مدلول الآية · قراءة داخليّة من الجذور والسياقالوَاقِعة٦
فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا ٦
روابط الآية
خلاصة المدلول
الآية نتيجةٌ بالفاء لما سبق: الأرض رُجَّت والجبال بُسَّت، فكانت في نهاية هذا التحوّل هباءً منبثًا. الهباء هو حالة التلاشي الكاملة لما كان مظنّة الثبات والجرم، والانبثاث هو التوزّع الواسع في كل جهة لا في جهة واحدة. الفاء في «فكانت» تبني صيرورةً لا مجرد وصف حال: الجبال لم تتحرك فحسب بل انقلبت طبيعتها. الآية تجمع في ثلاث قَولات فكرة أن أشدّ المألوفات صلابةً ستغدو أخفّها أثرًا وأوسعها انتشارًا في يوم الواقعة، مما يمهّد التقسيم اللاحق للناس إلى أزواج ثلاثة في حين لم يبقَ ما كان سدًّا بينهم.
كيف وصلنا إلى المدلول
⌄
يبدأ قارئ هذه الآية بعد قراءة ما قبلها من شعور بأن حركة الآيات تبني صرحًا من المشاهد: وقوع الواقعة (الآية 1)، خفضها ورفعها (الآية 3)، رجّ الأرض (الآية 4)، بسّ الجبال (الآية 5)، ثم تأتي الآية 6 لتضع ختمًا على مشهد الجبال: ﴿فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا﴾.
- الفاء لا تعطف مشهدًا جديدًا؛ تبني نتيجةً.
- البسّ في الآية الخامسة كان الفعل، والهباء المنبث في السادسة هو الحال المستقرة بعده، وقد بسّت الجبال أي فُتِّتت تفتيتًا دقيقًا، فصار المصير هباءً يعني أن الشيء صار في حالة تلاشٍ لا تُبقي له بقاءً نافعًا.
الهباء في القرءان موضعان فقط: سورة الفُرقَان ٢٣ ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا﴾ وسورة الوَاقِعة ٦ هنا.
- كلا الموضعين يصوّران تحوّلًا من كيان ذي قدر وأثر إلى تلاشٍ كامل.
- في الفرقان الهباء منثور وهو صورة العمل الباطل الذي فقد ثقله، وهنا الهباء منبث وهو صورة الجبال التي فقدت جرمها.
- المقارنة تكشف دلالة: النثر يصوّر الانتشار الحرّ المتشتت، والانبثاث يصوّر التوزّع من أصل في اتجاهات متعددة، وهو أكثر دلالةً على الشمول والمجال الواسع — وهذا يناسب الجبال التي هي جرم ضخم سيمتدّ أثر تفتّتها في كل الفضاء.
بثث في هذا الموضع ليس الحزن ولا إذاعة الخبر؛ مدلوله الداخلي المثبت هو نشر موزّع من أصل إلى مجال واسع.
- في الجذر نفسه: الشورى 29 «وَبَثَّ فِيهِمَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ» — بث المخلوقات في الأرض والسماوات أي توزيعها في المجال الواسع.
- وسورة البَقَرَة ١٦٤ «وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ» — توزيع الدواب في الأرض بعد إحيائها.
- في سورة الوَاقِعة ٦ الجبال بعد البسّ صارت كالأصل الذي ينتثر في كل جهة — والمنبث هنا وصف هذه الحالة المتحقّقة: توزّع كامل في المجال بلا تمركز.
- لو قيل «منتشرًا» بدل «مُّنۢبَثّٗا» لضاع البُعد الدلالي المتعلق بالتوزّع من أصل في اتجاهات، ولصار الوصف مجرد حالة انتشار عامة.
الكون في «فكانت» ليس كان الزمنية الناقصة فحسب؛ إنه تحقّق الصيرورة وثبوتها.
- فكانت تعني أن الحالة الجديدة أصبحت ثابتةً مستقرة لا عابرة.
- الفاء التي تسبقها تجعلها نتيجةً محتّمةً لما قبلها: الرجّ والبسّ أفضيا إلى صيرورة ثابتة هي الهباء المنبث.
- ولو حُذفت الفاء وقيل «وكانت هباءً» لصار الخبر وصفًا متوازيًا لا نتيجةً حتميةً.
السياق الذي يعقب هذه الآية يبني على تمهيدها: «وكنتم أزواجًا ثلاثة» — الناس يتفرقون إلى أزواج في حين صار ما كان جبالًا وسدًّا وحاجزًا هباءً.
- ما كان صلبًا جامدًا يفصل ويحجز قد زال، والناس صاروا وحدهم في مواجهة الواقعة بأعمالهم.
أثر كلّ جذر في بناء المدلول
⌄
هذه الخريطة تفصل أثر كل جذر في الآية ثم تجمعها: الجذور هنا هي كون، هبء، بثث. المقصود ليس إعادة تعريف الجذور، بل بيان كيف تدخل كل مادة في بناء مدلول الآية.
