مدلول الآية · قراءة داخليّة من الجذور والسياقالمُطَففين١٠
وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٠
روابط الآية
خلاصة المدلول
الآية ليست إخبارًا بعذاب ولا وصفًا للمكذبين؛ هي إعلانٌ بحلول الكارثة، مُوَقَّتٌ بإحالة دقيقة إلى اليوم الذي بُني كتاب الفجار فيه على المرقوم. ﴿وَيۡلٞ﴾ حكمٌ نُطق به فلزِم مَن نُطق فيه، و﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ تربطه بحدث التوقيت الذي أنهته الآية التاسعة — كتابٌ مرقومٌ في سجين — فلا تُسمّي اليوم من خارج بل تحيل إليه من داخل السياق، و﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ تُمسك الإعلانَ بيد من ردّ الحقّ ردًّا اعتاده فصار وصفَه الملازم. والفِعل الذي أنشأ وصف المكذِّبين يأتي في الآية التالية — ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ — فتكون الآية عشرة لحظةَ الإعلان، والآية الحادية عشرة شرحَ من نُودِي بالويل. وهذا التركيب — ويلٌ مُعلَن ثم تعريفٌ بالموصوفين — يجعل الآية مفصلًا بنيويًّا لا ختمًا مستقلًّا.
كيف وصلنا إلى المدلول
⌄
الآية تقع في موضع حسّاس من بناء المطففين: الآيات الخمس السابقة بنت درجات متصاعدة — التطفيف بالكيل والميزان ذنبٌ في الدنيا، وذلك الذنب وُجِّه نحو يومٍ عظيم يقوم فيه الناس لربّ العالمين، ثم جاء كتاب الفجار في سجين كتابًا مرقومًا.
- فحين تنطق الآية العاشرة بـ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ فهي لا تختم مقطعًا تعريفيًّا بل تُطلق حكمَ الإعلان بعد اكتمال المقدّمة.
- وهذا يعني أنّ كل قَولة في الآية تؤدّي وظيفةً بنيويّةً لا مجرّد إضافة معلومة.
ابتداءً من ﴿وَيۡلٞ﴾: تأتي الكلمة هنا بمدلول الإعلان بحلول الكارثة التي إذا نُطق بها حكمَ على المنطوق فيه بأنّه واقعٌ في هلاك لا يُستدرَك.
- وهذا يفارق «عذاب» مفارقةً جوهريّة: العذاب خبرٌ عمّا سيقع، والويل فعلُ إعلانٍ يقع بالنطق به.
- فحين تقول السورة ﴿وَيۡلٞ﴾ فالحكم قد صدر.
- ومجيء ﴿وَيۡلٞ﴾ منوَّنًا مرفوعًا — لا مضافًا إلى مخاطب ولا منادى بصيغة تحسّر — يُضخم الإعلان ويُمدّده، كأنّ الويل نفسه مُطلَق يبحث عن مستقرّه، وهو يجده في ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ على رأس الآية.
ثم تأتي ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾، وهي الحلقة الوسطى التي تُضبط كثيرًا ما يُقرأ إغفالًا.
- الصيغة في جوهرها ظرفٌ إحاليٌّ: «في يوم ذلك»، أي اليوم المشار إليه آنفًا، وليست تسميةً ليوم القيامة من خارج.
- فمن أين يأخذ القارئ حدث الإحالة؟
- من الآية التاسعة: ﴿كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ﴾، بل يمتدّ خيط الإحالة إلى الآيات الخمس كلّها — ليومٍ عظيم، يوم يقوم الناس، سجين، المرقوم — حتى إذا قالت ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ علم القارئ أيَّ يوم تعني.
- وهنا تحيل الصيغة إلى حدث تسجيليٍّ دقيق — كتاب الفجار في سجين — كأنّ إثبات الكتابة هو الذي يستدعي الويل.
وأمّا ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ فهي البنية التي تُلصق الويل بوصفٍ لا باسم علم ولا بفئة بعينها.
- اللام هنا لام الاستحقاق في سياق الوعيد: الويل مستحَقٌّ لمن يحمل هذا الوصف.
- وصيغة اسم الفاعل الجمع «الُمُكَذِّبِينَ» تنقل عن الفعل العَرَضيّ إلى الوصف الملازم: ليس هؤلاء من كذّب مرّةً، بل من التكذيب صار وصفَه الراسخ.
- وما يأتي بعدها في الآية الحادية عشرة — ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ — يُبيّن أنّ مفعول التكذيب هو يوم الدين بالذات، وهو اليوم الذي ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ تحيل إليه مجملًا.
- فيصير البناء حلقيًّا: هؤلاء يكذّبون باليوم، واليوم نفسُه هو الذي تعلو فيه الكلمة المُعلِنة بالويل عليهم.
