قَ
قَولات
موسوعة جذور القرءان

التَفاعُل والحَرَكَة والنَشاط البَشَريّ · التَواصُل والمَعرِفَة · حَقل #106

الفُروق الدَقيقَة بَين جذور الظَنّ والشَكّ والرَيبَة في القُرءان الكَريم

تَسعَة جذور تَدور كُلُّها حَول مَنطِقَة «بَين العِلم القاطِع والجَهل المُطبَق» — فيها الإِثبات الراجِح، التَرَدُّد، الاضطِراب القَلَق، الجَدَل بَعد البَيان، النُطق الادِّعائيّ، الإِسناد بِغَير عِلم، والإفحام المُذهِل.

القارِئ السَريع يَظُنُّها مُتَرادِفَة؛ القُرءان يُمَيِّز كُلَّ واحِدَة بِشَواهِد لا تُحتَمَل غَيرها.

8جذور دلاليّة 1مِحوَر مُضادّ 6اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة

الجذور الدَلاليَّة في الحَقل

اضغط أيّ جَذر لِعَرض تَحليله الكامِل: الجَوهَر · المُمَيِّز · مَدى الاستِخدام · شَواهِد جَوهَريَّة · اختبار الاستِبدال.

الظَّنّ حُكمٌ راجِحٌ في النَّفس قَبلَ تَمامِ الكَشف — يُمدَحُ بِمُستَنَدِه ويُذَمُّ بِمُستَنَدِه

الجَوهَر

الظَّنّ في القُرءان تَقديرٌ ذِهنيّ يَترَجَّحُ في النَّفس قَبلَ المُشاهَدَة التامَّة. يَحمِلُ وَجهَين: مَحمودٌ يَقرُبُ من اليَقين حينَ يَستَنِدُ إلى وَعدِ الله ولِقائه، ومَذمومٌ حينَ يُتَّبَعُ بَدَلَ العِلم.

المُمَيِّز

ظنن هو الإثباتُ الراجِحُ بِلا قاطِع — فيه مَيلٌ مُحَدَّدٌ إلى أَحَدِ الطَّرَفَين (لا تَرَدُّدٌ مُتَكافِئ كالشَّكّ، ولا انكِشافٌ ثابِتٌ كالعِلم، ولا استِقرارٌ كاليَقين). قيمَتُه تابِعَةٌ لِمُستَنَدِه لا لِصيغَتِه.

مَدى الاستِخدام

وَجهان مُتَمايِزان بِالقَرائن السياقيَّة: (1) المَحمود — يَقتَرِنُ بِلِقاءِ الله والحِساب والآخِرَة، كَقَولِه ﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ﴾ وقَولِه ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ﴾. (2) المَذموم — يَقتَرِنُ بِنَفيِ العِلم أو بِاتِّباعِ الهَوى أو بِظَنِّ السَّوء، كَقَولِه ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ﴾ و﴿وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ﴾. الفَيصَلُ بَينَهُما المُستَنَد: وَعدُ الله أو الهَوى.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا﴾
النَّجم 28الحَدُّ الفاصِل بَين الظَّنّ والعِلم والحَقّ: الظَّنّ المَذموم هو ما حَلَّ مَحَلَّ العِلم فقَصُرَ عن الحَقّ.
﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ﴾
الحَاقَّة 20الوَجه المَحمود على لِسانِ الناجي يَوم القيامة — ظَنّ لِقاءِ الحِساب رَجاحَةٌ إيمانيَّة قَريبَةٌ من التَّصديق.
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ﴾
الجاثِيَة 32اجتِماعُ الظَّنّ مع نَفيِ اليَقين يُحَدِّدُ دَرَجَتَه المَعرِفيَّة: دونَ اليَقين وفَوقَ التَّرَدُّد المَحض.

اختبار الاستِبدال

في البَقَرَة 46 ﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ﴾، لو استَبدَلنا «يَظُنُّون» بِـ«يَشُكُّون» لانكَسَرَ المَعنى تَمامًا — إذ الشَّكّ تَرَدُّدٌ مُتَكافِئٌ يُنافي الخُشوع والرُّجوع المُقتَرِنَين بِالآية، والوَصفُ هاهُنا مَدحٌ لا ذَمّ. ولو استَبدَلناها بِـ«يَحسَبون» لَضاعَ مَعنى الرَّجاحَة القَلبيَّة المُستَنِدَة إلى وَعدِ الله، إذ الحُسبان تَقديرٌ خارِجيّ بِالقَرائن لا تَرَجُّحٌ داخِليّ بِالتَّصديق. وبِالمُقابِل في النَّجم 28، لو استَبدَلنا «الظَّنّ» بِـ«الشَّكّ» لَزالَ المَعنى الدَّقيق: المَذكورون لا يَتَرَدَّدون، بَل يَميلُون مَيلًا راجِحًا بِلا عِلم — وهذا جَوهَرُ الظَّنّ المَذموم.

