قَ
قَولات
موسوعة جذور القرءان

الغايات والأَخلاق والجَزاء · الإيمان والعِبادَة · حَقل #77

الفُروق الدَقيقَة بَين جذور الذَنب والخَطَأ والإِثم في القُرءان الكَريم

تِسعَة جذور تَدور كُلّها حَول «الفِعل المَذموم» — من الذَنب الجامِع لِكُلّ ما يَستَوجِب اللَوم، إلى الإِثم بِالتَحَرُّج عَن الحَقّ، الجُرم بِالقَطع الجازِم، الخَطَأ ذي الوَجهَين (غَير قَصديّ ↔ جَحوديّ)، السوء كَأَثَر يُقابِل الحُسن، الوِزر بِاستِعارَة الحَمل عَلى الظُهور، الحوب فَريدًا لِأَكل مال اليَتيم، اللَمَم لِالصَغائر العابِرَة، وَالوَبال لِالعاقِبَة التي تُذاق.

القارِئ السَريع يَظُنّها مُتَرادِفَة — لَكِنّ النِساء 112 وَحدَها تَفصِل خَطيئَة وَإثمًا صَريحًا ﴿وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا﴾، وَالنَجم 32 تُقابِل اللَمَم بِكَبائِر الإِثم.

هَذا الحَقل في قَولات يَضُمّ 22 جَذرًا؛ اختَرنا التِسعَة التي تَدور حَول «الفِعل المَذموم العامّ»، وَتَركنا الجذور التي تَخُصّ مَعصيَةً مُحَدَّدَة (زني، سفح، فحش، نشز، حنث، فجر…) لِأَنّها تَنتَمي لِحُقول مُستَقِلَّة بِأَفعال شَنيعَة بِعَينها.

9جذور دلاليّة 0مِحوَر مُضادّ 6اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة

الجذور الدَلاليَّة في الحَقل

اضغط أيّ جَذر لِعَرض تَحليله الكامِل: الجَوهَر · المُمَيِّز · مَدى الاستِخدام · شَواهِد جَوهَريَّة · اختبار الاستِبدال.

الذَنب الجامِع: تَبِعَة تَلحَق صاحِبَها فَتُؤخَذ بِها أَو تُغفَر

الجَوهَر

الذَنب في القُرءان هو التَبِعَة اللاحِقَة بِالفاعِل بِسَبَب فِعل أَو مَوقِف يَستَوجِب المُؤاخَذَة. لا يَنظُر إلى الفِعل من جِهَة وَصفِه، بَل من جِهَة ما يَلحَق صاحِبَه. يَتَلازَم في القُرءان مَع الأَخذ والإِهلاك من جِهَة، ومَع الاستِغفار والمَغفِرَة والاعتِراف من جِهَة أُخرى.

المُمَيِّز

ذنب الجِنس الأَعَمّ في حَقل المَلامَة: يَستَوعِب الصَغير والكَبير، ويَنظُر إلى الفِعل من جِهَة تَبِعَتِه اللاحِقَة لا من جِهَة وَصفِه. يُمَيَّز عَن قَريبِه: السَيِّئَة تُبرِز قُبح العَمَل وأَثَرَه، والإِثم يُبرِز حَمل المُخالَفَة والتَحَرُّج، والخَطيئَة تُبرِز وُقوع الزَلَل، والجُرم يُبرِز القَطع الجازِم؛ أَما الذَنب فيُبرِز ما يَلحَق صاحِبَه من مُؤاخَذَة أَو حاجَة إلى مَغفِرَة. ولِذلك يُسنَد لِالأَنبياء (يوسف، نوح، مُحَمَّد) كَـ﴿ذَنۢبِكَ﴾ ولا يُسنَد إلَيهِم ما يَحمِل وَصف القُبح الذاتيّ.

مَدى الاستِخدام

بَشَريّ بِالكامِل، يَرِد 39 مَوضِعًا في 37 آيَة، كُلُّها أَسماء (لا فِعل مُتَصَرِّف). يُسنَد لِلأُمَم المُهلَكَة (آل فِرعَون، القُرون، ثَمود)، ولِلأَنبياء كَمَوضِع استِغفار ومَغفِرَة، ولِلمُؤمِنين كَمَوضِع اعتِراف وتَوبَة، ولِلمَوؤودَة كَنَفي تَبِعَة. يَتَّسِع في الذاريات 59 إلى نَصيب مُقَدَّر من عاقِبَة الظُلم.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾
آل عمران 135الذَنب مَحَلّ الاستِغفار، والمَغفِرَة مَردُّها إلى الله وَحدَه؛ الجامِع بَين الفاحِشَة وظُلم النَفس تَحت لَفظ واحِد.
﴿لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا﴾
الفتح 2إِسناد الذَنب لِلنَبيّ في مَقام المَغفِرَة؛ يَكشِف أَنّ ذنب لا يَحمِل وَصف القُبح الذاتيّ بَل تَبِعَة تُرفَع.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمۡدَمَ عَلَيۡهِمۡ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمۡ فَسَوَّىٰهَا﴾
الشمس 14الذَنب سَبَب نَصّيّ لِالعاقِبَة (الدَمدَمَة)؛ يَكشِف مَسلَك الأَخذ والإِهلاك في مُقابِل مَسلَك المَغفِرَة.

