موضوع «قصاص وحدود» في القرءان الكريم — 41 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
يتكوّن هذا الموضوع في خريطة القانون من حقلين متساندين: قصاصٌ يواجه اعتداءً واقعًا بمثله، وحدودٌ ترسم مواضع لا يجوز تجاوزها. فسؤاله المركزي ليس مقدار العقوبة منعزلًا، بل كيف يُردّ الاعتداء من غير إسراف، وكيف تبقى العلاقات والأموال والأجساد والشهادات داخل فواصل معلنة. لذلك يجمع النص بين ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ﴾سورة البَقَرَة١٧٩ وبين النهي عن تجاوز الحدود في سورة البَقَرَة٢٢٩، ويصل ردّ القتل بسلطان الولي مع منع الإسراف في سورة الإسرَاء٣٣. فالقصاص ليس إطلاقًا للرد، والحدود ليست عبارة مجرّدة؛ كلاهما ترتيبٌ يمنع أن يتحوّل الضرر أو الخصومة إلى اعتداء جديد.
تتبّع الأثر وحافة المنع
يعرض الجذر «قصص» القصاص بوصفه تتبّعًا لمسار الأثر حتى يُعرض مطابقًا؛ ومن هنا يظهر في القتل والجروح والحرمات لا كخبرٍ عن الواقعة فقط، بل كإرجاعٍ مضبوط لما وقع. في القتلى يردّ النص الأمر إلى مقابلات معيّنة، ثم يفتح داخلها العفو والاتباع والأداء: ﴿فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖ﴾سورة البَقَرَة١٧٨. وفي الحرمات يجعل الردّ بمثل الاعتداء: ﴿وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞ﴾سورة البَقَرَة١٩٤، وفي الجروح يمدّ المقابلة إلى النفس والعين والأنف والأذن والسنّ سورة المَائدة٤٥.
أما «حدد» فيجمع الحدود والمحادّة والحديد تحت حافة فاصلة شديدة تمنع التجاوز أو تصنع مقابلة واضحة. وتكشف الآيات أن هذه الحافة تعمل في الصيام سورة البَقَرَة١٨٧، وفي الطلاق سورة البَقَرَة٢٢٩ و٢٣٠ وسورة الطَّلَاق١، وفي الطاعة والمعصية سورة النِّسَاء١٣ و١٤، وفي مسار الكفارة سورة المُجَادلة٤. فالحدّ هنا فاصل يعيّن موضع الوقوف، ويجعل التعدّي وصفًا لانتقالٍ من داخل المرسوم إلى خارجه.
مسارات الردِّ والفصل في الوقائع المتنوعة
في القتل والجروح يرسم القصاص ردًّا يقيّد القوة بالواقعة التي سبقته. فابتداء سورة البَقَرَة١٧٨ يثبت القصاص في القتلى، لكنه لا يقف عند المقابلة؛ إذ يجعل للعفو طريقًا ثم يصف ما بعده بالتخفيف والرحمة، ويحذّر من الاعتداء بعد ذلك. وتوجز سورة البَقَرَة١٧٩ الثمرة في الحياة. ويؤكّد سورة الإسرَاء٣٣ أن للمظلوم وليًّا ذا سلطان، لكنه يقطع طريق الإفراط بقوله: ﴿فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِ﴾سورة الإسرَاء٣٣. وتفصّل سورة المَائدة٤٥ مواقع المقابلة في النفس والجوارح، ثم تجعل التصدّق كفارة. وإلى جانب ذلك تفصل سورة النِّسَاء٩٢ بين القتل خطأً وما يترتب عليه من دية وتحرير وصيام، بينما يعرض سورة النِّسَاء٩٣ جزاء القتل المتعمد؛ فالمادة لا تجمع صور القتل في حكم واحد، بل تميّز مسار كل صورة.
وتتحرك الحدود داخل العلاقات الخاصة بوصفها ضابطًا يمنع الافتراس أو الإخراج المتعجّل. ففي الصيام يأتي النهي بعبارة ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَا﴾سورة البَقَرَة١٨٧، فتكون المسافة المطلوبة قبل الوقوع في التجاوز. وفي الطلاق تتكرر الحدود مع الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، ومع الافتداء، ثم مع إمكان التراجع إذا ظنّ الطرفان إقامة الحدود سورة البَقَرَة٢٢٩ و٢٣٠. ويستأنف سورة الطَّلَاق١ هذا البناء في العدة والبيوت، ويصف التعدي بأنه ظلم للنفس. وبذلك لا تحضر الحدود في هذا الحقل عقوبةً لاحقة فقط، بل تنظيمًا للمسار قبل أن ينقلب إلى ظلم.