حسب: إثباتُ مقدارٍ محدّد للشيء — إحصاءً يُجزى عليه أو جزمًا ذهنيًّا بقدرٍ موهوم

الجَوهَر

الجذر «حسب» يَجمَع في رسمٍ واحد فعلَين مُتمايزَين: «حَسَبَ» يُحصي العَمَل ويُجزَى عليه، و«حَسِبَ» يَجزِم الذِّهنُ بمِقدارٍ مُعَيَّن للشيء فيَظُنّه. الجامِع المُحكَم: إسنادُ قدرٍ مَخصوص إلى الشَّيء — حقًّا يُمضَى في الحِساب الأُخرَويّ، أو وَهمًا يَكشِفه السِّياق في الظَّنّ. وللجَذر مَسلَكٌ ثالِث في الكِفاية «حَسۡبُ» إثباتُ قدرٍ كافٍ لا يُحتاج معه إلى زيادة.

المُمَيِّز

يَختَلِف «حسب» عَن «ظنن» بأنّه يَجزِم بمِقدارٍ مُعَيَّن للشَّيء (يَقرِنه القرءان بمُتعَلَّقٍ مُحَدَّد ﴿أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ﴾)، بَينَما «ظنن» رُجحانٌ ذِهنيّ قَد يَصدُق وقَد يَكذِب بِلا إلزامِ مِقدار. وَيَختَلِف عَن «خرص» الذي يَتَخَرَّص بِلا أَساس، إذ «حسب» يَستَنِد إلى ظاهرٍ يُغري بِالحُكم فيَكشِف السِّياقُ بُطلانَه.

مَدى الاستِخدام

يَرِد في 109 مَواضِع داخِل 102 آية بِـ60 صيغة. يَنقَسِم إلى خَمسة مَسالِك: (1) الحِساب الأُخرَويّ — إلَهيّ مَحمود، (2) التَّقدير الذِّهنيّ «حَسِبَ» — بَشَريّ غالِبًا مَذموم لأنّه جَزمٌ خاطِئ، (3) الكِفاية «حَسۡبُ» — مَحمود مَع الله ﴿حَسۡبُنَا ٱللَّهُ﴾ ومَذموم مَع جَهَنَّم ﴿فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُ﴾، (4) الحُسبان الكَونيّ نِظامًا وعَذابًا، (5) الاحتساب — يَرِد مَنفيًّا في مَواضعه الثَّلاثة جَميعًا.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا﴾
الكَهف 104نَموذج «حَسِبَ» الظَّنّ: جَزمٌ ذِهنيّ بمِقدارٍ مُعَيَّن (الإحسان) مَع مُتَعَلَّقٍ مُحَدَّد ﴿أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ﴾، يَكشِف السِّياقُ بُطلانَه (ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ).
﴿ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ﴾
الأنبِيَاء 1يَجمَع طَرَفَي الجَذر الجامِع: الحِساب الأُخرَويّ المُقتَرِب (إحصاءٌ بِتَبِعَة) في مُقابِل غَفلة النَّاس عَن التَّبِعة — يَكشِف أنّ «حسب» انتِباهٌ للتَّبِعة.
﴿يَحۡسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخۡلَدَهُۥ﴾
الهُمَزة 3أَنقى صور «حَسِبَ» الموهوم: إثباتُ مِقدارٍ زائف (الخُلود) للمال — جَزمٌ ذِهنيّ مُتَوَهَّم لا تَخَرُّصٌ عَشوائيّ، يَنفي السِّياقُ مِقدارَه.

اختبار الاستِبدال

في الكَهف 104 ﴿وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا﴾، لو استَبدَلنا «يَحۡسَبُونَ» بِـ«يَظُنُّونَ» لانكَسَر المَعنى لأنّ «ظنّ» رُجحانٌ ذِهنيّ قابِلٌ للصَّوابِ والخَطأ، يَحتَمِل التَّرَدُّد، فيَضعُف التَّشنيع. أمّا «يَحۡسَبُونَ» فيُثبِت جَزمًا بمِقدارٍ مُعَيَّن (تَمام الإحسان) كأنّه مَفروغٌ مِنه — وَهذا الجَزمُ الواثِق بِالخَطأ هو مَناطُ التَّشنيع. وَلو استَبدَلناه بِـ«يَخۡرُصُونَ» لانكَسَر أيضًا، لأنّ الخَرص تَخمينٌ بِلا أَساس، بَينَما «حَسِبَ» يَستَنِد إلى ظاهِرٍ (سَعيٍ مَشهود) فيُسنِد إليه قَدرَ الإحسان زورًا.

