قَ
قَولات
موسوعة جذور القرءان

مدلول الآية · قراءة داخليّة من الجذور والسياقالمُدثر١٢

الجزء 29صفحة 5754 قَولات4 حقول

خلاصة المدلول

مدلول الآية أن المال المذكور ليس ثروة محايدة ولا رزقًا عامًا، بل عطاء مخصوص أُقرّ لهذا الفرد بعد أن صُوّر في السياق السابق مخلوقًا وحيدًا. ﴿وَجَعَلۡتُ﴾ تنقل الكلام من أصل الخلق إلى تعيين النعمة وترتيبها، و﴿لَهُۥ﴾ تحصر عود المال إلى شخص بعينه، و﴿مَالٗا﴾ تجعله قيمة دنيوية مملوكة قابلة للابتلاء، و﴿مَّمۡدُودٗا﴾ لا تضيف كثرة عددية فحسب، بل هيئة امتداد وبسط واسترسال. لذلك تصير النعمة نفسها حجة: من أُعطي مالًا ممتدًا ثم جاء بعده الطمع في الزيادة والعناد للآيات، لا يملك أن يجعل الامتداد دليل كرامة مطلقة؛ بل ينقلب في هذا السياق إلى مادة مساءلة.

كيف وصلنا إلى المدلول

⌄

تبدأ الآية بالواو: ﴿وَجَعَلۡتُ﴾، فلا تأتي الجملة مقطوعة عن قبلها، بل متعاقبة على ﴿ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا﴾.

  • هذا التعاقب يضبط الفعل الحاكم: الخلق في السابق يثبت أصل الإيجاد والانفراد، أما الجعل هنا فيثبت تعيين حال لاحقة لذلك المخلوق؛ لم يكن معه ما يتكئ عليه في أصل نشأته، ثم جُعل له مال ممتد.
  • بهذا لا يكون المال وصفًا ذاتيًا لصاحبه، ولا ثمرة استقلاله، بل حالًا أوقعه الله له بعد وحادته.
  • لو استبدل «جعلت» بلفظ يدل على الخلق لضاع الفرق بين إيجاد الشخص ابتداءً وترتيب مورد له بعد ذلك، ولو استبدل بلفظ عام مثل أعطيت لضاق المعنى إلى دفع شيء، بينما الجعل هنا يقرّر تعيين المال في نسبة ثابتة إليه داخل بناء النعمة والحجة.
  • ثم تأتي ﴿لَهُۥ﴾ قبل ﴿مَالٗا﴾ فتجعل النعمة راجعة إلى ذلك المفرد لا إلى جماعة ولا إلى جهة مبهمة.

اللام لا تصف نوع المال، لكنها تغيّر مركز القراءة: المال ليس فكرة عن الثروة، بل شيء أُدير إلى شخص بعينه.

  • الضمير الطويل في الرسم يحافظ على حضور هذا الشخص داخل الجملة؛ فالنعمة لا تُفهم إلا مع عودها إليه، ولذلك يتهيأ ما بعدها: ﴿ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ﴾ و«إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا».
  • صاحب الاختصاص صار صاحب مطالبة وعناد، فينقلب الاختصاص إلى شاهد عليه.
  • أما ﴿مَالٗا﴾ فجاءت نكرة مفردة منصوبة.
  • ليست «أموالًا» متفرقة، ولا «رزقًا» واسع المجال، ولا «متاعًا» من جهة الانتفاع، بل قيمة مملوكة تُرى بوصفها عينًا دنيوية قابلة للحيازة والافتتان.

التنكير هنا لا يطمس المال، بل يفتحه بوصفه موردًا قائمًا لا يحتاج إلى تعريف سابق؛ وحين يلحقه ﴿مَّمۡدُودٗا﴾ لا يبقى مجرد مال، بل مال مبسوط مسترسل.

  • صيغة ﴿مَّمۡدُودٗا﴾ اسم مفعول؛ فهي لا تصور فعل إمداد يحدث الآن، بل هيئة قائمة استقر عليها المال: امتداد في الحضور والقدرة والأثر.
  • لذلك لا يصلح أن يحل «كثير» محلها؛ فالكثرة مقدار، أما الممدود فمورد ممتد لا يظهر فيه حد قريب.
  • ولا يصلح «مزيد» لأن الآية التالية تجعل الزيادة مطلبًا لاحقًا: ﴿ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ﴾.
  • الفرق دقيق: المال هنا ممدود أصلًا، ومع ذلك يطمع في زيادة أخرى.

بهذا يكشف السياق أن المشكلة ليست قلة العطاء، بل فساد تلقي العطاء.

