موضوع «اتباع الشهوات» في القرءان الكريم — 69 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
يحدّ النصّ اتباعَ الشهوات بالفعل الذي يجاور الهدى والحقّ والعلم والحكم والعدل؛ فهو ليس اسمًا لرغبةٍ مجرّدة، بل جعلُ الهوى متبوعًا حيث يكون المطلوب اتّباعَ ما أنزل الله. يبدأ الحدّ من التقابل الصريح: ﴿إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰ﴾ (سورة البَقَرَة١٢٠)، ثمّ يأتي التحذير نفسه عقب مجيء العلم: ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ (سورة البَقَرَة١٢٠)، ويعاد في السورة ذاتها بعبارة ﴿مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ (سورة البَقَرَة١٤٥). ويتكرر هذا الاقتران بالعلم في موضع آخر: ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ (سورة الرَّعد٣٧). فالمقابلة هنا لا تجعل العلم صفةً تتعايش مع الاتباع، بل تجعل الاتباع واقعًا بعد ما جاءه نقيضًا للجهة التي دلّ عليها العلم.
سياقات الاتباع وآثاره
ويتسع السياق من هوى جماعات إلى هوى المرء. ففي الحكم يرد الأمر ﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ (سورة المَائدة٤٨) ثمّ النهي ﴿وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّ﴾ (سورة المَائدة٤٨)، ويؤكده ﴿وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَ﴾ (سورة المَائدة٤٩). وفي النداء إلى أهل الكتاب يقترن اتباع أهواء قوم بالضلال والإضلال: ﴿قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا﴾ (سورة المَائدة٧٧). كما يرفض النصّ اتباع أهواء المخالفين في العبادة: ﴿لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ﴾ (سورة الأنعَام٥٦)، وفي الشهادة على التحريم: ﴿وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ (سورة الأنعَام١٥٠).
غير أنّ الهوى لا يختصّ بغير المتكلّم ولا بجماعةٍ بعينها. فالقسط يقتضي: ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْ﴾ (سورة النِّسَاء١٣٥)، ويقال لمن جُعل في الأرض: ﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (سورة صٓ٢٦). وتظهر دقّة التمييز في أن الشريعة مأمور باتباعها، لا لأنّها ميلٌ، بل في مقابل الأهواء: ﴿فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (سورة الجاثِية١٨). وكذلك يجمع النداء إلى الاستقامة والإيمان بالكتاب والعدل بين الناس مع النهي: ﴿وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ﴾ (سورة الشُّورى١٥).
ويكشف النصّ تدرّجًا في الآثار. فاتباع الشهوات، بصيغة الجمع، يراد معه الميل: ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا﴾ (سورة النِّسَاء٢٧). ثمّ يجيء في نسلٍ أضاع الصلاة: ﴿وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا﴾ (سورة مَريَم٥٩). أما اتباع هوى الفرد فيقترن بالإخلاد إلى الأرض: ﴿أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ﴾ (سورة الأعرَاف١٧٦)، وبإغفال القلب عن الذكر وكون الأمر فرطًا: ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا﴾ (سورة الكَهف٢٨)، وبالردى لمن لا يؤمن بالساعة: ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ﴾ (سورة طه١٦).
الحصر بين الهوى والهدى
والحصر أشدّ ما يبيّن مسار هذا الاتباع: عند عدم الاستجابة يكون البيان ﴿أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡ﴾ (سورة القَصَص٥٠)، ويأتي الوصف المحدّد ﴿ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (سورة القَصَص٥٠). ويقرن موضع آخر الأهواء بغياب العلم: ﴿ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖ﴾ (سورة الرُّوم٢٩). وفي شأن الأسماء يأتي الحصر بين الظن وما تهوى الأنفس، ثمّ يقابله مجيء الهدى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ﴾ (سورة النَّجم٢٣). لذلك لا يصحّ تسوية الهوى بكلّ فعلٍ يقع من النفس؛ الذي تسمّيه الآيات اتباعًا هو تقديمه عند وجود هدى أو حقّ أو علم أو أمر.
فروق النهي في السياقات
وتكشف الفروق بين السياقات أن النهي لا يرد على صورة واحدة. ففي العبادة يجعل المتكلم نتيجة الاتباع ضلالًا حاضرًا: ﴿قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ (سورة الأنعَام٥٦)، أما في الشهادة فلا يقتصر الخطاب على رفض القول، بل يفصل بين فعل الشاهد وفعل المدّعين: ﴿فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡ﴾ (سورة الأنعَام١٥٠). وفي خطاب أهل الكتاب تتتابع الضلالات، ثم تُعيَّن جهة الخروج: ﴿وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ (سورة المَائدة٧٧). ويزيد سياق الاستقامة قيد العدل بين المخاطَبين: ﴿وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَيۡنَكُمُ﴾ (سورة الشُّورى١٥)، فيتبيّن أن ترك الأهواء لا يعني الانقطاع عن الناس، بل قيام العدل في معاملتهم. وحتى السماع لا يعدّ اتباعًا محمودًا بذاته؛ فالسؤال الخارج من السامعين ﴿مَاذَا قَالَ ءَانِفًا﴾ (سورة مُحمد١٦) يجيء قبل وصف القلب المتبوع لهواه، فيفترق وصول الكلام إلى الأذن عن الجهة التي يتبعها القلب.
حدّ الموضوع بين الحق والهوى
وتتكرر خاتمة هذا النسق في صورٍ متنوّعة: ﴿وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ﴾ (سورة القَمَر٣)، وفي المقابلة بين البينة وسوء العمل: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم﴾ (سورة مُحمد١٤)، وفي وصف السماع الذي لا ينفذ إلى القلب: ﴿ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد١٦). ويبلغ التقابل غايته حين يقول النصّ: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ (سورة المؤمنُون٧١). فليس الحقّ تابعًا للأهواء، ولا الاتباع المحمود متروكًا بلا جهة: بين الحقّ والهدى والعلم والشريعة من جانب، والهوى والشهوات والظنّ من جانب آخر، يرسم النصّ حدّ الموضوع وآثاره.