والذي يصنع المدلول الأعمق للآية هو جمعها بين ثلاثة أنماط متضامّة في هذا الموضع: الإعلان الصادر (ويل)، وتوقيت الإحالة (يومئذ)، واللصوق بالوصف (للمكذبين).
- ولو قُلبت الآية فقيل: «يعذب المكذبون يومئذ» لانتقلت من إعلان إلى إخبار، ومن حكم صادر إلى توقّع مستقبَل.
- وهذا هو الفارق الجوهري.
أمّا السياق الذي تأتي بعدها فيزيد الآية ثقلًا: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ — وهي تبيّن العلاقة بين التكذيب وموضوعه، ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ﴾ — وهي تُخصّص: لا يبلغ هذا التكذيب درجته إلّا من اجتمع فيه الاعتداء والإثم، ﴿إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ — وهي تصف الآليّة، ثم ﴿كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ — وهي تكشف السبب البنيوي.
- فالآية العاشرة إذن مفصلٌ حقيقيٌّ: قبلها السجلّ والكتاب، وبعدها تفسير من صدر فيهم الحكم ولماذا.
- والإعلان بالويل بمفرده يكفي للحكم؛ ما يتلوه تفصيلٌ لمن أُعلن فيه.
أثر كلّ جذر في بناء المدلول
⌄
هذه الخريطة تفصل أثر كل جذر في الآية ثم تجمعها: الجذور هنا هي ويل، يوم، كذب. المقصود ليس إعادة تعريف الجذور، بل بيان كيف تدخل كل مادة في بناء مدلول الآية.
جذر ويل1 في الآية
مدلول الجذر: «ويل» = كلمة قولية تُطلق عند شدّة الانكشاف: إعلانًا بسوء عاقبة على المعلَن عليه، أو زجرًا للمخاطب من طريق سوء، أو نداءً ذاتيًا عند ندم أو فزع أو تعجّب.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «ويل» هنا في 1 موضع/مواضع: وَيۡلٞ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «القول والكلام والبيان» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «ويل» = كلمة قولية تُطلق عند شدّة الانكشاف: إعلانًا بسوء عاقبة على المعلَن عليه، أو زجرًا للمخاطب من طريق سوء، أو نداءً ذاتيًا عند ندم أو فزع أو تعجّب.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يتمايز «ويل» عن أسماء العذاب والهلاك بأنه قول يوسم به المقام، لا نفس العقوبة.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة وَيۡلٞ: لو استُبدل في ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ المرسلات بـ«عذابٌ شديد للمكذبين» لانكسر التكرار العشري بنيويًا (لأنه قائم على جرس صوتي محدّد لكلمة «ويل»)، ولانتقل الكلام من إعلان إلى إخبار. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر يوم1 في الآية
مدلول الجذر: يوم: ظَرفٌ زَمَني مَحدود بِفاصِلَين، يَتَعَيَّن مِقدارُه ومُتَعَلَّقُه بِما أُضيفَ إِلَيه — يَتَّخذ في القرءان أَكبَر صُوَره صورة يوم القيامة بأَسمائه المَخصوصة (يوم الدِّين، يوم الفَصل، يوم الحساب، يوم الجَمع)، ويَتَّخذ كَذلك صورة أَيَّام الدُّنيا المَعدودَة (سِتَّة أَيَّام، أَيَّام مَعدودات)، أَو اليوم الواحد المُحَدَّد بسياقه («اليوم»)، أَو الإحالة.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «يوم» هنا في 1 موضع/مواضع: يَوۡمَئِذٖ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «يوم القيامة وأسمائها الليل والنهار والأوقات» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: يوم: ظَرفٌ زَمَني مَحدود بِفاصِلَين، يَتَعَيَّن مِقدارُه ومُتَعَلَّقُه بِما أُضيفَ إِلَيه — يَتَّخذ في القرءان أَكبَر صُوَره صورة يوم القيامة بأَسمائه المَخصوصة (يوم الدِّين، يوم الفَصل، يوم الحساب، يوم الجَمع).. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: الجذر وجه الشبه الفارق الجوهري الشاهد ------------ يوم ظَرف زَمَني مَحدود بِفاصِلَين، يَتَعَيَّن مِقدارُه بِما أُضيفَ إِلَيه سَاعَة ميعاد وقوع.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة يَوۡمَئِذٖ: الآية: «ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ» (سورة هُود ١٠٣). - لو استُبدل «يَوۡم» بـ«حِين»: «ذلك حِينٌ مَجموع له النَّاس». لانتَقَل المَعنى من ظَرف مُحَدَّد بِفاصِلَين إلى فَترة مَفتوحَة، فضاع التَّحديد القاطع لِيَوم القيامة. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر كذب1 في الآية