  • الرسم والهيئة يدعمان هذا المعنى دون أن يستقلا عنه: تنوين ﴿مَالٗا﴾ يتصل صوتيًا بالميم المشددة في ﴿مَّمۡدُودٗا﴾، فيصير الوصف ملتحمًا بالموصوف في التلاوة، وهذا يوافق التحام المال بصفة الامتداد في المعنى.
  • لكن هذا الالتحام الرسمي لا يكفي وحده لإثبات حكم دلالي خارج هذه القراءة؛ الدلالة تثبت من البنية: جعل، اختصاص، مال، امتداد، ثم طمع وعناد.
  • ومن طبقات الجذور يظهر أثر موضعي حاسم: صفحة «جعل» تمنع حمل الفعل على الإيجاد بعد أن سبق «خلقت»؛ وصفحة ﴿ل﴾ تجعل الضمير جهة رجوع النعمة؛ وصفحة «مول» تمنع توسيع المال إلى رزق عام أو متاع عابر؛ وصفحة «مدد» تمنع حصر الامتداد في الزيادة المحمودة، إذ قد تكون السعة نفسها ابتلاءً.
  • لذلك فالآية لا تقول فقط إن شخصًا امتلك مالًا، بل تبني حجة منسوبة إلى الله: أنا الذي عيّنت له هذه القيمة الدنيوية الممتدة، فكيف تصير عنده باعثًا على طلب المزيد ومقاومة الآيات؟

أثر كلّ جذر في بناء المدلول

⌄

هذه الخريطة تفصل أثر كل جذر في الآية ثم تجمعها: الجذور هنا هي جعل، ل، مول، مدد. المقصود ليس إعادة تعريف الجذور، بل بيان كيف تدخل كل مادة في بناء مدلول الآية.

جذر جعل1 في الآية
وَجَعَلۡتُ
التحويل والتغيير 346 في المتن

مدلول الجذر: «جعل» هو إيقاع الشيء في حالٍ أو وظيفةٍ أو نسبةٍ مخصوصة، بقطع النظر عن صدق المنسوب أو بطلانه فهو فعل الإسناد والتعيين نفسه.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «جعل» هنا في 1 موضع/مواضع: وَجَعَلۡتُ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «التحويل والتغيير» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «جعل» هو إيقاع الشيء في حالٍ أو وظيفةٍ أو نسبةٍ مخصوصة، بقطع النظر عن صدق المنسوب أو بطلانه فهو فعل الإسناد والتعيين نفسه.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يفترق عن خلق بأن الخلق إيجاد مقدر، أما الجعل فتصيير وتعيين. ويفترق عن كون لأن الكون تحقق وجود أو حال، أما الجعل فإسناد حال إلى شيء.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة وَجَعَلۡتُ: • في الجَعْل الباطل — لو وُضِع «خلقوا» مكان «جعلوا» في سورة إبراهِيم ٣٠ ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا﴾ انقلب المعنى إلى دعوى إيجادٍ لم يَدَّعِها المشركون أصلًا فالباطل المنسوب إليهم هو إسناد النِّدِّيّة، لا الخَلْق. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

جذر ل1 في الآية
لَهُۥ
حروف الجر والعطف 1168 في المتن

مدلول الجذر: «ل» لام عودٍ واختصاصٍ مع الضمير: شيءٌ لكم، أو لهم، أو له، أو لها. خصوصيّتها أنّها تنسب الحكم إلى جهة محدّدة: قد يكون الحكم نفعًا، أو ملكًا، أو ثبوتًا، أو جزاءً، أو غرضًا، أو خطابًا موجّهًا، أو تبعةً راجعة إلى صاحبها. فهي لا تلصق الحكم بالفعل كالباء، ولا تجعله صادرًا من أصلٍ كمِن، ولا ترسم ظرفًا كفي، بل تردّ المذكور إلى جهة الضمير وتجعله ثابت العلاقة بها.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «ل» هنا في 1 موضع/مواضع: لَهُۥ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «حروف الجر والعطف» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «ل» لام عودٍ واختصاصٍ مع الضمير: شيءٌ لكم، أو لهم، أو له، أو لها. خصوصيّتها أنّها تنسب الحكم إلى جهة محدّدة: قد يكون الحكم نفعًا، أو ملكًا، أو ثبوتًا، أو جزاءً، أو غرضًا، أو خطابًا موجّهًا، أو تبعةً راجعة إلى صاحبها.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يفترق «ل» عن «ب» بأنّ الباء للملابسة والتعلّق بالفعل، واللام لعود الحكم إلى جهة الضمير. ويفترق عن «مِن» بأنّ مِن منشأٌ أو بعضٌ أو ابتداء، واللام جهة عودٍ وثبوت.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة لَهُۥ: استبدال اللام بمِن يحوّل الاختصاص إلى منشأ، واستبدالها بالباء يحوّل حقّ الجهة إلى ملابسةٍ فعليّة. ففي سورة البَقَرَة ٢٢ ﴿رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ﴾ لو وضعت «منكم» لانقلب الرزق نابعًا منهم لا مُعَدًّا لهم، ولو وضعت «بكم» لصار ملابسةً للفعل لا اختصاصًا بالجهة. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

جذر مول1 في الآية
مَالٗا
المال والثروة 86 في المتن

مدلول الجذر: المال والثروة في الدلالة القرءانية قيمةٌ دنيوية تُسنَد ملكيتُها وإيتاؤها إلى الله، ويُجعل الإنسان مستخلفًا أو متصرّفًا فيها. فهو محلّ حيازةٍ وبذلٍ وحقٍّ وابتلاء، ولا يستقلّ بقيمةٍ مطلقة.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «مول» هنا في 1 موضع/مواضع: مَالٗا. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «المال والثروة» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: المال والثروة في الدلالة القرءانية قيمةٌ دنيوية تُسنَد ملكيتُها وإيتاؤها إلى الله، ويُجعل الإنسان مستخلفًا أو متصرّفًا فيها. فهو محلّ حيازةٍ وبذلٍ وحقٍّ وابتلاء، ولا يستقلّ بقيمةٍ مطلقة.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: مول يفترق عن رزق؛ فالرزق أوسع من المال، وعن متاع؛ فالمتاع جهة الانتفاع، وعن كنز؛ فالكنز مال محبوس مجموع، وعن ورق ودينار؛ فهما صور مخصوصة من المال لا مفهومه العام.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة مَالٗا: استبدال مال برزق في آيات الجهاد يفقد جهة الملك والبذل من حيازة الإنسان. واستبداله بمتاع في آيات الحقوق يفقد معنى المسؤولية عن القيمة المملوكة. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

