الفَرق بَين الرَحمة والعَذاب في القُرءان الكَريم

الجَذر الأَوَّل: رحم · الجَذر الثاني: عذب · المَنهَج: نَفي التَرادُف

الرَحمة والعَذاب في القُرءان الكَريم زَوج تَقابُل بِنيويّ لا تَرادُف بَينَهما. هَذه الصَفحَة تَكشِف الفَرق بَينهُما عَبر تَحليل لِسانيّ مُحكَم لِجَذرَيهِما — جَذر «رحم» (339 مَوضعًا) وجَذر «عذب» (373 مَوضعًا) — على مَنهَج نَفي التَرادُف، مَع الآية المَركَزيّة لِلتَقابُل واختِبار الاستِبدال وَ15 الشَواهِد القُرءانيّة.

الآية المَركَزيّة لِلتَقابُل

العنكبوت 21: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ﴾

هَذه الآية تَجمَع الجَذرَين في سياق واحِد، وَتَكشِف القِسمَة الجَوهَريّة بَينَهما.

التَقابُل من جِهَة الرَحمة — جَذر رحم 339 مَوضعًا

التقابل البنيوي: «رحم» في القرآنِ صِفةٌ ذاتيَّةٌ لِله ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ وفِعلٌ يُفيضُ خَيرًا يَدفَعُ ضُرًّا ويُنشِئُ نِعمَةً؛ و«عذب» فِعلُ جَزاءٍ يُسنَدُ غالِبًا إلى الله، يَكونُ على تَجاوُزٍ أو تَكذيبٍ أو ظُلمٍ بَشَريٍّ. وليسَ التَّقابُلُ بَينَهُما تَناقُضًا في الذَّاتِ، بل قِسمَةً في الفِعلِ: شَطرٌ يُوسِعُ، وشَطرٌ يُجازي. ولذلك جَمَعَهُما القرآنُ في كَثيرٍ من الآياتِ في جُملَةٍ واحِدَةٍ، وغالِبًا يَبدَأُ الكَلامُ بِأَحَدِهِما ويَختِمُ بِالآخَرِ، فَيَكشِفُ أَنَّ المُتَكَلِّمَ واحِدٌ، والمَشيئَةَ واحِدَةٌ، والفِعلَ فيهما عَدلٌ كُلُّه.

الآية المركزية للتقابل: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ﴾ (العنكبوت 21). الفِعلانِ مَقرونانِ بـ﴿مَن يَشَآءُ﴾ ثُمَّ بِخِتامٍ يَوحِّدُهُما في المَآلِ ﴿وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ﴾؛ فهُما وَجها فِعلٍ واحِدٍ يَنقَسِمُ في العَبدِ بِحَسَبِ ما يُقَلَّبُ عَلَيه. ويُنَظِّرُها ﴿يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ (الفتح 14)، حيثُ تَخَتِمُ الرَّحمَةُ آيَةً بُدِئَت بالتَّخييرِ بَينَ الغُفرانِ والعَذاب.

الأُولَويَّةُ النَّظميَّةُ للرَّحمَة: تَفتَتِحُ سورُ القرآنِ بـ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ (الفاتحة 1)، فَيَكونُ بَدءُ القَولِ بِالرَّحمَةِ. وتُكتَبُ الرَّحمَةُ كِتابَةَ التِزامٍ ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾ (الأنعام 12)، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾ (الأنعام 54)، ولا يُكتَبُ العَذابُ كِتابَةَ التِزامٍ مِثلَها، بل يُجعَلُ مَنوطًا بِاكتِسابٍ أو تَكذيبٍ. وتُوصَفُ بالسَّعَةِ الشَّامِلَةِ ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾ (الأعراف 156)، ﴿رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا﴾ (غافر 7)، بَينَما العَذابُ مُقَيَّدٌ بِمَشيئَةٍ ﴿أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُ﴾ (الأعراف 156). فالرَّحمَةُ أَصلٌ مُحيطٌ، والعَذابُ فِعلٌ مَنوطٌ بِاستِحقاقٍ.

الاسمُ الذَّاتيُّ والفِعلُ الجَزائيُّ: «رحم» يَأتي اسمًا لاحِقًا بِالله ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ تَكرارًا، ويَأتي مَصدَرًا ﴿رَحۡمَة﴾ ووَصفًا ﴿رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ ﴿لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ كما في الحديد 9. أمَّا «عذب» فلا يَأتي اسمًا ذاتيًّا لله، بل فِعلًا ﴿يُعَذِّبُ﴾ ومَصدَرًا ﴿عَذَاب﴾؛ فهذا الفَرقُ في الصِّيغَةِ يَكشِفُ مَكانَةً نَظميَّةً: الرَّحمَةُ صِفَةٌ، والعَذابُ فِعلٌ. ومَنِ امتَلَأ بِالصِّفَةِ الذَّاتيَّةِ كان وَصفُه أَصلًا، ومَن وَقَعَ مِنه الفِعلُ كان فِعلُه جَزاءً.

التَّقابُلُ في القَلبِ البَشَريِّ: في الإسراء 57 ﴿وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا﴾، فالعَبدُ بَينَ رَجاءٍ وخَوفٍ، والرَّجاءُ مَوصولٌ بِالرَّحمَةِ والخَوفُ بِالعَذابِ. هذا التَّقابُلُ يُؤَكِّدُ أَنَّ السُّلوكَ العِبادِيَّ في القرآنِ يَنبَني على القُطبَينِ كِلَيهِما، لا على واحِدٍ مِنهُما، وأَنَّ إِسقاطَ أَحَدِهِما يُختَلُّ به مِيزانُ العُبودِيَّة.

التَّقابُلُ المَكانيُّ في يَومِ القِيامَةِ: ﴿فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ﴾ (الحديد 13). جَعَلَ القرآنُ التَّقابُلَ بَينَ الرَّحمَةِ والعَذابِ تَقابُلًا مَكانيًّا قاطِعًا: حائِطٌ واحِدٌ، وَجهانِ مُتَناقِضانِ. هذا الإِخراجُ البَصَريُّ هو ذُروَةُ تَأكيدِ الجَذرَينِ ضِدَّينِ بِنيَويَّينِ في القرآنِ كُلِّه.

اختبار الاستبدال: لو وُضِعَ «يَفرَحُ بِهِ» مَوضِعَ «وَيَرۡحَمُ» في ﴿يَرۡحَمُ مَن يَشَآءُ﴾ (العنكبوت 21)، لانتَقَلَ المَعنى من فِعلٍ إِلَٰهيٍّ يَدفَعُ الضُّرَّ ويُنشِئُ النِّعمَةَ إلى مَجَرَّدِ شُعورٍ بِالمَسَرَّة، ولانكَسَرَ التَّقابُلُ مع «يُعَذِّبُ»؛ فالرَّحمَةُ فِعلٌ يَجلِبُ الخَيرَ، لا حالٌ في النَّفسِ. ولو وُضِعَتْ «نِعمَتُهُ» مَوضِعَ «رَحۡمَتَهُۥ» في ﴿يَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ﴾ (الإسراء 57)، لانتَقَلَ المَعنى من رَجاءِ الصِّفَةِ الذَّاتيَّةِ المُحيطَةِ إلى رَجاءِ عَطاءٍ مَحدودٍ، ولفُقِدَتْ المُقابَلَةُ المُحكَمَةُ مع «عَذَابَه». فالرَّحمَةُ في القرآنِ لَيسَت نِعمَةً مَحدودَةً، بل صِفَةٌ شامِلَةٌ تُفيضُ النِّعَمَ كُلَّها.

ملاحظَةٌ على خَواتيمِ الآياتِ: تَأتي الرَّحمَةُ غالِبًا خاتِمَةً لآياتٍ ابتُدِئَتْ بِعَذابٍ أو وَعيدٍ، فَتَكونُ هيَ الكَلِمَةَ الأَخيرَةَ التي يَترُكُها القرآنُ في القَلبِ. مَثَلًا في الأعراف 167 ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾، وفي الفتح 14 ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ بَعدَ ذِكرِ التَّعذيبِ، وفي النحل 18 ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾. لا يَأتي العَذابُ خاتِمَةً مُمَاثِلَةً للآياتِ المُسنَدَةِ إلى رَحمَةٍ، فَيَدُلُّ ذلك على أَنَّ الرَّحمَةَ هي المَآلُ المَقصودُ في خِطابِ القرآنِ، والعَذابَ قَيدٌ مُتَوَسِّطٌ يُذَكِّرُ بِالعَدلِ.

خلاصة دلالية: «رحم» أَصلٌ مُحيطٌ في فِعلِ الرَّبِّ، صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ تَفتَتِحُ بها سُوَرُ القرآنِ ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾، مَكتوبَةٌ على الذَّاتِ كِتابَةَ التِزامٍ، مَوصوفَةٌ بِسَعَةٍ شَامِلَةٍ. و«عذب» فِعلُ جَزاءٍ مُقَيَّدٌ بِمَشيئَةٍ مَوصولَةٍ بِعَدلٍ، يُسنَدُ إلى الله مَآلًا للمُكَذِّبِ والظَّالِم. التَّقابُلُ بَينَهُما تَكامُلٌ في الفِعلِ الإِلَٰهيِّ: شَطرٌ يَفتَحُ بابَ النِّعمَةِ وشَطرٌ يَردُّ التَّجاوُزَ، وكِلاهُما من رَبٍّ واحِدٍ ﴿وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ﴾.

التَقابُل من جِهَة العَذاب — جَذر عذب 373 مَوضعًا

التقابل البنيوي: «عذب» في القرآن إيقاعُ أَلَمٍ مَقصودٍ من اللهِ على المُكلَّفِ جزاءَ تَجاوُزٍ، فاعِلُه الله غالبًا، ومَحَلُّه قَلبٌ أو بَدَنٌ أو دَارٌ؛ و«رحم» إفاضةُ خَيرٍ يَدفَعُ الضُّرَّ ويُنشِئُ النِّعمةَ، فاعِلُه الله ابتداءً، ووَصفُه الذاتيُّ ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾. فليس التقابل بين أَذى وراحَةٍ في المُطلَق، بل بين فِعلَين إِلَٰهِيَّينِ يَنبَعِثان من سُلطانٍ واحدٍ على الخَلقِ: فِعلٌ يَستَأصِلُ، وفِعلٌ يَستَوعِب. ولأنَّهما من مَشِيئَةٍ واحِدَةٍ كَثُرَ في القرآن جَمعُهُما في النَّفَسِ نَفسِه دون أن يَتَناقَضا، بل ليَتَكامَلا في وَجهَين لِعَدلِه وفَضلِه.

الآية المركزية للتقابل: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ﴾ (العنكبوت 21). تَجمَعُ الآيةُ في جُملةٍ واحدةٍ بين الفِعلَين بِنَفسِ القَيدِ ﴿مَن يَشَآءُ﴾ ثُمَّ تَختِمُ بـ﴿وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ﴾؛ فالمُرجَّحُ بَينَهُما المَشيئةُ المَوصولةُ بِعَدلٍ ومَآلٍ، لا تَناقُضٌ في الذَّاتِ. ويُؤكِّدُ هذا النَّظمَ تَكرارُ القَرنِ في صِيغَةٍ أُخرى: ﴿يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ (الفتح 14)، ومَثَلُه في المائدة 18، حيث تَأتي الرَّحمَةُ خَتمَ الآيةِ ووَصفًا ذاتيًّا، ويُسنَدُ العذابُ إلى مَشيئَةٍ مَوصولَةٍ بِعَدلٍ.

تقابُلٌ صَريحٌ في الخِطابِ: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا﴾ (الإسراء 57). فالعَبدُ بَينَ رَجاءِ الرَّحمَةِ وخَوفِ العَذابِ في جُملَةٍ واحِدَةٍ، يُؤكِّدُ أَنَّهُما طَرَفا مَسلَكِ العُبودِيَّةِ لا سَبيلَ ثالِثٌ. ومِثلُه ﴿بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ﴾ (الحديد 13)؛ فالحَدُّ الواحِدُ بين الفَريقَين هو حَدٌّ بين الرَّحمَةِ والعَذابِ في مَشهَدٍ بَصَريٍّ قاطِع.

قَرنُ السَّعَةِ بالقَيدِ: تَأتي الرَّحمَةُ في القرآنِ مَوصوفَةً بِسَعَةٍ شامِلَةٍ ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾ (الأعراف 156)، ومَكتوبَةً كِتابَةَ التِزامٍ ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾ (الأنعام 12، 54)، ومُستَوعَبَةً في الدُّعاءِ ﴿رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا﴾ (غافر 7). أمَّا العَذابُ فلم يُوصَف بِسَعَةٍ مُماثِلَةٍ، بل قُيِّدَ بِشَرطٍ ﴿عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُ﴾ (الأعراف 156) ثُمَّ أَردَفَه بِعَطفِ الرَّحمَةِ في نَفسِ الآيَةِ بِواوٍ تُشيرُ إلى أَنَّ الرَّحمَةَ هي الأَصلُ المُحيطُ وأَنَّ العَذابَ مَنوطٌ بِمَشيئَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِعَدلٍ. هذا الفَرقُ بَينَ سَعَةِ المَوصوفِ الأَوَّلِ وقَيدِ الثَّاني هو روحُ التَّقابُلِ، لا مُجَرَّدُ تَضادِّ مَعنى.

اختبار الاستبدال: لو وُضِعَ «يَرحَمُ» مَوضِعَ «يُعَذِّبُ» في ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ بَيتَ شَطرَيِ الآيَةِ في العَنكَبوت 21، انكَسَرَ القَوامُ النَّظميُّ للآيَةِ وذَهَبَ مَعنى ﴿وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ﴾ ، لأَنَّ المَرجِعَ يَستَدعي وَجهَينِ لا وَجهًا واحِدًا. ولو وُضِعَ «أَلَمٌ» مَكانَ «عَذاب» في ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥ﴾ (الإسراء 57)، لانقَطَعَ الإسنادُ إلى الرَّبِّ ولاختَصَرَ الإِيقاعَ الإِلَٰهيَّ إلى مُجَرَّدِ شُعورٍ بَشَريٍّ؛ فالعَذابُ في القرآنِ فِعلٌ مُسنَدٌ إلى الله غالِبًا، يَختَلِفُ عن الأَلَمِ المَحضِ. ومِن جِهَةِ الرَّحمَةِ، لو وُضِعَتْ «نِعمَة» مَوضِعَ «رَحۡمَتِي» في ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾، لانتَقَلَ المَعنى مِنَ الصِّفَةِ الذَّاتيَّةِ الشَّامِلَةِ إلى عَطاءٍ مَحدودٍ، وفُقِدَ المُقابِلُ المُحكَمُ للعَذابِ المُقَيَّد.

ملاحظَةٌ على الصِّيَغِ: «رحم» يَأتي اسمًا ذاتيًّا مُتَكرِّرًا ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ في الفاتحة 1 و3، فَيَدُلُّ على وَصفٍ لازِمٍ. و«عذب» لا يَأتي اسمًا ذاتيًّا، بل فِعلًا ﴿يُعَذِّبُ﴾ ومَصدَرًا ﴿عَذَاب﴾ ووَصفًا مُضافًا ﴿شَدِيدُ ٱلۡعَذَاب﴾؛ فلا يُقالُ في القرآنِ «المُعَذِّبُ» اسمًا ذاتيًّا. فالرَّحمَةُ صِفَةٌ، والعَذابُ فِعلٌ ومآل. هذا الفَرقُ في الصِّيَغِ هو ذاتُه الفَرقُ في المَكانَةِ النَّظميَّةِ: الرَّحمَةُ أَصلٌ، والعَذابُ جَزاءٌ. ويَتَأكَّدُ هذا بأَنَّ افتِتاحَ الكِتابِ ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ يَجعَلُ الرَّحمَةَ بَدءَ القَولِ، بَينَما العَذابُ يَأتي مَآلًا لِمُكَذِّبٍ أو ظالِم.

ملاحظَةٌ على الاقتِرانِ في خَواتيمِ الآياتِ: تَأتي الرَّحمَةُ خاتِمَةً لِكَثيرٍ من الآياتِ المُسنَدَةِ إلى عَذابٍ، فَيُلجَأُ إلى الرَّحمَةِ بَعدَ ذِكرِ الجَزاءِ، ولا يَأتي العَذابُ خاتِمَةً للآياتِ المُسنَدَةِ إلى رَحمَةٍ. فمَثَلًا في الأعراف 167 ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ بُدِئَ بالعِقاب ثُمَّ خُتِمَ بالغُفرانِ والرَّحمَةِ. ومِثلُه الفتح 14 و18 وغيرُها. هذا النَّمَطُ القُرءانيُّ يَجعَلُ الرَّحمَةَ مَآلًا لِلجُملَةِ، والعَذابَ مَسبَقًا فيها، فيَتَأَكَّدُ أَنَّ الرَّحمَةَ هي الغايةُ المَقصودَةُ في الخِطاب.

خلاصة دلالية: «عذب» إيقاعُ جَزاءٍ مُقَيَّدٍ بِمَشيئَةٍ مَوصولَةٍ بِعَدلٍ، فاعِلُه الله أو مَأذونٌ من جِهَتِه، ومَحَلُّه قَلبٌ أو بَدَنٌ أو دارٌ، ويُختَمُ غالِبًا بِفَتحِ بابٍ لِلرَّحمَةِ. و«رحم» إفاضةُ خَيرٍ يَدفَعُ ضُرًّا ويُنشِئُ نِعمَةً، صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ لِله ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾، مَوصوفَةٌ بِسَعَةٍ ﴿وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾، مَكتوبَةٌ كِتابَةَ التِزامٍ ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾. فالتَّقابُلُ بَينَهُما تَقابُلُ تَكامُلٍ في فِعلِ الرَّبِّ لا تَناقُضٍ في الذَّاتِ: شَطرُ المُعامَلَةِ الإِلَٰهيَّةِ يَنقَسِمُ في الخَلقِ بين رَحمَةٍ تُحيطُ وعَذابٍ يُقَدِّرُهُ العَدلُ.

شَواهِد قُرءانيّة لِلتَقابُل (15 آية)

  1. الفاتحة 1: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾
  2. الأنعام 12: ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾
  3. الأنعام 54: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾
  4. الأعراف 156: ﴿قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾
  5. الأعراف 167: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾
  6. العنكبوت 21: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ﴾
  7. الإسراء 57: ﴿وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا﴾
  8. الفتح 14: ﴿يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾
  9. غافر 7: ﴿رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾
  10. الحديد 9: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾
  11. الحديد 13: ﴿بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ﴾
  12. هود 73: ﴿رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ﴾
  13. النحل 18: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾
  14. الفاتحة 3: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾
  15. المائدة 18: ﴿يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾

الحُقول الدَلاليّة لِلجَذرَين

تَحليل كل جَذر مُنفَرِدًا

جَذر عذب — العَذاب

المَواضع: 373 في القُرءان الكَريم

عذب: أثر حسي بالغ يباشر صاحبه؛ فأكثره إيلام جزائي يسمى عذابا، ومنه موضعا الماء العذب السائغ الذي يباشر الذوق بضد الملوحة. الفائدة المنهجية أن الجذر لا يساوي جذورا قريبة؛ زاويته الخاصة هي: القاسم المشترك أن الأثر لا يبقى…

اقرَأ التَحليل الكامِل لِجَذر عذب ↗

أَسئِلَة شائِعة عن الفَرق بَين الرَحمة والعَذاب

ما الفَرق بَين الرَحمة والعَذاب في القُرءان الكَريم؟

الرَحمة في القُرءان: الإحاطة المحيية: أن يحيط الشيء بما في كنفه فينشئه أو يمده أو يكفله. تظهر في الرحمة الإلهية التي تصل الخير وتدفع الهلاك، وفي الأرحام التي تحتضن التكوين، وفي أولو الأرحام الذين تنتظم بهم رابطة القرب. وَالعَذاب: التعريف المحكم: أثر حسي بالغ يباشر صاحبه؛ فأكثره إيلام جزائي يسمى عذابا، ومنه موضعا الماء العذب السائغ الذي يباشر الذوق بضد الملوحة. يقوم الضبط على أربعة حدود: جهة المعنى الخاصة، وسياق الورود، وصيغ الجذر، واستيعاب المواضع المثبتة في إحصاء الكلمات. بعد اختبار المواضع لا يظه… وَالعَلاقَة بَينَهما تَقابُل بِنيويّ لا تَرادُف.

ما الآية المَركَزيّة التي تَجمَع الرَحمة والعَذاب؟

الآية المَركَزيّة لِلتَقابُل بَين جَذر رحم وجَذر عذب: العنكبوت 21: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ﴾

كَم مَرّة وَرَدَ كل من الرَحمة والعَذاب في القُرءان؟

وَرَدَ جَذر رحم (الرَحمة) 339 مَوضعًا في القُرءان الكَريم، ووَرَدَ جَذر عذب (العَذاب) 373 مَوضعًا.

هَل الرَحمة والعَذاب مُتَرادِفان في القُرءان؟

لا. على مَنهَج نَفي التَرادُف الذي يَتَّبِعه قَولات، الرَحمة والعَذاب ليسا مُتَرادِفَين بل زَوج تَقابُل بِنيويّ — كل جَذر يُؤَدّي وَظيفَة دَلاليّة مُتَمَيِّزة لا يَسُدّ مَكانَها الآخَر، وَيَكشِف اختِبار الاستِبدال في الآيات أَنّ تَبديل أَحَدِهِما بِالآخَر يُفسِد المَعنى.

كَم آية تَجمَع جَذرَي رحم وعذب في القُرءان؟

تَجمَع جَذرَي رحم وعذب ما لا يَقِلّ عَن 15 آية قُرءانيّة، وَتَتَوَزَّع بَين تَقابُل صَريح وَتَكامُل في الصُورَة وَالحَركَة.