مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر غرو في القُرءان الكَريم — 2 موضعين
جواب مباشر
دلالة جذر غرو في القرءان
دلالة جذر «غرو» في القرءان: أغرى: أحدث العداوة بين قوم، أو وجّه طرفًا إلى مواجهتهم؛ وهذا تقريب للمعنى من موضعيه. ← التعريف الكامل
ورد الجذر 2 موضعين، في 2 صيغتين في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «الثواب والأجر والجزاء». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر غرو من شواهد القرءان وحده.
الصِيَغ المُسجَّلة ·2
التَعريف المُحكَم لجَذر غرو في القُرءان الكَريم
أغرى: أحدث العداوة بين قوم، أو وجّه طرفًا إلى مواجهتهم؛ وهذا تقريب للمعنى من موضعيه. في المائدة أُسند إحداث العداوة والبغضاء إلى الله عقب نسيان الذين قالوا إنهم نصارى حظًّا مما ذُكّروا به، وحددت مدته ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ (سورة المَائدة ١٤). وفي الأحزاب جاء توجيه النبي ضد المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة وعيدًا مشروطًا بعدم انتهائهم. وتلاه ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠)، ثم الأخذ والتقتيل في سورة الأحزَاب ٦١. الجزاء مستفاد من السياق، ولا يثبت أن الإلصاق أو امتناع الدفع جزء لازم من معنى الجذر.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
غرو في القرءان: إحداث عداوة بين قوم أو توجيه النبي إلى مواجهتهم في سياق مؤاخذة. صيغتاه ﴿فَأَغۡرَيۡنَا﴾ (سورة المَائدة ١٤) و﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠)، والفاعل في الموضعين هو الله.
في الأول العداوة والبغضاء مفعولان، و«بينهم» يحدد العلاقة بين الذين نسوا حظًّا مما ذُكّروا به. وفي الثاني الكاف مفعول به، ومرجع «بهم» المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة، والوعيد مشروط بعدم انتهائهم.
امتداد العداوة والبغضاء منصوص عليه بقوله ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ (سورة المَائدة ١٤). وأثر الوعيد في الموضع الآخر ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠)، فلا تُستخرج الملازمة الدائمة من الفعل نفسه.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر غرو
ورد الجذر في موضعين، كلاهما من الفعل الرباعي «أغرى»، وكلاهما مسند إلى الله. يجمعهما إحداث أثر موجَّه إلى قوم في سياق مؤاخذة، مع اختلاف صورة الأثر وأطرافه.
- سورة المَائدة ١٤ ﴿فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾: إحداث العداوة والبغضاء بين الذين قالوا إنهم نصارى، بعد ذكر أخذ ميثاقهم ونسيانهم حظًّا مما ذُكّروا به. السبب المذكور هنا نسيان الحظ، ولا يُستبدل به نقض الميثاق المذكور في سورة المَائدة ١٣.
- سورة الأحزَاب ٦٠: توجيه النبي إلى مواجهة المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة، على شرط عدم انتهائهم. مرجع الضمير في «بهم» يشمل المذكورين جميعًا، ولا يقتصر على المنافقين، ولا يحسم العطف وحده مقدار التداخل بين هذه الأوصاف.
يمكن تقريب الجامع بإحداث العداوة أو توجيه طرف إلى مواجهة طرف، بحسب التركيب. أمّا الإلصاق الذي لا يملك المتأثر دفعه فليس وصفًا يصرّح به الموضعان، فلا يُجعل حدًّا لازمًا للجذر.
في المائدة تحددت مدة العداوة والبغضاء بقوله ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ (سورة المَائدة ١٤). وفي الأحزاب جاء بعد الوعيد ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠)، ثم الأخذ والتقتيل في الآية التالية. فهذا أثر المواجهة في السياق، وليس بيانًا لمدة إلصاق مفترض.