مدلول الجذر: «كذب» هو انفصام المطابقة. فمنه خبرٌ يخالف الواقع، وقولٌ يخالف ما في نفس قائله وإن صدق مضمونُه. ومنه ردُّ ما وَرَد من الحقّ بعد قيام جهته — آيةً أو رسولًا أو ساعةً أو لقاءً أو يومَ دينٍ أو الحسنى. ومنه إدراكٌ لا يطابق ما رُئي.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «كذب» هنا في 1 موضع/مواضع: لِّلۡمُكَذِّبِينَ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الكفر والجحود والإنكار الكذب والافتراء والزور» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «كذب» هو انفصام المطابقة. فمنه خبرٌ يخالف الواقع، وقولٌ يخالف ما في نفس قائله وإن صدق مضمونُه. ومنه ردُّ ما وَرَد من الحقّ بعد قيام جهته — آيةً أو رسولًا أو ساعةً أو لقاءً أو يومَ دينٍ أو الحسنى.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يفارق «كذب» جذرَ «افترى» لأنّ الافتراء اختلاقٌ ونسبةٌ — إنشاءُ خبرٍ لم يكن — أمّا الكذب فأعمُّ في عدم المطابقة، يشمل المختلَق وغيرَه.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة لِّلۡمُكَذِّبِينَ: أقرب الجذور إلى «كذب» هو «افترى»، واختبار الاستبدال يكشف الحدّ بينهما: في ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ﴾ (سورة النَّحل ١٠٥) يأتي «الكذب» مفعولًا للافتراء — أي إنّ الافتراء فعلُ إنشاءِ كذبٍ مختلَق. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
اجتماع هذه الجذور يصنع مدلول الآية من الحركة بين جذورها وصيغها وسياقها. فكل جذر يضيف حدًا، ثم تأتي الصيغ والترتيب والاستبدال لتبيّن أي حد هو أصل المعنى وأي حد يقيّده أو يوسعه.
شبكة الاستبدال لكلّ قَولة
3 قَولات · مُختبَرة كاملةً⌄
لو قيل «عذاب يومئذ للمكذبين» لانتقل الكلام من إعلان صادر — حكمٌ نُطق به فلزِم — إلى إخبار بما سيقع مستقبلًا. الويل فعلُ إعلانٍ، والعذاب خبرُ حالٍ. يضيع الأثر البنيويّ للإعلان بالنطق، ويضيع التوتّر بين صدور الحكم الآن والوقوع يومئذ.
لو قيل «ويل في ذلك اليوم للمكذبين» لصارت الإحالة تصريحيّةً مباشرة تُسمّي اليوم بالإشارة البعيدة. أمّا ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ فهي إحالة ضمنيّة تستدعي حدثًا بعينه ذُكر لتوّه — الكتاب المرقوم في سجين — مما يجعل الويل لازمَ ذلك الحدث تحديدًا لا وعيدًا مُعلَّقًا بيوم مسمًّى. يضيع ثقل التوقيت التحليليّ المبنيّ على الكتابة والتسجيل.
الجحد في مدلوله القرءانيّ هو الإباء بعد المعرفة — ردٌّ مع إدراك. أما التكذيب فهو نقض المطابقة بين الدعوى والحقّ، وقد يشمل ردّ الآيات بعد ظهورها وقد يشمل الخبر الكاذب. لو قيل «للجاحدين» لانحصر الوصف في فئة خاصّة تعرف وتُنكر، بينما ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ أوسع — يشمل كل من ردّ الحقّ ردًّا يُثبت عليه وصف التكذيب.
لطائف وثمرات
⌄
- الفرق بين الإعلان والإخبار
الآية تُعلِّم القارئ التمييزَ بين إعلان الكارثة وتوقّعها. ﴿وَيۡلٞ﴾ لا تقول «سيُعذَّبون» بل تُنطق بالحكم في لحظة الكلام. وهذا يجعل الموقف من الوعيد مختلفًا: ليس خبرًا عن مستقبل بل حكمًا قائمًا يُنفَّذ في اليوم المُحال إليه.
- التكذيب باليوم نفسه يستدعي الويل في اليوم نفسه
ما يكشفه تسلسل الآيات أنّ المكذِّبين يُكذِّبون بيوم الدين بالذات — ذلك اليوم الذي ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ تُحيل إليه. فالويل يقع في نفس ما رُفض وجوده. هذا التقاطع بين اليوم المُحال إليه واليوم المكذَّب به يمنح الآية طابعًا من الحجّة الداخليّة.