وفي وقائع الفاحشة والرمي تلتحق آياتٌ أخرى بمنظومة الجزاء نفسها، وإن لم يرد فيها لفظ الحدّ: فـسورة النِّسَاء١٥ يطلب الاستشهاد قبل الإمساك في البيوت، وسورة النِّسَاء١٦ يصل الأذى بالتوبة والإصلاح ثم الإعراض. وتعرض سورة النِّسَاء٢٥ تفاوتًا في العذاب ضمن سياق النكاح. وفي سورة النور٢ يرد الجلد مع حضور طائفة. وتُبنى وقائع الرمي على الشهادة ذاتها: فمن يرمون المحصنات ولم يأتوا بأربعة شهداء يُجلدون ثمانين جلدة ولا تُقبل لهم شهادة أبدًا سورة النور٤، ومن يرمي زوجه ولا شهداء له إلا نفسه فشهادته أربع شهادات بالله سورة النور٦، والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين سورة النور٧، ويُدرأ عنها العذاب بأربع شهادات بالله سورة النور٨، والخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين سورة النور٩؛ فلا يُختزل المشهد في ادعاء واحد. وتفتح سورة النور٥ بابًا للتائبين المصلحين بعد هذا الذكر، كما يرد الإصلاح عقب الظلم في سورة المَائدة٣٩.
وتعرض الآيات صورًا أخرى للجزاء المحدد: ففي سورة المَائدة٣٣ تتجاور صور العقاب لمن يسعون فسادًا في الأرض، ومنها النفي، ثم تأتي التوبة قبل القدرة عليهم في سورة المَائدة٣٤. وفي السرقة يرد الأمر مقترنًا بكونه جزاءً ونكالًا: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا﴾سورة المَائدة٣٨. وفي سورة المُجَادلة٤ تتدرج الكفارة من الصيام إلى الإطعام عند العجز، ثم تسمي الآية ذلك حدود الله. وهكذا تتوزع الصيغ بين ردٍّ مماثل، وعقوبات مذكورة، وكفارات، وتوبة؛ ولا يلغي أحدها الآخر لأن كلًّا منها وارد في واقعة محددة.
ما يخصُّ القصاص والحدود بين موضوعات الجوار
يفترق الموضوع عن «القتل» بأن شواهده لا تقف عند وقوع القتل أو النهي عنه، بل تتبع ما بعده: قصاصٌ وحياةٌ وعفوٌ وديةٌ ومنع إسراف، كما في سورة البَقَرَة١٧٨ و١٧٩ وسورة النِّسَاء٩٢ وسورة الإسرَاء٣٣. أمّا عيّنة «القتل» فتسجل قتل النفس أو الأمر به في سياقاتها، مثل ﴿وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَا﴾سورة البَقَرَة٧٢؛ فلا يسدّ ذكر القتل موضع بناء القصاص.
ويفترق عن «الجزاء» بأن الجزاء فيه فاصل قانوني ملازم لفعل معلوم وحدود معلومة، لا مجرد إسناد عاقبة إلى فعل؛ فعبارة سورة المَائدة٣٨ تصل الجزاء بما كسبا، وسورة المَائدة٣٣ تسرد صورًا محددة، وسورة المَائدة٤٥ تجعل الجروح قصاصًا. ويفترق عن «التثبت» لأن التثبت يعتني بطريق التبيّن، بينما تستعمل آيات الرمي في هذا الموضوع الشهود والشهادات لإثبات الرمي أو درء العذاب عنه سورة النور٤ و٦ و٨.
أما «الحكم» و«الحكم بالعدل» فتظهر عينتهما خطر إدلاء المال إلى الحكام: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ﴾سورة البَقَرَة١٨٨. أما هذا الموضوع فيبيّن الفاصل والعاقبة داخل وقائع القتل والرمي والسرقة والطلاق. والنفي، وإن ورد ضمن سورة المَائدة٣٣، لا يستوعب الموضوع؛ فهو صورة واحدة في سلسلة جزاء، بينما القصاص والحدود يضبطان السلسلة الأوسع.
توزيعٌ يكشف تعدد ميادين الضبط
تضم المادة ثلاثًا وثلاثين آية موثقة، منها أربع وعشرون محورية وتسع ذات صلة. وتقدم النور بتسع آيات يبرز كثافة مسار الرمي والشهادات والفاحشة، فيما تجمع النساء سبع آيات بين القتل والعلاقات، وتأتي البقرة بست آيات تجمع القصاص والحدود في الصيام والطلاق والحرمات. ثم المائدة بخمس آيات في الجروح والفساد والسرقة، والتوبة بآيتين حول معرفة الحدود وحفظها. هذا التوزيع يمنع حصر الموضوع في عقوبة واحدة؛ فهو شبكة ضبطٍ تتغير أدواتها بتغيّر المجال.
خيوطٌ من المعروف إلى الحفظ
يفتح القصاص خيطًا مع العدل والإحسان من داخل نصه نفسه؛ فالعفو لا يقطع النظام، بل يتبعه المعروف والأداء بالإحسان سورة البَقَرَة١٧٨. ويفتح الحد خيطًا مع الحفظ في ﴿وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ﴾سورة التوبَة١١٢، ومع معرفة ما أُنزل في سورة التوبَة٩٧. كما تصل مادّة الرمي والشهادات في سورة النور٤ و٦ و٨ هذا الموضوع بموضوع التثبت: فالفصل في هذه الوقائع لا يعمل بعيدًا عن القول المشهود، والردّ لا يستقيم بعيدًا عن منع التعدي.