جذر مدد1 في الآية
مَّمۡدُودٗا
التمادي والاستمرار | الإنفاق والعطاء | البسط والتسوية | الضلال والغواية والزيغ | النار والعذاب والجحيم 32 في المتن

مدلول الجذر: مدد في القرءان يدل على الامتداد أو الإطالة أو التزويد بما يزيد المورد، ويتعيّن وجهه بمتعلّقه وسياقه. فيشمل الأرض والظل والمدة، والإمداد بالملائكة والمتاع، والمدّ في الطغيان ومن العذاب، وتوجيه العينين إلى المتاع المنهيّ عنه. ولا يلزم منه عطاء محمود، ولا اتصال لا ينقطع، ولا إباحة للفعل.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «مدد» هنا في 1 موضع/مواضع: مَّمۡدُودٗا. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «التمادي والاستمرار الإنفاق والعطاء البسط والتسوية الضلال والغواية والزيغ النار والعذاب والجحيم» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: مدد في القرءان يدل على الامتداد أو الإطالة أو التزويد بما يزيد المورد، ويتعيّن وجهه بمتعلّقه وسياقه.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يتقارب مدد وزيد في معنى الزيادة، ولا يثبت قصر زيد على الكمية فسورة مَريَم ٧٦ تذكر زيادة الهدى، وسورة المُدثر ١٥ تذكر الطمع في الزيادة.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة مَّمۡدُودٗا: في سورة آل عِمران ١٢٤، ﴿أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾، يقارب «يعطيكم» معنى العطاء، لكنه لا يطابق إبراز التزويد بالملائكة في مقام الكفاية. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

اجتماع هذه الجذور يصنع مدلول الآية من الحركة بين جذورها وصيغها وسياقها. فكل جذر يضيف حدًا، ثم تأتي الصيغ والترتيب والاستبدال لتبيّن أي حد هو أصل المعنى وأي حد يقيّده أو يوسعه.

شبكة الاستبدال لكلّ قَولة

4 قَولات · الاختبارات المتاحة: 4⌄
اختبار ﴿وَجَعَلۡتُ﴾جذر جعل

لو قيل نثرًا: وخلقت له مالًا، لاختلط إنشاء الشخص بإنشاء المال، وفقدت الآية انتقالها من ﴿خَلَقۡتُ﴾ إلى ترتيب النعمة بعد الخلق. ولو قيل: أعطيت له مالًا، لبقي دفع المال دون معنى تعيينه في حال ممتدة تجعل النعمة حجة عليه.

اختبار ﴿لَهُۥ﴾جذر ل

لو استبدلت اللام بمن، لانقلبت الجهة إلى منشأ: مال من جهته أو منه، لا مال عائد إليه. ولو استبدلت بالباء صار المال ملابسًا لا مختصًا. اللام هنا هي التي تجعل الشخص مركز الحجة لا مجرد حاضر في وصف المال.

اختبار ﴿مَالٗا﴾جذر مول

لو قيل رزقًا ممدودًا لاتسع اللفظ إلى وجوه عطاء لا تساوي القيمة المملوكة، ولو قيل متاعًا ممدودًا لتقدم جانب الانتفاع لا جهة الحيازة والابتلاء. ﴿مَالٗا﴾ يجعل العين المالية نفسها واجهة المساءلة.

اختبار ﴿مَّمۡدُودٗا﴾جذر مدد

لو قيل كثيرًا لحُصر الحكم في مقدار، ولو قيل مزيدًا لاختلط بالطلب اللاحق للزيادة، ولو قيل مبسوطًا فقط لفات معنى الاسترسال. ﴿مَّمۡدُودٗا﴾ يجعل المال حاضرًا في هيئة امتداد قائمة قبل الطمع في المزيد.

لطائف وثمرات

⌄
  • المال هنا حجة لا تزكية

    الآية لا تجعل امتداد المال علامة قبول مطلق، بل تضعه داخل تعداد نعمة يعقبه طمع وعناد، فيصير الامتداد مادة كشف لصاحبها.

  • اللام قلبت القراءة

    لولا ﴿لَهُۥ﴾ لكان الكلام أقرب إلى وصف مال، أما معها فالمال عائد إلى شخص مخصوص، والحساب الدلالي يدور حول كيفية تلقيه لهذا العطاء.

  • الممدود غير المزيد

    ﴿مَّمۡدُودٗا﴾ تصف حال المال القائمة، و﴿أَزِيدَ﴾ في السياق اللاحق تكشف طلبًا جديدًا؛ بينهما يظهر أن المشكلة ليست نقص المورد، بل استمرار الطمع.

