34 آية موثَّقة · 33 آية محوريّة · آية ذات صلة واحدة
موضوع «ابتلاء» في القرءان الكريم — 34 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
قراءة في الموضوع
الابتلاء إطار العمل الأحسن
يحد النص الابتلاء بالفعل الذي يقع على الإنسان أو الجماعة، وبما يظهره من العمل والاستجابة؛ فلا يبدأ من جعله اسمًا للضرر. إنه متصل بأصل الوجود: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا﴾ (سورة المُلك٢). وهذا المقصد نفسه يتكرر في خلق السماوات والأرض (سورة هُود٧)، وفي زينة الأرض (سورة الكَهف٧)، ويبدأ الإنسان مخلوقًا للابتلاء مع السمع والبصر (سورة الإنسَان٢). فالابتلاء إطار العمل الأحسن، لا واقعة عارضة منفصلة عن الحياة والعطاء.
مواد الابتلاء وصوره المتعددة
وتفصيل مواده يمنع حصره في الشدة. فالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات مذكورة في قوله: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ﴾ (سورة البَقَرَة١٥٥)، ويضاف إليها الأذى المسموع مع الأموال والأنفس (سورة آل عِمران١٨٦). لكن النص يصرح بالتقابل بين الشر والخير (سورة الأنبيَاء٣٥)، ويصف البلوى بالحسنات والسيئات معًا (سورة الأعرَاف١٦٨). لذلك لا تعد النعمة خروجًا من الابتلاء؛ ففي النعمة يقول الإنسان: ﴿رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ﴾ (سورة الفَجر١٥)، وفي تقدير الرزق يقول: ﴿رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ﴾ (سورة الفَجر١٦)، بينما يربط الفضل بسؤال الشكر والكفر: ﴿هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُ﴾ (سورة النَّمل٤٠). اتحد فعل الابتلاء في الحالين، فتميّز الآيات قول الإنسان من حقيقة الحدث.
وتعرض المواضع صورًا دقيقة للاختبار: كلمات أتمها المبتلى (سورة البَقَرَة١٢٤)، ونهرًا يفصل بين الشرب وتركه (سورة البَقَرَة٢٤٩)، وصيدًا تناله الأيدي والرماح ليظهر من يخاف بالغيب (سورة المَائدة٩٤). ويقع فيما أوتي الناس من شرعة ومنهاج، ثم يأتي الأمر باستباق الخيرات (سورة المَائدة٤٨)، وفي تفاوت الدرجات وما أوتي الناس (سورة الأنعَام١٦٥)، وفي حضور ما تشتهيه القرية يومًا وغيابه يومًا (سورة الأعرَاف١٦٣)، وفي أمر الأيمان بين الأمم (سورة النَّحل٩٢). وتتكامل هذه الصور في أن ما يحيط بالفعل قد يصير موضع امتحان، سواء أكان تكليفًا أو إتاحة أو تفاوتًا.
أما الغاية الظاهرة في اللفظ فتتجه إلى ما يكشفه الحدث: ﴿وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡ﴾ (سورة آل عِمران١٥٤)، وإلى تبيّن المجاهدين والصابرين وابتلاء الأخبار (سورة مُحمد٣١). لذلك يتكرر الصبر: تبشير الصابرين بعد تعداد النقص (سورة البَقَرَة١٥٥)، وربطه بالتقوى وعزم الأمور عند الأذى (سورة آل عِمران١٨٦). ولا يغفل النص ما يخالف الصورة المثالية؛ فبعد الفشل والتنازع والعصيان يأتي صرف ليبتليهم ثم عفو عنهم (سورة آل عِمران١٥٢).
انكشاف السرائر والعمل
ويبلغ هذا الكشف غايته في موضعي الطَّارق ويُونس. فقوله: ﴿يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ (سورة الطَّارق٩) يجعل السرائر موضع ما يُبلى، فيصل ما في الصدور بظهوره ولا يقف عند مواد الحدث أو الجواب عنه. وفي قوله: ﴿هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ﴾ (سورة يُونس٣٠) يتعلّق التبلو بما أسلفت كل نفس، فهو كشف للعمل الذي تقدّم لا اختبار مستأنف؛ ويجيء الرد إلى الله وضلال ما كانوا يفترون مع هذا الانكشاف.
