مدلول الآية · قراءة داخليّة من الجذور والسياقالنِّسَاء١٠٦
وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦
◈ روابط الآية
◈ خلاصة المدلول
الآية أمرٌ واحد تتلوه حجّته: الفعل ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ﴾ يطلب الستر من الله، ثم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ جملةٌ توكيديّة تُسوِّغ الطلب بإثبات وصفَين ثابتَين في ذاته. التنكير في ﴿غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ لا يُفيد النقص بل يُفيد المبالغة في الوصف وعدم التحديد بحدٍّ، فالستر والإحاطة لا حصر لهما. وجاء ﴿كَانَ﴾ هنا ليثبت الوصفَين وصفًا لازمًا سابقًا لا حادثًا مستجدًّا، مما يجعل الأمر بالاستغفار مبنيًّا على يقين موصوف لا على رجاء مجهول. ووقوع هذه الآية بين آية تنهى عن مجادلة الخائنين وآية تُؤكّد استئصال الله من خانوا أنفسهم يجعل الأمر بالاستغفار مفصلًا دقيقًا: هو طريق العودة قبل أن تنغلق أبواب المجادلة والدفاع.
◈ كيف وصلنا إلى المدلول
⌄
الآية مؤلّفة من وحدتَين لا تقوم إحداهما دون الأخرى: الأمر بالفعل ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ﴾ موجَّهًا إلى الله، والتعليل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾.
- الوحدة الأولى صيغة أمر من باب الاستفعال — وهو الطلب وليس مجرّد الفعل — والمطلوب منه أن يقصد إلى الله بطلب الستر؛ واللافت أنّ الفعل مقرون باسم الله لا بصيغة ربك ولا بصيغة رب العالمين، فاسم الجلالة يحضر هنا بوصفه الجهة التي يُقصَد إليها بالطلب لا الربّ المدبِّر ولا المالك القادر.
- هذا الاختيار يُحيل الاستغفار من رفع خوف إلى توجّه عبوديّ نحو جهة الألوهيّة بعينها.
الوحدة الثانية تبدأ بـ﴿إِنَّ﴾ المشدّدة التي تُقرِّر الخبر وتثبته، فلا تترك أثرًا للتردّد في ذهن المأمور.
- ثم يأتي ﴿ٱللَّهَ﴾ مرّة ثانية، فيتوافق اسم الجهة المطلوب إليها الستر مع الجهة الموصوفة بالوصفَين.
- ولو تأمّلنا ﴿كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ لوجدنا أنّ ﴿كَانَ﴾ لا تجعل الوصفَين ماضيَين منقطعَين، بل تثبتهما وصفًا راسخًا سابقًا لهذا الطلب ومحيطًا به — أي أنّ الغفور الرحيم وصفٌ قائم قبل وقوع الذنب وقبل قصد الاستغفار، فالطلب لا يجلب صفةً جديدة بل يقصد إلى صفة موجودة.
أمّا ﴿غَفُورٗا﴾ فهي منكّرة مبالِغة: صيغة فَعُول التي تفيد السعة والمبالغة، والتنكير لا يُضيِّق الوصف بل يُوسِّع المبالغة، كأنّ الستر متحقّق بلا حدٍّ يمكن وصفه.
- ولو جاءت صيغة الغفور بأل لكانت أجرت الحكم بطريق التعريف الوصفيّ المعهود، أما التنكير فيجعل الستر أوسع من أن يُحاط.
- والصفة الثانية ﴿رَّحِيمٗا﴾ تُتمّ الصورة من زاوية مغايرة: الغفر يستر الذنب ويرفع مؤاخذته، والرحم يُحيط الطالب بما يمدّه ويكفله بعد الستر.
- فالجمع بينهما في ختام الآية يعني أنّ الاستغفار لا يُفضي فحسب إلى محو الأثر بل إلى كفالة جديدة.
والموضع السياقيّ للآية بالغ الأثر في ضبط مدلولها: الآية السابقة مباشرة ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ تنهى عن أن يكون المخاطَب ذريعةً في الدفاع عمّن خانوا.
- والآية التالية ﴿وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا﴾ تُؤكّد أنّ المجادلة عن الخائنين مرفوضة.
- بين هاتَين الآيتَين يجيء أمر الاستغفار طريقًا وسطًا: لا مجادلة ولا مجاملة، بل توجّه مباشر نحو الله طلبًا للستر.
- وآية النساء 110 في السياق البعيد ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ تُعيد الوصفَين أنفسَهما ﴿غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ نتيجةً لاستغفار من عمل سوءًا — ممّا يُؤكّد أنّ الآيتَين تتكامَلان: آية 106 أمرٌ والتعليلُ الوصفيّ الثابت، وآية 110 تُعطي النتيجةَ للمستغفر الفعليّ من موقف الذنب.