  • تعاقب وحيد ثم له

    السياق ينتقل من ﴿وَحِيدٗا﴾ إلى ﴿لَهُۥ﴾، فتتبدل صورة الشخص من منفرد لا يملك شيئًا عند أصل الخلق إلى صاحب اختصاص بمال ممتد. هذا التعاقب يبني الحجة من داخل النص.

  • مال وبنون وتمهيد

    بعد المال تأتي البنون ثم التمهيد، فليست الآية شطرًا ماليًا معزولًا؛ المال أول صورة من صور السعة المحيطة بالشخص في هذا السياق القريب.

  • امتداد ثم طلب زيادة

    صفة الامتداد تسبق ﴿ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ﴾، فتجعل الطمع اللاحق مفارقة داخلية: المال ليس محدودًا في وصفه هنا، ومع ذلك لا يتوقف طلب المزيد.

قرائن بناء المدلول

⌄
  • من الخلق إلى الجعل

    السياق السابق يذكر الخلق وحال الانفراد، ثم تأتي هذه الآية بفعل الجعل. انتقال الفعلين يمنع دمج أصل الإيجاد مع تعيين المال؛ فالشخص ليس صاحب ابتداء مستقل، بل متلقّ لحال مالية جُعلت له.

  • الاختصاص قبل المال

    تقدّم ﴿لَهُۥ﴾ على ﴿مَالٗا﴾ يجعل عود النعمة إلى المفرد جزءًا من الدلالة. لو أُسقطت اللام أو تأخر أثرها لصار الكلام عن مال واسع لا عن حجة موجهة لصاحب مخصوص.

  • الامتداد لا الكثرة فقط

    الوصف ﴿مَّمۡدُودٗا﴾ يجعل المال قائمًا في هيئة بسط واسترسال. ثم يأتي بعده الطمع في الزيادة، فيظهر أن الامتداد السابق لم ينه طلب المزيد، بل كشف خلل التلقي.

الرسم والهيئة

المحسوم وغير المحسوم⌄
  • رسم الضمير في ﴿لَهُۥ﴾

    الصلة الظاهرة في ﴿هُۥ﴾ صورة رسمية محسومة في هذا التركيب، وتخدم إبقاء الضمير حاضرًا في النطق. هذه القَولة رسمُها هيكلٌ واحدٌ في المصحف كلّه — ﴿لَهُۥ﴾ في ١٨٣ موضعًا بلا صورةٍ ثانية. فلا تنويعَ رسميًّا يُقارَن هنا، وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.

  • التنوين والإدغام بين ﴿مَالٗا﴾ و﴿مَّمۡدُودٗا﴾

    رسم ﴿مَالٗا﴾ بالتنوين، ثم مجيء ﴿مَّمۡدُودٗا﴾ بميم مشددة، يبيّن اتصالًا تلاويًا بين الموصوف والصفة. هذه القَولة رسمُها هيكلٌ واحدٌ في المصحف كلّه — ﴿مَالٗا﴾ في ٦ مواضع بلا صورةٍ ثانية. فلا تنويعَ رسميًّا يُقارَن هنا، وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.

  • هيئة ﴿مَّمۡدُودٗا﴾

    الصيغة اسم مفعول منصوب نكرة، وهي محسومة من جهة الهيئة: امتداد واقع على المال لا فعل مد جار. الفرق الدلالي المثبت هنا هو من الصيغة والسياق، أما اختلاف العلامة بين الرفع أو الجر أو النصب في صور قريبة فهو أثر تركيبي لا حكم مستقل في معنى الجذر.

  • غياب أل والإضافة عن ﴿مَالٗا مَّمۡدُودٗا﴾

    التنكير في الاسمين ظاهر ومحسوم: مال غير معرف بوصف سابق، وصفته كذلك نكرة تابعة له. هذا يسند قراءة المال بوصفه جنس قيمة مملوكة ممتدة، لا مالًا معهودًا بعنوان مخصوص.

إحصاءات الآية واستنباطات عابرة للصفحات

⌄
4قَولات الآية
4جذور مميزة
4حقول دلالية
جذور متكررة
10آيات السياق
وصلات موسوعية
29الجزء
575صفحة المصحف

مخططات سريعة

⌄

توزيع جذور الآية

جعل 1
ل 1
مول 1
مدد 1

حقول الآية

التحويل والتغيير 1
حروف الجر والعطف 1
المال والثروة 1
التمادي والاستمرار | الإنفاق والعطاء | البسط والتسوية | الضلال والغواية والزيغ | النار والعذاب والجحيم 1

أكثر جذور السياق حضورًا

لا توجد نافذة سياق كافية.

الجذور في الآية

بيان مختصَر داخل الصفحة⌄
جذر جعل1 في الآية · 346 في المتن
التحويل والتغيير

«جعل» هو إيقاع الشيء في حالٍ أو وظيفةٍ أو نسبةٍ مخصوصة، بقطع النظر عن صدق المنسوب أو بطلانه فهو فعل الإسناد والتعيين نفسه. يكون هذا الإيقاع حقًّا حين يصدر من الله: جَعْلًا كونيًّا في سورة النَّحل ٧٨ ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ﴾، وتشريعيًّا في سورة المَائدة ٩٧ ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ﴾، واستخلافًا في سورة البَقَرَة ٣٠ ﴿إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

