مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر تعس في القُرءان الكَريم — 1 موضع
جواب مباشر
دلالة جذر تعس في القرءان
دلالة جذر «تعس» في القرءان: تعس في القرءان لفظٌ واحدٌ في موضعٍ واحد، يُصرَف إلى الذين كفروا باللام بعد تسميتهم: ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ (سورة… ← التعريف الكامل
ورد الجذر 1 موضع، في 1 صيغة في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «السقوط والانكسار». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر تعس من شواهد القرءان وحده.
الصِيَغ المُسجَّلة ·1
التَعريف المُحكَم لجَذر تعس في القُرءان الكَريم
تعس في القرءان لفظٌ واحدٌ في موضعٍ واحد، يُصرَف إلى الذين كفروا باللام بعد تسميتهم: ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨). يقع في مقابلة ما صُرف إلى ناصري الله قبله: ﴿يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧). وهو قدرٌ زائدٌ على إضلال أعمالهم، إذ يجيء إضلالُ الأعمال وحده بلا هذا اللفظ: ﴿أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١). ولا يُسنَد اللفظُ في القرءان إلى فاعل، ولا يرد له فعلٌ ولا صيغةٌ ثانية، ولا يزيد النصُّ في تعيين صورة ما صُرف إليهم.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
موضعٌ واحدٌ للجذر في القرءان كلِّه: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨). يُصرَف اللفظ إلى الفريق باللام بعد تسميته في أوّل الآية، ويقع في مقابلة ما صُرف إلى الفريق الآخر قبله: ﴿يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧).
والذي يثبت له من النصّ ثلاثة: انفرادُ الموضع والصيغة، وصرفُه إليهم أنفسهم بلا إسنادٍ إلى فاعل، وزيادتُه على إضلال الأعمال المذكور وحده في أوّل السورة ﴿أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١). وأمّا تعيينُ صورةِ ما صُرف إليهم، أو الحكمُ بامتناع النهوض بعده، فليس في الآية ما يشهد له.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر تعس
الجذر «تعس» لا يرد في القرءان إلّا في موضعٍ واحد: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨). ومسحُ المصحف كلِّه لا يُخرج له صيغةً ثانية، ولا يُخرج له فعلًا ماضيًا ولا مضارعًا ولا أمرًا.
والذي ينطق به الموضعُ وجوارُه أربعةُ أمورٍ مصرَّحٌ بها:
١. اللفظُ مصروفٌ إليهم باللام. سُمّي الفريقُ في أوّل الآية ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، ثمّ صُرف إليه اللفظُ بالضمير ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨). ولم يُسنَد إليهم فعلًا، ولم يُسمَّ له فاعل.
٢. ما صُرف إليهم غيرُ ما وقع بأعمالهم. فإضلالُ الأعمال يجيء في أوّل السورة وحده بلا هذا اللفظ: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١). فلمّا أُعيد ذكرُ الفريق في الثامنة تقدّمه ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾، وعُطف عليه ﴿وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨). فهذا قدرٌ يقع عليهم هم، وذاك يقع بأعمالهم.
٣. موقعُه من النظم مقابلٌ لما صُرف إلى الفريق الآخر. قبله بلا فاصل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧).
٤. ما بعده يبيّن جهةَ الأعمال لا جهةَ اللفظ. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٩). فالتفسيرُ الوارد في السياق منصبٌّ على الأعمال وحدها.
وما وراء هذه الأربعة لا تنطق به الآية. ليس فيها ذكرُ سقوطٍ بالبدن، ولا ذكرُ نهوضٍ ممتنعٍ بعده. وغايةُ ما في سياقها أن يُنفى عنهم المولى والناصر: ﴿وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١١)، و﴿أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١٣). وهذا وصفٌ لسياق الموضع، لا حدٌّ للّفظ نفسه.
الآية المَركَزيّة لِجَذر تعس
سورة مُحمد ٨
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾
هي الموضع الوحيد للجذر في القرءان كلِّه، فمنها وحدها ومن جوارها المتّصل يُستفاد ما يُعرف عنه.
وجوارُها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧) قبلها، و﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٩) بعدها.
