موضوع «الرجل والمرأة» في القرءان الكريم — 51 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
يقع موضوع الرجل والمرأة في مجال التعامل مع الناس، غير أنّ آياته لا تعرضهما جماعتين منفصلتين؛ بل تستدعيهما معًا عند الخلق والرحم، والمال، والعلاقة الزوجيّة، والشهادة، والاستضعاف، والستر. فالسؤال الذي تنسجه الآيات هو: كيف يظهر التمايز بينهما داخل روابط مشتركة تحفظ الحقّ وتمنع الضرر؟ تبدأ الصورة من البثّ المشترك: ﴿وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗ﴾سورة النِّسَاء١، ثم تتشعّب إلى مواضع يتقابل فيها النصيب والتكليف والحماية والسلوك.
الرجل بين الرِّجل والحضور والعلاقة
الجذر المعروض «رجل» يجمع الرِّجل التي تتصل بالقيام والحركة والحضور، ثم تتوزّع ألفاظه في الحزمة بين الجارحة والمشي والرجال. فذكر الأرجل في التطهّر، وذكر الضرب بالأرجل في إخفاء الزينة، يمنعان فصل اللفظ عن جهته الجسديّة سورة المَائدة٦ وسورة النور٣١. وتظهر «رجال» في المقابلة مع النساء، وفي الشهادة والنصرة والرسالة، فلا يختزل اللفظ في موضع واحد.
ويصحّح المعروض حدّين: لا يحمل «رجل» على الإنسان وحده، إذ يرد ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا﴾سورة الجِن٦؛ ولا تقصر الرِّجل على الإنسان. لذلك يبني موضوع الرجل والمرأة زاويته من اجتماع الرجال والنساء في سياقات بعينها، لا من جعل كل ورود للمادة وصفًا للعلاقة بينهما.
من البثّ المشترك إلى الأنصبة المتقابلة
تقرن سورة النِّسَاء١ الرجال بالنساء بعد النفس الواحدة والزوج، وتختم بالرحم والرقابة؛ فالثنائيّة هنا داخلة في امتداد الخلق والاتصال. ثم ينقل النصّ هذا الاجتماع إلى المال: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ﴾سورة النِّسَاء٧، وإلى ما يكسبه كلّ منهما: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَ﴾سورة النِّسَاء٣٢. فالتقابل لا يمحو استقلال النصيب، ولا يجعل التفضيل المذكور مدخلًا لتمنّي ما عند الآخر.
وفي الزوجيّة يقدّم النصّ قاعدة المماثلة بالمعروف قبل ذكر الدرجة: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞ﴾سورة البَقَرَة٢٢٨. وتتفرع أنصبة الأزواج والإخوة والأخوات في سورة النِّسَاء١٢ و١٧٦، فيبقى المال محكومًا بموضع العلاقة المعيّن، لا بحكم واحد مجرّد ينتزع من سياقه.
القوامة والشهادة ضمن قيدهما النصّي
تسمّي الآية الرجال قوّامين على النساء وتربط ذلك بسببين مذكورين في الآية نفسها: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ﴾سورة النِّسَاء٣٤. ثم تعرض الآية عند الخوف من النشوز سلسلة أفعال وتنهيها بمنع ابتغاء السبيل عند الطاعة: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ﴾سورة النِّسَاء٣٤. فقراءة الموضع لا تفصل الاسم عن علّتيه، ولا آخر السلسلة عن أولها.
وفي الدَّين لا يتحدث النص عن كلّ شهادة، بل عن كتابة حق مؤجّل، ثم يضع ترتيب الشهود: ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰ﴾سورة البَقَرَة٢٨٢. فالسياق المكتوب والحق والأجل والشهود هو حدّ الاستشهاد.
الاقتران في الاستضعاف والحماية
يظهر الرجال والنساء والولدان في نسق واحد حين يكونون مستضعفين: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ﴾سورة النِّسَاء٧٥. وتعيد سورة النِّسَاء٩٨ التركيب نفسه، لكنها تضبط الاستضعاف بعدم استطاعة الحيلة وعدم الاهتداء إلى السبيل. فالتكرار ينقل النظر من التصنيف إلى الحالة التي تجمع هؤلاء.
