جَذر صلح في القُرءان الكَريم — ١٨٠ مَوضعًا

الحَقل: الحسن والجمال والطيب · المَواضع: ١٨٠ · الصِيَغ: ٥٢

التَعريف المُحكَم لجَذر صلح في القُرءان الكَريم

صلح: استقامةُ الشيء أو الفعل أو العلاقة على وجه نافع يزيل الخلل أو يمنع الفساد، سواء في العمل أو الحال أو الصِّلة بين طرفين؛ ومنه عَلَمٌ سُمِّيَ بهذا المعنى — رسولٌ بُعِث إلى ثمود.

والمواضع 180 — وصفًا وفعلًا ومصدرًا وعَلَمًا — تندرج جميعًا تحت هذا الحدّ: فالوصف والفعل والمصدر فروعُ المعنى الجامع، والعَلَم اسمٌ مأخوذٌ من ذلك المعنى لا خارجٌ عنه.

الخُلاصَة الجَوهَريّة

الصلاح ليس مجرّد الحُسن؛ إنه سلامةُ الحال من الفساد مع نفعٍ يقوم في الموصوف. ويظهر في القرآن في ثلاثة مسالك: صلاحُ الذات والعمل، وإصلاحُ الفاسد بردّه إلى استقامته، والصُّلحُ بين متنازعين برفع الخلل بينهما. وقد سمّى القرآن بهذا المعنى رسولًا بُعِث إلى ثمود.

المَفهوم القُرءانيّ لجَذر صلح

الجذر «صلح» في القرآن يدور على معنى جامع ينتظم في شعبتين:

(أ) المعنى الوصفيّ والفعليّ — وهو الأصل: استقامةُ الشيء أو الفعل أو العلاقة على وجه نافع يزيل الخلل أو يمنع الفساد. تحته يجري الوصف («العَمَل الصالح»، «العبد الصالح»)، والفعل المتعدّي الناقل إلى الاستقامة («فأصلحوا بينهما»، «وأصلح بينهما»)، والفعل اللازم القائم بالموصوف («ومن صلح من ءابائهم»)، والمصدر الذي هو حدث الاستقامة («إصلاحٌ لهم خير»، «والصلح خير»).

(ب) العَلَم المشتقّ من المعنى نفسه — اسمُ رسولٍ بُعِث إلى ثمود، سُمِّيَ بدلالة الاستقامة عينها؛ يُنادى ﴿يَٰصَٰلِحُ﴾ في الأعراف 77 وهود 62، ويُذكر ﴿أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ﴾ في الأعراف 73 وهود 61، و﴿أَخُوهُمۡ صَٰلِحٌ﴾ في الشعراء 142، و﴿قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ﴾ في هود 89.

ينتظم هذا المعنى في 180 موضعًا داخل 170 آية، عبر 52 صيغة متمايزة في الفهرس الداخليّ منها 25 صيغة فريدة لا تتكرّر. أكثر الصيغ ورودًا صيغة «الصالحات» في 57 موضعًا (وبفروق الضبط الطفيفة 62)، ثُمّ «صالحًا» في 28، ثُمّ «الصالحين» في 19، ثُمّ «وأصلح» في 6.

الآية المَركَزيّة لِجَذر صلح

الأعراف 56

﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾

الموضع يبرز الصلاح في مقابلة الفساد بعد تحقّق إصلاح الأرض؛ ﴿بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ تجعل الإصلاح أصلًا سابقًا والفساد طارئًا عليه، وهو أوضح تجلٍّ لتقابُل الصلاح والفساد في القرآن.

المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة

الجذر يأتي في 52 صيغة متمايزة، منها 25 صيغة فريدة لا تتكرّر إلا مرّة واحدة. أبرز الصيغ المتكرّرة وعددها: الصالحات (57 في صيغتها المجرّدة، و62 بفروق الضبط الطفيفة)، صالحًا (28)، الصالحين (19)، وأصلح (6)، وأصلحوا (4)، صالحًا منوّنًا بسكون (3)، الصالحون (3)، صالحين (3)، فأصلحوا (3)، مصلحون (2)، ياصالح (2)، وأصلح بصيغة الأمر (2)، المصلحين (2)، بالصالحين (2)، صلح الفعل اللازم (2)، يصلحون (2).