تكملة البيان: «جعل» هو إيقاع الشيء في حالٍ أو وظيفةٍ أو نسبةٍ مخصوصة، بقطع النظر عن صدق المنسوب أو بطلانه؛ فهو فعل الإسناد والتعيين نفسه. يكون هذا الإيقاع حقًّا حين يصدر من الله: جَعْلًا كونيًّا في سورة النَّحل ٧٨ ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ﴾، وتشريعيًّا في سورة المَائدة ٩٧ ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ﴾، واستخلافًا في سورة البَقَرَة ٣٠ ﴿إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾. ويكون دعوى باطلة حين ينسبه الناس، كما في سورة إبراهِيم ٣٠ ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا﴾. ويفترق عن «خلق» بأنّ الخلق إبراز كيانٍ مقدَّر، أمّا الجَعْل فتعيين حال الكائن أو وجه استعماله أو رتبته؛ ولذلك يَنصِب «جعل» مفعولين كثيرًا (جعل الأرضَ مهدًا)، و«خلق» لا يَنصِبهما.

حد الجذر: هو تصيير وتعيين: نقل الشيء إلى صفة أو وظيفة أو علاقة مخصوصة.

فروق قريبة: يفترق عن خلق بأن الخلق إيجاد مقدر، أما الجعل فتصيير وتعيين. ويفترق عن كون لأن الكون تحقق وجود أو حال، أما الجعل فإسناد حال إلى شيء. ويفترق عن صير لأن صير يبرز مآل التحول، أما جعل فيبرز فعل التعيين نفسه.

اختبار الاستبدال: يَفشل استبدالُ «جعل» بشبيهٍ له في ثلاثة مسالك مختلفة، وهذا أقوى إثباتٍ لنفي التطابق: • في التكوين الكونيّ — لو وُضِع «خلق» مكان «جعل» في سورة الأنعَام ١ ﴿وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ﴾ ضاق المعنى إلى الإيجاد المجرّد، وغاب تعيينُ الظلمات والنور في نظام الخلق المتعاقب. • في الجَعْل الباطل — لو وُضِع «خلقوا» مكان «جعلوا» في سورة إبراهِيم ٣٠ ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا﴾ انقلب المعنى إلى دعوى إيجادٍ لم يَدَّعِها المشركون أصلًا؛ فالباطل المنسوب إليهم هو إسناد النِّدِّيّة، لا الخَلْق. • في التشريع — «جعل» في سورة الحج ٧٨ ﴿مَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ﴾ لا يقبل «خلق» ولا «كوّن»، لأنّ المنفيَّ تعيينُ الحرج حُكمًا، لا إيجادُ ذاتٍ.

فتح صفحة الجذر الكاملة
جذر ل1 في الآية · 1168 في المتن
حروف الجر والعطف

«ل» لام عودٍ واختصاصٍ مع الضمير: شيءٌ لكم، أو لهم، أو له، أو لها. خصوصيّتها أنّها تنسب الحكم إلى جهة محدّدة: قد يكون الحكم نفعًا، أو ملكًا، أو ثبوتًا، أو جزاءً، أو غرضًا، أو خطابًا موجّهًا، أو تبعةً راجعة إلى صاحبها. فهي لا تلصق الحكم بالفعل كالباء، ولا تجعله صادرًا من أصلٍ كمِن، ولا ترسم ظرفًا كفي، بل تردّ المذكور إلى جهة الضمير وتجعله ثابت العلاقة بها.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

حد الجذر: خلاصة الجذر: عود حكمٍ إلى جهة يحدّدها الضمير. يدخل في ذلك الاختصاص والثبوت والاستحقاق والغرض والتوجيه والتبعة، ولا تُحمَل كلمةٌ لاحقة على الجذر إلا إذا كانت هي اللام المتّصلة نفسها.

فروق قريبة: يفترق «ل» عن «ب» بأنّ الباء للملابسة والتعلّق بالفعل، واللام لعود الحكم إلى جهة الضمير. ويفترق عن «مِن» بأنّ مِن منشأٌ أو بعضٌ أو ابتداء، واللام جهة عودٍ وثبوت. ويفترق عن «على» بأنّ على تجعل التبعة أو الثقل واقعًا على الجهة، أمّا اللام فتردّ الحكم إلى الجهة وتثبته لها أو إليها بحسب السياق؛ ولذلك يبرز الفرق في سورة البَقَرَة ٢٨٦ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾.

اختبار الاستبدال: استبدال اللام بمِن يحوّل الاختصاص إلى منشأ، واستبدالها بالباء يحوّل حقّ الجهة إلى ملابسةٍ فعليّة. ففي سورة البَقَرَة ٢٢ ﴿رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ﴾ لو وضعت «منكم» لانقلب الرزق نابعًا منهم لا مُعَدًّا لهم، ولو وضعت «بكم» لصار ملابسةً للفعل لا اختصاصًا بالجهة. لذلك لا تستقيم مواضع «لكم» و«لهم» على معنى الجذر مع هذه الحروف.

فتح صفحة الجذر الكاملة
جذر مول1 في الآية · 86 في المتن
المال والثروة

المال والثروة في الدلالة القرءانية قيمةٌ دنيوية تُسنَد ملكيتُها وإيتاؤها إلى الله، ويُجعل الإنسان مستخلفًا أو متصرّفًا فيها. فهو محلّ حيازةٍ وبذلٍ وحقٍّ وابتلاء، ولا يستقلّ بقيمةٍ مطلقة.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

حد الجذر: الجذر يضبط المال بوصفه قيمة مملوكة ممتحنة: تُنفق، تُؤكل بالباطل، تُزكى، يُجاهد بها، وقد لا تغني يوم القيامة.

