قَ
قَولات
موسوعة جذور القرءان

مدلول الآية · قراءة داخليّة من الجذور والسياقالمُدثر١٨

الجزء 29صفحة 5753 قَولات3 حقول

خلاصة المدلول

مدلول الآية أن العناد السابق لم يكن فراغًا من الإدراك، بل صناعة داخلية لنتيجة معاندة. ﴿إِنَّهُۥ﴾ تثبت الخبر على الغائب الذي سبق وصفه بمقاومة الآيات، فلا يبقى الكلام تقريرًا عامًا عن التفكير. و﴿فَكَّرَ﴾ تنقل العلة إلى تشغيل نظر داخلي، لا إلى جهل محض أو غفلة ساكنة. ثم ﴿وَقَدَّرَ﴾ تجعل ذلك النظر منتهيًا إلى ضبط مقصود وحساب مصنوع، والواو تربط الفعلين في سلسلة واحدة. لذلك يحاكم السياق تقديرًا خرج من الفكر، لا الفكر في ذاته؛ فالعقوبة اللاحقة تتعلق بتدبير ذهني صار خصومة للآيات.

كيف وصلنا إلى المدلول

⌄

تبدأ الآية بتثبيت لا يترك الفعلين عائمين: ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾.

  • الضمير في ﴿إِنَّهُۥ﴾ يعود على الغائب الذي جاء قبلها في سياق الإمداد ثم الطمع ثم العناد: مُهّد له، ثم طمع في الزيادة، ثم وُصف بأنه كان لآيات الله عنيدًا، ثم جاء وعيد الإرهاق صعودًا.
  • بهذا لا تصف الآية فعلًا ذهنيًا محايدًا، بل تكشف داخل ذلك الغائب بعد أن ظهر عناده.
  • لو ابتدأ التركيب بفعل ﴿فَكَّرَ﴾ مجردًا لفُتح احتمال الحكاية الباردة عن نشاط ذهني، أما ﴿إِنَّهُۥ﴾ فيجعل ما يلي حكمًا مثبتًا عليه، ويصل باطن التدبير بوصف العناد السابق.
  • هنا يتغير فهم الفعل: التفكير ليس مطلوبًا لذاته ولا مذمومًا لذاته؛ المدلول يتحدد من عود الضمير ومن خاتمة الفعل بالتقدير.

﴿فَكَّرَ﴾ في هذا السياق ليس علمًا ولا نظر عين ولا ذكرًا.

  • العلم يمكن أن يكون نتيجة حاضرة بلا تصوير للحركة الداخلية، والنظر قد يتجه إلى ظاهر يُرى، والذكر يستحضر معلومًا أو مذكورًا.
  • أما هذه القَولة فتجعل الفعل داخل النفس: إدارة رأي وتقليب معطيات.
  • صفحة الجذر تضبط ذلك بأن الفكر تشغيل نظر داخلي في المعطيات، وتمنع اختزال هذا التركيب في جهل بسيط.
  • فلو قيل نثرًا: إنه علم وقدر، لضاع معنى الصنعة الذهنية التي تسبق الحكم؛ ولو قيل: إنه نظر وقدر، لانتقل الثقل إلى معاينة بعدية، مع أن السياق اللاحق يجعل النظر طورًا تالياً في قوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾.

لذلك بقاء ﴿فَكَّرَ﴾ هنا حاسم: الآية تكشف مرحلة داخلية قبل أن تظهر آثار الوجه والهيئة في العبوس والبسر والإدبار والاستكبار.

  • ثم تأتي ﴿وَقَدَّرَ﴾ لا بوصفها عطفًا زائدًا، بل بوصفها نتيجة التفكير: حدّد وحسب ورتّب على وجه مقصود.
  • صفحة جذر قدر تفرّق بين القدرة المجردة والتقدير بالتفعيل؛ التفعيل يطلب ميزانًا وموضوعًا يُجعَل له حدّ.
  • في الآية لا يظهر مفعول صريح بعد ﴿وَقَدَّرَ﴾، وهذا الحذف لا يفرغ الفعل، بل يجعله منفتحًا على ما سيحاكمه السياق التالي: ﴿فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ﴾ ثم ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ﴾.
  • فالتقدير هنا ليس خلقًا ولا رزقًا ولا مجرد حساب عدد، بل صناعة حكم يقابل الآيات بعناد.

ولو استبدل «حسب» بـ﴿قَدَّرَ﴾ لصار الفعل جمعَ حساب ذهني دون معنى إحكام نتيجة على حدّ يراد إظهاره، ولو استبدل «شاء» لصار الأمر اختيارًا بلا صورة صناعة.

  • أثر الواو في ﴿وَقَدَّرَ﴾ مهم كذلك: هي لا تترك الفعل الثاني مستقلًا، بل تشبكه بما قبله، فيصير التفكير مفضيًا إلى تقدير، والتقدير ثمرة لذلك التفكير.
  • وهذا ما يجعل التوبيخ اللاحق منصبًا على كيفية التقدير لا على مجرد وجود رأي.
  • الرسم والهيئة يزيدان ضبط القراءة ولا يصنعان حكمًا مستقلًا بلا قرينة.
  • ﴿إِنَّهُۥ﴾ فيه صلة ضمير مرسومة، والمعطى المعتمد يذكر قرب المعنى من الصورة غير الممدودة؛ لذلك أثره المحسوم هنا بنيوي: عود الضمير وتثبيت الخبر، أما فرق الصلة في ذاته فملاحظة رسمية غير محسومة لا حكم دلالي مستقل.