جذر كون1 في الآية
مدلول الجذر: «كون» يدلّ على تحقّق الشيء في وجود أو حال أو موضع، أو دخوله في تلك الكينونة بأمر أو تصيير؛ فهو أصل الإخبار عن الحال — وصفًا ثابتًا أو حالًا ماضيًا أو تحقّقًا منتظَرًا — لا مطابقٌ للخلق وحده.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «كون» هنا في 1 موضع/مواضع: فَكَانَتۡ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الخلق والإيجاد والتكوين الذهاب والمضي والانطلاق» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «كون» يدلّ على تحقّق الشيء في وجود أو حال أو موضع، أو دخوله في تلك الكينونة بأمر أو تصيير؛ فهو أصل الإخبار عن الحال — وصفًا ثابتًا أو حالًا ماضيًا أو تحقّقًا منتظَرًا — لا مطابقٌ للخلق وحده.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يفترق كون عن أقرب جيرانه في حقل الحال والتقدير بما يلي: الجذر وجه الشبه وجه الافتراق الشاهد ------------ وصف كلاهما يحضر في تنزيه الله عن الشركاء المفترَضين.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة فَكَانَتۡ: في ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ لا يصلح «خلق» ولا «وجد» لأنّ النصّ يقرّر وصفًا ثابتًا للذات لا حدثَ إيجاد. وفي ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ لا يُغني «خلق» عن «يكون» لأنّ «يكون» هو تمام تحقّق الأمر بعد القول الإلهيّ، والاكتفاء بالخلق يُسقط دلالة الاستجابة الفوريّة. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر هبء1 في الآية
مدلول الجذر: هباء هو حالة تفتت وتلاشي تجعل الشيء المنتظر الأثر أو الثبات منثورا أو منبثا بلا بقاء نافع.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «هبء» هنا في 1 موضع/مواضع: هَبَآءٗ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الموت والهلاك والفناء» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: هباء هو حالة تفتت وتلاشي تجعل الشيء المنتظر الأثر أو الثبات منثورا أو منبثا بلا بقاء نافع.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يختلف هباء عن بسط الجبال أو بسها؛ البس فعل سابق في السياق، أما الهباء فهو الحالة الناتجة. ويختلف عن نثر؛ النثر وصف الانتشار، والهباء هو الشيء المتلاشي نفسه.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة هَبَآءٗ: لو قيل فجعلناه ترابا منثورا لضاع معنى ضياع العمل لا مجرد تحوله إلى مادة. ولو قيل فكانت غبارا منبثا لضاع التناسب بين موضعي العمل والجبال في لفظ واحد. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر بثث1 في الآية
مدلول الجذر: بثث = نشرٌ موزع من أصل أو كمون إلى مجال واسع. ليس معنى الجذر «إذاعة الخبر» في القرءان؛ هذا لم يرد في مواضعه. المعنى الداخلي المثبت هو بث المخلوقات وانتشارها، وبث الحزن في الشكوى إلى الله، وحالة الأشياء المبثوثة/المنبثة. لذلك عُدّل الحقل من فراغ إلى: الانتشار والتفرق الحزن والفرح والوجدان.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «بثث» هنا في 1 موضع/مواضع: مُّنۢبَثّٗا. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الانتشار والتفرق الحزن والفرح والوجدان» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: بثث = نشرٌ موزع من أصل أو كمون إلى مجال واسع. ليس معنى الجذر «إذاعة الخبر» في القرءان هذا لم يرد في مواضعه. المعنى الداخلي المثبت هو بث المخلوقات وانتشارها، وبث الحزن في الشكوى إلى الله، وحالة الأشياء المبثوثة/المنبثة.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: خلق للإيجاد، وبثث لتوزيع الدواب في المجال.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة مُّنۢبَثّٗا: لو قيل في سورة البَقَرَة ١٦٤ «وخلق فيها من كل دابة» بدل «وبث فيها» لضاع معنى التوزيع في الأرض بعد الإحياء. ولو قيل في الشورى 29 «وما خلق فيهما» لضاع التقابل اللاحق مع جمعهم. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
اجتماع هذه الجذور يصنع مدلول الآية من الحركة بين جذورها وصيغها وسياقها. فكل جذر يضيف حدًا، ثم تأتي الصيغ والترتيب والاستبدال لتبيّن أي حد هو أصل المعنى وأي حد يقيّده أو يوسعه.
شبكة الاستبدال لكلّ قَولة
3 قَولات · مُختبَرة كاملةً⌄
التراب مادة ذات وزن وأثر وقابلية الانتفاع به. الهباء حالة تلاشٍ يُلغي الأثر لا مجرد تحوّل في المادة. لو قيل «فكانت ترابًا منبثًا» لظلت الجبال ذات مادة قابلة للتجمّع والانتفاع، وضاع بُعد إلغاء الأثر الذي يوازي سورة الفُرقَان ٢٣ في إلغاء أثر العمل الباطل.