وأثر صيغة الاستفعال في ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ﴾ دقيق: هو طلب داخليّ من المرء نفسه يصل إلى الله، لا إعلان توبة فحسب ولا مجرّد إقرار بالذنب.
- الاستفعال يُفيد الطلب والتحرّي، وهو أشدّ في طلب الستر من مجرّد الفعل الثلاثيّ.
- ولهذا جاء الأمر بعد سياق تحذير من الانزلاق نحو الدفاع عن الخائنين: الخروج الصحيح من ذلك المأزق ليس بالجدل ولا بالصمت المحرج، بل بالتوجّه إلى الله بطلب الستر الذي يثبت أنّ صاحبه يعرف أين الملجأ.
◈ أثر كلّ جذر في بناء المدلول
⌄
هذه الخريطة تفصل أثر كل جذر في الآية ثم تجمعها: الجذور هنا هي غفر، ءله، إن، كون، رحم. المقصود ليس إعادة تعريف الجذور، بل بيان كيف تدخل كل مادة في بناء مدلول الآية.
جذر غفر2 في الآية
مدلول الجذر: الغَفر: سترُ الذنب أو الإساءة ورفعُ مؤاخذتهما عن صاحبهما فلا يجري عليه أثرهما؛ يكون من الله محوًا للأثر الجزائيّ لمن شاء أو لمن تاب واستغفر، ويكون من العبد صفحًا عمّن أساء إليه فلا يؤاخذه.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «غفر» هنا في 2 موضع/مواضع: وَٱسۡتَغۡفِرِ، غَفُورٗا. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «العفو والمغفرة والصفح» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: الغَفر: سترُ الذنب أو الإساءة ورفعُ مؤاخذتهما عن صاحبهما فلا يجري عليه أثرهما؛ يكون من الله محوًا للأثر الجزائيّ لمن شاء أو لمن تاب واستغفر، ويكون من العبد صفحًا عمّن أساء إليه فلا يؤاخذه.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يفترق «غفر» عن «عفو» بأنّ العفو محوُ تبعةٍ وتجاوزٌ عن الأثر، أمّا الغفر فيبرز سترَ الذنب نفسه ووقايةَ صاحبه من أثره.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة وَٱسۡتَغۡفِرِ، غَفُورٗا: لو استُبدل «غفر» بـ«عفو» في ﴿وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ (آل عمران 135) لضاع معنى ستر الذنب نفسه واقتصر على محو التبعة. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر ءله2 في الآية
مدلول الجذر: «ءله» يدلّ على جهة الألوهيّة التي يُقصَد إليها بالعبادة والدعاء والقَسَم، وحقُّها في القرآن مقصورٌ على «الله» وحده لأنّه الخالق المالك الحيّ القيّوم وما عداه من «آلهة» يُذكَر لإبطال دعواه بنفي الخلق والملك والنفع عنه.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «ءله» هنا في 2 موضع/مواضع: ٱللَّهَۖ، ٱللَّهَ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الألوهيّة والتوحيد الشرك والعبادة غير الله» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «ءله» يدلّ على جهة الألوهيّة التي يُقصَد إليها بالعبادة والدعاء والقَسَم، وحقُّها في القرآن مقصورٌ على «الله» وحده لأنّه الخالق المالك الحيّ القيّوم وما عداه من «آلهة» يُذكَر لإبطال دعواه بنفي الخلق والملك والنفع عنه.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: الجذر وجه القرب الفرق عن «ءله» --------- ربب السيادة على المربوب «ربّ» يُبرز التدبير والتربية والمِلك ويُضاف لكلّ شيء (ربّ العالمين، ربّ المشرق).
