الشكر واستجابة تبدّل الحال
لا يُعرض الشكر بوصفه جوابًا للطعام وحده، بل جوابًا لتبدّل الحال كلّه. فالعفو والبعث والإحياء من الموت، والهداية، والنصر بعد الضعف، والإيواء والرزق، كلّها تُلحق بغاية الشكر. وتضيف الآيات التي تتصل بالشدّة أن الشكر لا ينتظر رخاءً ساكنًا؛ إذ يجيء عقب نصرٍ في حال الذلّ: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة آل عِمران ١٢٣)، وعقب ذكر الخوف والاستضعاف ثم الإيواء والتأييد: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة الأنفَال ٢٦). وعلى هذا لا يكون الشكر انفعالًا يعقب امتلاك الشيء، بل استجابةً لتبدّل موقع الإنسان من عجزٍ أو خوفٍ أو فقد إلى فضلٍ ظاهر.
وعد الشكر والعمل والانتفاع
ويظهر الشكر كذلك في موضع الامتحان الذي لا يُثبت فيه للإنسان فضلٌ على غيره. فالقول فيمن مُنّ عليهم لا يترك معيار التمييز للناس، بل يسأل: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ﴾ (سورة الأنعَام ٥٣). وفي جهة أخرى يقترن به الإيمان في رفع العذاب: ﴿مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا﴾ (سورة النِّسَاء ١٤٧). ويمنع ذلك حصر الشكر في عدّ المنافع؛ فهو موقف يتصل بالإيمان، ويظهر في امتحان الناس بعضهم ببعض، كما يظهر في تذكّر النعمة بعد زوال الخوف.
وعند الخطر تنطق الآيات بوعد الشكر قبل النجاة: ﴿قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ (سورة الأنعَام ٦٣). ويُفصّل مشهد الفلك أن الفرح بالريح الطيبة ينقلب إلى ريح عاصف وموجٍ يحيط بالناس، ثم يَصدر الوعد نفسه: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ (سورة يُونس ٢٢). ولا يقف هذا النمط عند الخطر في البحر؛ فالولد الصالح يُدعى به ليكون باعثًا على الشكر: ﴿۞ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ (سورة الأعرَاف ١٨٩). فهذه المواضع تضيف أن الشكر وعدٌ تلتزمه النفس حين تدرك افتقارها، لا مجرّد وصفٍ لما بعد السلامة.
وتتسع دائرة ما يُستجاب له لتشمل البنية التي يعيش بها الإنسان: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة المؤمنُون ٧٨)، و﴿ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة السَّجدة ٩). وتكرار الحواسّ والأفئدة، مع وصف الشكر بالقلّة، يمنع أن تُقرأ النعمة على أنها خارج الإنسان فحسب. كما يدخل في هذا الإطار تعاقب الزمن: ﴿وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة القَصَص ٧٣)، ثم يرد الليل والنهار خلفةً لمن يريد التذكر أو الشكور. فالشكر هنا لا ينفصل عن الانتباه إلى ما يتكرر حتى يخفى من فرط التكرار.
وتعرض الآيات البحر مثالًا واسعًا على وصل النعمة بالانتفاع والعمل والابتغاء: ﴿۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة الجاثِية ١٢). وتأتي الرياح مبشّرات، والفلك، وابتغاء الفضل في ترتيب واحد: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة الرُّوم ٤٦). فلا يضيف هذا التكرار نوعًا آخر من النعمة فحسب، بل يبيّن أن السعي في الفضل ليس نقيض الشكر؛ إنه واقع في الطريق الذي تنتهي الآية فيه إليه.
ولا يقتصر الشكر على التلقي؛ فالنعمة حين تدخل في الفعل تضع له وجهة. ففي الشعائر يقترن التسخير بالأكل وإطعام القانع والمعتر ثم بالشكر: ﴿وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة الحج ٣٦). وفي أحكام الطهارة تُذكر إزالة الحرج والتطهير وإتمام النعمة غايةً لها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة المَائدة ٦). وهكذا يضيف الشكر إلى الانتفاع حدًّا آخر: أن يظهر أثر النعمة في ذكرٍ وإطعامٍ والتزامٍ، لا في الاستهلاك المفرد.
جهة الشكر وتمييز الوصف الإلهي
وتكشف بعض المواضع أن الشكر يحفظ جهة النعمة من الالتباس. فالطلب والعبادة والشكر تُرتّب معًا: ﴿إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ (سورة العَنكبُوت ١٧). ويُذكر في خبر يوسف أن ترك الإشراك من فضل الله على الناس، ثم يعقبه أن أكثرهم لا يشكرون: ﴿وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ﴾ (سورة يُوسُف ٣٨). لذلك لا يصحّ جعل الشكر تسميةً خالية من وجهتها؛ إنه متصل بتمييز من يُبتغى عنده الرزق ويُعبد ويُشكر.
وفي الأمثلة البشرية يتخذ الشكر هيئةَ أخذٍ وعملٍ وثبات. فموسى يؤمر أن يأخذ ما أوتي وأن يكون من الشاكرين: ﴿قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ (سورة الأعرَاف ١٤٤)، ويوصف نوح بعبدٍ شكور: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٣). وفي موضع الصناعة التي تحصّن من البأس يجيء السؤال: ﴿وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ﴾ (سورة الأنبيَاء ٨٠). وتبلغ الصلة بين الشكر والعمل صراحتها في الأمر: ﴿يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ﴾ (سورة سَبإ ١٣). فالعمل ليس برهانًا زائدًا على الشكر، بل صيغته الظاهرة في هذه المواضع.