منتشر يصوّر حالةً عامة لا تُعيّن بُعد التوزّع من أصل. منبث يحمل دلالة الانبثاث من مركز في اتجاهات متعددة تملأ المجال، وهو الأنسب لجبال كانت جرمًا ضخمًا في مواضع محددة ثم فرّقها الانبثاث في الفضاء كله. بديل «منتشرًا» يُضعف صورة الشمول الكوني.
الواو تجعل الجملة خبرًا مصاحبًا: الجبال كانت هباءً في الوقت نفسه. الفاء تجعلها نتيجةً حتميةً: البسّ أفضى إلى الهباء. البُعد السببي والتحوّلي يضيع مع الواو، وتصبح الآية وصفًا زمنيًا لا تعقيبًا على بنية السببية.
لطائف وثمرات
⌄
- الجبال ليست استثناءً من التحوّل
الآية تُقرّر بلا مقدمات أن أكثر الأشياء ظهورًا للعين في الأرض — الجبال — لن يكون لها في يوم الواقعة وجود ذو أثر. الهباء المنبث هو الحكم الجازم على ما توهّمنا دوامه.
- ترتيب الآيات بناء سببي لا مجرد تعداد
من الآية 4 إلى 6: رُجَّت ثم بُسَّت ثم كانت هباءً — كل آية نتيجة لما قبلها بالفاء والتعقيب. قارئ يقرأ هذه الآيات يُفترض أن يشعر بتصاعد الحكم لا تتابع المشاهد.
- الهباء المنبث تمهيد للأزواج الثلاثة
حين تزول الجبال لا يبقى حاجز مادي بين الناس — كل واحد أمام حكمه وحده. الآية 7 «وكنتم أزواجًا ثلاثة» تأتي بعد إزالة كل ما كان يُوهم الفصل المادي.
- موضعا «هباء» في القرءان — العمل الباطل والجبال
جذر هبء ورد مرّتين فقط: سورة الفُرقَان ٢٣ في وصف أعمال الكافرين «فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا» وسورة الوَاقِعة ٦ في وصف الجبال ﴿فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا﴾. هذا التوازي يكشف أن الهباء في القرءان حالة إلغاء الأثر تشمل ما يُتوقّع بقاؤه: أعمال الكافرين المظنون نجاحها، والجبال المظنون ثباتها.
- الفاء في الآية والسياق — سلسلة نتائج
الآيات 4-6 تُشكّل سلسلة: رُجَّت الأرض (4) ← بُسَّت الجبال (5) ← فكانت هباءً (6). الفاء في الآية 6 هي حلقة النتيجة الأخيرة. ولا توجد فاء بين الآيات 4 و5 بل «الواو» — أي أن 4 و5 متوازيان، ثم 6 نتيجة محتّمة للمجموع.
- جذر بثث في القرءان — التوزّع الكوني دائمًا
مواضع بثث في القرءان تنتمي كلها إلى مجال التوزّع الكوني: بثّ في الأرض من كل دابة (البقرة، الشورى)، وبثّ المخلوقات في السماوات والأرض. ورود المنبث هنا في سياق الجبال يتسق مع هذا النمط: الانبثاث دائمًا في مجال فسيح لا ضيّق.
روابط موسوعيّة من الآية
⌄
لا توجد وحدات موسوعية أخرى مرتبطة بهذه الآية في البيانات الحالية.
قرائن بناء المدلول
⌄
- الفاء تُفيد النتيجة لا مجرد التعقيب
فكانت لا تخبر عن حال الجبال في وقت سابق؛ تُخبر أن حال البسّ أفضت إلى صيرورة ثابتة. هذا تركيب سببي: الفاء رابطة النتيجة، وكانت تُثبّت الحالة الجديدة كحقيقة مستقرة لا انتقالية. لو قيل «وكانت» بالواو لصار الوصف خبرًا مصاحبًا لا نتيجةً حتميةً.
- الهباء: التلاشي لا التحوّل
الجذر هبء في موضعيه يصوّر أن الشيء فقد أثره ووزنه وبقاءه النافع، وليس فقط أنه تغيّرت هيئته. في سورة الفُرقَان ٢٣ هو العمل الباطل الذي ذهب أثره، وهنا هو الجبال التي ذهب جرمها. الهباء ليس وصفًا للهيئة الجديدة فحسب بل حكم على إلغاء الأثر.