تَرَدُّد لا يَستَقِرّ في مَوضِع كان مُقتَضاه الجَزم

الجَوهَر

الشَكّ مُراوَحَة القَلب بَين أَمرَين بِلا تَرجيح، يَقَع في حَقّ جاءَت دلائله أَو خَبَره (رِسالَة، كِتاب، آخِرَة، ذِكر، الله)، فَيُخِلّ بِما يَقتَضيه المَقام من اليَقين. لا يَأتي في القُرءان إلا مَذمومًا، ولا في أَمرٍ عاديّ.

المُمَيِّز

الشَكّ أَصل التَرَدُّد قَبل الرُسوخ. يَقَع في مَوضِعٍ نَزَلَت فيه البَيِّنات أَو سَبَقَ فيه الخَبَر الإلهيّ، فَيَكون رَدًّا لِلحَقّ لا سُؤالًا بَريئًا. مُتَعَلَّقُه في القُرءان كُلِّه دينيّ أَو أُخرَويّ، ويَقتَرِن بِـ«مُريب» في ستَّة مَواضِع — فَيَنقَلِب التَرَدُّد إلى اضطِرابٍ مُقلِق.

مَدى الاستِخدام

15 مَوضِعًا، كُلُّها بِصيغَة «شَكّ» (شَكّٖ 13، شَكّٞ 1، شَكّٖۗ 1). مُتَعَلَّقاتُه: ما أُنزِلَ (يونس 94، غافِر 34، صٓ 8)، الدِّين (يونس 104)، الدَعوَة (هود 62، إبراهيم 9)، الله نَفسُه (إبراهيم 10)، الآخِرَة (النَمل 66، سَبَإ 21، سَبَإ 54)، الكِتاب (هود 110، فُصِّلَت 45، الشُورى 14)، عيسى (النِساء 157)، يَوم الفَصل (الدُخان 9).

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا﴾
النِساء 157
﴿أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾
إبراهيم 10
﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ﴾
سَبَإ 54

اختبار الاستِبدال

الظَنّ تَرجيحٌ لِأَحَد الطَرَفَين (وقد يَكون مَحمودًا حين يَقَع في حَقّ الله، كَظَنّ المُؤمِنين بِرَبِّهِم)، أَمّا الشَكّ فَمُراوَحَة لا تَستَقِرّ على تَرجيح. النِساء 157 يُفَرِّق بَينَهما حَرفيًّا: الشَكّ في أَصل الحادِثَة، والظَنّ هو الذي يُتَّبَع بَدَلًا من العِلم. لو وُضِعَ «ظَنّ» مَكان «شَكّ» في إبراهيم 10 لَانقَلَب المَعنى من اسِتنكار التَرَدُّد إلى اسِتنكار التَرجيح، وهو غَير مُراد. الرَيب اضطِرابٌ مُقلِق ناتِجٌ عَن الشَكّ أَو مُصاحِبٌ لَه؛ ولِذا جاءَ «شَكّ مُريب» 6 مَرّات، فَالشَكّ مَوصوف بِالرَيب لا مُرادِف لَه. الرَيب يَنفيه القُرءان عَن الكِتاب (لا رَيبَ فيه)، أَمّا الشَكّ فَلا يُنفى عَن الكِتاب بِهذه الصيغَة. الشَكّ أَصل التَرَدُّد، والرَيب أَثَرُه القَلَقيّ.

اضطراب الجَزم القَلِق تُجاه الثَبوت والصِدق والعاقِبة

الجَوهَر

الرَيب شَكّ مُقلِق يَمَسّ ثَبوت الأَمر العَظيم أَو صِدقه أَو عاقِبَته، فيَزَعزِع جَزم القَلب ويَحمِل تُهمة وقَلَقًا، لا مُجَرَّد تَرَدُّد مَعرفيّ بارد.