ومن الصيغ الفريدة الكاشفة: الفعل الإلهيّ ﴿وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ﴾ في الأنبياء 90، والمصدر ﴿صُلۡحٗاۚ﴾ في النساء 128، وصيغة العَلَم ﴿يَٰصَٰلِحُ﴾.

أعلى السور تركيزًا بحسب عدد المواضع: النساء (14)، الأعراف (13)، البقرة (12)، هود (9)، الكهف (7)، المائدة (6).

المَواضع القُرءانيّة لِجَذر صلح

إجمالي المواضع: 180 موضعًا في 170 آية فريدة.

تنتظم المواضع في أربعة مسالك دلاليّة كلّها فروعُ المعنى الجامع:

١) الصلاح الذاتيّ والعمل الصالح — وهو أوسع المسالك: وصفُ الأعمال («الصالحات» في عشرات المواضع كالبقرة 25 والعصر 3)، ووصفُ الأشخاص («الصالحين»، «الصالحون» كالأنبياء 105)، والفعل اللازم القائم بالموصوف («ومن صلح من ءابائهم» في الرعد 23 وغافر 8).

٢) الإصلاح — الفعل المتعدّي الناقل إلى الاستقامة: إصلاحُ الأرض (الأعراف 56، 85)، وإصلاحُ الذات بعد التوبة («تابوا وأصلحوا» في البقرة 160 وآل عمران 89)، والإصلاح الإلهيّ («يصلح لكم أعمالكم» في الأحزاب 71).

٣) الصُّلح — رفعُ الخلل بين طرفين: تسويةُ النزاع الزوجيّ (النساء 35، 128)، والإصلاح بين المتقاتلين (الحجرات 9-10)، والصلح بين الناس عمومًا (النساء 114).

٤) العَلَم — اسمُ رسول ثمود المشتقّ من المعنى نفسه: ثمانية مواضع في الأعراف 73، 75، 77؛ وهود 61، 62، 89؛ والشعراء 142؛ والنمل 45.

القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر

القاسم المشترك هو قيامُ الشيء على الوجه المستقيم النافع — يشمل ما قام على الاستقامة ابتداءً (العمل الصالح، العبد الصالح) وما رُدّ إليها بعد خلل (إصلاح الأرض، الصلح بين متنازعين). فالصلاح ليس بالضرورة خروجًا من فساد سابق؛ «الصالحات» في القرآن أعمالٌ مستقيمة في ذاتها، والعَلَمُ اسمٌ مأخوذ من هذا الوصف. والجامع بين هذه كلّها: استقامةُ الموصوف على وجهٍ نافع لا خلل فيه.

مُقارَنَة جَذر صلح بِجذور شَبيهَة

«صلح» يختلف عن «حسن»؛ فالحُسن جودةٌ مقبولة في ذاتها قد لا يقابلها فساد، أمّا الصلاح فسلامةٌ من فسادٍ وقيامٌ على وجه نافع — ولذا قابله القرآن بـ«الفساد» لا بـ«القبح».

ويختلف عن «فوز»؛ فالفوز نتيجةٌ وغايةٌ تُدرَك («فقد فاز فوزًا عظيمًا» في الأحزاب 71)، والصلاح وصفٌ للفعل أو الحال قبل النتيجة.

ويختلف عن «فلح» وإن تجاورا؛ ففي القصص 67 ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ﴾ جاء «صالحًا» وصفًا للعمل، و«المفلحين» وصفًا لمن أدرك الفوز والظفر — فالصلاح وصفُ الحال، والفلاحُ إدراكُ النجاة.

ويختلف الجذرُ في صيغتيه: «أصلح» فعلٌ ناقلٌ إلى الصلاح يفترض خللًا يُعالَج، و«الصالح» حالٌ متحقّق قائم.

اختِبار الاستِبدال

لا يقوم «حسن» مقام «صلح» في ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ لأنّ المقابل فسادٌ لا قُبحٌ فقط، والإصلاح ردُّ الأرض إلى استقامتها لا تجميلُها. ولا يقوم «بِرّ» مقامه في ﴿وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ﴾ لأنّ الصلح يرفع خللًا قائمًا بين طرفين متنازعين، والبِرُّ إحسانٌ ابتدائيّ لا يفترض نزاعًا.