- الانبثاث: شمول التوزّع وامتداده
جذر بثث في القرءان يصوّر دائمًا توزيعًا من أصل في مجال واسع متعدد الاتجاهات. المنبث وصف للحالة الناتجة عن هذا التوزّع. لو قيل «منثورًا» كما في الفرقان لصوّر الانتشار الحرّ المتشتت، لكن «مُّنۢبَثّٗا» يصوّر توزيعًا من أصل في المجال الفسيح — وهو أنسب للجبال ذات الجرم الضخم.
- التمهيد لتقسيم الأزواج الثلاثة
بعد أن صارت الجبال هباءً منبثًا جاء «وكنتم أزواجًا ثلاثة». الجبال كانت في المخيّلة حواجز وسدودًا وعلامات فصل في الأرض — حين تصبح هباءً لا يبقى حاجز مادي، ويبقى الناس وحدهم أمام تصنيفهم بأعمالهم.
الرسم والهيئة
المحسوم وغير المحسوم⌄
- رسم «هَبَآءٗ» — الألف المقصورة الممدودة
رُسمت بالمدّ «هَبَآء» بألف ممدودة وهمزة في الرسم العثماني. هذا الرسم ثابت في موضعيه: سورة الفُرقَان ٢٣ وسورة الوَاقِعة ٦. لا يوجد في القرءان رسم بديل لهذا الجذر يستحق المقارنة، وهو موضع محسوم: الجذر هبء والرسم بالمد والهمزة ثابتان. ملاحظة: الهمزة في آخر هبء تتحوّل تنوينًا في حالة النصب «هَبَآءٗ» وهذا طبيعي.
- رسم «مُّنۢبَثّٗا» — النون الساكنة والغنّة
في خط حفص تُرسم النون الساكنة في «مُّنۢبَثّٗا» بعلامة السكون أو بلا حركة وتتحوّل غنّةً مع الباء في التجويد — وهي ملاحظة صوتية لا دلالية. الرسم بالنون والباء والثاء المشدّدة ثابت. ملاحظة رسمية: «مُّنۢبَثّٗا» بصورتها هنا تحمل الشدّة على الثاء الدالة على إدغام مطاوع.
إحصاءات الآية واستنباطات عابرة للصفحات
⌄
مخططات سريعة
⌄
توزيع جذور الآية
حقول الآية
أكثر جذور السياق حضورًا
لا توجد نافذة سياق كافية.
الجذور في الآية
بيان مختصَر داخل الصفحة⌄
«كون» يدلّ على تحقّق الشيء في وجود أو حال أو موضع، أو دخوله في تلك الكينونة بأمر أو تصيير؛ فهو أصل الإخبار عن الحال — وصفًا ثابتًا أو حالًا ماضيًا أو تحقّقًا منتظَرًا — لا مطابقٌ للخلق وحده.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: «كون» هو تحقّق الحال أو الوجود أو الموضع: خبرٌ عن كينونة قائمة، أو أمرٌ بإحداثها، أو اسمٌ لمحلّها ومكانتها.
فروق قريبة: يفترق كون عن أقرب جيرانه في حقل الحال والتقدير بما يلي: الجذر وجه الشبه وجه الافتراق الشاهد ------------ وصف كلاهما يحضر في تنزيه الله عن الشركاء المفترَضين. «كون» فرضٌ لحالٍ لو وقعت لفسد نظام السماوات والأرض، أمّا «وصف» فهو الدعوى الباطلة التي يُنزَّه الله عنها. ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ سورة الأنبيَاء ٢٢ لبث كلاهما يقع في جملةٍ شرطيّةٍ واحدة يتعلّق جوابها بشرطها. «كون» هنا علمٌ بالغيب لو تحقّق لمنع وقوع اللبث، أمّا «لبث» فمقدار المكث في العذاب الذي استمرّ لغياب هذا العلم. ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ﴾ سورة سَبإ ١٤ قرر كلاهما يلامس حال الشيء في حيّزه.
اختبار الاستبدال: في ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ لا يصلح «خلق» ولا «وجد»؛ لأنّ النصّ يقرّر وصفًا ثابتًا للذات لا حدثَ إيجاد. وفي ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ لا يُغني «خلق» عن «يكون»؛ لأنّ «يكون» هو تمام تحقّق الأمر بعد القول الإلهيّ، والاكتفاء بالخلق يُسقط دلالة الاستجابة الفوريّة. وفي ﴿ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ﴾ لا يصلح «موضعكم» مكان «مكانتكم»؛ لأنّ المكانة هنا حالٌ وجهةُ قيامٍ وقرار لا مجرّد حيّزٍ مكانيّ. فالاستبدال يكشف أنّ الجذر يُثبت الحال أو يُتمّ التحقّق أو يُسمّي الرتبة، وكلٌّ منها يضيع بإحلال شبيه.
فتح صفحة الجذر الكاملةهباء هو حالة تفتت وتلاشي تجعل الشيء المنتظر الأثر أو الثبات منثورا أو منبثا بلا بقاء نافع.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: ورد هبء مرتين، في العمل والجبال، ومعناه الجامع زوال التماسك والأثر حتى يصير الشيء هباء.
