تقابُل داخليّ · قَولات
التقابُل بين جذر حسن وجذر جزي في القرءان
خلاصة مباشرة
جذر «جزي» يقوم على مقابلة شيء بشيء يسد مسده، ولذلك فأقوى مقابله في فرع العقاب هو «عفو»: الجزاء إيقاع المقابل، والعفو إسقاط تلك المقابلة. يتجلى ذلك في الشورى: جزاء السيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله. وفي المائدة يجتمع جزاء الصيد مع «عفا الله عما سلف»، فتظهر حدود العفو تجاه الجزاء. ولا تكون «حسن» أو «سوء» أضدادًا للجذر نفسه؛ هما نوعا العمل أو الجزاء. كما أن «كسب» و«عمل» علة الجزاء لا مقابله. لذلك فالعلاقة الرئيسة مع «عفو» ضد صريح في مجال إيقاع المقابل، مع إبقاء بقيّة الجذور المجاورة شارحة لمسارات الجزاء خيرًا وشرًا.
الشاهد المركزيّ
﴿ مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾
مدلول الآية
تفصل الآية ميزان الجزاء بعد تقرير العاقبة: من حضر بالحسنة فله نفع أرجح منها، ومن حضر بالسيئة فلا يجزى أهل السيئات إلا بقدر ما كانوا يعملون. التحليل الكامل ←
التقابُل كما يرسمه القرءان
جذر «جزي» يقوم على مقابلة شيء بشيء يسد مسده، ولذلك فأقوى مقابله في فرع العقاب هو «عفو»: الجزاء إيقاع المقابل، والعفو إسقاط تلك المقابلة. يتجلى ذلك في الشورى: جزاء السيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله. وفي المائدة يجتمع جزاء الصيد مع «عفا الله عما سلف»، فتظهر حدود العفو تجاه الجزاء. ولا تكون «حسن» أو «سوء» أضدادًا للجذر نفسه؛ هما نوعا العمل أو الجزاء. كما أن «كسب» و«عمل» علة الجزاء لا مقابله. لذلك فالعلاقة الرئيسة مع «عفو» ضد صريح في مجال إيقاع المقابل، مع إبقاء بقيّة الجذور المجاورة شارحة لمسارات الجزاء خيرًا وشرًا.
المقابل القرءاني لجذر «حسن» هو «سوء» في صيغ السوء والسيئة. فالحسن ظهور الفعل أو الصفة على وجه مقبول نافع، والسيئة قبح أثر أو فعل يطلب دفعه أو يجزى بمثله. العلاقة صريحة في مثل سورة فُصِّلَت ٣٤: نفي الاستواء بين الحسنة والسيئة، ثم الأمر بالدفع بالتي هي أحسن. وفي سورة الرَّعد ٢٢ يردأ المؤمنون السيئة بالحسنة، فيظهر أن الحسنة ليست مجرد زيادة فضل، بل قوة تقابل الأثر السيئ وتدفعه. أما «أجر» و«جزاء» فهي نتائج، و«صلح» قريب في الحقل لكنه لا يستوعب قطب القبح المقابل.