اختبار الاستِبدال

في آل عِمران 135 ﴿فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ﴾، لَو استُبدِلَت ذُنوبِهِم بِـإِثمِهِم انكَسَرَ المَعنى: الإِثم يَنظُر إلى حَمل المُخالَفَة والتَحَرُّج عَن الحَقّ، أَما الذَنب فَيَنظُر إلى التَبِعَة اللاحِقَة المَطلوب رَفعُها بِالاستِغفار. كَذلك في الفَتح 2 ﴿مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ﴾ لا يَصِحّ استِبدالُها بِـجُرمِكَ أَو خَطيئَتِكَ لِأَنّ الجُرم يَحمِل القَطع الجازِم والخَطيئَة تَحمِل وُقوع الزَلَل، وكِلاهُما يُخالِف مَقام إِسناد اللَفظ لِلنَبيّ. الذَنب وَحدَه يَنظُر إلى ما يَلحَق صاحِبَه من تَبِعَة قابِلَة لِلرَفع، فَيَستَوعِب إِسناده لِلأَنبياء والأُمَم والمُؤمِنين مَعًا.

حَملُ وِزرِ فِعلٍ مُحَرَّمٍ عَن عِلمٍ وقَصدٍ

الجَوهَر

«ءثم» في القُرءان هو الفِعل المُحَرَّم الذي يَحمل فاعِلُه وِزرَه عَن عِلمٍ بِحُرمَتِه وقَصدٍ لارتِكابِه، فيَلزَمه اللَوم القَلبيّ والتَبِعَة الأُخرَويّة. ويَتَكَوَّن الإثم من ظاهِرٍ وباطِنٍ، يَقبَل التَكاثُر والكِبَر، ويَنقَلِب وَصفًا ذاتيًّا في صيغَة «أَثيم».

المُمَيِّز

يُفارِق «ءثم» جذورَ الحَقل بِجَمعِه ثَلاثَة شُروط في آنٍ واحِد: العِلم بِالحُرمَة + القَصد + تَحَمُّل الوِزر. «خطء» يَختَصّ بالفِعل غَير المَقصود (الخَطأ المَعفوّ). «ذَنب» أَعَمّ، يُكتَسَب ولا يَشتَرِط العَمد. «جُرم» يَختَصّ بالقَطع والقَطيعَة. «وِزر» يَختَصّ بالثِقَل المَحمول لا بِالفِعل. «سَيِّئَة» تَنظُر إلى الأَثَر لا إلى القَصد. القَرينَة الحاسِمَة في النساء 112 ﴿وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا﴾ — العَطف بِـ«أَو» يُثبِت تَمايُز الإثم عَن الخَطيئَة. ويَتَلازَم الإثم في 8 آيات مع «العُدوان»، ويوصَف بـ«كَبير» و«مُبين»، فيَكشف أَنّه فِعل يَخرُج بِأَثَرِه إلى الغَير.

مَدى الاستِخدام

بَشَريّ مَحض، يُذكَر مَع كِبار المُحَرَّمات: أَكل أَموال الناس بالباطِل (البقرة 188)، الخَمر والمَيسِر (البقرة 219)، البُهتان والافتِراء (النساء 20، 112)، كِتمان الشَهادَة (البقرة 283)، الظَنّ السَيِّئ (الحُجُرات 12)، النَجوى (المُجادلة 8-9)، تَبديل الوَصيَّة (البقرة 181)، التَعاوُن على العُدوان (المائدة 2). يُرفَع الإثم عِند الاضطِرار (البقرة 173، المائدة 3) وفي الإصلاح بَين المُتَخاصِمَين (البقرة 182). يَنتَفي الإثم بِنيويًّا في الجَنّة (الطور 23، الواقعة 25).

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَا﴾
البقرة 219الآيَة الوَحيدَة التي تُقابل صَريحًا بَين «الإثم» و«النَفع»، فيَنكَشِف الجَوهَر: الإثم ضِدّ النَفع في المُحَصِّلَة الأُخرَويّة، ولو احتَوى الفِعل على نَفع آنيّ. ومَجيء «كَبير» وَصفًا للإثم يَدلّ أَنّه قابِل لِالكِبَر.
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ﴾
المائدة 2التَقابُل الرُباعيّ: «الإثم + العُدوان» في كَفَّة، «البِرّ + التَقوى» في كَفَّة. فلا يُقابِل القُرءان «الإثم» بِـ«البِرّ» وَحدَه، بَل يَجعلهما بِنيَتَين مُقابِلَتَين، يَكشف أَنّ الإثم لَيس فِعلًا داخِليًّا مَحضًا بَل يَخرُج بِأَثَرِه عُدوانًا على الغَير.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞ﴾
الحجرات 12تَصنيف نَفسانيّ نادِر: الظَنّ ـ وهو فِعل قَلبيّ ـ يَصير إثمًا بِنيَويًّا. فيَكشف أَنّ الإثم يَشمَل الباطِن لا الظاهِر فَحَسب ﴿وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓ﴾ (الأنعام 120)، وأَنّ شَرط العِلم والقَصد لا يَستَلزِم فِعلًا جارِحيًّا.

اختبار الاستِبدال

في البقرة 219 ﴿فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ﴾ لَو استَبدَلنا «إثم» بِـ«ذَنب» لَانكَسَر التَخصيص: «ذَنب كَبير» يُحيل إلى المَلام العامّ، بَينَما «إثم كَبير» يُلازِم تَحَرُّج النَفس عَن الحَقّ مَع عِلمِها بِحُرمَة الفِعل. ولَو استَبدَلناه بِـ«خَطيئَة» لَفُقِدَ شَرط القَصد، إذ الخَطيئَة قَد تَكون غَير مَقصودَة. ولَو استَبدَلناه بِـ«جُرم» لَدَلَّ على القَطيعَة لا على الحَمل الباطِنيّ لِالوِزر. فالإثم يَنفَرد بِجَمع الشُروط الثَلاثَة (عِلم + قَصد + تَحَمُّل) التي لا يَسُدُّ مَسَدَّها مُرادِف.

الجُرم: فِعل قاطِع يَسِم صاحِبَه فَيُفرَز في جَماعَة المُجرِمين

الجَوهَر

الجُرم في القُرءان فِعل قاطِع جازِم نَحوَ المُحَرَّم، تَبعَتُه فاصِلَة لا عارِضَة. مِن هذا الجَذر يَنشَأ وَصف ثابِت لِالفاعِل «المُجرِم» يَتَكَرَّر في وَصف أَهل النار، وَيَظهَر في تَركيب «لا جَرَمَ» المُثبِت لِنَتيجَة لازِمَة، وَفي تَركيب «لا يَجرِمَنَّكُم» الناهي عَن أَن يَحمِل الشَنَءان على فِعل قاطِع.

المُمَيِّز

يَتَمَيَّز جرم بِأَنّ الجَذر يُولِّد اسمًا ثابِتًا لِالفاعِل («المُجرِمين/المُجرِمون» 50+ مَوضِع، 52 من 66) فَيَفرِز جَماعَة بِأَكمَلِها، بَينَما ذَنب يَبقى وَصفًا لِالفِعل قَد يُغفَر وَيُحمَل. الجُرم أَجزَم وَأَقطَع، وَالذَنب أَعَمّ. تَركيب «لا جَرَمَ أَنَّ» (5 مَواضِع: هود 22، النحل 23، 62، 109، غافر 43) إثبات قاطِع لِنَتيجَة، وَهو كاشِف لِالمَعنى الجَذريّ: قَطع جازِم لا تَرَدُّد فيه.

مَدى الاستِخدام

بَشَريّ بَحت، يَختَصّ في غالِب المَواضِع بِالكُفّار وَالمُكَذِّبين وَأَهل النار. وَصف «المُجرِمين» يَقتَرِن بِالسَوق إلى جَهَنَّم (مريم 86)، وَالامتياز يَوم القيامة (يس 59)، وَالفَرز يَوم الفَصل (المرسلات 18، 46). تَركيب «لا يَجرِمَنَّكُم» (المائدة 2، 8، هود 89) يَنهَى المُؤمِنين عَن أَن يَحمِلَهُم الشَنَءان على ظُلم.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾
الفرقان 31الجَذر يَصوغ جَماعَة ثابِتَة (المُجرِمين) تُجعَل عَدُوًّا لِكُلّ نَبيّ، فَالوَصف بِنيَويّ لازِم لا عارِض
﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ﴾
هود 22تَركيب «لا جَرَم» يُثبِت النَتيجَة إثباتًا قاطِعًا، كاشِف لِالمَعنى الجَذريّ: قَطع جازِم لا تَرَدُّد فيه
﴿وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾
يس 59الفَرز يَوم القيامة بِالوَصف نَفسِه: المُجرِمون جَماعَة مَفروزَة بِجُرمِها عَن المُؤمِنين

اختبار الاستِبدال

في الفُرقان 31 ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾، لَو استَبدَلنا «المُجرِمين» بِـ«المُذنِبين» يَنكَسِر المَعنى لِأَنّ الجَذر هُنا يَدُلّ على وَصف ثابِت لِالفاعِل قَطَع طَريق العَداء قَطعًا جازِمًا، لا مُجَرَّد فِعل ذَنب قابِل لِالغُفران. وَكَذَلِك في «لا جَرَمَ» لا يَصِحّ استِبدالها بِـ«لا ذَنب» لِأَنّ التَركيب يُفيد القَطع بِالنَتيجَة لا نَفي التَبِعَة.

الخَطَأ وَجهان: فِعل غَير مَقصود يُعفى عَنه، وَخاطِئ مُتَعَمِّد يُؤاخَذ

الجَوهَر

الخَطَأ في القُرءان انحِراف الفِعل أَو الحال عَن جِهَة الصَواب. لَه وَجهان مُتَمَيِّزان داخل النَصّ: «أَخۡطَأۡنا/خَطَـًٔا» لِما يَقَع بِغَير قَصد فيُرفَع عَنه الجُناح، وَ«الخاطِئون/الخاطِئَة/خَطيٓـَٔة» لِلمُكتَسَب أَو الوَصف الجَحوديّ المُؤاخَذ. الجِسر بَينَهما هو ميزان القَصد.

المُمَيِّز

ما يُمَيِّز خطء عَن ذنب/إثم أَنّ الخَطَأ يَنقَسِم بِنيَويًّا داخل القُرءان نَفسه: ﴿أَخۡطَأۡتُم﴾ (الأَحزاب 5) وَ﴿خَطَـٔٗا﴾ (النِساء 92) لِالفِعل غَير المَقصود يُقابِله ﴿مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡ﴾؛ بَينَما ﴿ٱلۡخَٰطِـُٔونَ﴾ (الحاقَّة 37) وَ﴿بِٱلۡخَاطِئَةِ﴾ (الحاقَّة 9) وَ﴿خَاطِئَةٖ﴾ (العَلَق 16) وَصف لِلمُتَعَمِّدين الجاحِدين. الذَنب يَستَوعِب الفِعل المُؤاخَذ عُمومًا بِلا هذا الفَصل، وَالإثم يُرَكِّز على تَبِعَة الفِعل المُحَرَّم في ذاتِه. الجَذر يُقَنِّن داخل القُرءان فاصِل القَصد قَبل الحُكم.

مَدى الاستِخدام

بَشَريّ مَحض. الوَجه الأَوَّل غَير القَصديّ يُعفى عَنه (البَقَرة 286، الأَحزاب 5، النِساء 92 في القَتل الخَطَأ). الوَجه الثاني الجَحوديّ يَستَوجِب أَشَدَّ العِقاب (الحاقَّة 37 ﴿لَّا يَأۡكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡخَٰطِـُٔونَ﴾، يوسف 29 ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ﴾). 22 مَوضِعًا في 20 آيَة بِـ17 صيغَة.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا﴾
الإسراء 31الخَطَأ هُنا فَوات الصَواب الكَبير في فِعل قَتل الأَولاد لِخَشيَة الفَقر — وَصف الفِعل بِالانحِراف عَن جِهَة الصَواب، لا مُجَرَّد ذَنب عامّ
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا﴾
النِساء 92الوَجه الأَوَّل لِالجَذر: الفِعل الواقِع عَلى خِلاف الصَواب بِغَير قَصد القَتل، فَيُرَتَّب عَلَيه حُكم مُخَفَّف بِالدِيَة وَالتَحرير لا القِصاص
﴿لَّا يَأۡكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡخَٰطِـُٔونَ﴾
الحاقَّة 37الوَجه الثاني: الخاطِئ وَصف ثابِت لِالمُتَعَمِّد الجاحِد، مَقرون بِأَشَدّ العِقاب — يُقابِل تَمامًا «أَخۡطَأۡنا» المَعذور في البَقَرة 286

اختبار الاستِبدال

في الإسراء 31 ﴿إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا﴾، لو استَبدَلنا «خِطۡـٔٗا» بِـ«ذَنبًا» يَنكَسِر المَعنى لِأَنّ «خطء» يَدُلّ عَلى مُفارَقَة جِهَة الصَواب في الفِعل (قَتل الأَولاد لِخَشيَة الفَقر) بِوَصف بِنيَويّ، بَينَما «ذَنب» وَصف عامّ لِلفِعل المُؤاخَذ بِلا تَحديد جِهَة الانحِراف. وَفي الحاقَّة 37 ﴿لَّا يَأۡكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡخَٰطِـُٔونَ﴾ لا يَصِحّ «المُذنِبون» لِأَنّ الخاطِئ هُنا وَصف ثابِت مُلازِم لِالحال (مَع الحاقَّة 9 ﴿بِٱلۡخَاطِئَةِ﴾) لا فِعل عابِر.

السُوء: قُبحُ الأَثَر وكَراهَةُ الحال يَسوء صاحِبَه فيُكرَه

الجَوهَر

مادَّة مَحورُها قُبحُ الأَثَر وكَراهَةُ الحال — كُلُّ ما يَسوء صاحِبَه أَو غَيرَه فيُكرَه ويُنفَر مِنه. تَنتَظِم تَحتَه السَّيِّئَة (فِعل العَبد القَبيح وجَزاؤه)، وسُوء مُضافًا (سُوء الحِساب والدار والعَذاب)، والسَّوۡءَة (العَورَة المُوارَاة)، والمَساءَة النَفسيَّة، والتَقبيحُ الاستِنكاريّ في الفعل «سَاءَ».

المُمَيِّز

أَعَمّ كَلِمات الحَقل: يَصِف القُبحَ في أَثَر الفعل أَو صورَتِه أَو حال صاحِبه، فيَستَوعِب الضَرَر والبأس والشَرّ والخُبث والرِجس والرِجز جَميعًا تَحت مَحورِ كَراهَةِ الأَثَر. يَفتَرِق عَن «ضرر» بِأَنَّ الضَرَر إصابَةٌ بِأَذًى ماديّ أَو حِسّيّ لا يَلزَم أَن يَكون قُبحًا أَخلاقيًّا، بَينَما السُوء يَلزَمُه القُبح المَكروه. وعَن «بءس» بِأَنَّ البأس شِدَّة الضُرّ والبَلاء أَو القُوَّة الحَربيَّة، أَخَصّ بِشِدَّة الإصابَة، والسُوء أَوسَع يَشمَل قَبيحَ الفعل والجَزاء والحال. وعَن «شرر» بِأَنَّ الشَرَّ جِهَةُ فَسادٍ ومُقابِل الخَير في الذات والعاقِبَة، بَينَما السُوء يُرَكِّز قُبحَ الأَثَر المُؤذي في صورَة الفعل. وعَن «خبث» بِأَنَّ الخُبث رَداءَةٌ في الذات والجِنس تُقابِل الطَيِّب، والسُوء وَصف لِالأَثَر لا لِالجِنس. وعَن «رجس/رجز» بِأَنَّهُما نَجاسَةٌ مَعنويَّةٌ مَخصوصَة (الأَوثان، الخَمر، عَذاب مُعَيَّن)، والسُوء أَعَمّ. ويَنفَرِد السُوء بِبابَين لا يُشارِكُه فيهِما الحَقل: بابِ كَشف السَّوۡءة وسَترِها، وبابِ الفعل «سَاءَ» التَقبيحيّ الاستِنكاريّ على القَول والمَثَل، وبِالتَقابُل البِنيَويّ المُباشِر مَع «حسن» في الميزان.

مَدى الاستِخدام

وَرَد في 165 مَوضِعًا داخل 151 آيَة فَريدَة بـ73 صيغَة رَسم. يَتَوَزَّع عَلى أَربَعَة أَبواب: السُّوء/السَّيِّئَة اسمًا لِلفعل القَبيح ولِلجَزاء، والسَّوۡءَة لِلعَورَة وما يُوارى، والفعل «سَاءَ» لِلإحزان ولِلتَقبيح الاستِنكاريّ، وأَسَاءَ/أَسوَأ صيغَة تَفضيل تُقابِل أَحسَن. يَتَرَكَّز في النساء والأَعراف (14 آيَة لِكُلٍّ مِنهُما) ثُمَّ النحل (10) وغافر (8) ثُمَّ النمل والزُمَر (7 لِكُلٍّ).

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾
النساء 110الشاهد المَركزيّ: السُوء أَوسَع من الظلم، الظلم نَوع يَندَرِج تَحته، والسُوء يَستَوعِب كُلَّ فِعل قَبيح الأَثَر يَسوء صاحِبَه.
﴿فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾
الأعراف 22مَسلَك السَّوۡءَة المَكشوفَة — باب يَنفَرِد به السُوء في الحَقل: ما يُكرَه كَشفُه فيُوارى. لا يُشارِكه فيه ضرر ولا بءس ولا شرر ولا خبث ولا رجس ولا رجز.
﴿سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ﴾
الأعراف 177مَسلَك «سَاءَ» التَقبيحيّ الاستِنكاريّ على القَول والمَثَل — باب ثانٍ يَنفَرِد به السُوء، حُكم تَقبيحيّ لا يَقبَله بَقيَّة الحَقل.

اختبار الاستِبدال

لا يَستَقيم إبدال السُوء بِـ«ضرر» في ﴿بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا﴾ — السَّوۡءَة مَكشوفُ العَورَة، والضَرَر إصابَةٌ بِأَذًى لا يَحمِل بُعد القُبح المَكروه. ولا يَستَقيم إبداله بِـ«بءس» في ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا﴾ — البأس شِدَّةُ بَلاء أَو قُوَّةٌ حَربيَّة، والسُوء هُنا اسم لِلفعل القَبيح المُقابِل لِلحَسَنَة. ولا يَستَقيم إبداله بِـ«خبث» في ﴿سَآءَ مَثَلًا﴾ — الخُبث وَصف ذاتيّ يُقابِل الطَيِّب، والفعل «سَاءَ» حُكم تَقبيحيّ استِنكاريّ يَنفَرِد به السُوء. ولا يَستَقيم في ﴿سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ﴾ إبداله بِـ«رجس/رجز» لِأَنَّهُما نَجاسَةٌ مَعنويَّةٌ مَخصوصَة لا تُضاف لِالحِساب الإلَهيّ.

الثِقَل المَحمول الذي يَلزَم صاحِبَه ولا يَنتَقِل عَنه

الجَوهَر

«وزر» في القُرءان هو الحِمل الثَقيل من الإثم يَحمِله صاحِبه على ظَهرِه يَوم القيامَة، وهو لازِم لا يَنتَقِل إلى غَيرِه. يَتَفَرَّع الجَذر إلى أَربَعَة مَسالِك: الوِزر (الثِقَل المَحمول)، الوازِرَة (النَفس الحامِلَة)، الوَزير (المُعين على حَمل الأَمر)، والوَزَر (المَلجَأ المَنفيّ في القيامَة).

المُمَيِّز

يُفارِق «وزر» جذورَ الحَقل بِاستِعارَة الحَمل المَجازيّ على الظَهر التي تُلازِمه في 5 مَواضع («يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡ» الأنعام 31). يَتَكَرَّر القانون البِنيويّ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ﴾ في 5 مَواضع (الأنعام 164، الإسراء 15، فاطر 18، الزمر 7، النجم 38) فيُثبِت لُزوم الوِزر لِصاحِبه وامتِناع انتِقاله. «ذَنب» وَصف الفِعل ساعَة وُقوعِه، و«إثم» يُبرِز شَرط العِلم والقَصد، و«جُرم» يَختَصّ بالقَطع، أَمّا «وِزر» فيُبرِز الحِمل الثَقيل بَعد وُقوع الفِعل، كَتَبِعَة مَحمولَة على الظَهر يَوم القيامَة. القَرينَة الحاسِمَة في النحل 25 ﴿لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ — الكَمال هُنا وَصف ثِقَل لا وَصف فِعل.

مَدى الاستِخدام

بَشَريّ بالكامِل، يُلازِم القيامَة وتَحَمُّل المَآثِم على الظُهور (الأنعام 31، النحل 25، طه 100، فاطر 18). يَأتي في سياق المُضِلِّين الذين يَحمِلون أَوزارَهم وأَوزار مَن أَضَلّوا (النحل 25، العنكبوت 13 ضِمنيًّا). الوَزير المُعين دلالَة ثانَويَّة في نَفس الجَذر: هارون وَزير موسى (طه 29، الفرقان 35). الوَزَر بِمَعنى المَلجَأ يُنفى نَفيًا باتًّا يَوم القيامَة ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ (القيامة 11). يُرفَع الوِزر بِالوَضع ﴿وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ﴾ (الشرح 2).

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ﴾
فاطر 18الآيَة الوَحيدَة التي تَجمَع القانون البِنيويّ مَع تَوضيحه الصَريح: «مُثۡقَلَة» تُعَزِّز استِعارَة الثِقَل، و«حِمل» يَكشف أَنّ الوِزر حِمل مَجازيّ، وامتِناع الحَمل ولَو من ذي قُربى يُثبِت لُزوم الوِزر لِصاحِبه.
﴿وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾
الأنعام 31الاستِعارَة الجَوهَريّة لِالجَذر: الأَوزار مَحمولَة على الظُهور يَوم القيامَة. تَجمَع الآيَة الفِعل (يَحۡمِلُونَ، يَزِرُونَ) والاسم (أَوۡزَار) من جَذرَي الحَمل والوِزر فيَنكَشِف أَنّ الوِزر هو ما يُحمَل، وأَنّ ذَمّ «سَآءَ مَا يَزِرُونَ» يَلحَق بِهَيئَة الحَمل لا بِالفِعل وَحدَه.
﴿مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرٗا﴾
طه 100الرَبط الصَريح بَين الإعراض في الدُنيا والوِزر المَحمول يَوم القيامَة. صيغَة «وِزۡرٗا» المُنَكَّرَة تَكشف أَنّ كُلّ إعراض يُولِّد وِزرًا، وأَنّ زَمَن الحَمل هو القيامَة لا الدُنيا، فالوِزر تَبِعَة آجِلَة لا فِعل عاجِل.

اختبار الاستِبدال

في فاطر 18 ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ﴾ لَو استَبدَلنا «وِزر» بِـ«ذَنب» لَانكَسَر المَعنى لِأَنّ الجَذر هُنا يَدُلّ على نَفي تَحَمُّل الحِمل المَجازيّ لِأَحَدٍ عَن أَحَد، وهي صورَة لا تَستَقيم بِغَير الوِزر (الحَمل). ولَو استَبدَلناه بِـ«إثم» لَفُقِدَت استِعارَة الثِقَل التي يَدعَمها سياق «مُثۡقَلَة» و«حِمل» في نَفس الآيَة. ولَو استَبدَلناه بِـ«جُرم» لَدَلَّ على القَطيعَة لا على الحِمل المَحمول. فالوِزر يَنفَرِد بِكَونه ثِقَلًا مَحمولًا على الظَهر يَوم القيامَة، لا فِعلًا ولا قَطيعَة ولا مُجَرَّد لَوم.

الحوب: الإِثم الكَبير المُلازِم لِأَكل مال اليَتيم

الجَوهَر

الحوب جَذر فَريد المَوضِع في القُرءان، لا يَرِد إلا مَرَّة واحِدَة في النِساء 2 مَوصوفًا بِـ«كَبيرًا». يَختَصّ بِالاعتِداء عَلى مال اليَتيم بِدَمجِه بِمال الوَصيّ، فَيَكشف اختِيار القُرءان جَذرًا فَريدًا لِنَوع خاصّ من الإِثم لا يَسُدّ مَكانَه ذَنب وَلا إثم عامّ.

المُمَيِّز

ما يُمَيِّز حوب عَن إثم وَذَنب أَنَّه فَريد المَوضِع، خاصّ بِجَريمَة مُعَيَّنَة هي أَكل مال اليَتيم، وَيُلازِمه وَصف «كَبيرًا» في الآيَة الوَحيدَة. الإِثم وَالذَنب يَتَوَزَّعان عَلى مَئات المَواضِع وَأَنواع المُخالَفات، أَمّا الحوب فَمَحصور في صورَة واحِدَة من الظُلم تَستَوجِب جَذرًا مُستَقِلًّا لا يُغني عَنه غَيره.