- الوصف الملازم لا الفعل العارض
﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ باسم الفاعل الملتزم لا بالفعل الماضي أو المستقبل يُنبّه القارئ أنّ ما يُوجب الويل ليس حادثةً واحدةً من التكذيب بل وصفٌ راسخٌ صار ملازمًا. وهذا يُطابق ما تُوضّحه الآية الثانية عشرة: لا يكذّب بيوم الدين إلا كلّ معتدٍ أثيم — أي أنّ التكذيب بهذا الوصف درجةٌ يبلغها من اجتمعت فيه هاتان الصفتان.
روابط موسوعيّة من الآية
⌄
قرائن بناء المدلول
⌄
- تسلسل البناء من آية ٥ إلى آية ١٠
تبدأ الآية الخامسة بـ﴿لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ — وصفٌ عامّ لليوم. ثم تُعيّنه السادسة: ﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ — يومُ القيام والمحاسبة. ثم تُدخل السابعة والثامنة والتاسعة بُعدًا آخر: الكتاب في سجين، والاستفهام عن سجين، ثم حسمه بـ﴿كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ﴾. فحين تقول الآية العاشرة ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ فليست تحيل إلى شيء خارج السياق بل تستدعي كلّ هذه المحطات ضمنيًّا. وهذا ما يجعل ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ هنا أثقل من مجرّد توقيت.
- الويل كلمة حكمٍ لا خبرٍ
مدلول ﴿وَيۡلٞ﴾ في هذا الموضع هو الإعلان بحلول الكارثة لا الإخبار بما سيقع. ولذلك يختلف عن «عذاب شديد» بوصفه خبرًا وعن «سوف يعذب» بوصفه وعيدًا مستقبليًّا. حين يُنطق بـ﴿وَيۡلٞ﴾ فالحكم قد صدر في لحظة الكلام. ومجيئه مرفوعًا منوَّنًا — بلا ياء نداء ولا إضافة لاسم مباشر — يجعله إعلانًا مُطلَقًا لا خطابًا شخصيًّا.
- لِّلۡمُكَذِّبِينَ: وصفٌ لا تعيين فردٍ
اللام في ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ لام الاستحقاق في سياق الوعيد — أي هؤلاء أصحاب الويل بما هم موصوفون. وصيغة اسم الفاعل الجمع لا تصف حدثًا واحدًا عارضًا بل تُثبت التكذيب وصفًا راسخًا. والذي يُعيّن مفعول تكذيبهم يأتي في الآية التالية مباشرةً: ﴿بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾. فاللصوق بنيويٌّ — الآية العاشرة تُعلن، والحادية عشرة تُعرّف.
- انتظام التركيب داخل الآية
يجتمع في هذا التركيب ﴿وَيۡلٞ﴾ ثم ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ ثم ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ على نسق واحد: إعلان، ثم توقيت إحاليّ، ثم لصوق بالوصف. هذا الانتظام يجعله إيقاعًا بنيويًّا داخل الآية لا مجرّد صيغة، ويُوقف القارئ أمام حكم الإعلان بعد مقطع الكتاب المرقوم.
الرسم والهيئة
المحسوم وغير المحسوم⌄
- رسم ﴿وَيۡلٞ﴾
﴿وَيۡلٞ﴾ في هذه الآية تقوم بدور الإعلان المرفوع المنوَّن. أما إذا اتصلت بفاء سببيّة في شاهد آخر، أو جاءت مضافة إلى مخاطبين في شاهد آخر، تغيّر موقعها التركيبيّ. كون الكلمة هنا منوَّنةً مرفوعةً دون إضافة هو ما يُحدد دورها الإعلانيّ. هذه القَولة رسمُها هيكلٌ واحدٌ في المصحف كلّه — ﴿وَيۡلٞ﴾ في ١٤ موضعًا بلا صورةٍ ثانية. فلا تنويعَ رسميًّا يُقارَن هنا، وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.
- رسم ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ — التنوين على «إذ»
﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ مركّبٌ أُعطي «إذ» فيه تنوينَ الكسرة لأنّه اقتُطع عن جملته المضافة إليها. وكون المضاف إليه محذوفًا ومُعوَّضًا عنه بالتنوين يُبرز آليّة الإحالة: «إذ» تحيل إلى حدث موجود في النصّ لا إلى يوم مسمًّى خارجه. هذه القَولة رسمُها هيكلٌ واحدٌ في المصحف كلّه — ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ في ٤٧ موضعًا بلا صورةٍ ثانية. فلا تنويعَ رسميًّا يُقارَن هنا، وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.
- رسم ﴿لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ — الإدغام في اللام
﴿لِّلۡ﴾ في هذا الموضع نتيجة إدغام لام الجرّ مع لام التعريف ولام الاسم. لا يحمل هذا الإدغام قرينة دلاليّة مستقلّة — ملاحظة رسميّة تقريريّة.