مفهوم كلّ جذر على حدة
جذر حسن
194 موضعًا في القرءان · الحقل: البر والإحسان | الحسن والجمال والطيب | التفاضل والمقارنة
حسن: ظهورُ صفةٍ أو فعلٍ على وجهٍ يجتمع فيه القَبولُ والنفع — فيكون إتقانًا في الخلق، أو إجادةً في العمل، أو فعلًا مقبولًا في الحَسَنة، أو عاقبةً عليا في الحُسنى. القيد الفاصل: «على وجهٍ مقبولٍ نافع» — به يخرج جمالُ الصورة الخالي من النفع، ويخرج النفعُ الخفيّ الذي لا قَبول له. ويَرِد الوصفُ مَنسوبًا دَعوى أو تَزيينًا في مَواضِعَ يَرُدُّها السياق (سورة التوبَة ١٠٧، سورة النَّحل ٦٢، سورة فَاطِر ٨) — فالجذر يَحمِل الوَصف، وتَحقُّقُه مَوكولٌ إلى السياق. الجذر «حسن» في القرءان يدور على معنى جامع واحد: ظهور صفةٍ أو فعلٍ على وجهٍ مقبولٍ نافع، يزداد الشيء به بهاءً أو خيرًا أو استقامةً في الخلق والعمل والجزاء. فالحُسن ليس وصفًا للصورة وحدها، بل قَبولٌ ونفعٌ يُدرَكان معًا. وقد يُنسَب هذا الوجه إلى ما لا يَحمِله — دَعوى… حسن: ظهورُ صفةٍ أو فعلٍ على وجهٍ يجتمع فيه القَبولُ والنفع — فيكون إتقانًا في الخلق، أو إجادةً في العمل، أو فعلًا مقبولًا في الحَسَنة، أو عاقبةً عليا في الحُسنى. القيد الفاصل: «على وجهٍ مقبولٍ نافع» — به يخرج جمالُ الصورة الخالي من النفع، ويخرج النفعُ الخفيّ الذي لا قَبول له. ويَرِد الوصفُ مَنسوبًا دَعوى أو تَزيينًا في مَواضِعَ يَرُدُّها السياق (سورة التوبَة ١٠٧، سورة النَّحل ٦٢، سورة فَاطِر ٨) — فالجذر يَحمِل الوَصف، وتَحقُّقُه مَوكولٌ إلى السياق. الجذر «حسن» في القرءان يدور على معنى جامع واحد: ظهور صفةٍ أو فعلٍ على وجهٍ مقبولٍ نافع، يزداد الشيء به بهاءً أو خيرًا أو استقامةً في الخلق والعمل والجزاء. فالحُسن ليس وصفًا للصورة وحدها، بل قَبولٌ ونفعٌ يُدرَكان معًا. وقد يُنسَب هذا الوجه إلى ما لا يَحمِله — دَعوى أو تَزيينًا — فيَرُدُّه السياق: ﴿وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ (سورة التوبَة ١٠٧)، و﴿وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ﴾ (سورة النَّحل ٦٢)، و﴿زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ﴾ (سورة فَاطِر ٨). ينتظم هذا المعنى الواحد في 194 موضعًا داخل 177 آية، عبر أربعة مسالك دلاليّة متمايزة في الصياغة، متّحدة في الأصل: • المسلك الأوّل — الحُسن الوصفيّ: جمال الخلق وإتقانه، حين يُسنَد الفعل إلى الله خالقًا مُصوِّرًا: ﴿فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ﴾ (سورة غَافِر ٦٤)، ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ﴾ (سورة السَّجدة ٧)، ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ﴾ (سورة التِّين ٤)، ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ﴾ (سورة المؤمنُون ١٤). والوصف هنا تقريرٌ لإتقانٍ ظاهرٍ نافع، لا زينةً مجرّدة. • المسلك الثاني — الإحسان الفعليّ: إجادةُ العمل وإيصالُ النفع إلى الغير، فعلًا من العبد أو إنعامًا من الله: ﴿وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٣٦)، ﴿وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ﴾ (سورة القَصَص ٧٧)، ﴿أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا﴾ (سورة المُلك ٢). والمُحسِن من تكرّر منه هذا الوجه حتّى صار وصفًا له. • المسلك الثالث — الحَسَنة: الفعلُ المقبول وجزاؤه، يقابل السيّئةَ ويتفاضل معها: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ﴾ (سورة الأنعَام ١٦٠)، ﴿إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ﴾ (سورة هُود ١١٤). فهي ذات وجهين: فعلٌ يُؤتى، وأثرٌ يُجزى. • المسلك الرابع — الحُسنى: العاقبةُ والوعد الأعلى، صيغةَ تفضيلٍ مؤنّثة للغاية القصوى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ﴾ (سورة يُونس ٢٦)، ﴿لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ﴾ (سورة الرَّعد ١٨)، واسمًا أعلى لله: ﴿لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ﴾ (سورة طه ٨). الرباط الجامع للمسالك الأربعة: في كلٍّ منها تظهر صفةٌ أو فعلٌ يُدرَك فيه القَبولُ والنفعُ معًا — في الخلق إتقانًا، وفي العمل إجادةً، وفي الحَسَنة أثرًا، وفي الحُسنى عاقبةً. فالحُسن مادّةُ الجودة المقبولة النافعة حيثما ظهرت — مُتَحقِّقةً في عامّة المواضع، ومَنسوبةً دَعوى يَنقُضها السياق في مواضعَ أُخَر.