الفُروق الدَقيقَة

للجذر خمسة استعمالات متمايزة، يُختبر كلٌّ منها بآيته:

• الصالح وصفًا لحالٍ أو شخص أو عمل قائم على الاستقامة — ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا﴾ (الكهف 82). • الصالحات أعمالًا قائمة على الوجه النافع، وهي أكثر الصيغ — ﴿وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ (البقرة 25). • الإصلاح فعلًا متعدّيًا يزيل الخلل ويردّ إلى الاستقامة — ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ (الأعراف 56). • الصُّلح تسويةً ترفع خللًا بين طرفين — ﴿أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ﴾ (النساء 128). • العَلَم اسمًا لرسولٍ سُمِّيَ بالمعنى نفسه — ﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ صَٰلِحٌ﴾ (الشعراء 142).

ويُختبر فرقٌ آخر بين الفعل المتعدّي اللاحق بطرفين ﴿فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا﴾ (الحجرات 9) — وهو نقلٌ للصلاح إلى غير الفاعل، والفعل اللازم القائم بالموصوف ﴿وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ﴾ (الرعد 23) — وهو ثبوتُ الصلاح في الموصوف نفسه.

الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه

هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الحسن والجمال والطيب · العفو والمغفرة والصفح · الهداية والاستقامة والرشد.

ينتمي الجذر إلى حقل الصلاح والإصلاح والفساد؛ لأنه يحدد الجهة المقابلة للفساد في الأرض والعمل والعلاقات.

مَنهَج تَحليل جَذر صلح

صُحّح الحقل من حقل الحُسن العامّ إلى حقل الصلاح والإصلاح؛ لأنّ الشواهد تجعل الفساد مقابلًا نصّيًّا متكرّرًا للصلاح، لا مجرّد سوءٍ جماليّ أو قيميّ.

الجَذر الضِدّ

الجذر الضدّ: فسد.

التقابُل البِنيويّ: «صلح» في القرآن جذرُ استقامة الشيء على وجهه الأقوم، وحفظِه من الانحراف والخلل؛ يأتي وصفًا للأعمال المستقيمة («الصالحات») في سبعةٍ وخمسين موضعًا، ووصفًا للأشخاص المستقيمين («الصالحون»، «الصالحين») في عشرات المواضع، وفعلًا تكليفيًّا في صيغة الإصلاح («فأصلحوا»، «وأصلحوا»، «وأصلح») في جملةٍ من المواضع، وفعلًا إلهيًّا قلَّ نظيرُه («وأصلحنا له زوجه»، «يصلح لكم أعمالكم»). و«فسد» جذرُ خروج الشيء عن استقامته، وانحلال نظامه، وفوضى تلحق بالأرض أو بالخلق؛ يأتي وصفًا («المفسدين»، «المفسدون») في عشرات المواضع، وفعلًا تكليفيًّا منفيًّا في النهي («لا تفسدوا»). فالأصل في «صلح» إقامةُ الشيء على نظام، والأصل في «فسد» إخلالُ المقام على نظام. ولا يُتصوّر أحدُ المفهومين إلا باعتبار الآخر: لا يُقال «صلح» إلا بعد فرض إمكان «فساد»، ولا يُقال «فساد» إلا بعد فرض «صلاح» سابق يختلّ.

الآية المركزيّة للتقابُل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾ (البقرة 11). تجمع الآية الجذرين في تقابُل تامّ: نهيٌ تكليفيّ بـ«لا تفسدوا» يقابله ادّعاءٌ بـ«إنما نحن مصلحون». وأتى التقابُل بصيغة المضارع المجزوم في «تفسدوا» يقابله اسمُ الفاعل («مصلحون») الدالّ على الثبات في الوصف، فكأنّ المنافقين يدفعون عن أنفسهم النهيَ المتوجّه إلى فعلٍ بدعوى وصفٍ ثابت. وأعقبتها الآية التالية (البقرة 12) بكشفٍ أنّهم هم المفسدون، فجاء الردُّ باسم الفاعل المعرّف («المفسدون») يقابل دعوى («مصلحون») النكرة، وتأكّد بالحصر أنّ الإفساد هو وصفُهم الثابت لا الإصلاح.

