعل في معنى الردّ وحده، فيصير الموضع أوضحَ كاشفٍ للفرق بين «كذب» الخبريّ و«كذّب بـ» التكذيبيّ.

المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة

ينتظم الجذر في 282 كلمةً موزّعةً على 73 صورةً صرفيّةً مرسومةً. وأكثر الصور: «كَذَّبُواْ» 37، و«تُكَذِّبَانِ» 31، و«كَذَّبَ» 21، و«كَذَّبَتۡ» 14، و«لِّلۡمُكَذِّبِينَ» 12، و«ٱلۡكَذِبَ» 10، و«وَكَذَّبُواْ» 10، و«ٱلۡكَٰذِبِينَ» 10، و«لَكَٰذِبُونَ» 9، و«تُكَذِّبُونَ» 9. وتنقسم الصور إلى أربعة أبواب صرفيّة: (1) فعل التكذيب المضعَّف (كذّب) ومضارعه واسما فاعله ومفعوله — وهو الأغلب: كَذَّبُواْ، فَكَذَّبُوهُ، يُكَذِّبُ، ٱلۡمُكَذِّبِينَ، مُّكَذِّبِينَ. (2) فعل الكذب المخفَّف (كذَب): كَذَبَ، كَذَبُواْ، فَكَذَبَتۡ، يَكۡذِبُونَ. (3) المصدر اسمًا للخبر غير المطابق: ٱلۡكَذِبَ، كَذِبًا، كِذَّابٗا، تَكۡذِيبٖ. (4) اسم الفاعل وصيغة المبالغة وصفًا للفاعل: ٱلۡكَٰذِبِينَ، لَكَٰذِبُونَ، كَذَّابٌ، كَذَّابٞ، ٱلۡكَذَّابُ، كَاذِبَةٌ. وثمّ ثمانٍ وثلاثون صورةً تردُ مرّةً واحدةً (Hapax) كـ«مَكۡذُوبٖ» و«كُذِبُواْ» و«كَاذِبَةٌ» و«تَكۡذِيبٖ».

المَواضع القُرءانيّة لِجَذر كذب

ينتظم الجذر في نحو 282 موضعًا داخل 257 آيةً فريدةً عبر خمسة مسالك دلاليّة. (1) تكذيب الآيات والرسل — وهو الأغلب: ﴿كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ تتكرّر بكثرةٍ في الأنعام والأعراف ويونس، و﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ نمطٌ سرديٌّ مطّرد في الشعراء يُسرَد فيه تكذيب الأمم أمّةً أمّةً. (2) القول الكاذب على الله: ﴿ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ﴾، ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ﴾ في آل عمران والنحل ويونس. (3) لازمة الرحمن المكرّرة ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ — إحدى وثلاثون موضعًا في سورةٍ واحدةٍ. (4) صيغة المبالغة وصفًا للفاعل — كَذَّاب: في ص 4 والقمر 25 وغافر 24. (5) نفي الكذب عمّا لا يحتمله: عن الفؤاد في النجم 11، وعن الواقعة في الواقعة 2، وعن وعد الله في هود 65. وأعلى السور تركّزًا: الرحمن (32 آيةً، 11.4٪)، ثمّ الأنعام (21، 7.5٪)، فالأعراف (19، 6.8٪)، فيونس والشعراء (12)، فالمرسلات (11). أمّا قائمة المواضع التفصيليّة بأرقامها فمرجعُها بيانات الجذر الداخليّة، لا تُسرَد نصًّا في هذا العرض.

القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر

القاسم المشترك بين كلّ مواضع الجذر هو نقض المطابقة مع الحقّ: دعوى أو خبرٌ لا يوافق الواقع، أو ردٌّ للآية والرسول بعد ظهور جهة الحقّ. لذلك يضمّ الجذر الكذبَ اللسانيّ والتكذيبَ العمليّ معًا دون أن يذوب في معنى «الافتراء» أو «الجحد»: فالافتراء يزيد قيد الإنشاء، والجحد يزيد قيد الإنكار مع العلم، و«كذب» يبقى هو الجنس الجامع لغياب المطابقة.

مُقارَنَة جَذر كذب بِجذور شَبيهَة

يفارق «كذب» جذرَ «افترى» لأنّ الافتراء اختلاقٌ ونسبةٌ — إنشاءُ خبرٍ لم يكن — أمّا الكذب فأعمُّ في عدم المطابقة، يشمل المختلَق وغيرَه؛ ولذلك يُجعل «الكذب» مفعولًا للافتراء: ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ﴾ (النحل 105). ويفارق «جحد» لأنّ الجحد إباءٌ بعد معرفةٍ، يصرّح النصّ بمقابلته للتكذيب: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ (الأنعام 33)، فالتكذيب أعمُّ من الجحود. ويفارق «بهت» لأنّ البهتان كذبٌ يفجأ المرميَّ به ويغلب عليه الإلصاق.