الآية المَركَزيّة لِجَذر غرو
سورة المَائدة ١٤
﴿فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ (سورة المَائدة ١٤)
يكشف هذا المقطع إحداث العداوة والبغضاء بين القوم، وامتدادهما إلى الغاية المذكورة. والسبب المتقدم في الآية نسيانهم حظًّا مما ذُكّروا به بعد أخذ ميثاقهم. الامتداد مستفاد من الغاية الزمنية، فلا يُنسب إلى الجذر وحده، ولا يُحوَّل إلى تعريف بالإلصاق الذي لا فكاك منه.
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
| الصيغة | العدد | الوجه الصرفيّ |
|---|---|---|
| ﴿فَأَغۡرَيۡنَا﴾ | 1 | فعل ماضٍ مسند إلى ضمير الجلالة |
| ﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ﴾ | 1 | فعل مضارع مؤكَّد بنون التوكيد، مسند إلى ضمير الجلالة |
يتوزّع الجذر بين صيغة ماضٍ تُسند الفعل إلى ضمير الجلالة، وصيغة استقبال مؤكَّدة تتّجه إلى المخاطَب.
التَجميع الصَرفيّ الآليّ لِصيَغ جَذر غرو بِالأَوزان
صيغ الجَذر «غرو» بِرَسمها التَوقيفيّ، مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع). العَدَد أَعلى كُلّ بِطاقَة تَقريبيّ لِأَنَّ التَجميع آليّ؛ والجَرد الكامِل في شَريط «الصِيَغ المُسجَّلة» أَعلى الصَفحَة.
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر غرو
إجمالي المواضع: 2 موضعًا.
- سورة المَائدة ١٤
- سورة الأحزَاب ٦٠
- الصِيَغ: 2 صيغتين فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: فَأَغۡرَيۡنَا.
- أَبرَز الصِيَغ: فَأَغۡرَيۡنَا (1) لَنُغۡرِيَنَّكَ (1)
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
الجامع السياقي فعل إلهي يوقع عداوة بين قوم أو يوجّه النبي إلى مواجهتهم، في مقام مؤاخذة. في سورة المَائدة ١٤ تقدَّم أخذ ميثاق الذين قالوا إنهم نصارى ونسيانهم حظًّا مما ذُكّروا به. وفي سورة الأحزَاب ٦٠ عُلّق الوعيد على عدم انتهاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة.
هذا يثبت السياق الجزائي، لكنه لا يثبت أن الجزاء أو الإلصاق الممتنع دفعه معنى لغوي لازم في كل استعمال. وتختلف النتيجة: عداوة وبغضاء ممتدتان ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ (سورة المَائدة ١٤)، ووعيد تعقبه قلة المجاورة ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠).
مُقارَنَة جَذر غرو بِجذور شَبيهَة
- وسوس: المقارنة بالوسوسة تتطلب شاهدًا يحدد فعلها وفاعله وأثرها؛ فلا يثبت الفرق بمجرد وصفها بالهمس أو قبول النفس لها. في الإغراء هنا ﴿فَأَغۡرَيۡنَا﴾ (سورة المَائدة ١٤) خبر عن وقوع، و﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠) وعيد معلّق على ﴿لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠). ويشمل الشرط أيضًا الذين في قلوبهم مرض والمرجفين المذكورين في تمام الآية. إسناد الفعل إلى الله في هذين الموضعين ثابت، ولا يكفي وحده لتعريف الوسوسة أو حصر فاعلها.
- زين: لا يكفي وصف التزيين بأنه تحسين الباطل في النفس لإثبات فرق قرءاني عام. الثابت في موضعي الإغراء عداوة وبغضاء بين قوم، أو مواجهة يعقبها انقطاع المجاورة؛ ولا يتناول النصان تحسين صورة شيء في النفس. هذا وصف للشاهدين، وليس حكمًا جامعًا على التزيين.