مَدى الاستِخدام

بَشَريّ، مَوضِع واحِد فَريد في النِساء 2، يَختَصّ بِأَكل مال اليَتيم وَدَمجِه بِمال الوَصيّ

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا﴾
النساء 2المَوضِع الوَحيد لِلجَذر في القُرءان؛ الحوب مَوصوف بِـ«كَبيرًا» وَمُرتَبِط بِأَكل مال اليَتيم

اختبار الاستِبدال

في النِساء 2 ﴿إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا﴾، لَو استَبدَلنا حوبًا بِـإثمًا يَنكَسِر اختِيار القُرءان لِجَذر فَريد يُلازِم هَذه الجَريمَة تَحديدًا (أَكل مال اليَتيم). الإِثم لَو كان مُتَرادِفًا لَكَفى عَنه، لكن القُرءان آثَرَ جَذرًا لا يَرِد إلا هُنا، فَدَلَّ أَنَّ في الحوب مَعنىً لا يَسُدّ مَكانَه إثم وَلا ذَنب عامّ.

اللَمَم: الصَغيرة العابِرة المُستَثناة من كَبائِر الإِثم

الجَوهَر

اللَمَم هو الزَلَّة الخَفيفة التي تُلِمّ بِالعَبد لَحظة ثُمَّ يُفارِقها دون إقامة عَلَيها وَلا إصرار. يُذكَر مَوضِعًا فَريدًا في النَجم 32 استِثناءً بَعد كَبائر الإِثم وَالفَواحش، فَيَتَعَيَّن بِالتَقابُل البِنيَويّ أَنّه أَدنى مَراتب المُخالَفة، وَيَتلوه فَورًا ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾ فَيَقَع في حَيِّز السَعَة الإلَهيَّة.

المُمَيِّز

ما يُمَيِّز لمم عَن ذنب وَإِثم وَجرم هو أَنّ الجَذر يَخُصّ المَسّ الخَفيف العابِر دون استيعاب الفِعل لِصاحِبه. الذَنب وَالإِثم يَستَوعِبان اللَمَم وَأَكثَر مِنه، لكن اللَمَم لا يَبلُغ مَرتَبَة الذَنب الكامِل وَلا ثِقَل الإِثم. التَقابُل في النَجم 32 صَريح: ﴿كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ﴾ — فَلَو كان مُرادِفًا لِالإِثم لَكان الاستِثناء مُتَناقِضًا. الجَذر مَأخوذ من الإِلمام بِالشَيء: المَسّ القَريب الذي لا يَستَقِرّ.

مَدى الاستِخدام

بَشَريّ، مَوضِع واحِد فَريد في النَجم 32، يَصِف ما يَقَع من المؤمنين الذين يَجتَنِبون الكَبائر وَالفَواحش.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾
النَجم 32المَوضِع الفَريد لِالجَذر بِمَعنى الصَغيرة. الاستِثناء بَعد ﴿كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ﴾ يُحَدِّد مَوقِع اللَمَم: أَدنى من الكَبائر، وَالتَعقيب بِسَعَة المَغفِرة يُفيد دُخوله في المَعفُوّ.

اختبار الاستِبدال

في النَجم 32، لَو استَبدَلنا اللَمَم بِالذَنب أَو الإِثم لَانكَسَر المَعنى لِأَنّ الآية تَستَثني ما هو دون الكَبائر، فَلَو كان مُرادِفًا لِالإِثم لَكان الاستِثناء مُتَناقِضًا مَع ﴿كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ﴾ نَفسها. اللَمَم وَحده يَحفَظ التَدَرُّج: كَبائر تُجتَنَب، وَلَمَم يُلِمّ عابِرًا فَيَدخُل في سَعَة المَغفِرة.

الوَبال: عاقِبَة الأَمر الثَقيلَة التي تُذاق بَعد الفِعل

الجَوهَر

الوَبال هو عاقِبَة الفِعل الثَقيلَة التي تَنزِل بِصاحِبها فيَذوقُها. وَالجَذر نَفسه يَحمِل دلالَة الوابِل وهو المَطَر الشَديد الذي يَترُك أَثَره ظاهِرًا في المَوضِع. الجامِع بَين الدلالَتَين هو ثِقَل الإِصابَة وَظُهور أَثَرها.

المُمَيِّز

وبل لا يَصِف الفِعل نَفسه بَل عاقِبَتَه التي تَعود على صاحِبه فيَذوقُها، كَما في الحَشر 15 ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ﴾. هذا يُمَيِّزه عَن ذنب (الفِعل ذاته يَتَبَع صاحِبَه) وَعَن إثم (التَحَرُّج عَن الحَقّ). الوَبال يُذاق وَلا يُذاق الذَنب، فالذَوق قَرينَة بِنيويَّة على أَنَّ المَوصوف عاقِبَة لا فِعل.