اختِبار الاستِبدال

أقرب الجذور إلى «كذب» هو «افترى»، واختبار الاستبدال يكشف الحدّ بينهما: في ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ﴾ (النحل 105) يأتي «الكذب» مفعولًا للافتراء — أي إنّ الافتراء فعلُ إنشاءِ كذبٍ مختلَق؛ فالكذب أعمُّ والافتراء أخصّ (إنشاءٌ ونسبة). ولو وُضع «افترى» مكان «كذّب» في ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ لاختلّ المعنى، لأنّ الآلاء حقٌّ قائمٌ يُردّ ولا يُختلَق — فالتكذيب ردٌّ لشيءٍ موجود، والافتراء إنشاءٌ لشيءٍ معدوم. وأمّا «جحد» فالنصّ نفسُه يفرّقه عن التكذيب: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ (الأنعام 33) — فلو استُبدل «يجحدون» بـ«يكذّبون» لضاع قيدُ العلم الذي يحمله الجحود، إذ الجحود إنكارٌ مع معرفةٍ بالحقّ، والتكذيب أعمُّ منه لا يلزم منه العلم.

الفُروق الدَقيقَة

(1) «كذّب بـ» (متعدّيًا بحرف الجرّ): ردٌّ لشيءٍ خارجٍ عن المكذِّب — آيةٍ أو لقاءٍ أو ساعةٍ أو يومِ دين: ﴿بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ﴾ (الفرقان 11)، ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ (المطففين 11). (2) «كذّبوه / كذّبوك» (متعدّيًا بنفسه): ردٌّ موجَّهٌ لشخص الرسول: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾، ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾ (الأنعام 147). (3) «كذَب على» (المخفَّف، لازمًا بحرف «على»): نسبةُ خبرٍ باطلٍ إلى جهة: ﴿ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ﴾ (الأنعام 24)، ﴿ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ (الزمر 60). (4) المصدر «الكذب» اسمًا للخبر غير المطابق ذاته، يوصف به اللسان: ﴿وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ﴾ (النحل 62). (5) «مكذوب» اسمَ مفعولٍ في سياق النفي يدلّ على وعدٍ لا يُخلَف: ﴿وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ﴾ (هود 65). والفرق الجوهريّ المختبَر: «كذّب بـ» يفترض حقًّا واردًا يُردّ، و«كذَب على» يفترض جهةً يُفترى عليها، والأوّل أغلبُ في القرآن لأنّ المحور هو موقف الأمم من الوحي. ولافتٌ أنّ القرآن يستعمل صيغة المبنيّ للمجهول استعمالًا لافتًا في مواضع منها: ﴿فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ﴾ (آل عمران 184)، و﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ﴾ (فاطر 4)، و﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ﴾ (الأنعام 34)، و﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ﴾ (الحج 44)، و﴿وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ﴾ (يوسف 110) — وكلّها يندرج تحت محور نقض المطابقة إذ نُسِب الكذبُ إليهم لا منهم.

الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه

هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الكذب والافتراء والزور.

في حقل الكذب والافتراء والزور، يقع «كذب» موقع المحور الأوسع: هو الجنس الذي تندرج تحته أنواع. «افترى» نوعٌ منه يزيد قيد الإنشاء والاختلاق، و«بهت» نوعٌ يزيد قيد المفاجأة والإلصاق، و«جحد» يقابله من جهة الإنكار مع العلم لا من جهة الترادف. ولذلك يقترن «كذب» في القرآن بـ«افترى» اقترانًا كثيرًا — ﴿ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ صورةٌ تتكرّر مرارًا — فيكون أحدهما بيانًا للآخر: الافتراء آلةٌ، والكذب مادّتُها. وفي الجهة المقابلة يتموضع الجذر على طرفٍ مضادٍّ لـ«صدق»، الذي يجمع المطابقةَ والتصديق، فيكتمل الحقل بقطبَين: قطبِ المطابقة وقطبِ انفصامها.

مَنهَج تَحليل جَذر كذب

كشف المسحُ الكلّيّ على المواضع كلّها أنّ ثقل الجذر في القرآن ليس في الكذب الخبريّ بل في التكذيب — ردِّ الوحي بعد ظهوره — وأنّ هذا الردّ يُصاغ نمطيًّا في صيغةٍ مطّردة: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ﴾ (فاطر 25)، ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ﴾ (آل عمران 184)، ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ﴾ (الحج 42)، ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ﴾ (العنكبوت 18) — فالنمط يجعل تكذيب الرسول الحاضر حلقةً في سلسلة تكذيبٍ سابقة. كما تبيّن أنّ تركّز الجذر في سورة الرحمن ليس تكرارًا بلاغيًّا فحسب، بل بناءٌ يجعل «التكذيب» الجوابَ المرفوض المتكرّر أمام عرض الآلاء واحدةً واحدةً. واختُبر التعريف على المواضع النادرة الثلاثة (النجم 11، الواقعة 2، هود 65) فاتّسع ليشمل نفيَ الكذب لا إثباتَه فقط، إذ النفي عن الفؤاد والحدث والوعد يرسم حدودَ ما يصحّ إثباتُه.