- أمد: لا يثبت من موضعي الإغراء وحدهما أن الإمداد مقصور على إعطاء القوة أو الزاد، أو أن الفاعل فيه محصور في الله. الإغراء في سورة الأحزَاب ٦٠ توجيه إلى مواجهة القوم بحسب ما بعده، وأي مقارنة بالإمداد تحتاج شواهده لتحديد موضع الاشتراك والافتراق.
تظهر مقارنة مباشرة مع الإلقاء في اجتماع الفعلين على العداوة والبغضاء والغاية نفسها. نص الإغراء: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ (سورة المَائدة ١٤).
ونص الإلقاء: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ (سورة المَائدة ٦٤).
اشتراك المفعول والغاية يسند الترادف في إحداث العداوة بين القوم، ولا يثبت التطابق في جميع الاستعمالات. ولا يظهر فيه جسر نصي يخص الإغراء بالإلصاق والإلقاء بمجرد الوضع؛ فالامتداد مذكور مع كليهما.
يختلف السياقان: نسيان الحظ في سورة المَائدة ١٤، والقول المذكور والطغيان والكفر والفساد والحرب في سورة المَائدة ٦٤. اختلاف السياق لا يكفي لإثبات فرق لازم بين الفعلين، ولا يختص الأول بالمؤاخذة دون الثاني.
اختِبار الاستِبدال
- في سورة المَائدة ١٤: التقريب بعبارة «فأوقعنا بينهم العداوة» يحفظ معنى الإحداث، لكنه لا يستوعب العبارة كاملة إلا بذكر البغضاء والغاية الزمنية. لا دليل على أن دوام العداوة مأخوذ من «أغرى» وحده؛ فالمدة مصرح بها في النص، وتأتي أيضًا مع الإلقاء في سورة المَائدة ٦٤.
- في سورة الأحزَاب ٦٠: التقريب بعبارة «لنسلطنك عليهم» يوضح جهة المواجهة، ويسنده الوعيد وما بعده، دون إثبات تطابق العبارتين. التعدية بالباء في ﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠) تحدد القوم المستهدفين، ولا تثبت إلصاقًا مستقلًّا عن السياق. والنتيجة ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠) قلة المجاورة، ثم يذكر الأخذ والتقتيل في سورة الأحزَاب ٦١. فلا تُجعل النتيجة تفسيرًا للفعل بملازمة مؤقتة.
الفُروق الدَقيقَة
- الفاعل في الموضعين هو الله بصيغة الجمع، أي موضعان من موضعين. هذا حصر للإسناد في الاستعمال القرءاني للجذر، وليس برهانًا على امتناع إسناد الفعل إلى غيره خارج هذين الشاهدين.
- لم يرد الجذر إلا بصيغتي الفعل «أغرى». في سورة المَائدة ١٤ إحداث عداوة وبغضاء عقب نسيان الحظ، وفي سورة الأحزَاب ٦٠ وعيد بتوجيه النبي إلى مواجهة المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين إن لم ينتهوا. الوصف الجزائي مأخوذ من ترتيب السياق وشرطه، لا من دعوى إلصاق النبي بالقوم.
- التوكيد في ﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠)، باللام ونون التوكيد، يؤكد الوعيد المشروط، ولا يثبت شدة إلصاق. والغاية ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ (سورة المَائدة ١٤) تحدد امتداد العداوة والبغضاء في ذلك الموضع، ولا تجعل الدوام جزءًا من معنى الفعل.
- في ﴿بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ﴾ (سورة المَائدة ١٤) «بين» ظرف يحدد العلاقة بين القوم، والعداوة مفعول به والبغضاء معطوفة عليها. وفي ﴿بِهِمۡ﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠) الباء حرف جر يصل الفعل بالقوم المستهدفين، والكاف في الفعل مفعوله. اختلاف التركيب يمنع جمع الظرف وحرف الجر تحت وظيفة واحدة مفترضة للإلصاق.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الثواب والأجر والجزاء · البغض والكره والمقت · القتال والحرب والجهاد.