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة ٱللَّهَۖ، ٱللَّهَ: في ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ﴾ (البقرة 163) لو وُضِع «ربّ» مكان «إله» — «وربُّكم ربٌّ واحد» — لانتقل الكلام من حصر جهة العبادة إلى تقرير وحدة المُدبِّر. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر إن1 في الآية
مدلول الجذر: «إن» المكسورة أداة تثبيت موقف الخطاب من المضمون: «إنَّ» المشدّدة تقرّر الخبر وتثبته، و«إنْ» الشرطيّة تعلّق الجواب على وقوع الشرط، و«إنْ» النافية تنفي المضمون مقصورًا بـ«إلّا»، و«إنْ» المخفّفة من الثقيلة تثبت مع لام فارقة، و«إنَّما» تحصر الحكم في جهته. وظائفها متعدّدة لا متناقضة: كلّها ضبط لعلاقة الخطاب بمضمونه إيجابًا أو سلبًا أو تعليقًا أو قصرًا.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «إن» هنا في 1 موضع/مواضع: إِنَّ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «أدوات الشرط والتوكيد والاستفهام أدوات النفي والاستثناء» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: وظائفها متعدّدة لا متناقضة: كلّها ضبط لعلاقة الخطاب بمضمونه إيجابًا أو سلبًا أو تعليقًا أو قصرًا.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: الجذر وجه القرب الفرق عن إن --------- لعل ربط بين فعل ومآل لعل تترك المآل مرجوًّا مفتوحًا، وإن تثبت الخبر أو تعلّق الجواب أو تنفيه حصرًا.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة إِنَّ: في البَقَرَة 6 ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ لا تقوم «لعل» مقام «إنَّ» لأنّ الآية تقرّر حالًا محكومًا مثبتًا لا مآلًا مرجوًّا. في البَقَرَة 23 ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ﴾ لا تقوم «إذا» مقام «إنْ» لأنّ المطلوب اختبار شرطٍ مُمكِن لا تحديد لحظة وقوعه. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر كون1 في الآية
مدلول الجذر: «كون» يدلّ على تحقّق الشيء في وجود أو حال أو موضع، أو دخوله في تلك الكينونة بأمر أو تصيير؛ فهو أصل الإخبار عن الحال — وصفًا ثابتًا أو حالًا ماضيًا أو تحقّقًا منتظَرًا — لا مرادفٌ للخلق وحده.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «كون» هنا في 1 موضع/مواضع: كَانَ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الخلق والإيجاد والتكوين الذهاب والمضي والانطلاق» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «كون» يدلّ على تحقّق الشيء في وجود أو حال أو موضع، أو دخوله في تلك الكينونة بأمر أو تصيير؛ فهو أصل الإخبار عن الحال — وصفًا ثابتًا أو حالًا ماضيًا أو تحقّقًا منتظَرًا — لا مرادفٌ للخلق وحده.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: «كون» ليس «خلق».
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة كَانَ: في ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ لا يصلح «خلق» ولا «وجد» لأنّ النصّ يقرّر وصفًا ثابتًا للذات لا حدثَ إيجاد. وفي ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ لا يُغني «خلق» عن «يكون» لأنّ «يكون» هو تمام تحقّق الأمر بعد القول الإلهيّ، والاكتفاء بالخلق يُسقط دلالة الاستجابة الفوريّة. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر رحم1 في الآية
مدلول الجذر: الإحاطة المحيية: أن يحيط الشيء بما في كنفه فينشئه أو يمده أو يكفله. تظهر في الرحمة الإلهية التي تصل الخير وتدفع الهلاك، وفي الأرحام التي تحتضن التكوين، وفي أولو الأرحام الذين تنتظم بهم رابطة القرب.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «رحم» هنا في 1 موضع/مواضع: رَّحِيمٗا. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الرحمة الولادة والنسل والذرية» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: الإحاطة المحيية: أن يحيط الشيء بما في كنفه فينشئه أو يمده أو يكفله. تظهر في الرحمة الإلهية التي تصل الخير وتدفع الهلاك، وفي الأرحام التي تحتضن التكوين، وفي أولو الأرحام الذين تنتظم بهم رابطة القرب.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يفارق غفر لأن غفر ستر وإسقاط، أما رحم فإحاطة وإمداد. ويفارق لطف لأن لطف دقة إيصال خفي، أما رحم فكنف جامع.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة رَّحِيمٗا: في ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ﴾ (هود 119) لو وُضِع «غفر» موضع «رحم» لاقتصر المعنى على إسقاط الذنب، وضاع معنى الكفالة والاستثناء من عموم الهلاك. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
اجتماع هذه الجذور يصنع مدلول الآية من الحركة بين جذورها وصيغها وسياقها. فكل جذر يضيف حدًا، ثم تأتي الصيغ والترتيب والاستبدال لتبيّن أي حد هو أصل المعنى وأي حد يقيّده أو يوسعه.
◈ شبكة الاستبدال لكلّ قَولة
7 قَولات · مُختبَرة كاملةً⌄
لو كان الأمر بالتوبة إلى الله لانصبّ المعنى على الرجوع والإقلاع، وهو معنى صحيح لكنّه يُسقط معنى طلب الستر وتحرّيه الذي تُفيده صيغة الاستفعال. ويضيع أيضًا الطابع الفعليّ للقصد نحو الله بطلب محدَّد هو الغفر لا مجرّد التراجع. فضلًا عن أنّ ختم الآية بـ﴿غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ يرتبط بمادّة غفر ارتباطًا بنائيًّا: الأمر بالاستغفار مع وصف الله بالغفور شبكة واحدة من الجذر نفسه.