المُمَيِّز

يَنفَرِد الرَيب عَن سائر جذور الحَقل بِأَمرَين: (1) أَنَّه الجذر الأَكثَر دَوَرانًا بِالنَفي التَوكيديّ ﴿لا رَيبَ فيه/فيها﴾ عَن الكِتاب والساعة ويَوم الجَمع والقيامة والبَعث، فالشاهد المَركَزيّ البَقَرَة 2 ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ — لا يُقال هُنا «لا شَكَّ» ولا «لا ظَنَّ»، لأَنَّ المَنفيّ تَحديدًا اضطراب الجَزم الذي يَنشَأ تُجاه الحَقّ المُتَيَقَّن؛ فالنَفي يَستَهدِف القَلَق المُحتَمَل من العَظيم لا مُطلَق التَرَدُّد. (2) أَنَّه يَحمِل دائمًا مُكَوِّن «الاضطراب الباطنيّ» المَقرون بِالتُهمة (مُريب، ارتابوا، في رَيبهم يَتَرَدَّدون)، فيَلتَصِق بِالمُنافِقين والمُبطِلين، ويُقابِله ثَبات الإيمان ﴿ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ﴾ (الحُجُرَات 15). أَمَّا الجاثِية 32 فتَجمَع البِنيَة كامِلَة: نَفي الرَيب عَن الساعة مُقابِل قَولهم ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ﴾ — فالظَنّ عِندهم رُجحان بارد، والرَيب المَنفيّ هُنا هو اضطراب الجَزم الذي كانوا فيه فِعلًا.

مَدى الاستِخدام

مَسلَكان: (أ) المَسلَك الغالِب — الرَيب شَكًّا مُقلِقًا يُنفى عَن الحَقّ المُتَيَقَّن (الكِتاب، الساعة، القيامة، البَعث، يَوم الجَمع) ويُثبَت في قُلوب المُرتابين والمُبطِلين والمُنافِقين، أَو ارتيابًا عَمَليًّا في الشَهادة والعِدّة والدَّين. (ب) المَسلَك الفَريد — «رَيۡب المَنون» (الطُّور 30) أَي تَرَبُّص حَوادث الدَهر والهَلاك، وهُو يَلتَقي بِالمَسلَك الأَوَّل من جِهَة قَلَق العاقِبة.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿﴾
البَقَرَة 2
﴿﴾
الجاثِية 32
﴿﴾
سَبَإ 54

اختبار الاستِبدال

في البَقَرَة 2 ﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾ لا يَصِحّ استبدال «لا شَكَّ فيه» لأَنَّ النَفي مَقصود فيه إِبعاد الاضطراب القَلِق المُحتَمَل من العَظيم، لا مُجَرَّد التَرَدُّد المَعرفيّ. والقُرءان نَفسه يَكشِف الفَرق بِوَصف الشَكّ بِأَنَّه «مُريب» (سَبَإ 54، إبراهيم 9، هود 62، 110، فُصِّلَت 45، الشُّوري 14، قٓ 25) — فالرَيب صِفة كَيفيَّة لِلشَكّ تُضيف القَلَق والتُهمة، ولَو تَرادَفا لَكان الوَصف لَغوًا. الجاثِية 32 تَفصِل بَينهما بِبِنيَة واحِدَة: ﴿وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا﴾ في الخِطاب الإلَهيّ، ثُمَّ ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا﴾ في رَدّهم. الظَنّ هُنا رُجحان بارد بِلا جَزم، والرَيب اضطراب يَزَعزِع الجَزم؛ ولِذَلِك يُنفى الرَيب عَن الحَقّ ولا يُنفى الظَنّ عَنه بِهذه البِنيَة. كَذَلِك لا يُقال «لا ظَنَّ في الكِتاب» — فالظَنّ قَد يَكون مَحمودًا (البَقَرَة 46)، أَمَّا الرَيب فلا يَأتي مَحمودًا أَبَدًا.

تَرَدُّد مُنازِع في الحَقّ بَعد بَيانه — مِريَة باطِنَة أَو مُماراة ظاهِرَة

الجَوهَر

المِريَة تَرَدُّد لا يَطمَئِنّ لِلحَقّ بَعد ظُهوره، يَمتَدّ إلى مُراجَعَة ومُجادَلَة. تَظهَر باطِنًا في «مِرۡيَة» وظاهِرًا في «المُمتَرين» و«المُماراة» و«الامتِراء»، وتَرِد غالِبًا مَنهيًّا عَنها أَو وَصفًا لِلكافِرين في الحَقّ والساعَة والنُذُر والرُؤيَة.

المُمَيِّز

الشَكّ تَرَدُّد يُخِلّ بِالجَزم دون مُنازَعَة؛ المِريَة تَرَدُّد يَدخُل في المُراجَعَة والمُجادَلَة. الرَيب قَلَق يُزَعزِع الثُبوت داخِليًّا؛ المِريَة قَد تَظهَر جِدالًا ومُماراة. الظَنّ تَقدير ذِهنيّ راجِح أَو موهوم؛ المِريَة مُنازَعَة لِلحَقّ أَو الخَبَر بَعد ظُهوره. الحُسبان حُكم تَقديريّ ابتِدائيّ؛ المِريَة رَدّ فِعل عَلى بَيان سابِق.