فروق قريبة: يختلف هباء عن بسط الجبال أو بسها؛ البس فعل سابق في السياق، أما الهباء فهو الحالة الناتجة. ويختلف عن نثر؛ النثر وصف الانتشار، والهباء هو الشيء المتلاشي نفسه.
اختبار الاستبدال: لو قيل فجعلناه ترابا منثورا لضاع معنى ضياع العمل لا مجرد تحوله إلى مادة. ولو قيل فكانت غبارا منبثا لضاع التناسب بين موضعي العمل والجبال في لفظ واحد.
فتح صفحة الجذر الكاملةبثث = نشرٌ موزع من أصل أو كمون إلى مجال واسع. ليس معنى الجذر «إذاعة الخبر» في القرءان؛ هذا لم يرد في مواضعه. المعنى الداخلي المثبت هو بث المخلوقات وانتشارها، وبث الحزن في الشكوى إلى الله، وحالة الأشياء المبثوثة/المنبثة. لذلك عُدّل الحقل من فراغ إلى: الانتشار والتفرق الحزن والفرح والوجدان.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: ورد «بثث» 9 مرات في 9 آيات. صُحح التحليل بحذف الاستناد إلى الاستعمال الخارجي «بث الخبر»، وبإثبات 7 صيغ معيارية في الحقل المعياري و7 صور رسمية مضبوطة في حقل الصورة الرسمية. كما صُحح الحقل الفارغ إلى «الانتشار والتفرق الحزن والفرح والوجدان».
فروق قريبة: يفترق بثث عن أقرب جيرانه في حقل الانتشار والتوزيع بما يلي: الجذر وجه الشبه وجه الافتراق الشاهد ------------ خلق كلاهما في سياق إظهار المخلوقات في السماوات والأرض. خلق للإيجاد، وبثث لتوزيع الدواب في المجال. ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ﴾ الشورى 29 نوس كلاهما يتعلق بحال الناس عند الانتشار أو البث. بثث فعل النشر والتوزيع، ونوس اسم الجمع الموصوف بحال الانتشار في القارعة. ﴿يَوۡمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلۡفَرَاشِ ٱلۡمَبۡثُوثِ﴾ سورة القَارعَة ٤ حزن كلاهما من الباطن الوجداني المشكور إلى الله. بثّي ما يُخرَج في الشكوى، وحزني الوجدان المصاحب له.
اختبار الاستبدال: لو قيل في سورة البَقَرَة ١٦٤ «وخلق فيها من كل دابة» بدل «وبث فيها» لضاع معنى التوزيع في الأرض بعد الإحياء. ولو قيل في الشورى 29 «وما خلق فيهما» لضاع التقابل اللاحق مع جمعهم. ولو استُبدل «بثي» في سورة يُوسُف ٨٦ بـ«حزني» وحدها لضاع التفريق بين ما يُشكى ويُبث وبين الحزن الملازم له.
فتح صفحة الجذر الكاملةالقَولات (تفكيك ميكانيكيّ)
⌄
السياق القريب (٥ قبل · ٥ بعد)
⌄
الآيات من 1 إلى 6 تبني مشهدًا تصاعديًا: الواقعة وقعت (1)، لا تكذيب لوقعتها (2)، خافضة رافعة (3)، رجّ الأرض (4)، بسّ الجبال (5)، ثم الخلاصة: فكانت هباءً منبثًا (6). الفاء تربط الآية بما قبلها ربطًا سببيًا، فالتفتيت الذي وصفه ﴿بُسَّت﴾ أفضى حتمًا إلى حالة الهباء المنبث. ثم تتحوّل الآية 7 إلى التقسيم الإنساني — كأن إزالة الجبال كانت الشرط الكوني لإقامة ذلك التقسيم.
-
إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ
-
لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ
-
خَافِضَةٞ رَّافِعَةٌ
-
إِذَا رُجَّتِ ٱلۡأَرۡضُ رَجّٗا
-
وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسّٗا
-
فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا
-
وَكُنتُمۡ أَزۡوَٰجٗا ثَلَٰثَةٗ
-
فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ
-
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ
-
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ
-
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ
السياق الأوسع — موضع الآية في حجّة السورة
⌄
يختم زوال الثوابت بصيرورة الجبال هباءً، فتغدو القسمة الإنسانية التالية واقعة بلا حواجز مألوفة.