يتصل الجذر بحقل «البغض والكره والمقت» اتصالًا مباشرًا بذكر العداوة والبغضاء في سورة المَائدة ١٤. ويتصل كذلك بحقل «الثواب والأجر والجزاء» من جهة المؤاخذة عقب نسيان الحظ، والوعيد المشروط بعدم الانتهاء في سورة الأحزَاب ٦٠.
ويتصل بحقل «القتال والحرب والجهاد» من جهة الوعيد في سورة الأحزَاب ٦٠ وما يليه من الأخذ والتقتيل في سورة الأحزَاب ٦١. هذه جهات اتصال بالحقول، ولا تعني أن كل عناصر أسمائها داخلة في معنى الجذر.
لا يسند موضعا الجذر إلحاقه بحقل «الشيطان والوسوسة» من جهة الفاعل؛ فالفاعل فيهما هو الله. ولا يثبت فيهما تسلط داخلي نفسي يربطهما بالوسوسة من جهة النتيجة، فالعلاقة المباشرة هنا عداوة بين قوم ومواجهة موجَّهة إليهم.
مَنهَج تَحليل جَذر غرو
نُظر في موضعي الجذر وسياقيهما من جهة الفاعل، والمفعول، والتركيب، والسبب، وما يعقب الفعل. في سورة المَائدة ١٤ الفاعل هو الله، والمفعول العداوة والبغضاء، و«بينهم» تحدد العلاقة بين القوم. والمتقدم نسيان الذين قالوا إنهم نصارى حظًّا مما ذُكّروا به بعد أخذ الميثاق.
وفي سورة الأحزَاب ٦٠ الفاعل هو الله، والكاف للنبي، و«بهم» تعود على المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة. الوعيد مشروط بعدم انتهائهم؛ فلا يُعرض خبرًا عن فعل وقع، ولا يُختزل سببه في استمرار النفاق وحده.
من المفعول في الأول يُفهم إحداث العداوة والبغضاء، ومن الوعيد وما يتلوه في الثاني تُفهم مواجهة النبي للقوم. ومن ترتيب الأول وشرط الثاني يُستدل على مقام المؤاخذة. هذه درجات استدلال سياقي، ولا تنتج وحدها تعريفًا بالإلصاق الذي لا يُدفع.
ثم نُظر في الغاية والنتيجة: ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ (سورة المَائدة ١٤) مدة العداوة والبغضاء، و﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠) نتيجة تالية للوعيد. ويكشف الأخذ والتقتيل في سورة الأحزَاب ٦١ جهة المواجهة. فلا يُستنتج من اختلاف النتيجتين إلصاق دائم هنا ومؤقت هناك.
الجَذر الضِدّ
ورد غرو في موضعين بصيغة الإغراء، يتناول أحدهما إحداث العداوة والبغضاء، ويتناول الآخر توجيه النبي إلى مواجهة القوم. في الأول ﴿فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ﴾ (سورة المَائدة ١٤)، وفي الثاني ﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠).
لا تظهر في الموضعين مادة مقابلة يصرح النص بأنها ترفع الإغراء أو تعكسه، ولا يرد فيهما في ثنائية لفظية مثل وصل وقطع أو جمع وتفريق. لذلك لا تثبت منهما علاقة ضدية مستقلة، كما لا تثبت دعوى الإلصاق التي يُبحث لها عن فك مقابل.
لم يظهر مع غرو جذر مقابل في الآية نفسها أو في بنية متكررة. الجذور المجاورة مثل العداوة أو المجاورة هي متعلقات للإغراء وآثاره، وليست أضدادًا للجذر.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر غرو
الشَّواهد الكاشِفة لِمدلول الجذر — استيعاب لكل المواضع لِقلَّتها:
- سورة المَائدة ١٤ — وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ
- الصيغة: فَأَغۡرَيۡنَا
- سورة الأحزَاب ٦٠ — لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ
- الصيغة: لَنُغۡرِيَنَّكَ
الملاحَظات اللَطيفَة عَن جَذر غرو
١. إسناد الفعل إلى الله في الموضعين: ﴿فَأَغۡرَيۡنَا﴾ (سورة المَائدة ١٤) و﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠)، أي موضعان من موضعين. هذه ملاحظة استقرائية عن إسناده في القرءان، ولا يُبنى عليها حكم باستعمال غيره.