ويأتي اقتران آخر في موضع يعلّق الفعل باحتمال إصابة من لا يعلمونهم: ﴿وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِيبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ﴾سورة الفَتح٢٥. هنا لا تُذكر الثنائية لتقسيم الواجبات، بل لتعيين من تشملهم الحماية حتى في حال عدم العلم بأشخاصهم.
النساء والرجال في حدود السلوك
يتكرر وصف إتيان الرجال شهوة من دون النساء بلفظ واحد، ثم تختلف خاتمة الحكم: ﴿إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ﴾سورة الأعرَاف٨١، و﴿أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ﴾سورة النَّمل٥٥. فالتكرار يحفظ محل المقابلة، بينما يضيف كل ختام جهةً في وصف هذا الفعل.
وفي موضع آخر تتوجّه الأوامر إلى المؤمنات بالغضّ والحفظ وعدم إبداء الزينة، وتفصّل من يستثنى من الإبداء، ثم تصل الستر بالحركة: ﴿وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾سورة النور٣١. فالرِّجل التي دلّ عليها الجذر لا ترد هنا عضوًا فحسب، بل فعلًا قد يكشف ما أُمر بإخفائه.
ما لا تستبدله الموضوعات المجاورة
أوثق الأشقاء «الرجال»، لكنه يتتبع مادة «رجل» في صور أوسع: رسولًا يوحى إليه، أو رجلًا في مثل أو خصومة أو نداء. أما هذا الموضوع فيتحدد حين تدخل النساء في البنية نفسها: خلقًا وأنصبةً وزوجيّةً وحمايةً وسلوكًا. ولذلك لا تستبدل به عيّنة الرجال وحدها، كما لا يستبدل موضوعنا بكل ما يندرج تحت المادة، ولا سيما مع ورود رجال من سورة الجِن٦.
وتختلف موضوعات الناس والجماعة والطائفة والأمة والإخاء في أن شواهدها تبني وحدةً بالقول أو الانتماء أو الاجتماع؛ مثل ﴿فَإِخۡوَٰنُكُمۡ﴾سورة البَقَرَة٢٢٠، أو أمة لها ما كسبت سورة البَقَرَة١٣٤. أما هنا فالمقابلة بين الرجال والنساء تدخل في تفاصيل متبادلة لا يعرضها مجرد الجمع. ويجاور ذوو القربى الموضوع عند الوالدين والأقربين والوصية سورة البَقَرَة١٨٠، لكن موضوع الرجل والمرأة يضيف جهة الزوجيّة والنساء والرجال حيث لا يكفي وصف القرابة.
كثافة موزّعة لا موضع واحد
تضم البيانات إحدى وخمسين آية موثقة: أربع عشرة محوريّة وسبعًا وثلاثين ذات صلة. وتكشف هذه النسبة أن المحاور تقوم على مواضع محددة، بينما توسّع الآيات ذات الصلة مدى لفظ «رجل» من غير أن تحوّل كل ظهور له إلى موضوع الرجل والمرأة.
وتتقدم النِّسَاء بثمانية مواضع، ثم الأعرَاف بستة، وتأتي الأحزَاب بثلاثة، والبَقَرَة باثنين، والنور باثنين. ويظهر من هذا التوزع أن مركز الثنائيّة لا يقتصر على المال والزوجيّة في موضع واحد؛ بل يمتد إلى الشهوة والستر والحماية والشهادة.
خيوط تفتح القراءة
يفتح الموضوع خيط الأرحام والأزواج والوالدين والأقربين في سورة النِّسَاء١ و٧ و١٢، وخيط الشهادة والكتابة والحق في سورة البَقَرَة٢٨٢، وخيط المستضعفين والولدان في سورة النِّسَاء٧٥ و٩٨. كما يصل الجذر بين الرِّجل والحركة وإخفاء الزينة سورة النور٣١، وبين الرجال بوصفهم جماعات أو أفرادًا في مواضع الرسالة والنصرة. وهذه الخيوط تمنع حصر القراءة في مقابلة مجرّدة بين صنفين.