اتساع البلاء بين الجماعة والآيات
ويتسع الابتلاء للجماعة: ﴿وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖ﴾ (سورة مُحمد٤)، وللمؤمنين عند الزلزلة (سورة الأحزَاب١١). وهو بلاء حسن للمؤمنين في موضع (سورة الأنفَال١٧)، وبلاء عظيم في تكرر مشهد سوء العذاب والنجاة منه في البقرة والأعراف وإبراهيم (سورة البَقَرَة٤٩، سورة الأعرَاف١٤١، سورة إبراهِيم٦). وتبقى أوصاف البلاء المبين في الصافات والدخان، وذكر المبتلين في المؤمنون، وبلوى أصحاب الجنة في القلم، شواهد موجزة تحفظ اتساع الدلالة دون أن تفصلها (سورة الصَّافَات١٠٦، سورة الدُّخان٣٣، سورة المؤمنُون٣٠، سورة القَلَم١٧).
ويزيد موضع إبراهيم في المشهد المتكرر قيدًا لا يظهر من مجرد تسميته بلاءً عظيمًا؛ فهو يبدأ بالتذكير بالنعمة ثم يعرض النجاة والعذاب في نسق واحد: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ﴾ (سورة إبراهِيم٦). فالتذكير لا يلغي قسوة المذكور، كما أن ذكر النجاة لا يفصلها عن البلاء؛ بل يجمع الموضع بين النعمة ووقائع العذاب تحت استدعاء واحد للذكر.
وفي المؤمنون يقع الوصف عقب آيات، بصيغة المتكلم الجمع: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ﴾ (سورة المؤمنُون٣٠). هنا لا يسمّي النص مادة بعينها ولا يذكر جوابًا مقابلها، وإنما يصل الآيات بالفعل المستمر في صيغة الجمع؛ فيتسع الابتلاء من حادثة يرد اسمها إلى سياق تظهر فيه الآيات علامةً على أن الاختبار جارٍ.
وجوه البلاء المبين وحدّ الضر
ويتحدد البلاء المبين بطريقتين مختلفتين. ففي الصافات يأتي الحصر بعد الإشارة المفردة: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ﴾ (سورة الصَّافَات١٠٦)، فيعيّن هذا الحدث نفسه بلا ذكر نوع آخر معه. أما الدخان فيجعل الآيات المتعددة هي المجال الذي يوجد فيه البلاء: ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ﴾ (سورة الدُّخان٣٣). فالموضعان يشتركان في وصف البيان، لكن الأول يحصره في المشار إليه، والثاني يربطه بما في الآيات.
ويأتي القلم بصيغة تشبيه تقرن المخاطبين بأصحاب الجنة قبل تفصيل فعلهم: ﴿إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ﴾ (سورة القَلَم١٧). فلا يقف اللفظ عند إخبار عن قوم ماضين، بل يجعل المماثلة جزءًا من صيغة الابتلاء نفسها؛ ويبرز القَسَم فعلًا سابقًا لما يتلوه في القصة. وهكذا تضيف هذه المواضع فرقًا بين بلاء يسمّي حدثًا، وبلاء في آيات، وبلاء يشبّه حالًا بحال.
ومن ثم لا يعرف الابتلاء بهيئة ما يقع وحدها: فالشدة والخير، والزينة والرزق، والخوف والأمر، كلها تدخل فيه. الذي يجمعها في النص هو نسبتها إلى الاختبار وظهور ما في الصدور أو العمل، ثم ما يتفرع عنه من صبر أو تقوى أو شكر أو كفر أو اعتداء أو رجوع. وفي هذا التدرج يتميز الابتلاء عن مجرد الضر؛ فالضر أحد مواده، وليس حدّه.