يجتمع الجذران في القرآن في تسع آيات جامعة، تنتظم في خمسة أنماط ثابتة:

النمط الأوّل — تقابُل الادّعاء والكشف: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾ (البقرة 11). هذه الآية المفصل في التقابُل بين الجذرين، اجتمع فيها فعلُ النهي عن الإفساد بجانب ادّعاء صيغة الإصلاح، فدلّ على أنّ المفسد قد يدّعي الإصلاح بلفظه ولا يستطيع نفيَ الفساد بفعله.

النمط الثاني — التمييز الإلهيّ بين الفئتين بالعِلم والحُكم: ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ﴾ (البقرة 220)، و﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ﴾ (صٓ 28). جاء الجذران في البقرة 220 باسمَي الفاعل المعرّفين، وأُسنِد التمييزُ إلى عِلم الله؛ وفي صٓ 28 جُمِع جمعان تركيبيّان («الذين عملوا الصالحات» يقابله «المفسدين»)، ونُفِيت التسويةُ بينهما بالاستفهام الإنكاريّ. وفريدُ موضع البقرة 220 تقدُّمُ «المفسد» على «المصلح»، خلاف السياق المركزيّ الذي يتقدّم فيه الصلاح في الترتيب.

النمط الثالث — تأخُّر الإفساد عن الإصلاح في النهي: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ (الأعراف 56)، وكذلك ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ﴾ (الأعراف 85). انفردتا في القرآن بجمع الجذرين في صيغة المصدر («إصلاح») عقب النهي عن الإفساد، فتجلّى أنّ الإصلاح سابقٌ محقّق في الأرض والإفساد طارئٌ بعده.

النمط الرابع — نفيُ الإصلاح عن المفسدين: بالفعل في ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ (يونس 81)، وبالعطف في ﴿ٱلَّذِينَ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ﴾ (الشعراء 152) و﴿وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ﴾ (النمل 48). دلّ هذا على أنّ المفسد يعجز عن الإصلاح في عمله، وأنّ الإفساد المجرّد عن الإصلاح وصفٌ ثابت.

النمط الخامس — أمرُ الخلَف بالإصلاح ونهيُه عن سبيل الإفساد: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ (الأعراف 142). جاء فعلُ الأمر «وأصلح» متّصلًا بنهيٍ عن «اتّباع سبيل المفسدين»، فالإصلاح أمرٌ مسنَدٌ إلى الخلَف بعد ذهاب الأصل، والمفسدون أهلُ سبيلٍ يُحذَّر من اتّباعه.

ويشهد لهذه الأنماط أنّ «فسد» في الجمع المشترك لا يأتي إلا مقيّدًا بـ«في الأرض» في المواضع التسع كلّها، في حين يتّسع «صلح» ليشمل الأعمالَ والأنفسَ والأرضَ جميعًا. ولو وُضِع في البقرة 11 «إنما نحن محسنون» مكان «مصلحون» لضاع التقابُل البِنيويّ مع «لا تفسدوا»، إذ «أحسن» يتوجّه إلى الفعل المتقَن ولا ينشأ بالضرورة بعد فسادٍ مفترَض، أمّا «أصلح» فيفترض اختلالًا سابقًا يُعالَج. فـ«صلح» و«فسد» قُطبا حركة الكون والخلق في القرآن: «صلح» إقامةٌ على استقامة، و«فسد» إخلالٌ بها؛ ويُسنِد القرآن التمييزَ الحاسم بين الفئتين إلى الله وحده.

نَتيجَة تَحليل جَذر صلح

النتيجة: صلح: استقامةُ الشيء أو الفعل أو العلاقة على وجه نافع يزيل الخلل أو يمنع الفساد، سواء في العمل أو الحال أو الصِّلة بين طرفين؛ ومنه عَلَمٌ سُمِّيَ بهذا المعنى — رسول ثمود. وقد استوعب التحليل 180 موضعًا في 52 صيغة متمايزة على أربعة مسالك: الصلاح الذاتيّ والعمل، والإصلاح، والصُّلح، والعَلَم — وكلُّها فروعٌ منتظمة تحت أصلها الجامع، فالوصف والفعل والمصدر شُعَبُ المعنى، والعَلَم اسمٌ مأخوذٌ منه.

شَواهد قُرءانيّة من جَذر صلح

١) العصر 3 — ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ﴾ — «الصالحات» أكثر الصيغ ورودًا، والعمل الصالح قرين الإيمان.

٢) البقرة 82 — ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ — اقتران «الصالحات» بالإيمان والجزاء.