لو كان الأمر استغفارًا لربّه كان سيُحيل الطلب إلى جانب التدبير والربوبيّة، أما توجيه الفعل ﴿ٱسۡتَغۡفِرِ﴾ إلى الله فيُحيله إلى جهة الألوهيّة التي يُقصَد إليها بالعبادة والدعاء. في سياق آية تتحدّث عن الحكم والحقّ وعن من يختان نفسه، يكون ﴿ٱللَّهَ﴾ أنسب لأنّه يُعيد المخاطَب إلى أصل الجهة الإلهيّة لا إلى وجه واحد من وجوه العلاقة به.
حذف ﴿كَانَ﴾ كان سيجعل الوصف خبرًا حاليًّا مجرّدًا. أما ﴿كَانَ﴾ فتُثبت الوصفَين وصفًا سابقًا راسخًا قبل هذا الطلب، مما يزيد في سند الأمر بالاستغفار: المخاطَب لا يُقنِع الله بصفة جديدة بل يتوجّه نحو صفة قائمة أزلًا.
التعريف بأل كان سيُفيد التعريف الوصفيّ المحدَّد، أما التنكير ﴿غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ فيُفيد مبالغةً مفتوحة لا يُحاط بها. الستر والإحاطة الإلهيّة تتجاوز حدّ الوصف المعرَّف، وهذا الفتح هو الذي يجعل الاستغفار قابلًا لكل من يقصد إليه.
◈ عرض باقي اختبارات الاستبدال (1)⌄
غفورا حكيما كانت ستُضيف وجه الحكمة في اختيار من يُستر عنه الذنب، لكنّها كانت ستُسقط الإحاطة الكافلة التي تتلو الستر. ﴿رَّحِيمٗا﴾ تُتمّ الصورة بأنّ المستغفِر لا يخرج بمجرّد رفع الأثر بل بكفالة تُحيط به. والجمع غفور رحيم يصف التكامل بين الستر والإحاطة، لا الستر والحكم.
◈ كلّ قَولات الآية ودورها7 قَولات⌄
◈ لطائف وثمرات
⌄
- الاستغفار طريق بعد موقف الخطأ لا إقرار تفصيليّ
الآية لا تطلب الاعتراف المفصَّل ولا الوصف الدقيق للذنب، بل الاستغفار مباشرةً نحو الله. هذا الإيجاز في الأمر مع التوسّع في التعليل يُبيّن أنّ المهمّ التوجّه لا الاستغراق في التعريف.
- الوصفان ﴿غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ سند لا وعد
جاءا مثبَّتَين بـ﴿إِنَّ﴾ و﴿كَانَ﴾ لا بعبارة قد يغفر أو لعل، فهما وصف قائم يُسند الأمر لا وعد مشروط، والمستغفِر يتوجّه نحو صفة موجودة لا يستجلبها.
- الجمع بين الغفر والرحمة يُكمِل المسار
الغفر يستر الذنب ويرفع مؤاخذته، والرحمة تُحيط الطالب بعد الستر. المستغفِر لا يخرج فارغًا بل مكفولًا، وهذا يجعل الاستغفار غايةً لا مجرّد انتهاء من موقف.
- اشتراك الجذر «غفر» بين الأمر والوصف
﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ﴾ و﴿غَفُورٗا﴾ من جذر واحد، فالآية تطلب الستر من الجهة الموصوفة بالستر الكثير. هذا الاشتراك يجعل الطلب والسند معدنًا واحدًا، وليس مجرّد توافق لفظيّ بل تلازم بنائيّ: الطالب يطلب ما عُرف به المطلوب منه.
- اسم الجلالة يحضر في الأمر وفي التعليل
الفعل ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ﴾ موجَّه إلى الله، ثم يأتي ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ﴾ — اسم واحد في الأمر والتعليل. هذا الحضور المزدوج في آية قصيرة يُقفِل الجهة: من يُستغفَر وبتعليل من يُستغفَر سواء، لا فصل بين الطرفَين.
- التقابل مع النساء 110 — التقاء في الخاتمة
الآية 110 من السورة نفسها ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ تُعيد ختام الوصف ﴿غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ بعينه. الآية 106 أمرٌ والتعليلُ الثابت، والآية 110 نتيجةٌ لمن استجاب. الوصفان يُطوِّقان الموضوع من طرفَيه: الحثّ على الاستغفار والوعد بنتيجته.
◈ روابط موسوعيّة من الآية
⌄
◈ قرائن بناء المدلول
⌄
- بنية الأمر والتعليل
الآية مركَّبة من أمر بالفعل ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ﴾ موجَّهًا إلى الله، يتلوه تعليل توكيديّ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾. هذا التركيب يجعل الأمر مسوَّغًا بوصفَين ثابتَين لا بوعد مستقبليّ، فالاستغفار مبنيٌّ على سند موصوف لا على رجاء غامض.