الجَذر الضِدّ

الجذر الضدّ: صدق.

التقابل البِنيويّ: «كذب» و«صدق» يقفان على طرفَي محور القَوْل المطابق للواقع. الصدق مطابقةُ الخبر للواقع وللعقد القلبيّ، والكذب انفصامُ هذه المطابقة. وهذا التقابل في القرآن ليس لغويًّا فحسب، بل عَقَديٌّ في صميمه: ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ (الزمر 33)؛ فالصدق هنا مجيءٌ بالحقّ وتصديقٌ له، في مقابل مَن ﴿ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ﴾ (الأنعام 21). فالافتراء (الكذب على الله) وتكذيبُ الآيات وَجهان من جذر «كذب»، وكلاهما ينفي موقع «الصدق» الجامع بين القَوْل المطابق وتصديقِ ما يجيء من عند الله.

الآية المركزيّة للتقابل: ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ﴾ (المائدة 119). تكشف الآية أنّ يوم الفصل ينقلب الميزانُ فيه إلى منفعةٍ واحدةٍ قاطعةٍ هي صدق الصادقين، ومَن أفنى عمره في الكذب — افتراءً أو تكذيبًا — يخرج فارغًا من هذا النفع، فالتقابل هنا ليس بلاغيًّا بل مصيريّ. ويزداد التقابل صراحةً في موضعٍ يجمع الطرفَين في آيةٍ واحدةٍ: ﴿فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ﴾ (الزمر 32) — فالكذب يُذكر فعلًا، والصدق يُذكر مفعولًا مكذَّبًا به، في بنيةٍ واحدةٍ تجعلهما ضدَّين متلاصقَين.

اختبار الاستبدال: لو وُضعت «كذب» مكان «صدق» في ﴿هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡ﴾ لانهارت الآية، لأنّ الكذب في القرآن لا ينفع صاحبه أبدًا بل يلعنه: ﴿فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ (آل عمران 61). ولو وُضعت «صدق» مكان «كذب» في ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ﴾ (النحل 105) لانقلب المعنى رأسًا على عقب، لأنّ الافتراء فعلٌ قائمٌ على الكذب وحده، والصدق لا يُفترى.

ملاحظات حاسمة: (1) الكذب على الله أعظمُ وُجوه الكذب في القرآن؛ تتكرّر صورة ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ مرارًا (الأنعام 21، العنكبوت 68، وغيرهما) وتُقرَن بتكذيب الآيات، فيجتمع الافتراء والتكذيب في عَين الظلم الأعظم. (2) «صدق» في القرآن ليس ضدّ الكذب اللفظيّ فقط، بل يمتدّ إلى «التصديق» — الإيمان بالرسالة قَوْلًا وقلبًا — فيلتقي الجذران في محور القَوْل والاعتقاد معًا. (3) جذر «كذب» يحمل تكذيب الآيات (ردَّ ما جاء من عند الله) مع الكذب اللفظيّ، فيتّسع طرفُه ليقابل سعة «صدق» الجامع للمطابقة والتصديق.

الخلاصة الدلاليّة: «صدق» موقع المطابقة بين القَوْل والواقع والقلب، يُعلي صاحبه يوم ينفع الصدقُ أهلَه. «كذب» انفصامُ تلك المطابقة، ذِروتُه الافتراء على الله وتكذيب آياته، يجعل صاحبه ملعونًا غير مفلح. القرار بين الجذرَين قرارُ النجاة.

الإحالة الثنائية: انظر قسم antonym في جذر «صدق» للوَجه المقابل من المعادلة.

نَتيجَة تَحليل جَذر كذب

النتيجة: ينتظم «كذب» في نحو 282 موضعًا داخل 257 آيةً على محورٍ واحدٍ هو نقض المطابقة بين الدعوى والحقّ. وأغلبُ هذا المحور في القرآن تكذيبٌ — ردٌّ للوحي بعد ظهوره — لا كذبٌ خبريّ، ولذلك يقترن الجذر بمصير المكذِّبين: ﴿فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران 137). ويتّسع الجذر لنفي الكذب عمّا لا يحتمله — الفؤادِ الصادق، ووقعةِ القيامة، ووعدِ الله — فيقابل سعةَ «صدق» الذي يجمع المطابقة والتصديق.