إحصاءات الآية واستنباطات عابرة للصفحات
⌄
عابر للصفحات: ترتبط قَولات هذه الآية بطبقات الموقع (الإيقاعات) — بروابطها المحقّقة دون تكرار.
مخططات سريعة
⌄
توزيع جذور الآية
حقول الآية
أكثر جذور السياق حضورًا
لا توجد نافذة سياق كافية.
الجذور في الآية
بيان مختصَر داخل الصفحة⌄
«ويل» = كلمة قولية تُطلق عند شدّة الانكشاف: إعلانًا بسوء عاقبة على المعلَن عليه، أو زجرًا للمخاطب من طريق سوء، أو نداءً ذاتيًا عند ندم أو فزع أو تعجّب. يستوعب ذلك إعلان الحكم: ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾، و﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ﴾، وزجر المخاطب: ﴿وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ﴾، ونداء النفس: ﴿يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا﴾.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
تكملة البيان: «ويل» = كلمة قولية تُطلق عند شدّة الانكشاف: إعلانًا بسوء عاقبة على المعلَن عليه، أو زجرًا للمخاطب من طريق سوء، أو نداءً ذاتيًا عند ندم أو فزع أو تعجّب. يستوعب ذلك إعلان الحكم: ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾، و﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ﴾، وزجر المخاطب: ﴿وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ﴾، ونداء النفس: ﴿يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا﴾. لذلك لا تُحصر في «هلاك لا يُستدرك»؛ فهذا وجه غالب في الإعلان والنداء الأخروي، لا حدّ الجذر كله.
حد الجذر: كلمة قولية للشدة: إعلان سوء عاقبة، أو زجر محذّر، أو نداء نفس عند ندم أو فزع أو تعجّب.
فروق قريبة: يتمايز «ويل» عن أسماء العذاب والهلاك بأنه قول يوسم به المقام، لا نفس العقوبة. فـ﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ يجمع الويل والنار، فيبقى الويل إعلانًا والنار جهة العاقبة. و﴿يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ﴾ نداء من المنكشف عليهم اليوم، لا اسم لليوم نفسه. وكذلك لا يذوب في الحسرة؛ لأن ﴿يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا﴾ ندم، أما ﴿يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ﴾ فتعجّب واستعظام، فدلّ ذلك على أن النداء أوسع من الحسرة وحدها.
اختبار الاستبدال: لو استُبدل في ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ المرسلات بـ«عذابٌ شديد للمكذبين» لانكسر التكرار العشري بنيويًا (لأنه قائم على جرس صوتي محدّد لكلمة «ويل»)، ولانتقل الكلام من إعلان إلى إخبار. ولو في ﴿يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ﴾ سورة الأنبيَاء ١٤ قيل «يا حسرتنا» لانتقل المقام من ندب الكارثة الواقعة إلى الندم على فرصة فائتة. ولو في ﴿وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ﴾ سورة طه ٦١ قيل «احذروا» لذهب الإيقاع التحذيري الموسوي القاهر.
فتح صفحة الجذر الكاملةيوم: ظَرفٌ زَمَني مَحدود بِفاصِلَين، يَتَعَيَّن مِقدارُه ومُتَعَلَّقُه بِما أُضيفَ إِلَيه — يَتَّخذ في القرءان أَكبَر صُوَره صورة يوم القيامة بأَسمائه المَخصوصة (يوم الدِّين، يوم الفَصل، يوم الحساب، يوم الجَمع)، ويَتَّخذ كَذلك صورة أَيَّام الدُّنيا المَعدودَة (سِتَّة أَيَّام، أَيَّام مَعدودات)، أَو اليوم الواحد المُحَدَّد بسياقه («اليوم»)، أَو الإحالة الزَّمَنيَّة (يَومئذٍ).
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: اليَومُ ظَرفٌ يَتَّسِعُ ويَضيقُ بِحَسَبِ ما أُضيفَ إِلَيه — ﴿فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾، وأَدناه في القرءان ﴿أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ﴾ — وأَعظَمُ يَوم في الكَون يَومٌ واحد تَعَدَّدَت أَسماؤُه: يوم القيامة.