والذي تُصرّح به الآيتان مقابلةُ فريقين في موضعين متجاورين: خطابٌ للمؤمنين بشرطٍ وجوابه، ثمّ خبرٌ عن الذين كفروا بما صُرف إليهم. أمّا حملُ اللفظ على ما يخصّ القدم فلا تصريح له هنا: الأقدامُ مذكورةٌ في الطرف الأوّل وحده ﴿وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧)، وليس في الطرف الثاني ذكرٌ لها.
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
| الصيغة | العدد | الموضع | ما يُذكر معها في النصّ |
|---|---|---|---|
| ﴿فَتَعۡسٗا﴾ | ١ | سورة مُحمد ٨ | لامٌ داخلةٌ على ضميرهم بعدها، ثمّ عطفٌ بذكر الأعمال |
صيغةٌ واحدة في القرءان كلِّه، وعائلةُ صيغٍ واحدة. ولا يرد الجذر فعلًا ماضيًا ولا مضارعًا ولا أمرًا، ولا يرد وصفًا لفاعلٍ ولا لمفعول.
وموقعُها من الآية: ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨) بعد تسمية الفريق ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (سورة مُحمد ٨)، ثمّ العطفُ عليها ﴿وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨). وقد جاء على هذه الصورة في القرءان لفظان آخران: «بعدا» في ستّة مواضع، و«سحقا» في موضع، منها ﴿فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة المؤمنُون ٤١) و﴿فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (سورة المُلك ١١).
التَجميع الصَرفيّ الآليّ لِصيَغ جَذر تعس بِالأَوزان
صيغ الجَذر «تعس» بِرَسمها التَوقيفيّ، مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع). العَدَد أَعلى كُلّ بِطاقَة تَقريبيّ لِأَنَّ التَجميع آليّ؛ والجَرد الكامِل في شَريط «الصِيَغ المُسجَّلة» أَعلى الصَفحَة.
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر تعس
إجمالي المواضع: موضعٌ واحد في آيةٍ واحدة.
الموضع الوحيد:
- سورة مُحمد ٨ — ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾
والسياقُ المتّصل الذي يُقرأ فيه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧) قبله، ثمّ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٩)، ثمّ ﴿وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١١)، ثمّ ﴿وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١٢)، ثمّ ﴿أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١٣).
وليس في هذه الآيات لفظٌ ثانٍ من الجذر: الموضعُ واحد، والصيغةُ واحدة. والسياقُ يقسم الكلامَ على فريقين: فريقٌ له النصرُ وتثبيتُ الأقدام ﴿يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧)، وفريقٌ صُرف إليه ما في موضعنا ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨).
- الصِيَغ: 1 صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: فَتَعۡسٗا.
- أَبرَز الصِيَغ: فَتَعۡسٗا (1)
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
الموضع واحد، فلا يقوم قاسمٌ بين مواضعَ متعدّدة. والذي يجمعه هذا الموضعُ في ذاته أربعةُ عناصرَ متلاصقة، كلُّها منصوصة:
| العنصر | نصُّه | ما يفيده |
|---|---|---|
| الفريق | ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (سورة مُحمد ٨) | مُسمًّى في أوّل الآية قبل الصرف |
| الصرف | ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨) | لفظٌ يُصرَف إليهم باللام، بلا فعلٍ مسند |
| المقترن | ﴿وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨) | جهةُ الأعمال، معطوفةٌ على ما صُرف إليهم |
| المقابل | ﴿يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧) | ما صُرف إلى الفريق الآخر في الآية قبله |
وليس في الموضع وصفٌ لهم بقوّةٍ ولا بادّعاءٍ ظاهر. الذي وُصفوا به في الآية الكفرُ وحده، وفي التي بعدها كراهيةُ ما أُنزل: ﴿كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ (سورة مُحمد ٩). وأمّا ذكرُ القوّة في السياق فمصروفٌ إلى قرًى أخرى لا إليهم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ﴾ (سورة مُحمد ١٣). فلا يُحمَّل الموضعُ ما لم يذكره.