حجّة السورة كاملةًالوَاقِعة⌄
تبني السورة حجّة محكمة: ما أُعلن في الافتتاح واقعٌ لا تتسع له كاذبة، ولذلك لا يبقى الإنسان خارج تبعته ولا يبقى الكون على ترتيبه. فالهدم الكوني ليس مشهدًا منفصلًا عن الفرز، بل إزالةٌ لما يُتوهم ثباته وكشفٌ لمصير الناس. وتثبت السورة أن هذا الفرز ليس دعوى معلقة؛ تعرض منازل المقرّبين وأصحاب اليمين والمكذّبين الضالين، وتردّ النعيم والعذاب إلى ما كانوا يعملون وإلى موقفهم من التصديق. ثم تعود إلى الخلق والموت والزرع والماء لتجعل ما يباشره الإنسان شاهدًا على عجزه، فلا يبقى إنكار البعث رأيًا ممكنًا بعد الإقرار بأصل الإنشاء وتقدير الموت.
ويُعقد أصل الحجّة في ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ﴾، ثم يُختبر في اعتراض المكذّبين على أن يصيروا ترابًا وعظامًا، ويُحسم أولًا بما يشهدونه من أنفسهم وأسباب عيشهم، ثم بما لا يملكونه عند بلوغ النفس الحلقوم. وبين العقد والحسم تحفظ السورة جهة التلقي نفسها: فالقرءان كريم، مكنون، وتنزيل من رب العالمين؛ فالتهاون به هو اختيار التكذيب في موضع الرزق. وعند النهاية تعيد السورة الفئات الثلاث نفسها عند خروج النفس، فتجعل المآل القريب برهانًا حاضرًا على القسمة التي افتتحت بها، ثم تقفلها بـ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ﴾ ليغدو التسبيح نتيجة المعرفة لا خاتمةً زائدة.
- إعلان الواقعة والفرز﴿ إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ﴾١سورة الوَاقِعة﴿ لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾٢سورة الوَاقِعة﴿ خَافِضَةٞ رَّافِعَةٌ ﴾٣سورة الوَاقِعة﴿ إِذَا رُجَّتِ ٱلۡأَرۡضُ رَجّٗا ﴾٤سورة الوَاقِعة﴿ وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسّٗا ﴾٥سورة الوَاقِعة﴿ فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا ﴾٦سورة الوَاقِعة﴿ وَكُنتُمۡ أَزۡوَٰجٗا ثَلَٰثَةٗ ﴾٧سورة الوَاقِعةيفتتح هذا المحور بحتمية الواقعة ثم يحصنها من التكذيب، ويجعل قلب المراتب أثرها الجامع قبل أن يصف رجّ الأرض وبسّ الجبال وصيرورتها هباءً. بهذا لا يكون التصنيف الآتي حكمًا مجردًا على ناس في عالم ثابت، بل يظهر بعد سقوط ما يوهم الثبات. ويسلّم المحور إلى المحور التالي بإجمال البشر في أزواج ثلاثة ينتظر كلٌّ منها بيان مصيره.
- منزلة القرب وتمام النعيم﴿ فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ﴾٨سورة الوَاقِعة﴿ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ﴾٩سورة الوَاقِعة﴿ وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ ﴾١٠سورة الوَاقِعة﴿ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ﴾١١سورة الوَاقِعة﴿ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾١٢سورة الوَاقِعة﴿ ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ﴾١٣سورة الوَاقِعة﴿ وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ﴾١٤سورة الوَاقِعة﴿ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ ﴾١٥سورة الوَاقِعة﴿ مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيۡهَا مُتَقَٰبِلِينَ ﴾١٦سورة الوَاقِعة﴿ يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ﴾١٧سورة الوَاقِعة﴿ بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ﴾١٨سورة الوَاقِعة﴿ لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ﴾١٩سورة الوَاقِعة﴿ وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾٢٠سورة الوَاقِعة﴿ وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ﴾٢١سورة الوَاقِعة﴿ وَحُورٌ عِينٞ ﴾٢٢سورة الوَاقِعة﴿ كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ ﴾٢٣سورة الوَاقِعة﴿ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾٢٤سورة الوَاقِعة﴿ لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا ﴾٢٥سورة الوَاقِعة﴿ إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا ﴾٢٦سورة الوَاقِعةبعد تعليق شأن الميمنة والمشأمة، تفصل السورة السابقين فيثبت لهم القرب ثم تعرض مكانهم ومجلسهم وخدمتهم واختيارهم وطهارة قولهم. لا يقف العرض عند المتاع؛ فآية الجزاء تربط النعيم بما كانوا يعملون، ثم ينتهي الصوت إلى السلام بعد نفي اللغو والتأثيم. ومن هذا الكمال الخاص تنتقل السورة إلى أصحاب اليمين، فتبيّن أن القسمة الواحدة تتسع لدرجات متفاوتة لا لثنائية مبسطة.