مَدى الاستِخدام

تَرِد في سياق الحَقّ من الرَبّ (البَقَرَة 147، آل عِمران 60، الأنعَام 114، يونس 94)، والكِتاب (هود 17، 109، السَجدَة 23، فُصِّلَت 54)، وعيسى (مَريَم 34)، وعَدَد أَصحاب الكَهف (الكَهف 22)، والساعَة (الشورى 18، الحج 55)، والرُؤيَة (النَجم 12، 55)، والنُذُر (القَمَر 36)، والبَعث (الأنعَام 2، الدُخان 50). الغالِب صيغَة النَهي أَو وَصف الكافِرين.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾
البَقَرَة 147
﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا﴾
الكَهف 22
﴿أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ﴾
الشُّوري 18

اختبار الاستِبدال

لَو وُضِع «الشاكّين» مَكان «المُمتَرين» لَسَقَط مَعنى المُراجَعَة بَعد البَيان وبَقي تَرَدُّد ساكِن؛ ولَو وُضِع «المُرتابين» لَأَفاد قَلَقًا داخِليًّا لا جِدالًا مَع الحَقّ. لا يَصِحّ «فَلَا تَشُكَّ فيهِم إلا شَكًّا ظاهِرًا» — الشَكّ حالَة قَلبيَّة لا تَتَّصِف بِـ«ظاهِر»؛ والمِريَة وَحدَها تَحمِل البُعد الجَدَليّ الخارِجيّ. «يَشُكّون في الساعَة» يُفيد تَرَدُّدًا فَردِيًّا، أَمَّا «يُمارون» فيُضيف مُنازَعَة وجِدالًا مُستَمِرًّا — ولِذا قُرِنَت بِالضَلال البَعيد لا بِنَقص اليَقين فَقَط.

التَخمين المَذموم — قَولٌ بِالظَنّ يَدّعي العِلم

الجَوهَر

خَرْصٌ = نُطقُ ما لا يُعلَم بِبُرهان، اتِّباعًا لِلظَنّ؛ هو الظَنّ حين يَصير قَولًا مَسموعًا يَدّعي الحَقيقَة. كُلّه في القُرءان مَذموم (5/5).

المُمَيِّز

مَصدر القَول = الظَنّ، لا العِلم ولا الوَحي. · صاحِبه قد يَتَوَهَّم صِدقَه (بِخِلاف الكَذِب المُتَعَمَّد). · لا يَرِد إلا في صيغ المُضارِع (يَخرُصون/تَخرُصون) وصيغة المُبالَغة (الخَرَّاصون) — لا ماضٍ ولا مَصدَر. · 4/5 مَواضِع مَسبوقَة بِـ«إنْ يَتَّبِعون إلا الظَنّ» تَركيبًا ناظِمًا: الظَنّ مَأخَذ، الخَرص نُطق.

مَدى الاستِخدام

5 مَواضع، 3 صيغ، 4 سُوَر. كُلُّها ذَمّ لِلمُشركين والمُكَذِّبين. تَركُّز نِسبيّ في الأَنعام (2/5). البِنيَة الناظِمَة: «إنْ يَتَّبِعون إلا الظَنّ وإنْ هُمْ إلا يَخرُصون» تَتَكَرَّر شِبه حَرفيًّا في الأَنعام 116، يونس 66، الأَنعام 148 (بِالخِطاب). الزُّخرف 20 يُقابِل صَريحًا «العِلم» بِـ«الخَرص». الذاريات 10 صيغة مُبالَغَة في دُعاءٍ بِالهَلاك.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ﴾
الأنعام 6:116
﴿مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ﴾
الزخرف 43:20
﴿قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ﴾
الذاريات 51:10

اختبار الاستِبدال

ظنن = الفِعل القَلبيّ الباطِنيّ (قد يُحمَد كَظَنّ المؤمنين بِرَبّهم، البَقَرَة 46). خرص = نُطق ذلك الظَنّ ادّعاءً لِلحَقّ، ولا يُحمَد البَتَّة. لا يَقوم «يَظُنّون» مَقام «يَخرُصون» في الأَنعام 116: الأَولى تَصِف الباطِن، والثانيَة تَصِف خُروج القَول. القُرءان نَفسه يَجمَعهما لِيُبَيِّن أَنَّ أَحَدهما عِلَّة الآخَر، لا مُرادِف له. حسب = تَقدير عَقليّ بِناءً على قَرينَة (قد يُصيب وقد يُخطئ، وكَثيرًا ما يُحمَد كَحُسبان النَّجم والشَمس). خرص = قَولٌ بِلا قَرينَة أَصلًا، اتِّباعًا لِلظَنّ المَحض. الحُسبان فيه أَثَر عَقل، والخَرص نُطقٌ يَتَجاوَز قُصور العَقل ادّعاءً. استِبدال «يَحسَبون» بِـ«يَخرُصون» في الذاريات 10 يُسقِط الذَمّ كُلَّه.