مُقارَنَة جَذر تعس بِجذور شَبيهَة
المدارُ في هذا الباب على فرقٍ محسوب: «تعس» لا يرد في القرءان إلّا اسمًا مصروفًا باللام في موضعٍ واحد، وما يُقارَن به يرد في شواهده فعلًا مسندًا إلى فاعله أو إلى أصحابه.
| الجذر | وجه الشبه | وجه الافتراق | الشاهد |
|---|---|---|---|
| تعس | سوءٌ يقع بالذين كفروا وتضلّ به أعمالُهم | اسمٌ مصروفٌ إليهم باللام، لا فعلَ له في القرءان | ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨) |
| خسر | سوءُ عاقبةٍ يقع بالمبطلين هنالك | فعلٌ مسندٌ إلى أصحابه | ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾ (سورة غَافِر ٧٨) |
| خيب | سوءُ عاقبةٍ يقع بكلّ جبّارٍ عنيدٍ عند الاستفتاح | فعلٌ مسندٌ إلى أصحابه | ﴿وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ﴾ (سورة إبراهِيم ١٥) |
| تبب | سوءُ عاقبةٍ يقع بأبي لهبٍ ويديه | فعلٌ مسندٌ مكرَّرٌ في الآية | ﴿تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ﴾ (سورة المَسَد ١) |
| هلك | عاقبةُ سوءٍ تقع بأهل قريةٍ أشدَّ قوّة | فعلٌ واقعٌ بهم، مسندٌ إلى المتكلّم | ﴿أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١٣) |
فلا يطابق «تعس» واحدًا من هذه الأربعة. والفرقُ الذي تشهد به الشواهد فرقُ إسنادٍ لا فرقُ درجة: تلك أفعالٌ يُخبَر بوقوعها ويُسمَّى لها فاعلٌ أو صاحب، وهذا لفظٌ يُصرَف إلى قومٍ بلا إسنادٍ إلى فاعل. ولافتٌ أنّ «هلك» جاء في السياق نفسه فعلًا صريحًا ﴿أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١٣)، فالتفرقة بينهما داخل النافذة الواحدة لا خارجها.
وأقربُ ما جاء على صورته في القرءان لفظان: «بعدا» في ستّة مواضع، و«سحقا» في موضع واحد. منها ﴿وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة هُود ٤٤)، و﴿فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة المؤمنُون ٤١)، و﴿فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (سورة المُلك ١١). ويفترق عنها بأمرين محسوبين. الأوّل: أنّ اللام في هذه السبعة كلِّها جاءت على اسمٍ ظاهر، وجاءت في موضعنا وحده على ضمير. والثاني: أنّ هذه السبعة تجيء بعد ذكر ما نزل بالقوم، ويجيء موضعُنا بعد شرطٍ ووعدٍ للفريق الآخر.
اختِبار الاستِبدال
الموضع: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨). والبدائلُ المفحوصة مأخوذةٌ من القرءان نفسه، من الصورة نفسها أو ممّا قُوبل به، لا من خارج النصّ.
- لو وُضع «فَبُعۡدٗا» مكانه: لدخل الموضعُ في بابٍ لفظُه مبيَّنٌ بفعله في النصّ نفسه ﴿أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ﴾ (سورة هُود ٩٥)، و«تعس» لا فعلَ له في القرءان يبيّنه. ومواضعُ «بعدا» الستّة تجيء كلُّها بعد ذكر ما نزل بالقوم، كما في ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة المؤمنُون ٤١)؛ وليس في موضعنا نازلةٌ متقدّمة.
- لو وُضع «فَسُحۡقٗا»: لجاء نظيرَ ما صُرف إلى قومٍ استقرّ مصيرُهم واعترفوا بذنبهم ﴿فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (سورة المُلك ١١). والذين كفروا في موضعنا يُلاقَون ويُقاتَلون ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ﴾ (سورة مُحمد ٤)، ولم يُذكر لهم اعترافٌ ولا استقرارُ مصير.
- لو وُضع فعلٌ مسندٌ مكان الاسم، على نحو ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾ (سورة غَافِر ٧٨): لصار الكلامُ خبرًا عن أمرٍ وقع، ولسُمّي له صاحبٌ يقع منه؛ والآيةُ تصرف اللفظ إليهم بلا إسنادٍ إلى فاعل.