التحليل الكامل لجذر حسن ←جذر جزي
118 موضعًا في القرءان · الحقل: الثواب والأجر والجزاء | النفع والضرر
جزي: أن يقع شيءٌ موقعَ شيءٍ ويسدّ مسدَّه ويقوم مقامه على جهة المقابلة الموافِقة — إمّا مقابلةً للعمل بما يناسبه خيرًا أو شرًّا (الفرع الغالب)، وإمّا قيامَ نفسٍ مقامَ أخرى لتكفيَ عنها وتُغنيَها (المنفيُّ يومَ القيامة). الجذر «جزي» في القرءان الكريم يدور على معنًى جامعٍ واحد: وقوعُ شيءٍ موقعَ شيءٍ يسدّ مسدَّه ويقوم مقامه، على جهة المقابلة الموافِقة. وهذا الأصل الواحد يتفرّع عن نفسه فرعين كلاهما مندرجٌ تحته بلا انفكاك: الفرع الغالب — مقابلةُ العمل بما يناسبه: أن يقع على العامل من الثواب أو العقاب ما يوافق ما عمل، خيرًا كان أو شرًّا. هذا يستوعب جزاء الإحسان ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾ (سورة الرَّحمٰن ٦٠)، وجزاء الإساءة بالمماثلة ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ (سورة الأنعَام ١٦٠)،… جزي: أن يقع شيءٌ موقعَ شيءٍ ويسدّ مسدَّه ويقوم مقامه على جهة المقابلة الموافِقة — إمّا مقابلةً للعمل بما يناسبه خيرًا أو شرًّا (الفرع الغالب)، وإمّا قيامَ نفسٍ مقامَ أخرى لتكفيَ عنها وتُغنيَها (المنفيُّ يومَ القيامة). الجذر «جزي» في القرءان الكريم يدور على معنًى جامعٍ واحد: وقوعُ شيءٍ موقعَ شيءٍ يسدّ مسدَّه ويقوم مقامه، على جهة المقابلة الموافِقة. وهذا الأصل الواحد يتفرّع عن نفسه فرعين كلاهما مندرجٌ تحته بلا انفكاك: الفرع الغالب — مقابلةُ العمل بما يناسبه: أن يقع على العامل من الثواب أو العقاب ما يوافق ما عمل، خيرًا كان أو شرًّا. هذا يستوعب جزاء الإحسان ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾ (سورة الرَّحمٰن ٦٠)، وجزاء الإساءة بالمماثلة ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ (سورة الأنعَام ١٦٠)، ومنه المسلك المالي في «الجزية» المأخوذة عن يدٍ مقابلةً لحالٍ مخصوصة (سورة التوبَة ٢٩). الفرع الثاني — قيامُ نفسٍ مقامَ نفسٍ لتكفيَ عنها: وهو ما يَرِد منفيًّا في يوم القيامة ﴿لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا﴾ (سورة البَقَرَة ٤٨ و١٢٣) و﴿لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ﴾ (سورة لُقمَان ٣٣). هنا الجزاء يقع «عن» الغير لا «على» الفاعل، وليس وراءه عملٌ سابق يُجازَى صاحبُه عليه، بل المراد أن تَنوب نفسٌ عن أخرى فتكفيَها وتُغنيَها — وهذا عينُ معنى «قيام الشيء مقام الشيء». فالأصل واحد: شيءٌ يقوم مقام شيءٍ ويوافِقه؛ مرّةً يقوم الجزاءُ مقامَ العمل فيوافقه ثوابًا أو عقابًا، ومرّةً تقوم نفسٌ مقامَ نفسٍ فتكفيَ عنها. وقد انتظم هذا المدلول 118 موضعًا عبر 49 صيغة قرءانية متمايزة، كلٌّ منها يكشف زاويةً من المعنى الجامع دون أن ينفكّ عنه.