مَدى الاستِخدام

يَنقَسِم الجَذر إلى دلالَتَين: الوَبال البَشَريّ (عاقِبَة الأَمر، 4 مَواضِع: المائدَة 95، الحَشر 15، التَغابُن 5، الطَلاق 9) وَالأَخذ الوَبيل (المُزمل 16، مَوضِع واحِد لِأَخذ فِرعَون)؛ وَالدلالَة الثانَويَّة الطَبيعيَّة هي الوابِل = المَطَر الشَديد (3 مَواضِع في البَقَرَة 264-265). إجماليّ: 8 وُقوعات في 7 آيات.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾
الحَشر 15الشاهِد المِحوَريّ: الوَبال يُذاق وَيَأتي بَعد الفِعل لا قَبلَه، وَيَقتَرِن بِالعَذاب الأَليم بَعدَه
﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ﴾
المائدَة 95في جَزاء قَتل الصَيد مُحرِمًا: الوَبال هُنا عاقِبَة الأَمر التي يَذوقُها صاحِب الفِعل بَعد الكَفّارَة
﴿كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞ﴾
البَقَرَة 265الدلالَة الطَبيعيَّة: الوابِل = المَطَر الشَديد الذي يَترُك أَثَره ظاهِرًا (مُضاعَفَة الأُكُل) — يُقابِل الطَلَّ الخَفيف

اختبار الاستِبدال

في الحَشر 15 ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ﴾، لَو استَبدَلنا وَبال بِـذَنب لَانكَسَر المَعنى لِأَنَّ الوَبال هو عاقِبَة الفِعل التي تُذاق، أَمَّا الذَنب فَهو الفِعل نَفسه وَلا يُوصَف بِالذَوق في القُرءان. كَذلِك في المُزمل 16 ﴿أَخۡذٗا وَبِيلٗا﴾، الوَبيل يَصِف ثِقَل الأَخذ نَفسه، وَهي صِفَة لا تَنوب عَنها صِفَة من جَذر آخَر دون فَقد دلالَة الإِصابَة الشَديدَة.

اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة — حَيث تَجتَمِع الجذور

خطء + ءثم النِساء 112
﴿وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾

الآيَة المِفتاحيَّة لِالحَقل — العَطف بِـ«أَو» (خَطيئَةً أَو إثمًا) إثبات صَريح أَنّ الجَذرَين لَيسا مُتَرادِفَين. الخَطيئَة ما وَقَع بِغَير قَصد كامِل، الإِثم ما كَسَبه العَبد مَع تَحَرُّجه عَن الحَقّ. ثُمَّ تَتَجاوَز الآيَة إلى وَصف «إثمًا مُبينًا» في رَمي البَريء — مَرتَبَة أَعلى من الإِثم العامّ.

ذنب آل عِمران 135
﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾

الذَنب يَتَجاوَب مَع الاستِغفار وَالغُفران — قُطبه الموجِب الذي لا يُسنَد لِجذر آخَر في الحَقل بِنَفس الشُمول. الفاحِشَة وَظُلم النَفس (نَوعان من الفِعل) كِلاهُما يُسَمَّى «ذُنوبًا» عِندَ الاستِغفار — كَشف بِنيَويّ: الذَنب يَستَوعِب كُل أَنواع المَلام، بَينَما الإِثم وَالجُرم أَخَصّ.

ذنب + خطء يوسف 29
﴿يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ﴾

الذَنب وَالخَطَأ في آيَة واحِدَة بِتَفريق صَريح: «استَغفِري لِذَنبِك» (الفِعل المُحَدَّد المَلوم) ↔ «كُنتِ مِنَ الخاطِئين» (الجَحوديّ المُتَعَمِّد، الوَصف الثابِت لِالفاعِل). الذَنب فِعل قابِل لِالاستِغفار، الخَطَأ هُنا وَصف ثابِت بِالعَزم — الفَرق بَين الفِعل وَالطَبع.

ءثم + لمم النَجم 32
﴿ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾

تَدَرُّج بِنيَويّ صَريح: كَبائِر الإِثم + الفَواحِش (الكِبار) ↔ اللَمَم (الصَغائر العابِرَة). الاستِثناء «إلّا اللَمَم» يَكشف أَنّ اللَمَم لَيس مُرادِفًا لِالإِثم، بَل دَرَجَة أَدنى تَدخُل في وَسعَة المَغفِرَة. لو كانا مُتَرادِفَين لَكان الاستِثناء مُتَناقِضًا.

وزر فاطِر 18
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ﴾

الوِزر استِعارَة الحَمل عَلى الظَهر — يَتَفَرَّد الجَذر بِها بَين كُل جذور الحَقل (5 مَواضع لِنَفس الصياغَة). الذَنب لا يُحمَل، الإِثم لا يُحمَل، لكنّ الوِزر يُحمَل وَيُثقِل. الفَرق ليس في الفِعل بَل في الصورَة التي يَختارها القُرءان لِبَيان أَثَره يَوم القيامَة.

حوب + وبل النِساء 2 + الحَشر 15
﴿إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا · ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾

جَذران فَريدا الاستِخدام: حوب يَختَصّ بِأَكل مال اليَتيم (مَوضِع وَحيد، النِساء 2)، وَبل يَختَصّ بِما يُذاق من العاقِبَة بَعد الفِعل (الحَشر 15). كِلاهُما يَكشف أَنّ القُرءان يَختار لِكُلّ نَوع من الإِثم جَذرًا فَريدًا لا يَسُدّ مَكانَه الذَنب العامّ — تَوكيد المَنهَج: لا تَرادُف.