٢. تنوع التركيب: ﴿بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ﴾ (سورة المَائدة ١٤) يحدد علاقة العداوة بين القوم، و﴿بِهِمۡ﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠) يصل الفعل بالمذكورين الذين يتوجه إليهم الوعيد. «بين» ظرف والباء حرف جر؛ ليسا أداة واحدة، ولا يكفي ورودهما لإثبات الإلصاق.
٣. التوازي مع اختلاف السبب: يأتي الإغراء بعد نسيان الحظ في سورة المَائدة ١٤، ووعيدًا مشروطًا بعدم انتهاء الفئات المذكورة في سورة الأحزَاب ٦٠. هذا يسند فهم المؤاخذة، ويحفظ الفرق بين خبر الوقوع والوعيد، وبين السبب المنصوص وتعميمه بلفظ النفاق.
٤. التوكيد والمدة دليلان مختلفان: ﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ﴾ (سورة الأحزَاب ٦٠) مؤكد باللام ونون التوكيد الثقيلة، و﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ (سورة المَائدة ١٤) غاية زمنية للعداوة والبغضاء. الأول يؤكد الوعيد، والثاني يحدد المدة؛ فلا يدل الأول على شدة إلصاق ولا الثاني على دوام لازم للجذر.
٥. حدود التخصيص الدلالي: اقتران الموضعين بالمؤاخذة يصف استعمالهما، ولا يثبت انفراد الجذر بمعنى الإلصاق الجزائي. ومشاركة الإلقاء له في العداوة والبغضاء والغاية في سورة المَائدة ٦٤ تمنع جعل هذه العناصر وحدها علامة اختصاص للإغراء.
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر غرو في القرءان
انحصار الفاعل في الله بصيغة الجمع (2/2 = 100٪): ﴿فَأَغۡرَيۡنَا﴾ و﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ﴾ — كلاهما بضمير الجلالة الجمعي. الجذر لم يُسند في القرءان إلى مخلوق قط، خلافًا لاستعمال العامة الذي يُسند الإغراء إلى الشيطان أو إلى البشر.
اقتران دائم بأداة الإلصاق «بـ/بين» (2/2 = 100٪): ﴿بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ﴾، ﴿بِهِمۡ﴾. لا يَرد الجذر إلا متعدِّيًا بهذه الباء أو الظرف «بين»، وهذا قَرين بنيوي ثابت يُفيد الإلصاق لا مجرد الإحداث.
بنية موازية بين الموضعين: كلاهما يَرد بعد ذِكر فئة مذنبة (ناقضو ميثاق، منافقون مرجفون) ثم يأتي الجذر جزاءً مباشرًا على ذنبهم. هذا التوازي البنيوي يُحكم وظيفة الجذر الجزائية.
توكيد قسمي في موضع واحد، وامتداد زمني في الآخر: ﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ﴾ بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة، و﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ غاية مطلقة. فالتوكيد اللفظيّ في الأحزَاب يُحكم شدّة الإلصاق لا دوامه، والامتداد الزمانيّ في المَائدة وحده هو المصرَّح بدوامه.
انفراد الجذر بمعنى الإلصاق الجزائي: الجذر في كلام العامة يُستعمل للإغراء بالمعصية أو بالتحريض على الفعل، لكنه في القرءان لم يَرد قطُّ على هذا المعنى — حُفظ خاصًّا بالإلصاق الإلهي الجزائي. هذه الوظيفة الدلالية الانفرادية تُميِّز الجذر القرءاني عن استعماله العام.