ومع ذلك فالشكر ليس ضمانًا لثبات الحال من غير اختبار. فالنص يجعل الفضل امتحانًا بين الشكر والكفر: ﴿قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ﴾ (سورة النَّمل ٤٠)، ويضع السبيل بين هذين الوصفين: ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (سورة الإنسَان ٣). وتزيد آية الماء السؤال ضغطًا: ﴿لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة الوَاقِعة ٧٠). فمقابلة الشكر بالكفر، وسؤال الشكر عند ما يمكن أن يتغير، يجعلان الاستجابة موقفًا متجددًا لا حكمًا يُكتسب مرةً واحدة.
وتتصل هذه المقابلة بنتيجتها، لكن النتيجة تعود إلى الشاكر. ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾ (سورة لُقمَان ١٢)، و﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾ (سورة إبراهِيم ٧). ثم يرد الرضا للشاكرين: ﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (سورة الزُّمَر ٧). وفي قصة قرية سبإ يُؤمر القوم بالأكل والشكر في بلد طيب ورب غفور: ﴿لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ﴾ (سورة سَبإ ١٥)، ثم تعقب قصة تمزيقهم بآياتٍ لكل صبّار شكور. فهذه الآيات لا تجعل الشكر ثمنًا للنعمة، بل تبيّن أنه يفرز طريق الإنسان في الفضل والابتلاء.
ويتجاوز الشكر الفرد إلى الذاكرة والعلاقات والعمل الصالح. ففي الوالدين يأتي الدعاء أن يشكر الإنسان النعمة عليه وعليهما وأن يعمل صالحًا مرضيًّا: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ (سورة الأحقَاف ١٥). وفي تحوّل الموت أو القتل لا يربط الجزاء بالانقلاب، بل يقرر: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ (سورة آل عِمران ١٤٤). وهذا يوسّع معنى الشكر: لا يقتصر على لحظة وصول النعمة، بل يلازم استمرار المرء حين يتبدل ما حوله.
أما وصف الله بالشاكر والشكور فلا يندمج في صورة الشكر الإنساني؛ يرد في سياق علمٍ وجزاءٍ ومضاعفةٍ وغفران. ففي الحسنة زيادة: ﴿ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ﴾ (سورة الشُّوري ٢٣)، وفي القرض الحسن مضاعفة ومغفرة: ﴿إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (سورة التغَابُن ١٧). وتختم آية النجاة الجزاء بهذه الصيغة: ﴿نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ﴾ (سورة القَمَر ٣٥). لذلك تتمايز الجهتان: الإنسان يُدعى إلى الشكر وسط النعمة والخوف والعمل، ويعود أثره إليه؛ ووصف الله بالشكر يجيء في مقام الوفاء والزيادة. وتؤكّد الثمرات والمنافع السؤال نفسه: ﴿لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ﴾ (سورة يسٓ ٣٥). ويُصوّر الليل سكنًا والنهار مبصرًا، ثم يعقب ذلك بقلّة الشاكرين: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ﴾ (سورة غَافِر ٦١). ومن هذا التمايز تنتظم المادة كلها: الشكر وعيٌ بالفضل، ووعدٌ عند الاضطرار، وذكرٌ وعملٌ في السعة، وثباتٌ حين تتقلب الأحوال.
الشكر غاية البيان والتكليف
لكن حصر هذا الانتظام في تبدّل الحال والفضل المحسوس يفوّت نمطًا قاطعًا؛ فالشكر لا يأتي بعد العطاء وحده، بل عقب البيان الذي يضع الفعل في حدوده. في كفّارة الأيمان تُفصّل الآية المؤاخذة والكفّارة والحفظ، ثم تجعل غاية هذا البيان الشكر: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة المَائدة ٨٩). فلا مجال لردّ الشكر هنا إلى شعور لاحق بالرخاء؛ إنه يواجه المخاطب بعد تمييز اللغو من المعقود، وبعد تعيين ما يفعل إذا وقع اليمين.
والأمر نفسه لا يضعف في الصيام، بل يصير أوضح: الهداية والبيّنات، وشهود الشهر، والرخصة للمريض والمسافر، وإكمال العدّة والتكبير، كلّها تسبق غاية الشكر في نسق واحد: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة البَقَرَة ١٨٥). ومن ثم فاعتبار الشكر جوابًا لتبدّل الخوف أو الفقد وحده قاصر؛ إذ هو كذلك جوابٌ للهداية والبيان ولتكليفٍ يراعي اليسر ويأمر بالإتمام والتكبير.
اتساع وجوه الشكر
ولا يصحّ أيضًا فصل البحر في هذا السياق عن هذا التصحيح. فالمقال قد عرض البحر من جهة التسخير والفلك وابتغاء الفضل، غير أن المقابلة بين العذب والأجاج تنقل النظر من مجرّد مورد واحد إلى تباينٍ قائم، ثم تُلحق به الأكل والحلية وحركة الفلك وابتغاء الفضل: ﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة فَاطِر ١٢). هذا يمنع اختزال الشكر في النجاة من الخطر أو في نتيجة السعي وحدها: اختلاف ما يواجهه الإنسان، وتعدّد وجوه الانتفاع، وحركة الابتغاء، كلّها داخلة في الطريق نفسه. وهكذا يثبت النمط المغيّب: الشكر جوابٌ لتبدّل الحال، وللنعمة، وللبيان الذي يكشف وجه الفعل ويكلّف به؛ وأيّ قراءة تحصره في واحدٍ من هذه الثلاثة تخالف اتساع المواضع نفسها.