التحليل الكامل لجذر جزي ←التحليل التقابُليّ العميق
جامِع التقابُل وحَدّاه
العلاقة بين حسن وجزي في الشواهد تقابل داخلي لا تضاد مباشر؛ فالحسن يصف مادة العمل أو الفاعل أو العاقبة من جهة القبول والنفع، أما جزي فيصف وقوع المقابل الموافق لذلك العمل أو لتلك الحال. لذلك لا يكون الجذران ضدين، بل يتواجهان داخل بنية واحدة: فعل حسن أو إحسان من جهة، ومقابل يقع عليه أو بعده من جهة أخرى. يظهر ذلك في ﴿وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (سورة المَائدة ٨٥)، فالمحسنون ليسوا نقيض الجزاء، بل هم موضعه. ويظهر في ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾ (سورة الرَّحمٰن ٦٠)، حيث يصير الإحسان طرفي المعادلة: عملًا ومقابلًا. والحد الدقيق: حسن يثبت وجه الجودة المقبولة النافعة، وجزي يثبت أن لهذه الجودة أو لضدها مقابلا يقع موقعها، مرة بمثل السيئة، ومرة بأحسن العمل، ومرة بالحسنى.
حَدّ جذر حسن في مواجهة جزي
حد حسن في مواجهة جزي أنه ليس إيقاع المقابل، بل تعيين صفة الفعل أو أهله أو عاقبته. في مواضع اللقاء يكون الحسن هو الذي يجعل الفعل قابلا للمجازاة العليا: محسنون، أحسنوا، حسنة، أحسن ما عملوا، وحسنى بمعنى المقابل الحسن كما في ﴿فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰ﴾ (سورة الكَهف ٨٨). ويستثنى من هذا النسق موضع سورة الأعرَاف ١٨٠، إذ حسنى هناك صفة لأسماء الله ذاتها لا لعمل العبد، والجزاء واقع على المُلحدين فيها لا على محسن، فهو تجاور لفظي في الآية لا شاهد للتقابل المطروح هنا. فقوله ﴿وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى﴾ (سورة النَّجم ٣١) يجعل الإحسان وصفا سابقا للذين وقع عليهم الجزاء، والحسنى جهة المقابل. فهو يثبت الجودة التي دخلت في العمل أو العاقبة، وينفي أن يكون المعنى مجرد رد أو مكافأة. ولذلك قد يذكر الحسن في صيغة التفاضل: ﴿لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ (سورة النور ٣٨)، فالتركيز على رتبة العمل المجزى عليه، لا على فعل الجزاء وحده.
حَدّ جذر جزي في مواجهة حسن
حد جزي في مواجهة حسن أنه ليس وصفا للجمال أو الجودة، بل إيقاع المقابل الموافق لما سبق. قد يأتي مع المحسنين فيكون المقابل ثوابا، وقد يأتي مع السيئة فيكون المثل عدلا، كما في ﴿وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ (سورة الأنعَام ١٦٠). فالجذر يثبت جهة الحساب والمقابلة، وينفي أن يكون الحكم على الفعل من حيث حسنه هو كل المعنى. وفي قوله ﴿وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (سورة الأنعَام ٨٤) لا يصف الجذر المحسنين، بل يوقع عليهم سننا من المقابل. لذلك يتسع جزي للخير والشر، بينما حسن في هذا الزوج هو جهة القبول والنفع التي يستحق بها العمل أو العامل وجها مخصوصا من الجزاء.
قراءة مواضع التلاقي
تلاقي الجذرين في الآية الواحدة يأتي غالبا في بنية شرط وجزاء، أو تقرير سنة في المحسنين، أو بيان تفاضل المقابل على العمل. في الأنعام يصرح النص بميزانين: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ (سورة الأنعَام ١٦٠)، فالحسنة مادة داخلة، والجزاء حكم مقابل، مع فضل في الحسنة وعدل في السيئة. وفي النحل تتكرر بنية العمل ثم المقابل الأعلى: ﴿وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (سورة النَّحل ٩٧)، فلا يكتفي النص بإثبات الجزاء، بل يربطه بأحسن ما كان من العمل. وفي القصص تظهر صيغة الوعد القريب: ﴿فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ﴾ (سورة الكَهف ٨٨)، حيث يجتمع اسم المقابل مع غايته الحسنى. أما صيغة ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (سورة الصَّافَات ٨٠) فتجعل اللقاء قاعدة متكررة: المحسنون يعرفون بوصف العمل، والجزاء يعرف بوقوع المقابل عليهم.