فروق قريبة: مول يفترق عن رزق؛ فالرزق أوسع من المال، وعن متاع؛ فالمتاع جهة الانتفاع، وعن كنز؛ فالكنز مال محبوس مجموع، وعن ورق ودينار؛ فهما صور مخصوصة من المال لا مفهومه العام.

اختبار الاستبدال: استبدال مال برزق في آيات الجهاد يفقد جهة الملك والبذل من حيازة الإنسان. واستبداله بمتاع في آيات الحقوق يفقد معنى المسؤولية عن القيمة المملوكة.

فتح صفحة الجذر الكاملة
جذر مدد1 في الآية · 32 في المتن
التمادي والاستمرار | الإنفاق والعطاء | البسط والتسوية | الضلال والغواية والزيغ | النار والعذاب والجحيم

مدد في القرءان يدل على الامتداد أو الإطالة أو التزويد بما يزيد المورد، ويتعيّن وجهه بمتعلّقه وسياقه. فيشمل الأرض والظل والمدة، والإمداد بالملائكة والمتاع، والمدّ في الطغيان ومن العذاب، وتوجيه العينين إلى المتاع المنهيّ عنه. ولا يلزم منه عطاء محمود، ولا اتصال لا ينقطع، ولا إباحة للفعل.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

حد الجذر: مدد جذر الامتداد والإطالة والتزويد: يرد في مدّ الأرض والظل، والإمداد بالملائكة والمال والبنين، وفي إمهال الضالّ والطغيان والعذاب. ويتسع للمدة والمداد ومدّ العينين؛ فلا يختص بالعطاء المحمود، ولا يلزم منه استمرار لا ينقطع.

فروق قريبة: يتقارب مدد وزيد في معنى الزيادة، ولا يثبت قصر زيد على الكمية؛ فسورة مَريَم ٧٦ تذكر زيادة الهدى، وسورة المُدثر ١٥ تذكر الطمع في الزيادة. ويبرز مدد الامتداد أو التزويد في شواهده، لكن ذلك لا يثبت اتصالًا زمنيًّا دائمًا يميزه عن كل زيادة. ويتقارب مدد وبسط في وصف الأرض، كما في سورة الرَّعد ٣ وسورة نُوح ١٩. ولا تكفي هاتان الآيتان للفصل بينهما بالطول والعرض، أو لجعل البسط نشرًا أفقيًّا حصرًا. ولا يطابق بسطُ الأرض جميع استعمالات مدد؛ فالإمداد بالملائكة في سورة الأنفَال ٩ وجه يحدده متعلّق آخر.

اختبار الاستبدال: في سورة آل عِمران ١٢٤، ﴿أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾، يقارب «يعطيكم» معنى العطاء، لكنه لا يطابق إبراز التزويد بالملائكة في مقام الكفاية. وتبيّن سورة آل عِمران ١٢٦ غرض البشرى وطمأنينة القلوب، وتردّ النصر إلى الله؛ فلا يلزم من الفعل وحده تواصل زمني لا ينقطع. وفي سورة الرَّعد ٣، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ﴾، يقارب «بسط الأرض» معنى الامتداد. لكن الآية لا تعيّن امتدادًا طوليًّا في مقابل العرض، ولا تجعل المدّ منشئًا للرواسي والأنهار؛ بل تعطف جعلها على مدّ الأرض. فلا يُنسب إلى الاستبدال فقدُ سببيةٍ لا يثبتها النص.

فتح صفحة الجذر الكاملة

القَولات (تفكيك ميكانيكيّ)

⌄
الترتيبالقَولة ↗الصيغةالجذر
1وَجَعَلۡتُوجعلتجعل
2لَهُۥلهل
3مَالٗامالامول
4مَّمۡدُودٗاممدودامدد

السياق القريب (٥ قبل · ٥ بعد)

⌄

السياق القريب يضغط الآية بين طرفين: قبلها ﴿وَحِيدٗا﴾ وبعدها ﴿وَبَنِينَ شُهُودٗا﴾ ثم ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا﴾ ثم ﴿ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ﴾. بهذا لا تُقرأ الآية كخبر عن ثراء، بل كحلقة في تعداد نعمة آخذة في الاتساع: شخص مخلوق منفرد، ثم مال ممتد، ثم بنون حاضرون، ثم تمهيد، ثم طمع. وبعد ذلك يأتي الردع وذكر العناد، فيظهر أن العطاء لم يتحول إلى شكر، بل إلى مطالبة ومقاومة.

السياق الأوسع — موضع الآية في حجّة السورة

⌄
موضع الآية في حجّة السورة

يعرض المال الممدود عطاءً مخصوصًا لذلك الفرد، فيبدأ تفصيل ما يباين وحدته الأولى ويجعل النعمة مادة مساءلة لا أمانًا.