- أصحاب اليمين وسعة الإتاحة﴿ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ ﴾٢٧سورة الوَاقِعة﴿ فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ ﴾٢٨سورة الوَاقِعة﴿ وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ ﴾٢٩سورة الوَاقِعة﴿ وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ ﴾٣٠سورة الوَاقِعة﴿ وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ ﴾٣١سورة الوَاقِعة﴿ وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ ﴾٣٢سورة الوَاقِعة﴿ لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ ﴾٣٣سورة الوَاقِعة﴿ وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ ﴾٣٤سورة الوَاقِعة﴿ إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ﴾٣٥سورة الوَاقِعة﴿ فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا ﴾٣٦سورة الوَاقِعة﴿ عُرُبًا أَتۡرَابٗا ﴾٣٧سورة الوَاقِعة﴿ لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ﴾٣٨سورة الوَاقِعة﴿ ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ﴾٣٩سورة الوَاقِعة﴿ وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ﴾٤٠سورة الوَاقِعةيفتح الاستفهام المعظّم باب أصحاب اليمين، ثم يبني جوابَه من بيئة مهيأة وماء وثمار لا تنقطع ولا تحجب، إلى قرار ورفقة أُنشئت بصفات مخصوصة. وتأتي الثلتان من الأولين والآخرين لتجعل هذا النصيب واسعًا في طرفي الجماعة، بخلاف ندرة السابقين في رتبتهم. وإتمام الشمول هنا ضروري قبل المقابلة التالية، إذ يبرز منه أن الانتقال إلى أصحاب الشمال ليس نقصًا في البيان بل الوجه الآخر للقسمة نفسها.
- الشمال والإنكار والمآل﴿ وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ ﴾٤١سورة الوَاقِعة﴿ فِي سَمُومٖ وَحَمِيمٖ ﴾٤٢سورة الوَاقِعة﴿ وَظِلّٖ مِّن يَحۡمُومٖ ﴾٤٣سورة الوَاقِعة﴿ لَّا بَارِدٖ وَلَا كَرِيمٍ ﴾٤٤سورة الوَاقِعة﴿ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ ﴾٤٥سورة الوَاقِعة﴿ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ﴾٤٦سورة الوَاقِعة﴿ وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا… ﴾٤٧سورة الوَاقِعة﴿ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ﴾٤٨سورة الوَاقِعة﴿ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ﴾٤٩سورة الوَاقِعة﴿ لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ﴾٥٠سورة الوَاقِعة﴿ ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ﴾٥١سورة الوَاقِعة﴿ لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ ﴾٥٢سورة الوَاقِعة﴿ فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ﴾٥٣سورة الوَاقِعة﴿ فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡحَمِيمِ ﴾٥٤سورة الوَاقِعة﴿ فَشَٰرِبُونَ شُرۡبَ ٱلۡهِيمِ ﴾٥٥سورة الوَاقِعة﴿ هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ ﴾٥٦سورة الوَاقِعةيقابل هذا المحور الإتاحة والراحة ببيئة مسمومة لا ظل فيها ولا كرامة، ثم لا يترك العذاب بلا بيان فيكشف الترف والإصرار وإنكار البعث. ويجيب على الامتداد الإنكاري من الأفراد إلى الآباء بجمع الأولين والآخرين في ميقات معلوم، ثم يحول القول إلى مآل جسدي متصل وينهيه بنزل مقلوب يوم الدين. وبذلك يستدعي المحور الدليل الذي يليه: إذا كان الإنكار أصل هذا المسار، فلابد من إقامة الحجة من الخلق المشهود.
- آيات الخلق والتدبير﴿ نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ﴾٥٧سورة الوَاقِعة﴿ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ﴾٥٨سورة الوَاقِعة﴿ ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ﴾٥٩سورة الوَاقِعة﴿ نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ﴾٦٠سورة الوَاقِعة﴿ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا… ﴾٦١سورة الوَاقِعة﴿ وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ﴾٦٢سورة الوَاقِعة﴿ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ ﴾٦٣سورة الوَاقِعة﴿ ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ﴾٦٤سورة الوَاقِعة﴿ لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ﴾٦٥سورة الوَاقِعة﴿ إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ ﴾٦٦سورة الوَاقِعة﴿ بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ﴾٦٧سورة الوَاقِعة﴿ أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ﴾٦٨سورة الوَاقِعة﴿ ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ﴾٦٩سورة الوَاقِعة﴿ لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ﴾٧٠سورة الوَاقِعة﴿ أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ﴾٧١سورة الوَاقِعة﴿ ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ﴾٧٢سورة الوَاقِعة﴿ نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ﴾٧٣سورة الوَاقِعة﴿ فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ﴾٧٤سورة الوَاقِعةتنقل السورة المخاطب من نزل المكذبين إلى أصل وجوده، فتسأله عمّا يمنيه ثم عن الموت والنشأة، وتعيد السؤال في الحرث والماء والنار. في كل حلقة يثبت فعل الإنسان الظاهر وينفى عنه أصل الإنشاء أو الإنزال، ثم يفتح إمكان سلب النعمة ليظهر موجب التذكر والشكر. وينتهي المحور بالتسبيح، فيكون الإقرار بالربوبية جوابًا عمليًا على الحجج لا مجرد نتيجة ذهنية، ويمهد لتعظيم الكلام الذي يحمل هذه الحجة.