شَواهد قُرءانيّة من جَذر كذب

الشواهد المنتخَبة من مواضع الجذر، موزَّعةً على مسالكه الخمسة:

— تكذيب الآيات والرسل (المسلك الأغلب) — • آل عمران 11 — ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ • الأنعام 33 — ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ • الشعراء 141 — ﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ • العنكبوت 18 — ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ • فاطر 25 — ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ﴾ • ص 14 — ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾

— القول الكاذب على الله — • آل عمران 78 — ﴿وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ • النحل 105 — ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ﴾ • الأنعام 24 — ﴿ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ﴾

— الكذب الخبريّ في القَوْل — • يوسف 18 — ﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ • المجادلة 14 — ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾

— لازمة الرحمن — • الرحمن 13 — ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

— صيغة المبالغة وصفًا للفاعل — • القمر 25 — ﴿أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ﴾ • ص 4 — ﴿وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ﴾

— التكذيب بيوم الدين — • المطففين 11 — ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ • المدثر 46 — ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾

— نفي الكذب عمّا لا يحتمله — • النجم 11 — ﴿مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ﴾ • الواقعة 2 — ﴿لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ • هود 65 — ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ﴾

لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر كذب

تكرار ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إحدى وثلاثين مرّةً في سورة الرحمن يجعل «التكذيب» جوابًا مرفوضًا متكرّرًا أمام عرض الآلاء، لا مجرّد خبرٍ كاذب؛ وهذه الصيغة الكاملة هي أكثر الصور وُرودًا بعد فعل الجمع «كَذَّبُواْ» (37 موضعًا).

وكثرة الصورة ﴿كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ تربط الجذر بموقفٍ من الوحي لا بزلّة لسانٍ عابرة، وتفسّر لماذا كان فعل التكذيب المضعَّف (كذّب ومشتقّاته) هو الأغلب على فعل الكذب المخفَّف (كذَب) في القرآن كلّه.

ويثبت تقابُل الجذر العكسيُّ مع «صدق» في فهرس الأضداد، فيتبيّن أنّ محلّ الجذر هو المطابقة لا اللفظ وحده — حتّى ليجتمع الضدّان في آيةٍ واحدةٍ: ﴿كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ﴾ (الزمر 32).

ولافتٌ أنّ القرآن ينفي الكذبَ نفسَه عن ثلاثةٍ، فيرسم بالنفي حدودَ الإثبات: فؤادِ الرسول فيما رأى ﴿مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ﴾ (النجم 11)، ووقعةِ القيامة ﴿لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ (الواقعة 2)، ووعدِ الله ﴿وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ﴾ (هود 65) — وهي المواضع النادرة التي اتّسع لها التعريف.

وينعكس المحور على توقيف الرسم: لفظ «كاذبة» يُرسم بالألف الصريحة في موضع نفي الكذب عن الحدث الإلهيّ ﴿لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾، والمصدر «كِذَّابٗا» يُرسم بالألف الصريحة في موضع التكذيب الفعليّ الدنيويّ ﴿وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابٗا﴾ (النبأ 28).

إحصاءات جَذر كذب

  • المَواضع: ٢٨٢ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
  • الصِيَغ: ٧٣ صيغة فَريدة.
  • أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: كَذَّبُواْ.
  • أَبرَز الصِيَغ: كَذَّبُواْ (٣٧) تُكَذِّبَانِ (٣١) كَذَّبَ (٢١) كَذَّبَتۡ (١٤) لِّلۡمُكَذِّبِينَ (١٢) وَكَذَّبُواْ (١٠) ٱلۡكَٰذِبِينَ (١٠) ٱلۡكَذِبَ (١٠)

الرَسم التَوقيفيّ — أَزواج جَذر كذب

  • كاذبة ⟂ كٰذبة (الأَلِف الخَنجَريّة (تَوقيفيّ)): «كَاذِبَة» (الأَلِف الصَريحَة، 1 مَوضع وَحيد) في الواقِعَة 56:2 «لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ» — نَفي الكَذِب عَن وَقعَة القِيامَة (الواقِعَة لا يُمكِن تَكذيبها، صِفَة الحَدَث الإلَهيّ). «كَٰذِبَة» (الخَنجَريّة، 1 مَوضع وَحيد) في…
  • كذابا ⟂ كذٰبا (الأَلِف الخَنجَريّة (تَوقيفيّ)): «كِذَّاب» (الأَلِف الصَريحَة، 1 مَوضع وَحيد) في النَّبَإ 78:28 «وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابٗا» — مَصدَر يُؤَكِّد فِعل التَكذيب الدُنيَويّ (تَكذيب فِعليّ بِالآيات قَبل القِيامَة). «كِذَّٰب» (الخَنجَريّة، 1 مَوضع وَحيد) في نَفس…