فروق قريبة: الجذر وجه الشبه الفارق الجوهري الشاهد ------------ يوم ظَرف زَمَني مَحدود بِفاصِلَين، يَتَعَيَّن مِقدارُه بِما أُضيفَ إِلَيه سَاعَة ميعاد وقوع الحدث وَقتُ وُقوع الحَدَث، ويُسَمَّى بِه يَومُ القيامَة نَفسُه ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا﴾، فَلا تَرتيبَ بَينَه وبَين «يوم» في المِقدار ﴿مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ﴾ سورة سَبإ ٣٠ حِين ظرف للحدث فَترة زَمَنيَّة غَير مُحَدَّدَة، أَوسَع من اليَوم وأَدنى من الأَبَد ﴿وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ﴾ سورة البَقَرَة ٣٦ دَهر اتساع المدة الزَّمَن المُمتَدّ، أَوسَع من اليوم بِكَثير ﴿حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ﴾ سورة الإنسَان ١ أَجَل توقيت الأمر الزَّمَن المَنوط بانتِهاء، يَفترض غايَة تَنتَهي إِليها ﴿وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَا﴾ سورة الأنعَام ١٢٨ أَمَد فاصل بين حالين المُدَّة المُمتَدَّة، أَخفّ من الأَجَل في تَحديد النِّهاية ﴿أَمۡ يَجۡعَلُ لَهُۥ رَبِّيٓ أَمَدًا﴾.
اختبار الاستبدال: الآية: «ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ» (سورة هُود ١٠٣). - لو استُبدل «يَوۡم» بـ«حِين»: «ذلك حِينٌ مَجموع له النَّاس». لانتَقَل المَعنى من ظَرف مُحَدَّد بِفاصِلَين إلى فَترة مَفتوحَة، فضاع التَّحديد القاطع لِيَوم القيامة. - لو استُبدل بـ«سَاعَة»: «ذلك ساعةٌ مَجموع لها النَّاس». لاكتَفى المَعنى بِلَحظَة، وضاعَ امتِداد اليوم وما يَجري فيه من أَحداث. - لو استُبدل بـ«وَقت»: «ذلك وَقتٌ مَجموع له النَّاس». لاحتَمَل المَعنى لكنَّه أَضعَف، ولا يَحمل وَزن «اليَوم» بأَسمائه المَخصوصَة. «يَوم» وحده يَجمَع: ظَرفًا مُحَدَّدًا + سَعَةً تَتَّسِع لِأَحداث + التَّخصيص الذي يَسمَح بِالوَصف بِأَسماء (يوم الفَصل، يوم الحساب). هذه الثَّلاثَة لا يَجمَعها بَديل واحد.
فتح صفحة الجذر الكاملة«كذب» هو انفصام المطابقة. فمنه خبرٌ يخالف الواقع، وقولٌ يخالف ما في نفس قائله وإن صدق مضمونُه. ومنه ردُّ ما وَرَد من الحقّ بعد قيام جهته — آيةً أو رسولًا أو ساعةً أو لقاءً أو يومَ دينٍ أو الحسنى. ومنه إدراكٌ لا يطابق ما رُئي. فالجذر يجمع الكذب الخبريّ والتكذيب العمليّ للآيات تحت محورٍ واحدٍ هو نقض المطابقة، ولذلك يصحّ نفيُه عن الفؤاد الصادق فيما رأى، وعن الحدث الذي لا يقبل التكذيب، وعن الوعد الذي لا يُخلَف.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: «كذب» زاويتُه إسقاط المطابقة: القول لا يطابق الحقّ، أو لا يطابق باطنَ قائله وإن صدق مضمونُه، أو المتلقّي يردّ ما وَرَده من آيةٍ أو رسولٍ أو ساعةٍ أو يومِ دينٍ فلا يجعله صادقًا عنده. لذلك يفترق عن «افترى» الذي يُنشئ دعوى مختلَقة، وعن «جحد» الذي يُبرز ستر الحقّ بعد تبيُّنه.
فروق قريبة: يفارق «كذب» جذرَ «افترى» لأنّ الافتراء اختلاقٌ ونسبةٌ — إنشاءُ خبرٍ لم يكن — أمّا الكذب فأعمُّ في عدم المطابقة، يشمل المختلَق وغيرَه؛ ولذلك يُجعل «الكذب» مفعولًا للافتراء: ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ﴾ (سورة النَّحل ١٠٥). ويفارق «جحد» لأنّ الجحد إباءٌ بعد معرفةٍ، يصرّح النصّ بمقابلته للتكذيب: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ (سورة الأنعَام ٣٣)، فالتكذيب أعمُّ من الجحود. ويفارق «بهت» لأنّ البهتان كذبٌ يفجأ المرميَّ به ويغلب عليه الإلصاق.