- توافق اسم الجهة في الجملتَين
﴿ٱللَّهَ﴾ في الأمر و﴿ٱللَّهَ﴾ في التعليل اسم واحد يُحكم التطابق بين الجهة المقصودة بالطلب والجهة الموصوفة بالغفر والرحمة، فلا فصل بين من يُطلَب منه الستر ومن يملكه.
- دلالة ﴿كَانَ﴾ في الوصف الإلهيّ
﴿كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ لا تُوقِّت الوصف في ماضٍ منقطع، بل تُثبته وصفًا سابقًا لازمًا قائمًا قبل هذا الطلب ومحيطًا به. هذا يجعل الأمر بالاستغفار توجّهًا نحو يقين موجود لا استجلابًا لصفة جديدة.
- تنكير ﴿غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ وأثره
التنكير هنا للمبالغة وعدم التحديد بحدٍّ، لا للتقليل. صيغة فَعُول تُفيد السعة والمبالغة، والتنكير يُوسِّع النطاق بدل تضييقه. ستر الذنوب وإحاطة الرحمة لا يُحصَران بتعريف.
- السياق يمنح الأمر وظيفةً محدَّدة
بين النهي عن مجادلة الخائنين والنهي عن الدفاع عنهم في آيتَي 105 و107، يأتي الأمر بالاستغفار طريقًا وسطًا لا يُنازع ولا يُسكت، بل يتوجّه مباشرةً نحو الله.
◈ الرسم والهيئة
المحسوم وغير المحسوم⌄
- رسم ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ﴾ — الوصل بالواو
الفعل جاء موصولًا بواو العطف ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ﴾، مما يجعله مرتبطًا بما قبله من سياق الحكم بالحق وعدم مجادلة الخائنين في الآية 105. هذا الوصل يجعل الاستغفار تاليًا للحكم ومنبثقًا منه لا أمرًا مستقلًّا. قرينة رسميّة تُؤكّد دمج الموقفَين لا فصلهما. هذا محسوم من الرسم.
- الوقف على ﴿ٱللَّهَۖ﴾ في الأمر
علامة الوقف الجائز بعد ﴿ٱللَّهَ﴾ في الأمر تُفصِل الوحدةَ الطلبيّة عن التعليل فصلًا إيقاعيًّا، فيبرز كل منهما مستقلًّا ثم يُقرأان معًا. ملاحظة رسميّة لا حكم دلاليّ مستقلّ.
- تنكير الوصفَين ﴿غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾
جاءا منكَّرَين لا معرَّفَين بأل. هذا الرسم يُفيد المبالغة والتوسيع لا التحديد؛ والأثر الدلاليّ محسوم هنا لاقترانه ببناء فَعُول وفَعِيل اللذَين يُفيدان الكثرة أصلًا. التنكير يُضاعف المبالغة ويتجاوز حدّ الوصف المحدَّد.
◈ إحصاءات الآية واستنباطات عابرة للصفحات
⌄
عابر للصفحات: ترتبط قَولات هذه الآية بطبقات الموقع (المركبات) — بروابطها المحقّقة دون تكرار.
◈ مخططات سريعة
⌄
توزيع جذور الآية
حقول الآية
أكثر جذور السياق حضورًا
لا توجد نافذة سياق كافية.
◈ الجذور في الآية
بيان مختصَر داخل الصفحة⌄
الغَفر: سترُ الذنب أو الإساءة ورفعُ مؤاخذتهما عن صاحبهما فلا يجري عليه أثرهما؛ يكون من الله محوًا للأثر الجزائيّ لمن شاء أو لمن تاب واستغفر، ويكون من العبد صفحًا عمّن أساء إليه فلا يؤاخذه.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: خلاصة الجذر «غفر»: سترُ الذنب أو الإساءة ورفعُ مؤاخذتهما عن صاحبهما؛ يكون من الله محوًا للأثر الجزائيّ، ومن العبد صفحًا عمّن أساء إليه. ورد في 234 موضعًا داخل 202 آية، الإسناد فيها إلى الله في أغلبها الساحق، وتؤيّده الصيغ المركزية: غفور، الغفّار، يغفر، اغفر، مغفرة، استغفر.