وهذا مبلغُ ما يُثبته الاستبدال: فرقٌ في الإسناد، وفرقٌ في موقع الصرف من النظم. ولا يُثبت أنّ اللفظ مخصوصٌ بالقدم. فالأقدامُ مذكورةٌ في الآية السابقة في طرف المؤمنين ﴿وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧)، وليس في الآية الثانية ذكرٌ لها؛ فالمقابلةُ بين طرفين في النظم، لا بين لفظين في المعنى.
الفُروق الدَقيقَة
١. صورةٌ واحدة، ولا فعلَ لها. مسحُ المصحف كلِّه لا يُخرج للجذر إلّا ﴿فَتَعۡسٗا﴾ (سورة مُحمد ٨). فلا ماضيَ له ولا مضارع، ولا وصفَ فاعلٍ ولا مفعول. فكلُّ ما يُقال فيه مستفادٌ من هذه الصورة الواحدة في موضعها.
٢. اللامُ على ضميرٍ هنا، وعلى اسمٍ ظاهرٍ في نظائره. جاء على صورته «بعدا» في ستّة مواضع و«سحقا» في موضع: ﴿وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة هُود ٤٤)، ﴿أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ﴾ (سورة هُود ٦٠)، ﴿أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ﴾ (سورة هُود ٦٨)، ﴿أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ﴾ (سورة هُود ٩٥)، ﴿فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة المؤمنُون ٤١)، ﴿فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ﴾ (سورة المؤمنُون ٤٤)، ﴿فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (سورة المُلك ١١). واللام في هذه السبعة على اسمٍ ظاهر. وفي موضعنا وحده على ضمير ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨)، لأنّ الفريق سُمّي قبله في الآية نفسها ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (سورة مُحمد ٨).
٣. موقعُه من النازلة يخالف موقعَ نظائره. في السبعة يتقدّم الصرفَ ذكرُ ما نزل بالقوم: ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة المؤمنُون ٤١)، و﴿فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (سورة المُلك ١١). وفي موضعنا يتقدّمه شرطٌ ووعدٌ للفريق الآخر ﴿إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧).
٤. النصُّ يصرّح في أحد نظائره بأنّ هذه الصورة قولٌ يُقال. ﴿وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة هُود ٤٤) — فصُدِّرت بذكر القول. وهذا أقربُ ما يُبيّن بابَ الصورة من داخل النصّ، دون حاجةٍ إلى تقديرٍ من خارجه.
٥. زيادتُه على إضلال العمل مقيسةٌ بثلاثة مواضع من السورة نفسها. يُذكر إضلالُ الأعمال وحده ﴿أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١)، ويُنفى عن فريقٍ آخر بلفظه ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٤)، ويُعطَف على ما صُرف إليهم في موضعنا ﴿وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨). فذكرُ الأعمال مستقلٌّ بنفسه، فلا يدخل في حدّ اللفظ وإن اقترن به.
٦. ما لا يثبت من الموضع. ليس في الآية لفظُ سقوطٍ ولا كسرٍ ولا قدم، ولا خبرٌ عمّا بعد ما صُرف إليهم. فلا يُحمل عليه معنًى مأخوذٌ من غير النصّ، ولا يُبنى حدُّه على ما جاورَه من ألفاظ الطرف الآخر.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: السقوط والانكسار.
الجذر مُلحَقٌ بحقل «السقوط والانكسار». والذي يصله بالحقل ليس تصريحًا في آيته: ليس في ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨) لفظُ سقوطٍ ولا كسر.
وإنّما يصله به موقعُه من النظم: ما صُرف إليهم هو الجهةُ المقابلة لما صُرف إلى الفريق الآخر قبله ﴿وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧). فهذا موقعٌ في ترتيب الآيتين، لا تصريحٌ بمعنًى في اللفظ.
وأقربُ ما يجاوره في القرءان إنّما يجاوره بالصورة لا بالحقل: «بعدا» في ستّة مواضع و«سحقا» في موضع، كـ﴿فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة المؤمنُون ٤١) و﴿فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (سورة المُلك ١١). وهذه مقاربةُ بناءٍ في النظم، تُعدّ ولا يُبنى عليها حكمٌ زائدٌ على ما نطق به السياق.