إنشاءُ نِسبَةٍ مُختَلَقَةٍ تُلصَق بِمَصدَرٍ لا يَستَحِقّها — ادِّعاءٌ مَبنيٌّ على ظَنٍّ افتِرائيّ

الجَوهَر

«فري» في وَجهه الذي يَمَسّ حَقل الظَنّ: إنشاءُ نِسبَةٍ باطِلَةٍ وإِلصاقُها بِمَصدَرٍ — غالِبًا الله — بِغَير حَقّها. ليس مُجَرَّد كَذِبٍ لَفظيّ، بَل ادِّعاءُ إسنادٍ لا أَصلَ لَه: حُكمٌ يُنسَب إلى الله بِلا إذن، أَو قُرءانٌ يُزعَم اختِلاقُه. الادِّعاء هُنا قَولٌ جازِمٌ بِغَير عِلم، فيه ظَنٌّ يَدَّعي اليَقين، فَيَنتَمي إلى حَقل الظَنّ من جِهَة كَونه قَولًا بِلا بُرهان.

المُمَيِّز

في حَقل الظَنّ والشَكّ: «فري» يَتَجاوَز التَرَدُّد الباطِنيّ (ظنن، ريب، شكك) إلى الإِعلان والإِسناد. ظَنّ ⇐ تَرجيحٌ في النَفس؛ شَكّ ⇐ تَرَدُّد؛ ريب ⇐ قَلَق داخِليّ؛ خرص ⇐ قَولٌ بِالظَنّ بِلا عِلم؛ «فري» ⇐ يَأخُذ الظَنّ الادِّعائيّ ويُلصِقه بِمَصدَرٍ مُحَدَّد (الله، القُرءان) بِصيغَة الإِسناد الجازِم. الكَذِب مادَّة القَول (مُخالَفَة الواقِع)، و«فري» طَريقَة الإِسناد. لِذلك يَجتَمِعان كَثيرًا ﴿ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ ولا يَتَرادَفان. يَتَعَدَّى بِـ«على» (23 مَوضِعًا) كاشِفًا جِهَة الإِسناد الباطِل، ويَقتَرِن بِلَفظ «الله» (23 مَوضِعًا).

مَدى الاستِخدام

الافتِراء على الله: نِسبَة قَولٍ أَو حُكمٍ أَو تَحليلٍ وتَحريمٍ إليه بِغَير حَقّ (الغالِب الساحِق) · زَعم افتِراء القُرءان: ادِّعاء أَنّه مُختَلَقٌ من دون الله · الفَرۡي المُطلَق: مَوضِع واحِد في مَريَم ﴿شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا﴾ — خارِج حَقل الظَنّ، يَدخُل حَقل الفِعل المُنكَر الوَجه الداخِل في حَقل الظَنّ هو المَسلَكان الأَوَّلان (الإِسناد المُختَلَق)؛ الفَرۡي المُطلَق في مَريَم يَنتَمي حَقل الفِعل لا حَقل القَول.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾
هود 18
﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾
يونس 37
﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ﴾
النحل 116

اختبار الاستِبدال

النحل 116 ﴿لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ﴾ غَير سائغ بِنيويًّا. «خرص» قَولٌ بِالظَنّ بِلا عِلم لكنّه لا يَتَعَدَّى بِـ«على» ولا يَحمِل دَلالَة الإِسناد المُتَعَمَّد إلى مَصدَرٍ مُعَيَّن. الافتِراء يَستَلزِم جِهَةَ إِسنادٍ يُنسَب إليها الباطِل (الله، القُرءان)، أَمّا الخَرص فَقَولٌ مَطروحٌ في الفَضاء بِلا حَقّ. لِذلك ﴿إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ﴾ (الأَنعام 116) تَأتي بِلا «على»، و﴿يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ﴾ تَأتي بِجِهَة إِسناد. الفَرق: خرص ⇐ ظَنّ يُقال؛ فري ⇐ ظَنّ يُسنَد.