حجّة السورة كاملةًالمُدثر⌄
الخيط الناظم للسورة

تبني سورة المدثر حجة واحدة محكمة: أن الإنذار لا يثبت أثره بمجرد وصوله، بل يكشف ما يصنعه المتلقي بالنداء والآية والتذكرة. تبدأ باستدعاء من حال التدثر إلى قيام منضبط بتكبير الرب وتطهير الظاهر وهجر الرجز والصبر له، ثم تجعل الناقور واليوم العسير كاشفين لتبعة هذا النداء. ويعرض السياق نموذج من أُعطي مالا وبنين وتمهيدا، فلم يجعل العطاء موضع شكر أو استعداد، بل قدّر ثم نظر وعبس وأدبر، حتى حصر الخطاب في قول البشر. فالسورة تثبت أن أصل الانقسام ليس خفاء الحجة، بل جهة التلقي منها وما يتبعه من حساب.

ويحكم البناء هذا الأصل عبر نقل الاعتراض نفسه إلى موضع اختبار: يرد الوعيد باسم سقر، ثم لا يترك عددها خبرًا للجدل بل يبيّن أن العدة فتنة تفرز اليقين والارتياب، وينتهي ذلك إلى أنها ذكرى للبشر. وبعد قسم يكشف الانتقال من إدبار الليل إلى إسفار الصبح، تصير العاقبة إنذارًا يفتح التقدم أو التأخر، وتعرض الآيات جواب أهل سقر عن عملهم حتى أتاهم اليقين. ثم يحسم الختام أن الإعراض عن التذكرة وطلب صحف خاصة لا يفسره نقص البيان، إذ يقول: ﴿كـَلَّآ إِنَّهُۥ تَذۡكِرَةٞ﴾؛ فالذكر اختيار مسؤول، لكنه لا يقع إلا في مشيئة الله، الذي يجمع استحقاق التقوى وفتح المغفرة.

محاور السورة
  • النداء وتهيئة الإنذار﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ﴾١سورة المُدثر﴿ قُمۡ فَأَنذِرۡ ﴾٢سورة المُدثر﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ﴾٣سورة المُدثر﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ﴾٤سورة المُدثر﴿ وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ ﴾٥سورة المُدثر﴿ وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ ﴾٦سورة المُدثر﴿ وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ ﴾٧سورة المُدثر
    يفتتح هذا المحور الحجة بتحويل المخاطب من هيئة التدثر إلى مسؤولية الإنذار، لكنه لا يطلق الإنذار منفصلًا؛ فتعظيم الرب وتطهير ما يلابسه وهجر الرجز وترك الاستكثار والصبر للرب تصنع كلها جهة الفعل وحدوده. وبذلك يسلّم المحور التالي إنذارًا مهيأً لمواجهة يوم ذي تبعة، لا نداءً مجردًا بلا ميزان للعمل.
  • اليوم ومثال الجحود﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ ﴾٨سورة المُدثر﴿ فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ ﴾٩سورة المُدثر﴿ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ ﴾١٠سورة المُدثر﴿ ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا ﴾١١سورة المُدثر﴿ وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالٗا مَّمۡدُودٗا ﴾١٢سورة المُدثر﴿ وَبَنِينَ شُهُودٗا ﴾١٣سورة المُدثر﴿ وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا ﴾١٤سورة المُدثر﴿ ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ ﴾١٥سورة المُدثر﴿ كـَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا ﴾١٦سورة المُدثر﴿ سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا ﴾١٧سورة المُدثر﴿ إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴾١٨سورة المُدثر
    ينقل المحور التهيئة السابقة إلى أفق اليوم العسير، ثم يخص العسر بالكافرين ويعرض فردًا بدأ وحيدًا ثم أُعطي مالًا وبنين وتمهيدًا. لا تأتي العطايا خاتمة للمشهد، بل تمهّد لظهور طمعه وعناده؛ فيصير المثال برهانًا على أن الاستغناء لا يرد الإنذار بل يكشف الحاجة إليه، ويقود مباشرة إلى تفصيل صناعة الرفض.
  • صناعة الرفض ووظيفة سقر﴿ فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ﴾١٩سورة المُدثر﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ﴾٢٠سورة المُدثر﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾٢١سورة المُدثر﴿ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴾٢٢سورة المُدثر﴿ ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ ﴾٢٣سورة المُدثر﴿ فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ ﴾٢٤سورة المُدثر﴿ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ ﴾٢٥سورة المُدثر﴿ سَأُصۡلِيهِ سَقَرَ ﴾٢٦سورة المُدثر﴿ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سَقَرُ ﴾٢٧سورة المُدثر﴿ لَا تُبۡقِي وَلَا تَذَرُ ﴾٢٨سورة المُدثر﴿ لَوَّاحَةٞ لِّلۡبَشَرِ ﴾٢٩سورة المُدثر﴿ عَلَيۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ ﴾٣٠سورة المُدثر﴿ وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ وَمَا… ﴾٣١سورة المُدثر
    يفكك هذا المحور الرفض من تقدير متعمد إلى نظر وعبوس وإدبار، ثم إلى قول يحصر الخطاب في سحر مؤثر وقول البشر. ويقابله الحكم بسقر وبيان أثرها وعدتها، لتتحول العدة من مادة اعتراض إلى فتنة تكشف اختلاف القلوب وترد العلم والهدى إلى الله. ومن هذه العقدة ينتقل السياق من جدل العدد إلى شواهد الإنذار الظاهرة.
  • القسم والاختيار والتبعة﴿ كـَلَّا وَٱلۡقَمَرِ ﴾٣٢سورة المُدثر﴿ وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ ﴾٣٣سورة المُدثر﴿ وَٱلصُّبۡحِ إِذَآ أَسۡفَرَ ﴾٣٤سورة المُدثر﴿ إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ﴾٣٥سورة المُدثر﴿ نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ ﴾٣٦سورة المُدثر﴿ لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ ﴾٣٧سورة المُدثر﴿ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ ﴾٣٨سورة المُدثر﴿ إِلَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡيَمِينِ ﴾٣٩سورة المُدثر﴿ فِي جَنَّٰتٖ يَتَسَآءَلُونَ ﴾٤٠سورة المُدثر
    بعد أن يكشف المحور السابق وجه التلقي المضطرب، يقطع الردع ذلك الجدل بقسم منظوم بالقمر والليل والصبح، فيثبت أن الأمر من الكبر وأنه نذير للبشر. لا يغلق الإنذار على خبر مرعب، بل يفتح جهة التقدم أو التأخر، ثم يربط كل نفس بما كسبت مع استثناء أصحاب اليمين. وهكذا يهيئ المحور مشهد السؤال الآتي بوصفه ثمرة الاختيار لا حكمًا مفصولًا عنه.
  • جواب أصحاب سقر﴿ عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ﴾٤١سورة المُدثر﴿ مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ ﴾٤٢سورة المُدثر﴿ قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ ﴾٤٣سورة المُدثر﴿ وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ ﴾٤٤سورة المُدثر﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ ﴾٤٥سورة المُدثر﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ﴾٤٦سورة المُدثر﴿ حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلۡيَقِينُ ﴾٤٧سورة المُدثر﴿ فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ﴾٤٨سورة المُدثر
    يفصل هذا المحور ما أجمله الارتهان والاختيار: أصحاب اليمين يسألون المجرمين عن سقر، فيجيبون بسلسلة ترك الصلاة والإطعام والخوض والتكذيب حتى جاء اليقين. لذلك يجيء نفي نفع الشفاعة نتيجةً لبناء من الأعمال والمواقف لا خبرًا معزولًا. ومن انسداد النفع بعد اليقين ينتقل السياق إلى السؤال الأشد: لماذا يعرضون عن التذكرة قبل ذلك؟
  • التذكرة ومشيئة الذكر﴿ فَمَا لَهُمۡ عَنِ ٱلتَّذۡكِرَةِ مُعۡرِضِينَ ﴾٤٩سورة المُدثر﴿ كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ ﴾٥٠سورة المُدثر﴿ فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَةِۭ ﴾٥١سورة المُدثر﴿ بَلۡ يُرِيدُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُؤۡتَىٰ… ﴾٥٢سورة المُدثر﴿ كـَلَّاۖ بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ﴾٥٣سورة المُدثر﴿ كـَلَّآ إِنَّهُۥ تَذۡكِرَةٞ ﴾٥٤سورة المُدثر﴿ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ﴾٥٥سورة المُدثر﴿ وَمَا يَذۡكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ هُوَ… ﴾٥٦سورة المُدثر
    يختم المحور الحجة بكشف هيئة الإعراض: فرار مصور، ثم طلب أن يؤتى كل امرئ صحفًا منشّرة، ثم بيان أن العلة غياب خوف الآخرة لا نقص التذكرة. يردع النص هذا المطلب ويثبت التذكرة، ويفتح لمن شاء أن يذكرها، قبل أن يرد الذكر إلى مشيئة الله. وبذلك يعود الختام إلى أصل السورة: الإنذار قائم، وتبعة تلقيه تقع بين اختيار الإنسان وربوبية الله وتقواه ومغفرته.
حركة الحجّة آية بعد آية