ومورِدُه أضيقُ من موارد ما قُوبل به من ألفاظ بابه: موضعٌ واحد، وصيغةٌ واحدة. وضيقُ المورد واقعةٌ تُعدّ، لا حجّةٌ على معنًى.
مَنهَج تَحليل جَذر تعس
١. المسحُ الكلّيّ للجذر. فُحص المصحف كلُّه، فلم تظهر للجذر إلّا كلمةٌ واحدة ﴿فَتَعۡسٗا﴾ (سورة مُحمد ٨). فالمواضعُ موضعٌ واحد، والصيغُ صيغةٌ واحدة، وعائلاتُ الصيغ عائلةٌ واحدة.
٢. إسنادُ كلّ قيدٍ في الحدّ إلى قرينةٍ تُثبته وحدها — لا إلى تطبيق الحدّ على موضعه:
| قيدُ الحدّ | القرينةُ التي أثبتته |
|---|---|
| موضعٌ واحدٌ لا فعل له | المسحُ الكلّيّ: ﴿فَتَعۡسٗا﴾ (سورة مُحمد ٨) ولا صيغةَ غيرها في المصحف |
| مصروفٌ إليهم باللام | ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨)، والفريقُ مسمًّى قبله ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (سورة مُحمد ٨) |
| زائدٌ على إضلال العمل | ﴿أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١) يرد وحده بلا هذا اللفظ |
| مقابلٌ لما صُرف إلى الفريق الآخر | ﴿يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧) في الآية التي قبله بلا فاصل |
| صورتُه صورةُ قولٍ يُقال | تصريحُ النظير: ﴿وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة هُود ٤٤) |
٣. حدودٌ رُدَّت، وسببُ ردّ كلٍّ منها:
- «الهلاك»: رُدَّ لأنّ الهلاك جاء في السياق نفسه فعلًا مسندًا إلى فاعله ﴿أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١٣)، ولفظُنا لا فعلَ له ولا فاعل. فلو كانا واحدًا لاستوى التعبيران في النافذة الواحدة.
- «السقوط بالبدن»: رُدَّ لخلوّ الموضع من ذكره. والمقابلةُ بتثبيت الأقدام في الآية السابقة تُثبت موقعًا في النظم؛ ولا تُثبت أنّ الأقدام مذكورةٌ في الطرف الثاني، وليست مذكورةً فيه.
- «امتناعُ النهوض بعده»: رُدَّ لأنّه حكمٌ على ما بعد الموضع، ولا خبر في الآية عمّا بعده. وغايةُ ما في السياق نفيُ المولى والناصر ﴿وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١١)، وهو وصفٌ للفريق في سياقه لا قيدٌ في اللفظ.
- «ضياعُ العمل جزءًا من الحدّ»: رُدَّ لأنّ ضياع العمل مذكورٌ مستقلًّا بلا هذا اللفظ ﴿أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١)، ومنفيٌّ عن فريقٍ آخر بلفظه ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٤). فهو مقترنٌ بالموضع، لا داخلٌ في حدّه.
٤. قياسُ النظائر قبل الحكم بالتفرّد. جُمعت مواضعُ اللفظين اللذين جاءا على صورته: «بعدا» في ستّة مواضع، و«سحقا» في موضع. وعلى هذه السبعة قام الفرقان المذكوران: اللامُ على الضمير، وموقعُ الصرف من النازلة. فما لم يُقَس على نظائره لم يُثبَت له تفرّدٌ.
الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر ثبت)
لا يثبت للجذر ضدٌّ جذريٌّ في القرءان، لأنّ موضعه واحدٌ ولا فعل له ولا صيغةَ ثانية. وأقربُ مقابلٍ منصوصٍ ما في الآية السابقة من السورة نفسها.
الطرفُ الأوّل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧). والطرفُ الثاني: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨).
والمقابلة قائمةٌ بترتيب الآيتين وبقسمة الفريقين: وعدٌ مشروطٌ لمن ينصر، وصرفٌ لمن كفر. وتمتدّ في السياق نفسه: ﴿ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ في مقابل ﴿وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١١).
وهي مقابلةٌ موضعيّةٌ في النظم، لا ضدّيّةٌ جذريّةٌ شاملة. فالطرفان لا يجتمعان في لفظٍ واحدٍ يُقابَل به، وانفرادُ الجذر بموضعٍ واحد يمنع أن يُطَّرد له مقابلٌ في القرءان.
- التقابل يقع بين تثبيت الأقدام وتعس المآل في آيتين متواليتين.
- انفراد تعس يمنع إضافة مقابلات ثانوية غير منصوصة.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر تعس
١. سورة مُحمد ٨ — ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ — الموضع الوحيد للجذر في القرءان، وعليه مدارُ الحدّ كلِّه.
٢. سورة مُحمد ٧ — ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ — الطرفُ المقابل في النظم: ما صُرف إلى الفريق الآخر في الآية التي قبله بلا فاصل.
٣. سورة مُحمد ١ — ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ — إضلالُ الأعمال مذكورٌ وحده بلا هذا اللفظ، فيتبيّن أنّه في الثامنة قدرٌ زائدٌ عليه.
٤. سورة مُحمد ٤ — ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ — اللفظُ نفسه منفيًّا عن فريقٍ آخر، فجهةُ الأعمال مستقلّةٌ بنفسها في السورة.
٥. سورة مُحمد ٩ — ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ — بيانُ ما وقع بالأعمال بعده، لا بيانُ ما صُرف إليهم.
٦. سورة مُحمد ١٣ — ﴿أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ — فعلٌ مسندٌ صريحٌ في السياق نفسه، يقابل لفظًا لا فعلَ له.
٧. سورة هُود ٤٤ — ﴿وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ — نظيرُ الصورة، وفيه التصريحُ بأنّها قولٌ يُقال، واللامُ على اسمٍ ظاهر.
٨. سورة المُلك ١١ — ﴿فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ — نظيرٌ ثانٍ، جاء بعد ذكر ما استقرّ عليه أمرُ القوم.
الملاحَظات اللَطيفَة عَن جَذر تعس
١. انفرادُ الصورة الواحدة. لا يرد الجذر في القرءان إلّا ﴿فَتَعۡسٗا﴾ (سورة مُحمد ٨): لا فعلًا ماضيًا ولا مضارعًا، ولا وصفَ فاعلٍ ولا مفعول. وهذه واقعةُ توزيعٍ تُعدّ، ولا يُبنى عليها وحدَها حكمٌ على شدّة المعنى.
٢. مقابلةٌ موضعيّةٌ بين آيتين متجاورتين. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٧)، ثمّ ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨). الطرفُ الأوّل خطابٌ بشرطٍ وجوابه، والثاني خبرٌ عن الفريق المقابل. والمقابلةُ في ترتيب الآيتين وفي قسمة الفريقين؛ وليس في الطرف الثاني ذكرُ أقدامٍ يقابل ما في الأوّل.
٣. توزيعُ النافذة بلام الصرف. تتكرّر «لهم» في الجهتين: للمؤمنين ﴿وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٦)، وللذين كفروا ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨)، و﴿وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١١)، و﴿وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١٢)، و﴿أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١٣). فبناءُ النافذة قائمٌ على ما لكلّ فريق، وموضعُ الجذر أوّلُ ما صُرف إلى الفريق الثاني.
٤. جهتان في جزاءٍ واحد. ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ صُرف إليهم، و﴿وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ وقع بأعمالهم (سورة مُحمد ٨). ويتبيّن استقلالُ الجهتين من أنّ الثانية ترد وحدها في أوّل السورة ﴿أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ١)، وتُنفى بلفظها عن فريقٍ آخر ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٤).
٥. الفاءُ في اللفظ ليست لازمةً في نظائره. جاءت الصورةُ بالفاء في ﴿فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة المؤمنُون ٤١) و﴿فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (سورة المُلك ١١)، وبغيرها في ﴿أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ﴾ (سورة هُود ٦٨) و﴿وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة هُود ٤٤). فاختلافُها في النظائر يمنع أن يُبنى على فائه في موضعٍ واحد قانونٌ دلاليٌّ عامّ؛ وغايةُ ما تفيده وصلُ الجملة بما قبلها في موضعها.