البُهۡتَان: ادِّعاءٌ مُباغِتٌ يَأخُذُ المَوصوفَ على غِرَّةٍ فيُذهِلُه ويَقطَعُ عنه الدَّفع

الجَوهَر

جذر يَدورُ على المُفاجَأة المُذهِلَة التي تَقطَعُ اللِّسانَ والحُجَّةَ معًا. تَتَجَلَّى في وَجهَين: (أ) الإفحام بحُجَّة لا تُرَدُّ فيَبقى المُحاجَجُ صامتًا (بَقَرَة 258، أنبياء 40)؛ (ب) إلصاقُ كَذِبٍ فاجِرٍ ببَريءٍ يَأخُذُه على غَفلَةٍ بلا دَليل (6 مَواضِع). الجامِعُ بَين الوَجهَين: انقطاعُ الجَوابِ ودَهشَةُ المَوصوف.

المُمَيِّز

ما يَخُصُّ «بهت» دون سائرِ حَقلِ الكَذِب والظَّن: عُنصُرُ المُباغَتَة + الإذهال + عَجزُ المَوصوفِ عن الرَّدِّ آنيًّا. ليس مُجَرَّدَ كَذِبٍ (كَذَب)، ولا قَلبَ واقِعٍ (إفك)، ولا اختِلاقًا ابتِدائيًّا (فِرية)، بل ادِّعاءٌ يَنزِلُ على المَوصوفِ نُزولَ الصاعِقَة فيَبقى مَأخوذًا. صيغةُ «فُعۡلَان» (بُهۡتَان 6 مَرّات) تُفيدُ الفَيَضانَ المُفاجِئ.

مَدى الاستِخدام

النِّساء (3/8 = 37٫5٪) «بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا» (3 مَواضِع: النساء 20، 112، الأحزاب 58)

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ﴾
البَقَرَة 258
﴿سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ﴾
النور 16
﴿بَلۡ تَأۡتِيهِم بَغۡتَةٗ فَتَبۡهَتُهُمۡ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾
الأنبياء 40

اختبار الاستِبدال

«فِرية» تَركيزُها على فِعلِ الاختِلاقِ من جِهَةِ الفاعِل (افتَعَلَ كَذِبًا من عِندِه)، فهي وَصفٌ لمَصدَرِ الكَذِب. «بُهتان» تَركيزُها على وَقعِ الادِّعاء على المَوصوف (أخَذَهُ على غِرَّة فأذهَلَه)، فهي وَصفٌ لأثَرِ الكَذِب. الدَّليلُ النَّصِّيّ: المُمتَحنَة 12 ﴿وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ﴾ — جَمَعَ الجَذرَين فجَعَلَ «يَفتَرين» فِعلَ الاختِلاق، و«بُهتان» اسمَ الناتِجِ المُذهِل. لو استُبدِلَت «فِرية» بـ«بُهتان» في النور 16 لفُقِدَ مَعنى المُفاجَأة الفاجِرَة، ولو استُبدِلَت «بُهتان» بـ«فِرية» في الأنبياء 40 لانهارَ المَعنى لأنَّ السَّاعَةَ لا تَختَلِق.

المِحوَر المُضادّ — يَكشِف الحَقل بِنَقيضه

المِحوَر المُضادّ — يَكشِف الحَقل بِنَقيضه

ضَبط الحَدّ والمِقدار الذي عَلَيه يَجري الشَيءُ — قُدرَةً وَتَقديرًا وَتَضييقًا

الجَوهَر

الجَذر يَدور على إحكام الشَيء على حَدّ ومِقدار يُعَيِّن وَسعَه وصورته وأَثَره، مَع القُدرة على إنفاذ ذلك الحَدّ أَو تَضييقه أَو بَيانه. يَنتَظم في 132 موضعًا تَحت خَمسة مَسالك: القُدرة الإلَهيّة المُطلَقة، وَإحكام الخَلق، وَالمِقدار الزَمَنيّ والكَمّيّ، وَتَضييق الرِزق، وَعَجز القُدرة البَشَريّة.

المُمَيِّز

قدر يَختَلِف عَن بَقيّة حَقل الظَنّ والشَكّ بِأَنه ليس تَخمينًا ولا حُسبانًا ولا ارتيابًا، بَل تَعيين حَدّ مَوضوعيّ ثابت قَبل الفِعل أَو مَعَه. حَيث الظَنّ والشَكّ يَفتَرِضان غياب اليَقين، فالقَدر يَفرِض حُضور الحَدّ المُحكَم — حَتّى في «وَما قَدَروا الله حَقّ قَدره» يَكون الذَمّ على إخفاق البَشَر في إدراك المِقدار الحَقّ، لا على شَكّهم فيه.

