المشهد الذي يجمع الفاحشة والجواب
يقع الموضوع في العلاقات الإنسانيّة من جهة فعلٍ ينسبه الخطاب إلى قوم لوط، لا من جهة وصفٍ مجرّدٍ للشهوة أو للزوج. وسؤاله المركزيّ: كيف يصير الإتيان المحدّد للرجال من دون النساء عملاً جماعيًّا معلنًا، ثم كيف يكشف جواب القوم ما يحيط به من إسرافٍ وعدوانٍ وجهلٍ ومنكر؟ يفتتح البيان بالاستفهام الذي يسمّي الفاحشة ويجعلها واقعةً لا سابقة لها في المعروض: ﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ سورة الأعرَاف ٨٠. ثم يعيّن جهة الإتيان ومقابلها: ﴿إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ﴾ سورة الأعرَاف ٨١. فالمدخل لا يعزل الفعل عن فاعليه، ولا الشهوة عن العدول، ولا القول عن الجواب الذي يستتبعه.
العمل والجماعة ولوط
يحمل لفظ العمل هنا نسبة الفعل إلى أصحابه، فيخرج من كونه دعوى عابرة إلى موقفٍ منسوبٍ إليهم: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلۡقَالِينَ﴾ سورة الشعراء ١٦٨. وتكشف الآيات أن هذا العمل لا ينحصر في الاسم الذي افتتحت به المحاورة؛ فالقرية موصوفة بفعل الخبائث: ﴿وَلُوطًا ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ﴾ سورة الأنبيَاء ٧٤. فخلاصة جذر العمل، بوصفه فعلاً منسوبًا له أثره، تتجلّى هنا في عملٍ يقال منه ويقترن بالسيئات والخبائث والعاقبة.
ويجعل لفظ القوم القضية قيامًا جماعيًّا لا حال فردٍ منفرد؛ فالجواب يُسند إلى القوم، والإخراج قرارهم، والتهديد قولهم، وطلب العذاب جوابهم. أمّا لوط فليس اسمه علامة فصلٍ عن الرسالة، إذ يرد: ﴿وَإِنَّ لُوطٗا لَّمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ سورة الصَّافَات ١٣٣. وتظهر به وطأة المشهد حين جاءه الرسل: ﴿وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ﴾ سورة هُود ٧٧. فاجتماع العمل والقوم ولوط يرسم فعلًا منسوبًا إلى جماعة، ورسولًا يواجهه، ونجاةً يظهر فيها فصلٌ لا يُختزل في نسبة العمل إلى القوم؛ إذ تُستثنى امرأة لوط من أهله في سورة هُود ٨١ وسورة العَنكبُوت ٣٢ و٣٣، ويعرض سورة التَّحرِيم ١٠ وصف «فخانتاهما».
من تسمية الفعل إلى اتساع المشهد
يتكرر ذكر الفاحشة في مواضع متقاربة اللفظ، لكن ليس كل موضع بصيغة الاستفهام ولا كل موضع يضيف قيدًا جديدًا. ففي سورة الأعرَاف ٨٠ يفتتح البيان بالاستفهام مع نفي السَّبق: ﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾. ثم يكرر سورة العَنكبُوت ٢٨ نفي السَّبق ذاته بصيغة التقرير لا الاستفهام: ﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ سورة العَنكبُوت ٢٨، دون أن يستحدث قيدًا جديدًا على سورة الأعرَاف ٨٠. أمّا سورة النَّمل ٥٤ فيستأنف صيغة الاستفهام بقيدٍ مختلفٍ فعلًا: ﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ﴾ سورة النَّمل ٥٤. فليس التكرار كله مجرد إعادة للتسمية؛ ينتقل هذا الموضع بعينه من بيان التفرد بالفعل إلى إظهار وقوعه مع الإبصار. ثم يأتي التعيين نفسه في موضعيه: الإتيان للرجال شهوةً من دون النساء، غير أن الخاتمة تصف القوم بالإسراف في سورة الأعرَاف ٨١ وبالجهل في سورة النَّمل ٥٥، فتجمع الآيات بين الفعل المسمّى والعدول المقابل والأوصاف التي تصحبه.
ويظهر الحدّ المقابل بعبارة تفتح جانب الأزواج: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ عَادُونَ﴾ سورة الشعراء ١٦٦. لا تقف الآية عند ذكر الإتيان، بل تجعل الترك جزءًا من بنية المشهد: إتيان من دون النساء، وترك ما خلق من الأزواج. وبذلك لا يستبدل وصف العدوان بوصف الإسراف أو الجهل؛ فالآيات تعرض زوايا متجاورة للعمل نفسه، ولا تذيبها في لفظ واحد.
ثم يتسع الفعل من العلاقة المعيّنة إلى أثره في المجال العام: ﴿أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ سورة العَنكبُوت ٢٩. فالإتيان، وقطع السبيل، والمنكر في النادي، تتساند في آية واحدة ثم تنتهي إلى جواب يتحدى الوعيد. وفي موضع آخر يكون الجواب إقصاءً لمن يتطهرون: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ﴾ سورة الأعرَاف ٨٢، ويبلغ القول تهديد لوط بالإخراج: ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُخۡرَجِينَ﴾ سورة الشعراء ١٦٧. فالموضوع يرصد الفعل وما يصنعه القوم حوله من منكرٍ وإقصاءٍ وتكذيب.
وتختم خيوط المشهد بإظهار الفصل في المآل: ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ سورة القَمَر ٣٣، ثم ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٖۖ نَّجَّيۡنَٰهُم بِسَحَرٖ﴾ سورة القَمَر ٣٤. لذلك لا يُقرأ عمل قوم لوط مفصولًا عن رسالة لوط ولا عن جواب قومه ولا عن التفريق بين القوم وآل لوط.
حدود الموضوع بين الأشقّاء
يفترق موضوع الزواج والنكاح عنه لأن شواهده تذكر الطلاق والنكاح والرجوع وحدود الله؛ ففيها: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ سورة البَقَرَة ٢٣٠. أمّا موضوعنا فيستدعي الأزواج من جهة الترك المقابل للإتيان، لا من جهة تفصيل تلك الأحوال.
ويلتقي مع الفاحشة في الاسم، لكن شواهد الفاحشة تتوزع: فمنها الأمر بالفحشاء: ﴿إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ سورة البَقَرَة ١٦٩، ومنها الأمر بالفحشاء مع الوعد بالفقر: ﴿ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ سورة البَقَرَة ٢٦٨، ومنها فعل فاحشة يذكر بعده الله ويستغفر ولا يصر: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ سورة آل عِمران ١٣٥. أمّا هنا فالفاحشة اسمٌ لفعل معيّن، ويصحبه قومٌ ونادٍ وسبيلٌ وجوابٌ جماعيّ.
ويلتقي مع اتباع الشهوات في لفظ الشهوة، غير أن الشقيق يصف إرادة الميل: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا﴾ سورة النِّسَاء ٢٧. أمّا موضوعنا فيجعل الشهوة قيدًا للإتيان بالرجال من دون النساء، ثم يضم إليه أفعالًا أخرى واستجابة قومٍ كاملة؛ فلا يقوم أحد الموضوعين مقام الآخر.
توزّع يكشف امتداد المشهد
تتكون المادة الموثقة من 34 آية، منها سبع محوريّة وسبع وعشرون ذات صلة. وهذا يتيح أن تبقى المحاور مبنية على الآيات المحوريّة، وأن تستكمل الآيات ذات الصلة ما يحيط بها من الرسالة والضيق والجواب والنجاة. وأكثر السور حضورًا هُود بست آيات، ثم الشعراء والعنكبوت بخمس لكل منهما، ثم الأعراف والنمل بثلاث لكل منهما. وتكشف هذه الخريطة أن تسمية الفعل وتعيينه لا تبقى في موضع واحد؛ بل تتوزع معها طبقات الحوار والعمل والقرية والمآل، فتمنع اختزال الموضوع في عبارة واحدة معزولة.
من الأزواج إلى القرية والنجاة
يمتد الموضوع إلى جذر العمل حين يقال: ﴿وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ﴾ سورة هُود ٧٨. ويمتد إلى الأزواج بالترك، وإلى الفاحشة بالتسمية، وإلى الشهوة بالقيد، ثم ينتهي إلى نجاة آل لوط: ﴿إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ سورة الحِجر ٥٩. فهذه الخيوط تجعل موضوع العمل مدخلًا لقراءة شبكةٍ من الفعل والجماعة والرسالة والنتيجة.