موقع هذا التقابُل في حقله الدلاليّ
يمتاز هذا التقابل عن علاقات حسن مع خير أو برر أو طيب بأنه لا يوازن بين صفات متقاربة للعمل، بل ينقل من وصف العمل إلى مقابلته. ويمتاز عن علاقات جزي مع ءجر أو ثوب أو فوز بأن الجذر هنا لا يواجه لفظا من حقل العطاء وحده، بل يواجه مادة العمل التي يترتب عليها العطاء أو المثل. لذلك لا يصح أن يقال إن جزي ضد حسن؛ الأقرب أنه ميزان أثره. الحسن والسيئ يحددان مادة الجزاء، وجزي يبين كيف يقع المقابل على تلك المادة، فضلًا أو عدلًا أو حسنى.
امتحان الاستبدال
امتحان الاستبدال يظهر في قوله ﴿لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى﴾ (سورة النَّجم ٣١). لو وضع حسن موضع جزي في صدر الجملتين لصار الكلام وصفا للذين أساءوا أو أحسنوا لا إيقاعا للمقابل عليهم، فتسقط بنية الحساب التي تجمع الفريقين. ولو وضع جزي موضع أحسنوا لصار الذين وقع منهم الجزاء هم أنفسهم مادة الثواب، مع أن الآية تجعل إحسانهم العمل السابق، وتجعل الجزاء فعل المقابلة اللاحق. وكذلك في سورة الأنعَام ١٦٠، لو استبدلت الحسنة بالجزاء في ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ﴾ لانكسر معنى المجيء بالعمل قبل مقابله؛ ولو استبدل الجذر في ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ لضاع قيد المماثلة.
الخلاصة الميسَّرة
الحسن في هذا الزوج هو جودة العمل أو أهله أو عاقبته، والجزاء هو المقابل الذي يقع بسبب ذلك العمل. لذلك يجتمعان كثيرا لا كضدين، بل كطرفين في ميزان واحد: ما يحسن من العمل، وما يقابله من ثواب أو مثل أو حسنى.
مواضع التلاقي في آية واحدة (23)
﴿ فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
مدلول الآية
مدلول الآية أن الجزاء هنا ليس عطية منفصلة عن قول سابق، بل رجوع أثر القول المؤمن على أصحابه حين صار القول خلاصة سماع ومعرفة وطمع وطلب كتابة مع الشاهدين. ﴿فَأَثَٰبَهُمُ﴾ تجعل الثواب أثرًا عائدًا عليهم، و﴿بِمَا قَالُواْ﴾ تربط العطاء بالمضمون المعلن لا بمجرد صوت. ثم تفصل الآية صورة الثواب: ﴿جَنَّٰتٖ﴾ محوطة عامرة، ﴿تَجۡرِي﴾ بحركة ممتدة، ﴿مِن تَحۡتِهَا﴾ بعلاقة منبع أسفل الجنة، و﴿ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ بمجاري النعيم. و… التحليل الكامل ←
﴿ وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
مدلول الآية
مدلول الآية أن العطية الإلهية لإبراهيم لا تقف عند منح نسل مسمّى، بل تتحول إلى خط هداية وجزاء. افتتحت بواو تصلها بالحجة والرفع قبلها، ثم جاء ووهبنا مع اللام والضمير ليجعل إسحاق ويعقوب عطاء راجعًا إليه لا نتيجة نسب مجرد. ثم كُلًّا هَدَيۡنَا يمنع اختزال الأسماء في سلسلة عائلية؛ فكل اسم داخل حكم الهداية. وإدخال نوح من قبل يحفظ السبق الزمني، ثم من ذريته يفتح فرعًا آخر من أعلام مهديين. وخاتمة وكذلك نجزي المحسنين تجعل… التحليل الكامل ←
﴿ مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ﴾
مدلول الآية
ميزان جزاء يفتح فضل الحسنة إلى عشر أمثالها، ويقصر السيئة على مثلها، مع نفي الظلم عن الجميع. التحليل الكامل ←
باقي مواضع التلاقي (19)
﴿ وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾
﴿ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
﴿ مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾
﴿ مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾
﴿ وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا ﴾
﴿ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ﴾
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
﴿ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾
﴿ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
﴿ قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
﴿ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
﴿ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
﴿ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
﴿ لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ﴾
﴿ هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ﴾
﴿ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
لطائف هذا التقابُل
- الحسن والسيئ يحددان مادة الجزاء، ولا يكونان ضدين لجذر الجزاء نفسه.