فروق قريبة: يفترق «غفر» عن «عفو» بأنّ العفو محوُ تبعةٍ وتجاوزٌ عن الأثر، أمّا الغفر فيبرز سترَ الذنب نفسه ووقايةَ صاحبه من أثره؛ ولذلك جُمِع بينهما مرتَّبَين ﴿وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا﴾ (البقرة 286). ويفترق عن «صفح» بأنّ الصفح إعراضٌ عن المؤاخذة وكفٌّ عنها في التعامل، بينما الغفر سترٌ للذنب ووقايةٌ من أثره؛ ولذلك جُمِع الثلاثة متدرّجةً ﴿وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ﴾ (التغابن 14) من التجاوز إلى الإعراض إلى الستر التامّ. ويفترق عن «رحم» بأنّ الرحمة إحاطةُ إحسانٍ وعطفٍ أوسع من ستر الذنب، ولذلك تَرِد المغفرة قرينةً للرحمة لا مرادفةً لها ﴿فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا﴾. تمييز «غفر» عن «غمر»: الجامع بينهما لفظ «الستر»، غير أنّ الإحاطة في «غمر» كاملةٌ مستغرِقة — إغراقٌ في الموت ﴿فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ﴾، وإحاطةٌ تُغشي القلبَ ﴿بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا﴾ و﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ﴾. أما «غفر» فستر الذنب ورفع مؤاخذته ﴿وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾.
اختبار الاستبدال: لو استُبدل «غفر» بـ«عفو» في ﴿وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ (آل عمران 135) لضاع معنى ستر الذنب نفسه واقتصر على محو التبعة. ولو استُبدل بـ«صفح» لصار إعراضًا في المعاملة لا سترًا للذنب، ولذلك لا يُسنَد «صفح» إلى الله بصيغة الفعل كما يُسنَد «غفر» في ﴿يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾. ولو استُبدل بـ«رحم» لاتّسع الباب إلى الإحسان العام وفُقِد تخصيصه بالذنب ومؤاخذته؛ فالغفر مخصوصٌ بسترِ ذنبٍ قائمٍ ورفعِ مؤاخذته، وهذا ما تنفرد به مواضعه.
فتح صفحة الجذر الكاملة«ءله» يدلّ على جهة الألوهيّة التي يُقصَد إليها بالعبادة والدعاء والقَسَم، وحقُّها في القرآن مقصورٌ على «الله» وحده لأنّه الخالق المالك الحيّ القيّوم؛ وما عداه من «آلهة» يُذكَر لإبطال دعواه بنفي الخلق والملك والنفع عنه. والجذر لا يَنفَكُّ في القرآن عن صيغة الحصر ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا﴾ في 31 آية فريدة — فالتوحيد بنيتُه نفي الجنس كلِّه ثُمّ استثناء العَلَم وحده، لا تكرار العَلَم.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: زاوية الجذر استحقاقُ التألُّه: لا يصف عبادةً ولا ربوبيّةً ولا مُلكًا مجرّدًا، بل يُعيّن الجهة المقصودة بالعبادة ثمّ يحسم أنّ حقّها لله وحده. «الله» اسم عَلَم لا يُجمَع ولا يُثنّى (2686 موضعًا)، و«إله» اسم جنس يَقبل النفي والإثبات والتثنية (106 مواضع)، و«آلهة» جمع لا يَأتي إلّا لإبطال دعواه (36 موضعًا). كلّما ذُكِر «الله» ثبت كمالُ الألوهيّة، وكلّما ذُكرت «الآلهة» ظهر عجزُها.
فروق قريبة: الجذر وجه القرب الفرق عن «ءله» --------- ربب السيادة على المربوب «ربّ» يُبرز التدبير والتربية والمِلك ويُضاف لكلّ شيء (ربّ العالمين، ربّ المشرق)؛ و«إله» يُبرز جهة العبادة المقصودة ولا يَثبُت حقًّا إلّا لواحد. عبد العبادة «عبد» فعلُ المتعبِّد وحالُه، و«ءله» الجهةُ المعبودة نفسها؛ هذا فاعلُ التوجّه وذاك مقصودُه. ملك السلطان والحكم «ملك» يصف السلطان، و«ءله» يجعل السلطان أساسًا لاستحقاق العبادة لا غايةً في ذاته. طغو جهةٌ تُعبَد من دون الله «الطاغوت» جهةٌ مخصوصةٌ تُعبَد بالباطل من جهة تجاوزها الحدّ، و«ءله» الاسمُ الجامع للجهة المعبودة، يُختبَر بها حقُّها أو بطلانها. هوي جهةٌ تُعَيَّن للتألُّه باطلًا «الهوى» جهةٌ ذاتيّة فاسدة يَتّخذها المرءُ إلهًا (الفرقان 43، الجاثية 23)، و«ءله» الاسمُ الجامع لجهة التألُّه؛ الأوّل دافِع داخليّ، والثاني الموضع الذي يَنحرف إليه. شرك فعل اتّخاذ الآلهة «شرك» يُسَمّي الفعل الذي يُولِّد «الآلهة» (مع الله، من
اختبار الاستبدال: في ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ﴾ (البقرة 163) لو وُضِع «ربّ» مكان «إله» — «وربُّكم ربٌّ واحد» — لانتقل الكلام من حصر جهة العبادة إلى تقرير وحدة المُدبِّر؛ و«الربّ» يُضاف في القرآن لكلّ شيء (ربّ العرش، ربّ المشرقين)، فلا يُفيد وحده قصرَ التوجّه والعبادة على واحد. وفي ﴿أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ﴾ (النمل 60) لا يقوم «عبد» مقام «إله»؛ لأنّ المنفيّ مشاركةُ جهةٍ في استحقاق العبادة، لا وجودُ متعبِّد. فـ«إله» وحده يحمل معنى الجهة المقصودة بالتألُّه.