٣) الأنبياء 105 — ﴿وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ﴾ — الصلاح وصفًا للأشخاص.

٤) الرعد 23 — ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ﴾ — الفعل اللازم «صلح» القائم بالموصوف.

٥) الأعراف 56 — ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ — التقابُل الصريح بين الإصلاح والفساد.

٦) النساء 128 — ﴿وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا﴾ — مسلك الصُّلح، تجتمع فيه ثلاث صيغ.

٧) الحجرات 10 — ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ — الإصلاح بين المؤمنين فعلًا تكليفيًّا.

٨) البقرة 11 — ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾ — دعوى الإصلاح في مقابل النهي عن الفساد.

٩) يونس 81 — ﴿فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ — نفيُ الإصلاح عن عمل المفسدين.

١٠) الأنبياء 90 — ﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ — الإصلاح فعلًا إلهيًّا.

١١) الأعراف 77 — ﴿فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ — مسلك العَلَم، نداء رسول ثمود.

١٢) الشعراء 142 — ﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ — مسلك العَلَم، اسمُ رسول ثمود.

١٣) الكهف 82 — ﴿وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا﴾ — الصلاح وصفًا لشخص يمتدّ أثرُه إلى ذرّيّته.

لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر صلح

أكثر الصيغ ورودًا صيغة «الصالحات» في 57 موضعًا (وبفروق الضبط الطفيفة يبلغ مجموعها 62)، ثُمّ «صالحًا» في 28، ثُمّ «الصالحين» في 19. وكثرةُ «الصالحات» تبيّن أنّ الجذر عمليّ لا وصفيّ فحسب. وتجمع النساء 128 ثلاث صيغ في موضع واحد: «يصلحا»، «صلحًا»، «والصلح». ومن الجذر اسمُ عَلَمٍ لرسول ثمود يَرِد في ثمانية مواضع.

— لطائف إحصائيّة آليّة — • تركّز محوريّ: 62٪ من الإسنادات تعود لفاعلي محور «المؤمنون» — 112 من 182. • اقتران نصّيّ: يَرِد مع جذر «ءمن» في 82 آية. • اقتران نصّيّ: يَرِد مع جذر «ربب» في 39 آية. • حاضر في 6 إيقاعات متكرّرة (إيقاعات قويّة وتامّة).

— الفاعِلون الأبرز — • أبرز الفاعلين: الذين عملوا الصالحات (53)، الذين ءامنوا (51)، الله (49). • توزيع محوريّ: المؤمنون (112)، إلهيّ (70).

— توقيف الرسم — • «إصلاح» (1) في مقابل «إصلٰح» (1) — فرقُ الألف الخنجريّة فرقٌ توقيفيّ. الألف الصريحة في ﴿إِصۡلَاحٞ﴾ بالبقرة 220، والخنجريّة في ﴿إِصۡلَٰحِۭ﴾ بالنساء 114. الألف الصريحة تفتح الكلمة للإصلاح كتحسين حال فئة مخصوصة (اليتامى)، والخنجريّة تختزل الرسم للإصلاح كحلّ خلاف بين الناس عمومًا.

إحصاءات جَذر صلح

  • المَواضع: ١٨٠ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
  • الصِيَغ: ٥٢ صيغة فَريدة.
  • أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: ٱلصَّٰلِحَٰتِ.
  • أَبرَز الصِيَغ: ٱلصَّٰلِحَٰتِ (٥٧) صَٰلِحٗا (٢٨) ٱلصَّٰلِحِينَ (١٩) وَأَصۡلَحَ (٦) وَأَصۡلَحُواْ (٤) صَٰلِحٗاۚ (٣) ٱلصَّٰلِحُونَ (٣) صَٰلِحِينَ (٣)

الرَسم التَوقيفيّ — أَزواج جَذر صلح

  • إصلاح ⟂ إصلٰح (الأَلِف الخَنجَريّة (تَوقيفيّ)): «إِصۡلَاح» (الأَلِف الصَريحَة، 1 مَوضع وَحيد) في البَقَرَة 2:220 «وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞ» — إصلاح لِفِئَة مَخصوصَة (اليَتامى، تَحسين حالهم بِالإصلاح بَدَل العَزل). «إِصۡلَٰح» (الخَنجَريّة، 1…