تتحرك الحجة من نداء يخرج المخاطب من حاله إلى وظيفة ظاهرة: ﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ﴾، ثم تضبط هذه الوظيفة بتكبير الرب والتطهير والهجر والصبر. ولا يبقى الإنذار في طور التكليف، إذ يفتحه الناقور على يوم عسير ويعرض من أُعطي ثم طمع وعاند. تتدرج صناعته من التقدير والنظر إلى العبوس والإدبار، حتى ينتهي إلى رد الخطاب، فيأتي الوعيد بسقر ثم يشرح أن عدتها تمتحن التلقي ولا تختزل في رقم. بعد ذلك ينتقل القسم بالقمر والليل والصبح من اضطراب الاعتراض إلى انكشاف الإنذار، ويجعل الناس أمام تقدم أو تأخر وكسب مرهون. ثم يبيّن جواب أهل سقر أن المسار انتهى إلى اليقين بعد ترك الصلاة والإطعام والخوض والتكذيب، فلا تنفعهم الشفاعة. وأخيرًا يكشف أن الفرار وطلب صحف منشّرة ليسا عذرًا، ويحسمه بقوله: ﴿وَمَا يَذۡكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾.

بنية متصاعدة عبر الآيات

يتصاعد مشهد الرفض في تكرار الحكم على التقدير ثم في تعاقب أطواره: تقدير، فنظر، فعبوس وبسور، فإدبار واستكبار، ثم قول معلن. ليست الحلقات تكرارًا للمعنى، لأن كل واحدة تنقل الرفض من صناعة داخلية إلى هيئة ظاهرة ثم إلى مفارقة واستعلاء، حتى يبلغ اتهام الخطاب بأنه سحر مؤثر وقول البشر. وبذلك يبرر التصاعد الانتقال الحاسم إلى الوعيد بسقر.