فتح صفحة الجذر الكاملة«إن» المكسورة أداة تثبيت موقف الخطاب من المضمون: «إنَّ» المشدّدة تقرّر الخبر وتثبته، و«إنْ» الشرطيّة تعلّق الجواب على وقوع الشرط، و«إنْ» النافية تنفي المضمون مقصورًا بـ«إلّا»، و«إنْ» المخفّفة من الثقيلة تثبت مع لام فارقة، و«إنَّما» تحصر الحكم في جهته. وظائفها متعدّدة لا متناقضة: كلّها ضبط لعلاقة الخطاب بمضمونه إيجابًا أو سلبًا أو تعليقًا أو قصرًا.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: زاوية الجذر هي ضبط موقف الخطاب من المضمون: تثبيت خبر، أو تعليق جواب على شرط، أو نفي حصريّ، أو قصر حكم. ولهذا يختلف عن «لعل» التي تترك المآل مرجوًّا مفتوحًا، وعن «إذا» التي تربط الجواب بلحظة وقوع محقّقة، وعن «أن» المفتوحة التي تؤطّر مضمون الجملة دون تثبيتٍ أو نفيٍ أو تعليق.
فروق قريبة: الجذر وجه القرب الفرق عن إن --------- لعل ربط بين فعل ومآل لعل تترك المآل مرجوًّا مفتوحًا، وإن تثبت الخبر أو تعلّق الجواب أو تنفيه حصرًا. ءذا الشرط والتوقيت ءذا تربط الجواب بلحظة وقوع محقّقة، وإن تربطه بإمكان الشرط أو تثبت الخبر أو تنفيه. ءن حمل المضمون ءن المفتوحة تؤطّر مضمون الجملة، وإن المكسورة تثبّت أو تشرط أو تنفي أو تحصر. لو التعليق لو تفتح فرضًا مخالفًا أو ممتنعًا، وإن تبني علاقة شرطيّة ممكنة الوقوع. ما / لا النفي «ما/لا» تنفيان نفيًا مطلقًا، و«إنْ» النافية تلازمها «إلّا» فتجمع النفي إلى القصر في نمط «إِنۡ … إِلَّا».
اختبار الاستبدال: في البَقَرَة 6 ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ لا تقوم «لعل» مقام «إنَّ»؛ لأنّ الآية تقرّر حالًا محكومًا مثبتًا لا مآلًا مرجوًّا. في البَقَرَة 23 ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ﴾ لا تقوم «إذا» مقام «إنْ»؛ لأنّ المطلوب اختبار شرطٍ مُمكِن لا تحديد لحظة وقوعه. وفي الأنعَام 7 ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾ تقوم «ما» النافية مقام «إنْ» («ما هذا إلّا سحرٌ مبين»)، فيتّحد المعنى — وهذا اختبار يكشف أنّ «إنْ» هنا نافية لا شرطيّة ولا توكيديّة؛ بخلاف موضع التوكيد والشرط حيث لا تصلح «ما».
فتح صفحة الجذر الكاملة«كون» يدلّ على تحقّق الشيء في وجود أو حال أو موضع، أو دخوله في تلك الكينونة بأمر أو تصيير؛ فهو أصل الإخبار عن الحال — وصفًا ثابتًا أو حالًا ماضيًا أو تحقّقًا منتظَرًا — لا مرادفٌ للخلق وحده.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: «كون» هو تحقّق الحال أو الوجود أو الموضع: خبرٌ عن كينونة قائمة، أو أمرٌ بإحداثها، أو اسمٌ لمحلّها ومكانتها.