- كرامة التنزيل وموقف التكذيب﴿ ۞ فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾٧٥سورة الوَاقِعة﴿ وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾٧٦سورة الوَاقِعة﴿ إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ ﴾٧٧سورة الوَاقِعة﴿ فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ ﴾٧٨سورة الوَاقِعة﴿ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ ﴾٧٩سورة الوَاقِعة﴿ تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴾٨٠سورة الوَاقِعة﴿ أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَنتُم مُّدۡهِنُونَ ﴾٨١سورة الوَاقِعة﴿ وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ ﴾٨٢سورة الوَاقِعةبعد الأمر بالتسبيح يرتفع الخطاب من النعم المشهودة إلى قسم عظيم يثبت كرامة القرءان وصونه ومصدره. هذه الصفات لا تُذكر منفصلة؛ فهي تؤسس لمساءلة من يداهن الحديث ثم يجعل حظه من الرزق تكذيبًا. لذلك يصل المحور بين جهة البرهان وجهة قبوله: ليس الخلل في غياب الدليل، بل في الموقف من تنزيل رب العالمين. ومن هنا تنتقل السورة إلى لحظة الموت، حيث لا تنفع المداهنة ولا يملك المكذب رد النفس.
- العجز عند الموت وحق اليقين﴿ فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ ﴾٨٣سورة الوَاقِعة﴿ وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ ﴾٨٤سورة الوَاقِعة﴿ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ ﴾٨٥سورة الوَاقِعة﴿ فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ ﴾٨٦سورة الوَاقِعة﴿ تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ﴾٨٧سورة الوَاقِعة﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ﴾٨٨سورة الوَاقِعة﴿ فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ ﴾٨٩سورة الوَاقِعة﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ﴾٩٠سورة الوَاقِعة﴿ فَسَلَٰمٞ لَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ﴾٩١سورة الوَاقِعة﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾٩٢سورة الوَاقِعة﴿ فَنُزُلٞ مِّنۡ حَمِيمٖ ﴾٩٣سورة الوَاقِعة﴿ وَتَصۡلِيَةُ جَحِيمٍ ﴾٩٤سورة الوَاقِعة﴿ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ ﴾٩٥سورة الوَاقِعة﴿ فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ﴾٩٦سورة الوَاقِعةتجعل الخاتمة بلوغ الحلقوم اختبارًا حاضرًا لدعوى الاستقلال: الحاضرون ينظرون، والقرب الإلهي ثابت وإن لم يبصروه، ورد النفس تحدّ لا يقدرون عليه. ثم تعيد القسمة الأولى عند خروج النفس: للمقرّبين روح وريحان، ولأصحاب اليمين سلام، وللمكذبين نزل من حميم وتصلية جحيم. فتلتئم بداية السورة ونهايتها في مصير واحد محكوم، ويثبت حق اليقين الذي يفرع عنه التسبيح الأخير.
تبدأ الحركة بإعلان لا يطلب تصديقًا من خارج نفسه: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ﴾، ثم تزيل السورة إمكان التكذيب وتعرض انقلاب الأرض والجبال لتجعل الفرز الإنساني واقعًا داخل تحول شامل. وبعد أن تسمي الأزواج الثلاثة، تؤخر تفصيل الميمنة والمشأمة وتبدأ بالسبق والقرب، فتجعل جزاء المقرّبين نموذجًا للنعيم المرتبط بالعمل والسلام. ثم تفصل أصحاب اليمين في سعة الإتاحة، وتقابلهم بأصحاب الشمال وبسبب موقفهم من البعث. ويأتي الرد المباشر: ﴿لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ﴾، ثم تتحول السورة من الإخبار بالمآل إلى محاججة المنكر من خلقه ومائه وزرعه وناره. وبعد تثبيت كرامة التنزيل، تسوقه إلى عجزه عند الموت، ثم تعيد الفروع الثلاثة للمحتضر نفسه، وتختم بقطع الخبر وبالأمر بالتسبيح.
يتصاعد البناء من إعلان الواقعة إلى بيان آثارها، ثم من عرض المصائر إلى إقامة الدليل عليها. ويظهر التصعيد أوضح في الخاتمة: قسمة البشر في الآية السابعة تعود قسمةً للمحتضر في الآيات الأخيرة، لكن بعد أن مرّت بحجة الخلق والتنزيل ومشهد العجز عند الحلقوم. وكذلك ينتقل التكذيب من قول يعترض على البعث إلى تحدّ حاضر: ردّوا النفس إن كنتم صادقين، فيصير ما كان زعمًا مآلًا لا يمكن دفعه.