اختبار الاستبدال: أقرب الجذور إلى «كذب» هو «افترى»، واختبار الاستبدال يكشف الحدّ بينهما: في ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ﴾ (سورة النَّحل ١٠٥) يأتي «الكذب» مفعولًا للافتراء — أي إنّ الافتراء فعلُ إنشاءِ كذبٍ مختلَق؛ فالكذب أعمُّ والافتراء أخصّ (إنشاءٌ ونسبة). ولو وُضع «افترى» مكان «كذّب» في ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ لاختلّ المعنى، لأنّ الآلاء حقٌّ قائمٌ يُردّ ولا يُختلَق — فالتكذيب ردٌّ لشيءٍ موجود، والافتراء إنشاءٌ لشيءٍ معدوم. وأمّا «جحد» فالنصّ نفسُه يفرّقه عن التكذيب: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ (سورة الأنعَام ٣٣) — فلو استُبدل «يجحدون» بـ«يكذّبون» لضاع قيدُ العلم الذي يحمله الجحود، إذ الجحود إنكارٌ مع معرفةٍ بالحقّ، والتكذيب أعمُّ منه لا يلزم منه العلم.
فتح صفحة الجذر الكاملةالقَولات (تفكيك ميكانيكيّ)
⌄
| الترتيب | القَولة ↗ | الصيغة | الجذر |
|---|---|---|---|
| 1 | وَيۡلٞ | ويل | ويل |
| 2 | يَوۡمَئِذٖ | يومئذ | يوم |
| 3 | لِّلۡمُكَذِّبِينَ | للمكذبين | كذب |
السياق القريب (٥ قبل · ٥ بعد)
⌄
السياق القريب يعمل على مستويين: الأوّل إرساء اليوم قبل الآية — خمس آيات سابقة ترسم صورته بدءًا من ﴿لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ وانتهاءً بـ﴿كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ﴾ — حتى إذا قالت الآية العاشرة ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ كانت الإحالة دقيقةً داخليّةً لا مجرّد استدعاء يوم القيامة بعامّة. والثاني أنّ الآيات اللاحقة تشرح المُعلَن عليهم: ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ تُسمّي مفعول تكذيبهم، ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ﴾ تُضيّق دائرة من يبلغ هذه الدرجة، ﴿إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ تصف الآليّة. فالآية العاشرة في موضع المفصل: ما قبلها يبني الأساس، وما بعدها يكشف المُعلَن عليهم.
-
لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ
-
يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ
-
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ
-
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ
-
كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ
-
وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ
-
ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ
-
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ
-
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ
-
كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ
-
كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ
السياق الأوسع — موضع الآية في حجّة السورة
⌄
يجدد الويل موقوتًا بيوم الجزاء، فينقل النظر من ماهية الكتاب إلى الفئة التي استحقت هذا الحكم.
حجّة السورة كاملةًالمُطَففين⌄
تبني سورة المطففين حجّةً واحدة محكمة: أن الإنقاص المتعمَّد لحقوق الناس لا ينفصل عن إنكار يوم الاستيفاء، وأن ما يبدو في الدنيا قلبًا لمعيار العدل ينقلب في الجزاء إلى كشفٍ مطابق للفعل. تبدأ بالحكم قبل بيان أصحابه، ثم تكشف أن المطفف يطلب التمام لنفسه ويوقع الخسر بغيره، فترد هذا التناقض إلى الغفلة عن البعث والقيام لرب العالمين. ومن هنا لا يكون الجزاء خبرًا ملحقًا بالفعل، بل تصير الكتب المرقومة والجزاءات المتقابلة برهانًا على أن ما ضُيّع أو كُذّب به محفوظ ومآله محكوم.
ويُحكَم البناء على مفاصل متتابعة: أصل الحجة في مشهد التطفيف والبعث، واختبارها في رفض يوم الدين حتى يرين الكسب على القلب، ثم حسمها بإظهار المصيرين المتقابلين: كتاب الفجار في سجين وكتاب الأبرار في عليين، ثم النعيم في مقابل الحجب والجحيم. وبعد أن تبلغ السورة وصف النعيم تعود إلى ضحك المجرمين من المؤمنين لتجعل المقابلة مشهدًا حيًّا، ثم تحسمه بقولها ﴿هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾: الفعل نفسه أصل العائد، فلا يبقى للضحك والحكم المتطاول معنى خارج الجزاء المطابق.
- الاستيفاء ويوم القيام﴿ وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ ﴾١سورة المُطَففين﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ ﴾٢سورة المُطَففين﴿ وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ ﴾٣سورة المُطَففين﴿ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ﴾٤سورة المُطَففين﴿ لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ ﴾٥سورة المُطَففين﴿ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴾٦سورة المُطَففينيفتتح المحور بالحكم ثم يكشف ازدواج المطفف بين التمام لنفسه والخسر لغيره، فلا تقف الحجة عند الكيل بل ترده إلى الغفلة عن البعث. ويُسلّم ذلك إلى ما بعده، لأن قيام الناس لرب العالمين يفتح ضرورة سجل يحفظ ما أنكره أصحاب هذا الفعل ويجعل الجزاء لازمًا له.
- سجل الفجار ومآلهم﴿ كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ ﴾٧سورة المُطَففين﴿ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ ﴾٨سورة المُطَففين﴿ كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ﴾٩سورة المُطَففين﴿ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ﴾١٠سورة المُطَففين﴿ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ﴾١١سورة المُطَففين﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ﴾١٢سورة المُطَففين﴿ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ﴾١٣سورة المُطَففين﴿ كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ… ﴾١٤سورة المُطَففين﴿ كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ﴾١٥سورة المُطَففين﴿ ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ﴾١٦سورة المُطَففين﴿ ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ﴾١٧سورة المُطَففينبعد قيام الناس ينتقل البناء إلى كتاب الفجار وسبب استحقاقه: تكذيب يوم الدين ورد الآيات وكسب ران على القلوب. ويتدرج المآل من الحجب إلى الجحيم ثم المواجهة بما كذبوا به، فيهيئ المقابل؛ فإذا كان للفجار سجل وجزاء محكمان، جاء كتاب الأبرار بوصفه الوجه الآخر للعدل نفسه.
- كتاب الأبرار ونعيمهم﴿ كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾١٨سورة المُطَففين﴿ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴾١٩سورة المُطَففين﴿ كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ﴾٢٠سورة المُطَففين﴿ يَشۡهَدُهُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ﴾٢١سورة المُطَففين﴿ إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾٢٢سورة المُطَففين﴿ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ﴾٢٣سورة المُطَففين﴿ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ﴾٢٤سورة المُطَففين﴿ يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ﴾٢٥سورة المُطَففين﴿ خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ﴾٢٦سورة المُطَففين﴿ وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ ﴾٢٧سورة المُطَففين﴿ عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ﴾٢٨سورة المُطَففينيقابل المحور سجين بعليين والحجب بشهود المقربين، ثم يحول ثبوت الكتاب إلى نعيم يرى في الأرائك والوجوه والرحيق. ويجعل التنافس متجهًا إلى هذا النعيم ويميز رتبة المقربين، وبعد تمام الصورة يلزم الرجوع إلى سخرية المجرمين لاختبار التقابل في العلاقة التي وقعت بينهم.
- السخرية والجزاء المطابق﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ… ﴾٢٩سورة المُطَففين﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ ﴾٣٠سورة المُطَففين﴿ وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ ﴾٣١سورة المُطَففين﴿ وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ﴾٣٢سورة المُطَففين﴿ وَمَآ أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ ﴾٣٣سورة المُطَففين﴿ فَٱلۡيَوۡمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ ﴾٣٤سورة المُطَففين﴿ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ﴾٣٥سورة المُطَففين﴿ هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ﴾٣٦سورة المُطَففينيعرض المحور ضحك المجرمين وغمزهم وفكاهتهم وحكمهم على المؤمنين، ثم ينفي عنهم ولاية ذلك الحكم. بعدئذ تقلب الفاء مواقع الضحك والنظر، وترد الخاتمة هذا الانقلاب إلى الأصل الذي بدأت به السورة: ما كانوا يفعلون هو ما يعود عليهم، فيكتمل ميزان الاستيفاء.
تدخل السورة من حكم قاطع ﴿وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ﴾، ثم تفصل ازدواج الأخذ والإعطاء وتدفعه إلى سؤال البعث واليوم العظيم. ومن هذا اليوم ينفتح سجل الفجار: سجين وكتاب مرقوم وويل للمكذبين، ثم يكشف الرفض عند تلاوة الآيات عن ران صنعه الكسب، فيتدرج المصير من الحجب إلى الجحيم ثم إلى مواجهة ما كانوا يكذبون به. بعدها تنعطف الحجة إلى كتاب الأبرار في عليين وشهود المقربين، فالنعيم الذي يظهر في الأرائك والوجوه والرحيق، حتى يبلغ توجيه السعي في ﴿خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ﴾. وعند تمام المقابلين تستعاد سخرية المجرمين من المؤمنين لتنعكس، ثم يغلق السؤال الخاتم دائرة الفعل والجزاء.
يتصاعد مشهد الفجار من اختلال المعاملة إلى إنكار البعث، ثم تكذيب يوم الدين ورد الآيات، فرين على القلوب، فحجاب عن الرب، فصلي الجحيم، ثم تقريع بالحاضر. وفي المقابل يتدرج مشهد الأبرار من كتابهم في عليين إلى شهود المقربين، فالنعيم والهيئة والنضرة والشراب، حتى تمييز عين يشرب بها المقربون. بذلك يتحول الأصل الأخلاقي إلى مآل كامل متقابل.