فروق قريبة: «كون» ليس «خلق»؛ فالخلق إيجادٌ وتقديرٌ من عدم، أما «كون» فإثبات تحقّقٍ أو حال وقد يأتي بعد الخلق ليُخبر عن نتيجته — ولذلك يصحّ أن يجتمعا كقوله ﴿خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾. وليس «جعل»؛ فالجعل تصييرٌ ووضعٌ في وظيفة أو صفة، و«كون» أعمّ في قيام الحال نفسه. وليس «وجد»؛ فالوجود حضورٌ بعد عدمٍ أو عثورٌ على شيء، و«كون» أداةٌ واسعة للإخبار عن الحال على إطلاقه. فالجذور الثلاثة تُخبر «كان» عن نتائجها، وهو لذلك أداة الكينونة الجامعة لا فردٌ من أفرادها.
اختبار الاستبدال: في ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ لا يصلح «خلق» ولا «وجد»؛ لأنّ النصّ يقرّر وصفًا ثابتًا للذات لا حدثَ إيجاد. وفي ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ لا يُغني «خلق» عن «يكون»؛ لأنّ «يكون» هو تمام تحقّق الأمر بعد القول الإلهيّ، والاكتفاء بالخلق يُسقط دلالة الاستجابة الفوريّة. وفي ﴿ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ﴾ لا يصلح «موضعكم» مكان «مكانتكم»؛ لأنّ المكانة هنا حالٌ وجهةُ قيامٍ وقرار لا مجرّد حيّزٍ مكانيّ. فالاستبدال يكشف أنّ الجذر يُثبت الحال أو يُتمّ التحقّق أو يُسمّي الرتبة، وكلٌّ منها يضيع بإحلال شبيه.
فتح صفحة الجذر الكاملةالإحاطة المحيية: أن يحيط الشيء بما في كنفه فينشئه أو يمده أو يكفله. تظهر في الرحمة الإلهية التي تصل الخير وتدفع الهلاك، وفي الأرحام التي تحتضن التكوين، وفي أولو الأرحام الذين تنتظم بهم رابطة القرب.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: رحم يربط بين الرحم والرحمة ورابطة الأرحام من جهة الإحاطة التي تمنح حياة أو حفظا أو قربا. لذلك يصح أن تكون الرحمة أوسع من المغفرة، وأن تكون الأرحام شاهدا بنيويا لا فرعا خارجيا.
فروق قريبة: يفارق غفر لأن غفر ستر وإسقاط، أما رحم فإحاطة وإمداد. ويفارق لطف لأن لطف دقة إيصال خفي، أما رحم فكنف جامع. ويفارق ود لأن ود ميل محبة ظاهر، أما رحم فحفظ نافع قد يظهر في العفو أو الرزق أو تكوين الجنين.
اختبار الاستبدال: في ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ﴾ (هود 119) لو وُضِع «غفر» موضع «رحم» لاقتصر المعنى على إسقاط الذنب، وضاع معنى الكفالة والاستثناء من عموم الهلاك. وفي ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ﴾ (البقرة 228) لا يصحّ «غفر» ولا «لطف» بحال، فالرَّحِم وعاء تكوينٍ لا يقبل بديلًا. وفي ﴿وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥ﴾ (الشورى 28) لو وُضِع «لطفه» لضاق المعنى عن الغيث المنشور؛ فالرحمة في النصّ تكفل وتُدخِل وتُنشَر، لا تقتصر على الرفق الخفيّ. الاختبار يثبت أنّ «رحم» إحاطةٌ كافلة جامعة، لا يستوعبها فرعٌ من فروعها.
فتح صفحة الجذر الكاملة◈ القَولات (تفكيك ميكانيكيّ)
⌄
◈ السياق القريب (٥ قبل · ٥ بعد)
⌄
الآيات السابقة 101-104 تضع سياق الضعف والتهديد: قصر الصلاة في الخوف، الصلاة مع السلاح، الذكر في كل الأحوال، والحثّ على المضيّ رغم الألم. ثم تأتي الآية 105 بإنزال الكتاب بالحق للحكم بما أرى الله، وتنهى عن أن يكون المخاطَب خصيمًا للخائنين. في هذا الموضع المشحون بين الوهن والنزاع الاجتماعيّ يجيء أمر الاستغفار تصحيحًا لموقف الذات من الخطأ قبل أن تتحوّل الحجج إلى مجادلة عن المذنبين. والآية 107 التالية تُؤكّد أنّ الله لا يحبّ الخوّان الأثيم، والآية 108 تُبيّن أنّ الخائنين يستخفون من الناس لا من الله، فالله محيط بما يبيّتون. هذا الإحاطة الإلهيّة تجعل الاستغفار مع وصف ﴿غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ طريقًا صريحًا: من أمام مَن يعلم ويُحيط لا منفعةَ في الاستخفاء، والطريق هو الاستغفار لا الجدال.
-
وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا
-
وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا
-
فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا
-
وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
-
إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا
-
وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا
-
وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا
-
يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا
-
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا
-
وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا
-
وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا