قَ
قَولات
موسوعة جذور القرءان
المَوضوعاتالإيمان والكفر والنفاق ‹ إن الدين عند الله الإسلام - الدين ‹ التوحيد - والشرك

التكبر

8 آياتٍ موثَّقة · 3 آياتٍ محوريّة · 5 آياتٍ ذات صلة
موضوع «التكبر» في القرءان الكريم — 8 آياتٍ موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
الجذور الحاملة: رذل، صعر، خرق، هبط

قراءة في الموضوع

استعلاءٌ يردُّ الأمرَ ويصيرُ إلى صَغار

يقع التكبر في مسار التوحيد والشرك بوصفه سؤالًا عن موقف الإنسان من الأمر والآيات والعبادة: أيتلقّاها خضوعًا أم يجعل نفسه فوقها؟ تفتتح مادته بمشهد امتناع اقترن بالاستكبار والكفر: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ سورة البَقَرَة ٣٤. فلا يظهر التكبر وصفًا ساكنًا للنفس، بل فعلُ إباءٍ يقطع صلة الاستجابة.

وتردّ الآيات هذا الاستعلاء إلى حدّه: ﴿قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ﴾ سورة الأعرَاف ١٣. بين التكبر والصَّغار، وبين دعوى العلو والهبوط، تتشكل زاوية الموضوع: ادعاء رتبة لا يملكها صاحبه، ثم انكشاف مقداره عند المرجع الذي لا تُدفع إليه الخلائق.

وجهٌ مُصعَّرٌ وخطوٌ لا يخرق الأرض وهبوطٌ يكشف المقدار

يجمع الجذر «كبر» صورة تجاوز القدر إلى رتبة أعلى، ويذمّها القرءان حين تُدَّعى في مقابلة الحق. لذلك يجيء في الصدور التي تجادل بلا سلطان: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ سورة غَافِر ٥٦؛ فالمدَّعى حاضر، وبلوغُه منفيّ.

ويُظهر «صعر» الأثر المرئي لهذا الاستعلاء في الوجه: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ﴾ سورة لُقمَان ١٨. ويضع «خرق» حدًّا جسديًّا لدعوى الترفع: ﴿وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا﴾ سورة الإسرَاء ٣٧. ثم يكمّل «هبط» الصورة بعكس حركة العلو المدَّعى، فيكون الهبوط مقرونًا بنفي موضع التكبر في سورة الأعرَاف ١٣.

من الآيات إلى الإصرار: التكبر حجابُ التلقّي

من مسارات المادة المتكررة اقتران الاستكبار بالآيات: تكذيبٌ أو إعراضٌ أو إصرار بعد السماع. ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ سورة لُقمَان ٧، وتعيد سورة الجاثِية ٨ البنية نفسها مع لفظ الإصرار: ﴿يَسۡمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ سورة الجاثِية ٨. فالمشكلة ليست غياب البلاغ في المشهد، بل تحويل السماع إلى إعراض.

ولهذا يصف القرءان المتكبرين بأنهم لا يتخذون سبيل الرشد سبيلًا ولو رأوا الآيات، ويقابل ذلك باختيار سبيل الغي: ﴿سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ﴾ سورة الأعرَاف ١٤٦.

الملأ المستكبرون: أممٌ تردُّ الرسل وتعيدُ الجواب

تتكوّن في المادة سلسلة سردية متكررة تجعل الاستكبار موقفَ جماعةٍ في مقابلة الرسول والمؤمنين. ففي قوم صالح يردّ افتتاح المشهد بقول الملأ: ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحٗا مُّرۡسَلٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ﴾ سورة الأعرَاف ٧٥، ثم يأتي الردّ الصريح: ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا بِٱلَّذِيٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ﴾ سورة الأعرَاف ٧٦. وتعود الصيغة ذاتها في قصة شعيب، لكن الاستكبار يتجه إلى الإخراج والضغط: ﴿۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ﴾ سورة الأعرَاف ٨٨.

ولا تنحصر السلسلة في هذين المشهدين؛ إذ تتردد خاتمة الاستكبار والإجرام مع الآيات المفصلات: ﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٖ مُّفَصَّلَٰتٖ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ﴾ سورة الأعرَاف ١٣٣، ثم مع فرعون وملئه: ﴿ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ﴾ سورة يُونس ٧٥. ويظهر اتساع صورة الملأ والعُلو في قوله: ﴿إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ﴾ سورة المؤمنُون ٤٦، وفي جمع قارون وفرعون وهامان: ﴿وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ﴾ سورة العَنكبُوت ٣٩. وتردّ سورة الجاثِية ٣١ الصدى نفسه بعد تلاوة الآيات: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ﴾ سورة الجاثِية ٣١. فالسلسلة تبرز نموذجًا متكررًا: جماعةٌ تتلقى الرسول والآيات بالاستكبار، فتقرن به الكفر أو العلو أو الإجرام.

العبادةُ حدٌّ فاصل بين العلو والتواضع

تجعل الآيات العبادة موضع اختبار مباشر: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ سورة غَافِر ٦٠. ويبيّن التقابل أن عدم الاستكبار ليس مجرد نفيٍ، بل تسبيح وسجود: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسۡجُدُونَۤ۩﴾ سورة الأعرَاف ٢٠٦.

وفي المقابلة الأخرى، يصف المؤمنين حين التذكير: ﴿إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩﴾ سورة السَّجدة ١٥. فالسجود هنا جوابٌ للآية، بينما الاستكبار جوابٌ يرفضها؛ ومن هذه المقابلة يتحدد التكبر بوصفه امتناعًا عن العبودية لا مجرد شعور بالعظمة.

استعلاءٌ يصنعُ تبعيّةً ثم يتركها في النار

لا تبقى صورة التكبر فردية؛ فالآيات تعرض علاقة بين مستكبرين ومستضعفين. في مشهد الرجوع إلى الله يقول الضعفاء: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ﴾ سورة إبراهِيم ٢١.

وتعيد آيات سبإ الحوار مع إضافة فعل الأمر بالكفر وجعل الأنداد: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ سورة سَبإ ٣٣. فلا تمنح التبعية المتكبرين قدرةً على الإغناء، بل يظهر عجز الطرفين معًا.

ويعود الحوار في النار بالصيغة نفسها: ﴿وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ﴾ سورة غَافِر ٤٧، فيجيب المستكبرون: ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ﴾ سورة غَافِر ٤٨. فالتبعية التي ظهرت في سورة إبراهِيم ٢١ لا تنتهي إلى إغناء، بل إلى اشتراك الطرفين في النار والعجز.

العلوُّ بغير الحق ونهايةُ دعوى القوّة

تتسع الصورة من النفس إلى الأرض: ﴿فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ﴾ سورة فُصِّلَت ١٥. فالسؤال عن الشدة يجعل القوة معيارًا موهومًا للاستعلاء، ثم يردّه النص إلى الخلق والآيات.

وتتكرر خاتمة المشهد بذكر المثوى، بما يصل البداية بالنهاية: ﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾ سورة الزُّمَر ٦٠. فالوجه الذي صُعّر للناس، والدعوى التي طلبت العلو، لا يحجبان الحكم ولا يبلغان ما ادّعياه.

وتتردد صيغة دخول الأبواب والمثوى للمتكبرين في مواضع متقاربة: ﴿فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾ سورة النَّحل ٢٩، و﴿قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾ سورة الزُّمَر ٧٢، و﴿ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾ سورة غَافِر ٧٦. فالتكرار لا يجعل المثوى خاتمة عابرة، بل يثبته جزاءً متصلاً بصورة التكبر.

بين التكبر والاستكبار والظلم والغرور والاختيال

أوثق المجاورات «الاستكبار»، ولا تبيّن عيّنته المعروضة افتراقًا حاسمًا في الآيات المشتركة؛ فهي تلتقي مع هذا الموضوع في سورة البَقَرَة ٣٤ و٨٧ وسورة النِّسَاء ١٧٢، ومنها: ﴿لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا﴾ سورة النِّسَاء ١٧٢. لذلك لا يصحّ جعل الشواهد الثلاثة دليلًا على تغايرهما؛ وإنما يظهر حدّ التفريق في امتداد الجذور المعروضة: يجمع الاستكبار «دحر» و«هون» و«كبر»، بينما تصل مادة التكبر «كبر» بـ«صعر» و«خرق» و«هبط». فموضع الاشتراك هو الامتناع والاستعلاء نفسه، ولا تكفي العيّنة لتجاوز ذلك إلى فرقٍ في نصوصها المتطابقة.

تظهر مجاورة الظلم حين يصف النص فعلًا واقعًا على النفس: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ سورة البَقَرَة ٥٤؛ أما التكبر فيبرز في هيئة ردّ الآيات والامتناع عن العبادة. والغرور يبرز في قولٍ يخدع صاحبه عن النار: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ﴾ سورة آل عِمران ٢٤، بخلاف التكبر الذي يتجلى إصرارًا واستعلاءً.

والاختيال والعجب يلاقيان التكبر في حركة الوجه والمشي في سورة لُقمَان ١٨، لكن شواهد التكبر تتجاوز المظهر إلى الصدّ عن الآيات والتبعية والعقاب. أما العقيدة فتقيم البراءة من الشرك والشهادة للوحدانية: ﴿قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ﴾ سورة الأنعَام ١٩؛ والتكبر يرصد كيفية ردّ هذه الشهادة وآياتها.

اتساعُ المادة وتركيزُ مواضعها

توثّق المادة إحدى وستين آية: تسع وخمسون محورية واثنتان ذات صلة. ويبرز هذا الاتساع مع تركّز لافت؛ فالأعرَاف تحضر بعشر آيات، وغَافِر بسبع، والنَّحل بأربع، ثم سَبإ والزُّمَر بثلاث لكلٍّ منهما. وتكشف هذه المواضع المتكررة أن التكبر لا يُقرأ من لقطة واحدة: فهو يرد في مشهد الأمر، وعند الآيات، وفي العبادة، وفي علاقة المستكبرين بالمستضعفين، وعند الجزاء.

خيوط العلو والصَّغار والهون

يفتح موضوع التكبر صلته بجذر الهبوط قراءةً لحركةٍ معاكسة للعلو المدَّعى، وتصل به صورة الخرق إلى حدود الجسد في الأرض. كما يمتد إلى الاختيال والعجب عبر الوجه والمشي، وإلى الغرور عبر دعوى تُغلق صاحبها عن المصير، وإلى الظلم حين يصير ردّ الآيات وعمل التبعية سببًا لمشهد العذاب. وتجمع هذه الخيوط بين ادعاء المنزلة وبين انكشافها عند الحكم.

المواضع في القرءان

3 آياتٍ محوريّة
سورة الأعرَاف ١٣
قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ
مدلول الآية
سورة الإسرَاء ٣٧
وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا
مدلول الآية
سورة لُقمَان ١٨
وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ
مدلول الآية
5 آياتٍ ذات صلة
سورة البَقَرَة ٣٦
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ
مدلول الآية
سورة البَقَرَة ٦١
وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ
مدلول الآية
سورة هُود ٢٧
فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ
مدلول الآية
سورة طه ١٢٣
قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ
مدلول الآية
سورة الشعراء ١١١
۞ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ
مدلول الآية

موضوعات ذات صلة