مَدى الاستِخدام

أَكثَره إلَهيّ مَحض (القُدرة، التَقدير، تَضييق الرِزق بِفِعل إلَهيّ مَبنيّ لِلمَجهول). يَأتي بَشَريًّا في حالَتَين: إثبات العَجز (لَا يَقدِرونَ على شَيء)، وَذَمّ المُحاكاة (فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّر — المُدَّثِّر 19) حين يَتَقَمَّص البَشَر فِعل الإحكام الإلَهيّ.

شَواهِد

﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾
الفرقان 2التَقدير مَعطوف على الخَلق لا مُساوٍ لَه — يَكشِف أَنّ الإيجاد شَيء وَإحكام الحَدّ شَيء آخَر.
﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾
القمر 49تَعميم بِلا استِثناء: كُلّ شَيء داخِل مِقدار مَضبوط — قَطعيّ في نَفي العَشوائيّة.
﴿ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ﴾
الرعد 26التَضييق فَرع رِزقيّ مُقابِل لِلبَسط — يُبَرهِن أَنّ قدر ضَبط الحَدّ لا قُوّة مُجَرَّدة.

اختبار الاستِبدال

في الفُرقان 2 ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾، لو استَبدَلنا «قَدَّره» بِـ«ظَنَّه» أَو «حَسِبَه» أَو «شَكَّ فيه» لَانكَسَر المَعنى انكِسارًا تامًّا: الفِعل الإلَهيّ بَعد الخَلق ليس حَدسًا ولا عَدًّا ولا ارتيابًا، بَل إحكام الحَدّ المَوضوعيّ على المَخلوق. حَتّى استِبدال «حَسَبَه» (الذي يُقارِبه في حَقل الحِساب والوَزن) يَخسَر بُعدَ الإنفاذ والتَعيين القَبليّ، وَيُحَوِّل التَقدير إلى مُجَرَّد عَدّ بَعديّ.

اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة — حَيث تَجتَمِع الجذور

ريب + ظنن + دري + يقن الجاثيَة 32
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ﴾

تَقابُل ثُلاثيّ في آيَة واحِدَة: نَفي الرَيب الإلَهيّ (لا رَيبَ فيها) ↔ إِثبات الظَنّ البَشَريّ (إنْ نَظُنُّ إلَّا ظَنًّا) ↔ نَفي اليَقين (بِمُستَيقِنين). الكاشِف: ظَنّ + ريب ليسا مُتَرادِفَين، بَل أَحَدُهما يَقَع حَيث لا يَكون الآخَر.

شكك + ظنن النِساء 157
﴿وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا﴾

الشَكّ والظَنّ يَجتَمِعان في آيَة لا كَمُتَرادِفَين بَل كَدَرَجَتَين: «لَفي شَكٍّ» (تَرَدُّد بَين أَمرَين)، «اتِّباع الظَنّ» (حُكم راجِح بِلا قاطِع). كِلاهُما يَنفي العِلم، لَكِنَّهما يَفعَلانه بِطَريقَتَين مُختَلِفَتَين.

ظنن النَجم 23 + 28
﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ … وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا﴾

الظَنّ المَذموم: «لا يُغني من الحَقّ شَيئًا» — تَحديد دَقيق: الظَنّ في القُرءان لا يَرتَفِع لِمَنزِلَة الحَقّ، لَكِنَّه قَد يَكون يَقينًا حَسَبَ مُستَنَدِه (وَجهان لِنَفس الجَذر).

فري النَحل 116
﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ﴾

فري + «على» = الإِسناد الجازِم بِلا عِلم. التَعدية بِـ«على» حَصريَّة لِـفري في هذا الحَقل، لا تَدخُل ظنن ولا شكك ولا خرص.

بهت + فري المُمتَحَنَة 12
﴿وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ﴾

بُهتان + يَفتَرين في عِبارَة واحِدَة: فِرية = فِعل الاختِلاق، بُهتان = أَثَر الادِّعاء على المَوصوف (الذُهول والإفحام). تَلازُم بِنيويّ، لا تَكرار.

ظنن + خرص الأَنعام 116
﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ﴾

النَمَط الناظِم لِخرص: يَتَكَرَّر في 4/5 مَواضع. الظَنّ مَأخَذ نَفسيّ، الخَرص نُطق ادِّعائيّ — البِنيَة تَكشِف: الظَنّ يَسبِق، الخَرص يَتَبَع.