أسئلة شائعة
ما العلاقة بين جذر حسن وجذر جزي في القرءان؟
العلاقة بينهما: تَقابُل داخِليّ (في الآية نفسها). جذر «جزي» يقوم على مقابلة شيء بشيء يسد مسده، ولذلك فأقوى مقابله في فرع العقاب هو «عفو»: الجزاء إيقاع المقابل، والعفو إسقاط تلك المقابلة. يتجلى ذلك في الشورى: جزاء السيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله. وفي المائدة يجتمع جزاء الصيد مع «عفا الله عما سلف»، فتظهر حدود العفو تجاه الجزاء. ولا تكون «حسن» أو «سوء» أضدادًا للجذر نفسه؛ هما نوعا العمل أو الجزاء. كما أن «كسب» و«عمل» علة الجزاء لا مقابله. لذلك فالعلاقة الرئيسة مع «عفو» ضد صريح في… العلاقة بينهما: تَقابُل داخِليّ (في الآية نفسها). جذر «جزي» يقوم على مقابلة شيء بشيء يسد مسده، ولذلك فأقوى مقابله في فرع العقاب هو «عفو»: الجزاء إيقاع المقابل، والعفو إسقاط تلك المقابلة. يتجلى ذلك في الشورى: جزاء السيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله. وفي المائدة يجتمع جزاء الصيد مع «عفا الله عما سلف»، فتظهر حدود العفو تجاه الجزاء. ولا تكون «حسن» أو «سوء» أضدادًا للجذر نفسه؛ هما نوعا العمل أو الجزاء. كما أن «كسب» و«عمل» علة الجزاء لا مقابله. لذلك فالعلاقة الرئيسة مع «عفو» ضد صريح في مجال إيقاع المقابل، مع إبقاء بقيّة الجذور المجاورة شارحة لمسارات الجزاء خيرًا وشرًا.
كم مرة يلتقي جذر حسن وجذر جزي في آية واحدة؟
يلتقيان في 23 آية يجتمع فيها الجذران معًا. من ذلك قوله تعالى في المَائدة آية 85.
ما مفهوم جذر حسن في القرءان؟
حسن: ظهورُ صفةٍ أو فعلٍ على وجهٍ يجتمع فيه القَبولُ والنفع — فيكون إتقانًا في الخلق، أو إجادةً في العمل، أو فعلًا مقبولًا في الحَسَنة، أو عاقبةً عليا في الحُسنى. القيد الفاصل: «على وجهٍ مقبولٍ نافع» — به يخرج جمالُ الصورة الخالي من النفع، ويخرج النفعُ الخفيّ الذي لا قَبول له. ويَرِد الوصفُ مَنسوبًا دَعوى أو تَزيينًا في مَواضِعَ يَرُدُّها السياق (سورة التوبَة ١٠٧، سورة النَّحل ٦٢، سورة فَاطِر ٨) — فالجذر يَحمِل الوَصف، وتَحقُّقُه مَوكولٌ إلى السياق.
ما مفهوم جذر جزي في القرءان؟
جزي: أن يقع شيءٌ موقعَ شيءٍ ويسدّ مسدَّه ويقوم مقامه على جهة المقابلة الموافِقة — إمّا مقابلةً للعمل بما يناسبه خيرًا أو شرًّا (الفرع الغالب)، وإمّا قيامَ نفسٍ مقامَ أخرى لتكفيَ عنها وتُغنيَها (المنفيُّ يومَ القيامة).
ما خلاصة الفرق بين حسن وجزي؟
الحسن في هذا الزوج هو جودة العمل أو أهله أو عاقبته، والجزاء هو المقابل الذي يقع بسبب ذلك العمل. لذلك يجتمعان كثيرا لا كضدين، بل كطرفين في ميزان واحد: ما يحسن من العمل، وما يقابله من ثواب أو مثل أو حسنى.