﴿فَكَّرَ﴾ فعل ماض مفرد بتشديد الكاف، ولا أل فيه ولا ضمير ولا تنكير، فوزنه يبرز فعلًا تامًا قائمًا بالغائب نفسه.

  • ﴿وَقَدَّرَ﴾ يجمع واو الربط وتفعيل الدال، فيجعل الحدث مركبًا من إدارة رأي ثم إحكام تقدير.
  • وبهذا تصير الآية عقدة انتقال: من سياق النعمة والطمع والعناد إلى سياق المحاكمة والتصوير الحركي: قتل، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر.
  • فالمدلول ليس أن الإنسان فكر فحسب، بل أن غائبًا مثبت الحكم عليه أدار داخله رأيًا ثم ضبط منه تقديرًا معاندًا؛ ولذلك انبنى ما بعده على إدانة الكيفية لا على إنكار فعل الذهن مطلقًا.

أثر كلّ جذر في بناء المدلول

⌄

هذه الخريطة تفصل أثر كل جذر في الآية ثم تجمعها: الجذور هنا هي إن، فكر، قدر. المقصود ليس إعادة تعريف الجذور، بل بيان كيف تدخل كل مادة في بناء مدلول الآية.

جذر إن1 في الآية
إِنَّهُۥ
أدوات الشرط والتوكيد والاستفهام | أدوات النفي والاستثناء 2227 في المتن

مدلول الجذر: «إن» المكسورة أداة تثبيت موقف الخطاب من المضمون: «إنَّ» المشدّدة تقرّر الخبر وتثبته، و«إنْ» الشرطيّة تعلّق الجواب على وقوع الشرط، و«إنْ» النافية تنفي المضمون مقصورًا بـ«إلّا»، و«إنْ» المخفّفة من الثقيلة تثبت مع لام فارقة. ووظائفها متعدّدة لا متناقضة: كلّها ضبط لعلاقة الخطاب بمضمونه إيجابًا أو سلبًا أو تعليقًا.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «إن» هنا في 1 موضع/مواضع: إِنَّهُۥ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «أدوات الشرط والتوكيد والاستفهام أدوات النفي والاستثناء» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: ووظائفها متعدّدة لا متناقضة: كلّها ضبط لعلاقة الخطاب بمضمونه إيجابًا أو سلبًا أو تعليقًا. وأمّا «إنَّما» فرسمٌ متّصل يُعَدّ ضمن جذر «ما»، وحصرُها ثمرةُ تركيبٍ لا وظيفةٌ مستقلّة لهذا الجذر.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: الجذر وجه القرب الفرق عن إن الشاهد ------------ لعل ربط بين فعل ومآل لعل تترك المآل مرجوًّا مفتوحًا، وإن تثبت الخبر أو تعلّق الجواب أو تنفيه حصرًا.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة إِنَّهُۥ: في سورة البَقَرَة ٦ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ لا تقوم «لعل» مقام «إنَّ» لأنّ الآية تقرّر حالًا محكومًا مثبتًا لا مآلًا مرجوًّا. في سورة البَقَرَة ٢٣ ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ﴾ لا تقوم «إذا» مقام «إنْ» لأنّ المطلوب اختبار شرطٍ مُمكِن لا تحديد لحظة وقوعه. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

جذر فكر1 في الآية
فَكَّرَ
الفهم والإدراك والوعي 18 في المتن

مدلول الجذر: فكر هو إعمال الفهم في أمر معروض لتبيّن دلالته، في الخلق والأمثال والبيان وشأن الرسول. ولا يطابق التقدير أو النظر: جمع سياق المدثر التفكير والتقدير بالعطف، ثم ذكر النظر بعدهما، دون أن يشرح كيفية هذه الأفعال. ويُعرف صلاح هذا الإعمال أو انحرافه من سياقه؛ فلا يدل الجذر وحده على إصابة الحق.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «فكر» هنا في 1 موضع/مواضع: فَكَّرَ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الفهم والإدراك والوعي» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: فكر هو إعمال الفهم في أمر معروض لتبيّن دلالته، في الخلق والأمثال والبيان وشأن الرسول. ولا يطابق التقدير أو النظر: جمع سياق المدثر التفكير والتقدير بالعطف، ثم ذكر النظر بعدهما، دون أن يشرح كيفية هذه الأفعال.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يتقارب التفكير والتقدير والنظر في الاشتغال بالأمر المعروض، لكن سياق المدثر لا يثبت تطابقها.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة فَكَّرَ: في سورة آل عِمران ١٩١، لو استُبدل «وَيَتَفَكَّرُونَ» بـ«ويعلمون»، مع تعديل التركيب إلى «ويعلمون خلق السماوات والأرض»، لانتقل التعبير من إعمال الفهم في الخلق إلى الإخبار بمعرفة متعلقة به. فلا يحفظ البديل جهة الفعل، وإن اتصل التفكر بالمعرفة. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

جذر قدر1 في الآية
وَقَدَّرَ
القوة والشدة | الأعداد والكميات | الخلق والإيجاد والتكوين | الرزق والكسب 132 في المتن

مدلول الجذر: قدر: مقدار الشيء ووسعه ومنزلته، وتعيين ما يكون عليه، والتمكّن من الفعل فيه. ويُفهم تضييق الرزق من مقابلته بالبسط. تتوزّع مواضعه الـ١٣٢ على القدرة والتقدير والمقدار والمنزلة والتضييق، مع اسم القدور واسم ليلة القدر. قدير وقادر لوصف القدرة، وقدّر وتقدير لتعيين المقادير، وبقدر ومقدار للحدّ الكمّيّ أو الزمنيّ.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «قدر» هنا في 1 موضع/مواضع: وَقَدَّرَ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «القوة والشدة الأعداد والكميات الخلق والإيجاد والتكوين الرزق والكسب» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: قدر: مقدار الشيء ووسعه ومنزلته، وتعيين ما يكون عليه، والتمكّن من الفعل فيه. ويُفهم تضييق الرزق من مقابلته بالبسط. تتوزّع مواضعه الـ١٣٢ على القدرة والتقدير والمقدار والمنزلة والتضييق، مع اسم القدور واسم ليلة القدر.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: علم إحاطة بالشيء معرفةً، أمّا قدير فقدرة على إنفاذ الفعل، ولا تعني الصيغة وحدها قياس مقداره.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة وَقَدَّرَ: لو وُضع حسب مكان قدر في سورة القَمَر ٤٩ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ لضاع معنى إحكام الوجود على مقدار، فالآية تصف الخلق بأنّه بقدر، ولا تتحدث عن عملية عدّ. ولا يثبت من ذلك أنّ الحساب لا يقع إلّا بعد الوجود. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

اجتماع هذه الجذور يصنع مدلول الآية من الحركة بين جذورها وصيغها وسياقها. فكل جذر يضيف حدًا، ثم تأتي الصيغ والترتيب والاستبدال لتبيّن أي حد هو أصل المعنى وأي حد يقيّده أو يوسعه.

شبكة الاستبدال لكلّ قَولة

3 قَولات · الاختبارات المتاحة: 3⌄
استبدال ﴿إِنَّهُۥ﴾جذر إن

لو قيل نثرًا: هو فكر وقدر، لبقي الإسناد خبرًا أخف تثبيتًا، ولانفصل عن تقرير العناد السابق. ولو جاءت أداة ترجي مثل لعل لانفتح الخبر على احتمال لا يناسب بناء المحاكمة اللاحقة. القَولة هنا تثبت الخبر على الغائب بعينه، وتجعل ما بعده داخل حكم محكم لا احتمال معلق.

استبدال ﴿فَكَّرَ﴾جذر فكر

لو قيل نثرًا: علم وقدر، لضاع فعل الإدارة الداخلية؛ فالعلم نتيجة أو حال، أما ﴿فَكَّرَ﴾ فهو تشغيل الرأي قبل خروج التقدير. ولو قيل: نظر وقدر، لاختلطت المرحلة الداخلية بالمرحلة اللاحقة التي صرّح بها السياق في ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. القَولة تحفظ طورًا باطنًا سابقًا للظهور.

استبدال ﴿وَقَدَّرَ﴾جذر قدر

لو قيل نثرًا: وفهم، لتوقف الأمر عند إدراك عام ولم تظهر صناعة الحدّ المقصود. ولو قيل: وحسب، لانحصر المعنى في حساب ذهني دون إحكام نتيجة يراد إخراجها. ﴿وَقَدَّرَ﴾ تجعل الفكر منتهيًا إلى ضبط مقصود، ولذلك يعود السياق بعدها إلى سؤال الكيفية في التقدير لا إلى مجرد حصول التفكير.

لطائف وثمرات

⌄
  • ليست الآية ذمًا للفكر مطلقًا

    الذم في هذا السياق يقع على فكر عاد إلى غائب عنيد ثم انتهى إلى تقدير معاند. لذلك لا تُقرأ القَولة ﴿فَكَّرَ﴾ وحدها، بل مع ﴿إِنَّهُۥ﴾ قبلها و﴿وَقَدَّرَ﴾ بعدها.

  • التقدير هو نقطة الإدانة

    السياق اللاحق لا يقول كيف فكر، بل يلح على «كيف قدر». هذا يجعل التقدير ثمرة الفكر ومحل الحكم، ويمنع اختزال الآية في نشاط ذهني مجرد.

  • البنية ترسم انتقالًا من الباطن إلى الظاهر

    تبدأ الآية بتدبير داخلي، ثم يأتي بعدها النظر، ثم العبوس والبسر، ثم الإدبار والاستكبار. بهذا يتضح أن الآية تكشف أول حلقة في سلسلة ظهور العناد.

  • طرفا التركيب

    افتتاح الآية بتوكيد الضمير وختمها بفعل التقدير يصنع قوسًا دلاليًا: المرجع محدد أولًا، ثم صناعته الذهنية محددة آخرًا. فلا يتيه الفعلان بين عموم التفكير وعموم الحساب.

  • تعاقب الداخل والظاهر

    ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ يسبقان ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ و﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾. هذا التسلسل يجعل النظر والهيئة أثرين بعد تدبير داخلي، لا بداية القصة.

  • صلة الجذر بصفحة السورة

    صفحة السورة تضع جذر فكر ضمن حقل الفهم والإدراك والوعي، وتجعله شاهدًا ظاهرًا في هذا السياق. أثر ذلك هنا ليس تعدادًا للحقول، بل توجيه القراءة إلى أن الخصومة بدأت من أداة إدراك استعملت في غير وجهها.

قرائن بناء المدلول

⌄
  • تثبيت المرجع قبل الفعل

    ﴿إِنَّهُۥ﴾ تجعل الخبر عائدًا إلى الغائب الذي حدده السياق القريب، ولا تترك ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ وصفًا مجردًا لفعل ذهني. أثرها أن العناد السابق يدخل في قراءة الفعلين، فيصيران كشفًا لداخل المعاند لا تقريرًا عامًا عن التفكير.

  • الفكر حركة داخلية لا نتيجة جاهزة

    ﴿فَكَّرَ﴾ تضبط المرحلة الأولى بوصفها إدارة رأي داخلي. لو حُمِل المعنى على العلم أو النظر وحدهما لضاع الفرق بين حركة باطنة تصنع نتيجة وبين إدراك أو معاينة. تعاقب ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ بعد ذلك يمنع جعل النظر بديلًا عن الفكر هنا.

  • التقدير ثمرة الفكر

    ﴿وَقَدَّرَ﴾ لا تضيف فعلًا معزولًا، لأن الواو تصلها بما قبلها. القَولة تجعل الفكر مفضيًا إلى حدّ محسوب، ثم يأتي السياق اللاحق ليحاكم كيفية هذا الحد في ﴿فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ﴾.

  • الرسم قرينة لا حكم مستقل

    صلة الضمير في ﴿إِنَّهُۥ﴾ وواو العطف في ﴿وَقَدَّرَ﴾ وتضعيف الكاف والدال كلها تضبط البنية. أما فرق الصلة في ﴿إِنَّهُۥ﴾ عن الصورة القريبة غير الممدودة فملاحظة رسمية غير محسومة لا تُحمّل حكمًا دلاليًا زائدًا بلا قرينة من هذا السياق.

الرسم والهيئة

المحسوم وغير المحسوم⌄
  • رسم ﴿إِنَّهُۥ﴾

    الصورة هنا ﴿إِنَّهُۥ﴾ بهمزة مكسورة ونون مشددة وهاء ضمير مع صلة مرسومة. هذه القَولة رسمُها هيكلٌ واحدٌ في المصحف كلّه — ﴿إِنَّهُۥ﴾ في ١٤١ موضعًا بلا صورةٍ ثانية. فلا تنويعَ رسميًّا يُقارَن هنا، وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.

  • هيئة ﴿فَكَّرَ﴾

    القَولة فعل ماض مفرد بتشديد الكاف. صفحة الجذر تعرض صورًا مضارعة مثل ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ و«تَتَفَكَّرُونَ»، لكن الأثر المحسوم في هذا السياق أن الصيغة الماضية المفردة تجعل الفعل تدبيرًا مكتملًا للغائب المعاند، لا حركة جماعية مفتوحة.

  • واو ﴿وَقَدَّرَ﴾

    الواو جزء حاسم في القَولة المعروضة؛ فهي تصل التقدير بالفكر، بخلاف ﴿قَدَّرَ﴾ المجردة في السياق اللاحق حيث يأتي السؤال عن الكيفية بعد تحقق الفعل. الفرق هنا بنيوي محسوم: الواو تربط مرحلة الصنعة، أما الحكم اللاحق فيواجه نتيجتها.

إحصاءات الآية واستنباطات عابرة للصفحات

⌄
3قَولات الآية
3جذور مميزة
3حقول دلالية
جذور متكررة
10آيات السياق
وصلات موسوعية
29الجزء
575صفحة المصحف

مخططات سريعة

⌄

توزيع جذور الآية

إن 1
فكر 1
قدر 1

حقول الآية

أدوات الشرط والتوكيد والاستفهام | أدوات النفي والاستثناء 1
الفهم والإدراك والوعي 1
القوة والشدة | الأعداد والكميات | الخلق والإيجاد والتكوين | الرزق والكسب 1

أكثر جذور السياق حضورًا

لا توجد نافذة سياق كافية.

الجذور في الآية

بيان مختصَر داخل الصفحة⌄
جذر إن1 في الآية · 2227 في المتن
أدوات الشرط والتوكيد والاستفهام | أدوات النفي والاستثناء

«إن» المكسورة أداة تثبيت موقف الخطاب من المضمون: «إنَّ» المشدّدة تقرّر الخبر وتثبته، و«إنْ» الشرطيّة تعلّق الجواب على وقوع الشرط، و«إنْ» النافية تنفي المضمون مقصورًا بـ«إلّا»، و«إنْ» المخفّفة من الثقيلة تثبت مع لام فارقة. ووظائفها متعدّدة لا متناقضة: كلّها ضبط لعلاقة الخطاب بمضمونه إيجابًا أو سلبًا أو تعليقًا. وأمّا «إنَّما» فرسمٌ متّصل يُعَدّ ضمن جذر «ما»، وحصرُها ثمرةُ تركيبٍ لا وظيفةٌ مستقلّة لهذا الجذر.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

حد الجذر: زاوية الجذر هي ضبط موقف الخطاب من المضمون: تثبيت خبر، أو تعليق جواب على شرط، أو نفي حصريّ. ولهذا يختلف عن «لعل» التي تترك المآل مرجوًّا مفتوحًا، وعن «إذا» التي تربط الجواب بلحظة وقوع محقّقة، وعن «أن» المفتوحة التي تؤطّر مضمون الجملة دون تثبيتٍ أو نفيٍ أو تعليق.

فروق قريبة: الجذر وجه القرب الفرق عن إن الشاهد ------------ لعل ربط بين فعل ومآل لعل تترك المآل مرجوًّا مفتوحًا، وإن تثبت الخبر أو تعلّق الجواب أو تنفيه حصرًا. ﴿لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى﴾ سورة طه ١٠ ءذا الشرط والتوقيت ءذا تربط الجواب بلحظة وقوع محقّقة، وإن تربطه بإمكان الشرط أو تثبت الخبر أو تنفيه. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا﴾ سورة المؤمنُون ٢٧ ءن حمل المضمون ءن المفتوحة تؤطّر مضمون الجملة، وإن المكسورة تثبّت أو تشرط أو تنفي أو تحصر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا﴾ سورة البَقَرَة ٢٦ لو التعليق لو تفتح فرضًا مخالفًا أو ممتنعًا، وإن تبني علاقة شرطيّة ممكنة الوقوع.

اختبار الاستبدال: في سورة البَقَرَة ٦ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ لا تقوم «لعل» مقام «إنَّ»؛ لأنّ الآية تقرّر حالًا محكومًا مثبتًا لا مآلًا مرجوًّا. في سورة البَقَرَة ٢٣ ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ﴾ لا تقوم «إذا» مقام «إنْ»؛ لأنّ المطلوب اختبار شرطٍ مُمكِن لا تحديد لحظة وقوعه. وفي سورة الأنعَام ٧ ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾ تقوم «ما» النافية مقام «إنْ» («ما هذا إلّا سحرٌ مبين»)، فيتّحد المعنى — وهذا اختبار يكشف أنّ «إنْ» هنا نافية لا شرطيّة ولا توكيديّة؛ بخلاف موضع التوكيد والشرط حيث لا تصلح «ما».

فتح صفحة الجذر الكاملة
جذر فكر1 في الآية · 18 في المتن
الفهم والإدراك والوعي

فكر هو إعمال الفهم في أمر معروض لتبيّن دلالته، في الخلق والأمثال والبيان وشأن الرسول. ولا يطابق التقدير أو النظر: جمع سياق المدثر التفكير والتقدير بالعطف، ثم ذكر النظر بعدهما، دون أن يشرح كيفية هذه الأفعال. ويُعرف صلاح هذا الإعمال أو انحرافه من سياقه؛ فلا يدل الجذر وحده على إصابة الحق.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

حد الجذر: التفكر في القرءان فعل إعمال للفهم، لا حصيلة معرفة جامدة. تتسع مادته للخلق والنفس والأمثال والبيان وتسخير ما في السماوات والأرض، ويتصل بالوحي وشأن الرسول. واقتران «فكر» بـ«قدر»، وتكرار التقدير ثم ذكر النظر في المدثر، لا يثبت تطابق الأفعال. وسياق العناد والاستكبار يبيّن أن التفكير قد يقع في مسار مذموم.

فروق قريبة: يتقارب التفكير والتقدير والنظر في الاشتغال بالأمر المعروض، لكن سياق المدثر لا يثبت تطابقها. قال: ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (سورة المُدثر ١٨)، ثم خصّ التقدير بتكرار التقريع (سورة المُدثر ١٩–٢٠)، ثم قال: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ (سورة المُدثر ٢١). يصف التفكير إعمال الفهم، ويبرز التقدير بوصفه فعلًا مقترنًا به تعلّق التقريع بكيفيته، أما النظر ففعل تالٍ في هذا المشهد. ولا يعيّن النص هنا متعلق التقدير أو النظر، فلا يصح اختراع تفصيل لهما. والفرق المحقق هو تمايز موقع الأفعال ووظيفتها في السياق، لا دعوى انقطاع الصلة بينها. ولا يطابق التفكير مجرد العلم؛ فالعلم قد يصف معرفة حاصلة، كما في العلم بظاهر الحياة مع الغفلة عن الآخرة (سورة الرُّوم ٧). وتعقب ذلك دعوة إلى التفكر في الأنفس والخلق بالحق والأجل المسمى (سورة الرُّوم ٨). فالتفكر مطلوب لتجاوز قصور الاعتبار في هذا السياق، دون إثبات أن العلم والتفكر ضدان أو أن كل تفكر يزيل الغفلة.

اختبار الاستبدال: في سورة آل عِمران ١٩١، لو استُبدل «وَيَتَفَكَّرُونَ» بـ«ويعلمون»، مع تعديل التركيب إلى «ويعلمون خلق السماوات والأرض»، لانتقل التعبير من إعمال الفهم في الخلق إلى الإخبار بمعرفة متعلقة به. فلا يحفظ البديل جهة الفعل، وإن اتصل التفكر بالمعرفة. وفي سورة المُدثر ١٨، لو استُبدل «فَكَّرَ» بـ«قدّر»، لصار المعنى المفترض تكرارًا للتقدير، وفات الجمع بين فعلين معطوف أحدهما على الآخر. وتكرار «قدر» في الآيتين التاليتين يخصّ التقدير بالتقريع، ولا يجعل التفكير اسمًا آخر له. ولو استُبدل «فَكَّرَ» بـ«نظر»، لاختفى ذكر إعمال الفهم بصيغته، وصار النظر مذكورًا قبل التقدير ثم بعده في سورة المُدثر ٢١. وهذا تغيير لبناء المشهد، لا برهان على استحالة التقارب الدلالي بين النظر والتفكير.

فتح صفحة الجذر الكاملة
جذر قدر1 في الآية · 132 في المتن
القوة والشدة | الأعداد والكميات | الخلق والإيجاد والتكوين | الرزق والكسب

قدر: مقدار الشيء ووسعه ومنزلته، وتعيين ما يكون عليه، والتمكّن من الفعل فيه. ويُفهم تضييق الرزق من مقابلته بالبسط. تتوزّع مواضعه الـ١٣٢ على القدرة والتقدير والمقدار والمنزلة والتضييق، مع اسم القدور واسم ليلة القدر. قدير وقادر لوصف القدرة، وقدّر وتقدير لتعيين المقادير، وبقدر ومقدار للحدّ الكمّيّ أو الزمنيّ. ولا يستلزم التقدير البشريّ إصابة الحقّ، ولا يثبت من اسم القدور أو ليلة القدر وحده سبب التسمية.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

حد الجذر: يدور الجذر على المقدار والتعيين والتمكّن، ويُعرف من السياق أهو قدرة على الفعل، أم تقدير للمقادير، أم تضييق للرزق، أم معرفة للمنزلة. وتبقى القدور اسم أعيان، وليلة القدر اسم ليلة يبيّن النصّ فضلها دون تصريح بسبب تسميتها.

فروق قريبة: يتّصل قدر بهذه الجذور في سياقات المقدار والعلم والخلق، وتظهر الفروق بينها كما يلي: الجذر وجه الشبه وجه الافتراق الشاهد ------------ علم كلاهما يصف الله بنعتين متلاحقين لذات واحدة: إنّ الله عليم قدير. علم إحاطة بالشيء معرفةً، أمّا قدير فقدرة على إنفاذ الفعل، ولا تعني الصيغة وحدها قياس مقداره. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ﴾ سورة النَّحل ٧٠ نزل كلاهما يتّصل بإخراج الشيء من خزائنه إلى موضعه. نزل فعل الإخراج والهبوط، أمّا قدر فهو القيد الذي يحدّد ما يُنزّل. ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ﴾ سورة الحِجر ٢١ يوم كلاهما يتصل بتعيين الزمن. يوم اسم المدّة الواقعة، أمّا قدر فهو مقدار تلك المدّة الممتدّة.

اختبار الاستبدال: لو وُضع حسب مكان قدر في سورة القَمَر ٤٩ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ لضاع معنى إحكام الوجود على مقدار، فالآية تصف الخلق بأنّه بقدر، ولا تتحدث عن عملية عدّ. ولا يثبت من ذلك أنّ الحساب لا يقع إلّا بعد الوجود؛ ففي سورة يُونس ٥ تتصل معرفة الحساب بتقدير المنازل. ولو وُضع بسط مكان «يقدر» في سورة الرَّعد ٢٦ ﴿ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ﴾ لانقلب المعنى من التضييق المحكم إلى السعة، فينهدم التقابل البنيويّ القائم في الآية بين البسط والقدر.

فتح صفحة الجذر الكاملة

القَولات (تفكيك ميكانيكيّ)

⌄
الترتيبالقَولة ↗الصيغةالجذر
1إِنَّهُۥإنهإن
2فَكَّرَفكرفكر
3وَقَدَّرَوقدرقدر

السياق القريب (٥ قبل · ٥ بعد)

⌄

السياق القريب يضبط الآية من جهتين. قبلها تتسلسل النعمة والطمع والعناد والوعيد: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا﴾، ثم ﴿ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ﴾، ثم ﴿كـَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا﴾، ثم ﴿سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا﴾. فهذا يجعل الفكر والتقدير داخل موقف مقاومة لا داخل طلب هداية. وبعدها يأتي الحكم على الكيفية ثم انكشاف الهيئة: ﴿فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ﴾، ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ﴾، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾، ﴿ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ﴾. بهذا تصبح الآية مفصلًا بين الداخل المدبّر والخارج الظاهر: فكر، ثم تقدير، ثم نظر، ثم هيئة وجه، ثم إدبار واستكبار.

السياق الأوسع — موضع الآية في حجّة السورة

⌄
موضع الآية في حجّة السورة

يفتح تفصيل الجحود من داخل صاحبه بتصوير تفكيره وتقديره، فلا يبدو القول اللاحق رد فعل عابرًا بل صناعة موقف.

حجّة السورة كاملةًالمُدثر⌄
الخيط الناظم للسورة

تبني سورة المدثر حجة واحدة محكمة: أن الإنذار لا يثبت أثره بمجرد وصوله، بل يكشف ما يصنعه المتلقي بالنداء والآية والتذكرة. تبدأ باستدعاء من حال التدثر إلى قيام منضبط بتكبير الرب وتطهير الظاهر وهجر الرجز والصبر له، ثم تجعل الناقور واليوم العسير كاشفين لتبعة هذا النداء. ويعرض السياق نموذج من أُعطي مالا وبنين وتمهيدا، فلم يجعل العطاء موضع شكر أو استعداد، بل قدّر ثم نظر وعبس وأدبر، حتى حصر الخطاب في قول البشر. فالسورة تثبت أن أصل الانقسام ليس خفاء الحجة، بل جهة التلقي منها وما يتبعه من حساب.

ويحكم البناء هذا الأصل عبر نقل الاعتراض نفسه إلى موضع اختبار: يرد الوعيد باسم سقر، ثم لا يترك عددها خبرًا للجدل بل يبيّن أن العدة فتنة تفرز اليقين والارتياب، وينتهي ذلك إلى أنها ذكرى للبشر. وبعد قسم يكشف الانتقال من إدبار الليل إلى إسفار الصبح، تصير العاقبة إنذارًا يفتح التقدم أو التأخر، وتعرض الآيات جواب أهل سقر عن عملهم حتى أتاهم اليقين. ثم يحسم الختام أن الإعراض عن التذكرة وطلب صحف خاصة لا يفسره نقص البيان، إذ يقول: ﴿كـَلَّآ إِنَّهُۥ تَذۡكِرَةٞ﴾؛ فالذكر اختيار مسؤول، لكنه لا يقع إلا في مشيئة الله، الذي يجمع استحقاق التقوى وفتح المغفرة.

محاور السورة
  • النداء وتهيئة الإنذار﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ﴾١سورة المُدثر﴿ قُمۡ فَأَنذِرۡ ﴾٢سورة المُدثر﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ﴾٣سورة المُدثر﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ﴾٤سورة المُدثر﴿ وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ ﴾٥سورة المُدثر﴿ وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ ﴾٦سورة المُدثر﴿ وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ ﴾٧سورة المُدثر
    يفتتح هذا المحور الحجة بتحويل المخاطب من هيئة التدثر إلى مسؤولية الإنذار، لكنه لا يطلق الإنذار منفصلًا؛ فتعظيم الرب وتطهير ما يلابسه وهجر الرجز وترك الاستكثار والصبر للرب تصنع كلها جهة الفعل وحدوده. وبذلك يسلّم المحور التالي إنذارًا مهيأً لمواجهة يوم ذي تبعة، لا نداءً مجردًا بلا ميزان للعمل.
  • اليوم ومثال الجحود﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ ﴾٨سورة المُدثر﴿ فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ ﴾٩سورة المُدثر﴿ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ ﴾١٠سورة المُدثر﴿ ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا ﴾١١سورة المُدثر﴿ وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالٗا مَّمۡدُودٗا ﴾١٢سورة المُدثر﴿ وَبَنِينَ شُهُودٗا ﴾١٣سورة المُدثر﴿ وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا ﴾١٤سورة المُدثر﴿ ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ ﴾١٥سورة المُدثر﴿ كـَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا ﴾١٦سورة المُدثر﴿ سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا ﴾١٧سورة المُدثر﴿ إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴾١٨سورة المُدثر
    ينقل المحور التهيئة السابقة إلى أفق اليوم العسير، ثم يخص العسر بالكافرين ويعرض فردًا بدأ وحيدًا ثم أُعطي مالًا وبنين وتمهيدًا. لا تأتي العطايا خاتمة للمشهد، بل تمهّد لظهور طمعه وعناده؛ فيصير المثال برهانًا على أن الاستغناء لا يرد الإنذار بل يكشف الحاجة إليه، ويقود مباشرة إلى تفصيل صناعة الرفض.
  • صناعة الرفض ووظيفة سقر﴿ فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ﴾١٩سورة المُدثر﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ﴾٢٠سورة المُدثر﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾٢١سورة المُدثر﴿ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴾٢٢سورة المُدثر﴿ ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ ﴾٢٣سورة المُدثر﴿ فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ ﴾٢٤سورة المُدثر﴿ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ ﴾٢٥سورة المُدثر﴿ سَأُصۡلِيهِ سَقَرَ ﴾٢٦سورة المُدثر﴿ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سَقَرُ ﴾٢٧سورة المُدثر﴿ لَا تُبۡقِي وَلَا تَذَرُ ﴾٢٨سورة المُدثر﴿ لَوَّاحَةٞ لِّلۡبَشَرِ ﴾٢٩سورة المُدثر﴿ عَلَيۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ ﴾٣٠سورة المُدثر﴿ وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ وَمَا… ﴾٣١سورة المُدثر
    يفكك هذا المحور الرفض من تقدير متعمد إلى نظر وعبوس وإدبار، ثم إلى قول يحصر الخطاب في سحر مؤثر وقول البشر. ويقابله الحكم بسقر وبيان أثرها وعدتها، لتتحول العدة من مادة اعتراض إلى فتنة تكشف اختلاف القلوب وترد العلم والهدى إلى الله. ومن هذه العقدة ينتقل السياق من جدل العدد إلى شواهد الإنذار الظاهرة.
  • القسم والاختيار والتبعة﴿ كـَلَّا وَٱلۡقَمَرِ ﴾٣٢سورة المُدثر﴿ وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ ﴾٣٣سورة المُدثر﴿ وَٱلصُّبۡحِ إِذَآ أَسۡفَرَ ﴾٣٤سورة المُدثر﴿ إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ﴾٣٥سورة المُدثر﴿ نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ ﴾٣٦سورة المُدثر﴿ لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ ﴾٣٧سورة المُدثر﴿ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ ﴾٣٨سورة المُدثر﴿ إِلَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡيَمِينِ ﴾٣٩سورة المُدثر﴿ فِي جَنَّٰتٖ يَتَسَآءَلُونَ ﴾٤٠سورة المُدثر
    بعد أن يكشف المحور السابق وجه التلقي المضطرب، يقطع الردع ذلك الجدل بقسم منظوم بالقمر والليل والصبح، فيثبت أن الأمر من الكبر وأنه نذير للبشر. لا يغلق الإنذار على خبر مرعب، بل يفتح جهة التقدم أو التأخر، ثم يربط كل نفس بما كسبت مع استثناء أصحاب اليمين. وهكذا يهيئ المحور مشهد السؤال الآتي بوصفه ثمرة الاختيار لا حكمًا مفصولًا عنه.
  • جواب أصحاب سقر﴿ عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ﴾٤١سورة المُدثر﴿ مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ ﴾٤٢سورة المُدثر﴿ قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ ﴾٤٣سورة المُدثر﴿ وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ ﴾٤٤سورة المُدثر﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ ﴾٤٥سورة المُدثر﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ﴾٤٦سورة المُدثر﴿ حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلۡيَقِينُ ﴾٤٧سورة المُدثر﴿ فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ﴾٤٨سورة المُدثر
    يفصل هذا المحور ما أجمله الارتهان والاختيار: أصحاب اليمين يسألون المجرمين عن سقر، فيجيبون بسلسلة ترك الصلاة والإطعام والخوض والتكذيب حتى جاء اليقين. لذلك يجيء نفي نفع الشفاعة نتيجةً لبناء من الأعمال والمواقف لا خبرًا معزولًا. ومن انسداد النفع بعد اليقين ينتقل السياق إلى السؤال الأشد: لماذا يعرضون عن التذكرة قبل ذلك؟
  • التذكرة ومشيئة الذكر﴿ فَمَا لَهُمۡ عَنِ ٱلتَّذۡكِرَةِ مُعۡرِضِينَ ﴾٤٩سورة المُدثر﴿ كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ ﴾٥٠سورة المُدثر﴿ فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَةِۭ ﴾٥١سورة المُدثر﴿ بَلۡ يُرِيدُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُؤۡتَىٰ… ﴾٥٢سورة المُدثر﴿ كـَلَّاۖ بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ﴾٥٣سورة المُدثر﴿ كـَلَّآ إِنَّهُۥ تَذۡكِرَةٞ ﴾٥٤سورة المُدثر﴿ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ﴾٥٥سورة المُدثر﴿ وَمَا يَذۡكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ هُوَ… ﴾٥٦سورة المُدثر
    يختم المحور الحجة بكشف هيئة الإعراض: فرار مصور، ثم طلب أن يؤتى كل امرئ صحفًا منشّرة، ثم بيان أن العلة غياب خوف الآخرة لا نقص التذكرة. يردع النص هذا المطلب ويثبت التذكرة، ويفتح لمن شاء أن يذكرها، قبل أن يرد الذكر إلى مشيئة الله. وبذلك يعود الختام إلى أصل السورة: الإنذار قائم، وتبعة تلقيه تقع بين اختيار الإنسان وربوبية الله وتقواه ومغفرته.
حركة الحجّة آية بعد آية

تتحرك الحجة من نداء يخرج المخاطب من حاله إلى وظيفة ظاهرة: ﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ﴾، ثم تضبط هذه الوظيفة بتكبير الرب والتطهير والهجر والصبر. ولا يبقى الإنذار في طور التكليف، إذ يفتحه الناقور على يوم عسير ويعرض من أُعطي ثم طمع وعاند. تتدرج صناعته من التقدير والنظر إلى العبوس والإدبار، حتى ينتهي إلى رد الخطاب، فيأتي الوعيد بسقر ثم يشرح أن عدتها تمتحن التلقي ولا تختزل في رقم. بعد ذلك ينتقل القسم بالقمر والليل والصبح من اضطراب الاعتراض إلى انكشاف الإنذار، ويجعل الناس أمام تقدم أو تأخر وكسب مرهون. ثم يبيّن جواب أهل سقر أن المسار انتهى إلى اليقين بعد ترك الصلاة والإطعام والخوض والتكذيب، فلا تنفعهم الشفاعة. وأخيرًا يكشف أن الفرار وطلب صحف منشّرة ليسا عذرًا، ويحسمه بقوله: ﴿وَمَا يَذۡكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾.

بنية متصاعدة عبر الآيات

يتصاعد مشهد الرفض في تكرار الحكم على التقدير ثم في تعاقب أطواره: تقدير، فنظر، فعبوس وبسور، فإدبار واستكبار، ثم قول معلن. ليست الحلقات تكرارًا للمعنى، لأن كل واحدة تنقل الرفض من صناعة داخلية إلى هيئة ظاهرة ثم إلى مفارقة واستعلاء، حتى يبلغ اتهام الخطاب بأنه سحر مؤثر وقول البشر. وبذلك يبرر التصاعد الانتقال الحاسم إلى الوعيد بسقر.