٦. اللام على ضميرٍ لا على اسمٍ ظاهر. في نظائره السبعة تدخل اللامُ على اسمٍ ظاهر، كـ﴿أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ﴾ (سورة هُود ٦٨) و﴿فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (سورة المُلك ١١). وفي موضعنا دخلت على ضمير ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨)، لأنّ الفريق سُمّي في صدر الآية نفسها ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (سورة مُحمد ٨).
٧. الآيةُ لا تسمّي قائلًا ولا فاعلًا. لم يُذكر في ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٨) مَن صُرف اللفظُ منه، ولا فاعلُ الإضلال باسمه الظاهر. والذي يذكره ما بعدها إنّما هو تعليلُ ما وقع بالأعمال ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (سورة مُحمد ٩). فالسكوتُ عن التسمية واقعةٌ في نصّ الآية، لا تُملأ بتقديرٍ من خارجه.
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر تعس في القرءان
الانفراد بصيغة المصدر الدعائيّ: الجذر «تعس» وردَ في القرءان بصيغة واحدة (فَتَعۡسٗا) — مصدر منصوب على الدعاء. لم يَرِد فِعلًا ماضيًا أو مضارعًا، ولم يَرِد اسمًا. اللازمة بنيوية: الجذر مَخصوصٌ بمقام الدُّعاء، لا يَخرج إلى مقام الإخبار. هذا يَكشف عن شِدَّة المعنى — لا يُذكر إلا تبَرُّؤًا.
التقابل البنيويّ مع تَثبيت الأقدام في الآية السابقة: سورة مُحمد ٧ «وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ» — سورة مُحمد ٨ «فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ». تَلاصُق الآيتين، واشتراكهما في حقل القَدم، يَكشف أن اختيار «تَعۡسٗا» (وليس «خَيبةً» أو «تَبًّا») وظيفته بنيوية صَريحة: إتمام التَّقابل بين فريقَي السورة.
اقتران التَّعس بضلال العمل (بنية مزدوجة): «فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَـٰلَهُمۡ» — جَزاءٌ ذو شِقَّين: انتكاس الذات (التَّعس)، وإبطال الأثر (إضلال العمل). الجذر «تعس» في موضعه الوحيد لا يَأتي وحده، بل في زَوج. كأن النصّ يُعرّف التَّعس بأنه سقوطٌ يَلزَمه عَدَمُ نَفعِ ما عَمِل.
انفراد سورة محمد بالجذر: الموضع الوحيد في سورة «محمد» — وهي سورة قتال وتَمحيص، تَفرز فريقَي المؤمنين والكافرين. الجذر اختُصّ بهذه السورة لأنها مَيدان الفَرز الذي يَتجلَّى فيه التَّعس مَآلًا للكافرين. انتظامٌ بين الجذر وموضعه السوريّ.
الفاء التَّفريعية في «فَتَعۡسٗا»: الفاء تَدلّ على أن التَّعس نتيجة مباشرة للكفر، لا حدثٌ منفصل عنه. كأن النصّ يُقرّر قانونًا داخليًّا: الكُفر يَفرّع التَّعس بالضرورة. لا يَحتاج إلى وَسَاطة سَبَبٍ آخر.
اللام في «لَّهُمۡ» (لام الاختصاص): «فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ» — اللام تَكشف اختصاصَ التَّعس بهم. كأن لكلّ صنفٍ نصيبه من المصير: المؤمنون لهم تثبيت الأقدام، والكافرون لهم التَّعس. التَّوزيع ثُنائيّ بنيويّ.
اقتران الفعلَين بفاعلين مختلفَين ضِمنًا: «فَتَعۡسٗا» مصدرٌ مُنشأ بدعاء (الفاعل الإنشائيّ هو الله بأَمر الرسول)، ثم «وَأَضَلَّ» فعلٌ ماضٍ صريحٌ فاعله الله. انتقال من الإنشاء إلى الإخبار في آيةٍ واحدة — كأن الإنشاء قد تَحقَّق إخبارًا، فَدَعا اللهُ فاستُجِيب فأَخبر.