موضوع «الغنى/ الفقر» في القرءان الكريم — 47 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
يقع الموضوع في باب المال والمعاملات والقانون، غير أنّ آياته لا تجعله وصفًا لوفرةٍ أو قلّةٍ فحسب؛ بل تسأل: من الغنيّ على الحقيقة، وكيف تتحوّل الموارد المتداولة إلى موضع عدلٍ أو خوفٍ أو بخلٍ أو إنفاق؟ وتضع الآية هذا السؤال في مقابلة جامعة: ﴿وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ﴾سورة مُحمد٣٨. فافتقار الناس لا يحصره مشهد الحاجة المالية، كما أنّ الغنى لا يستقر في يدٍ أو مال؛ ومن هذا الأصل تتفرّع أحكام الصدقة، وصيانة مال اليتيم، وإطعام الفقير، وتوزيع المال بحيث لا ينحصر في الأغنياء.
وتعرض الآيات المال في موضع اختبارٍ للحكم والسلوك، لا علامةً تمنح صاحبها تقدّمًا في الحق. فالخوف من العيلة يردّ إلى الفضل: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَ﴾سورة التوبَة٢٨، والإنفاق يواجه وعد الفقر بوعد المغفرة والفضل سورة البَقَرَة٢٦٨. وهكذا يجمع الموضوع بين نسبة الغنى إلى الله، وحال الفقير في الجماعة، واختبار التصرف في ما بين الأيدي.
الغنى الموقوف والافتقار المكشوف
تُحكم خلاصة جذر «غني» قراءة المواضع: الغنى الحق استقلالٌ عن الحاجة لا يثبت إلا لله، وما يظهر للناس من إغناء فهو من فضله، وما يتعلّق بالمال أو الجمع دعوى لا تدفع شيئًا عند الحساب. لذلك يأتي الخبر قاطعًا: ﴿وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغۡنَىٰ وَأَقۡنَىٰ﴾سورة النَّجم٤٨، وتأتي صورة العطاء في شخصيّةٍ بعينها: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ﴾سورة الضُّحى٨. وبينهما لا يملك الإنسان الغنى من ذاته، بل يرد الإغناء في سورة النِّسَاء١٣٠ وسورة التوبَة٧٤ وسورة النور٣٢ و٣٣ مقرونًا بالسعة والفضل.
أما جذر «فقر» فتجمع خلاصته بين الفقر الذي يظهر في تدبير المال، وبين «فاقرة» التي ترد في مشهد آخر فلا تُختزل في المال. والضد الحاكم المعروض هو الغنى؛ لذلك يكشف قوله ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾سورة فَاطِر١٥ أن الفقر أوسع من باب التوزيع. ثم تعود الآيات إلى صوره العملية: فقيرٌ في موضع الأمانة سورة النِّسَاء٦، وفقراءُ يُؤتون الصدقات سورة البَقَرَة٢٧١، وبائسٌ فقيرٌ يُطعم سورة الحج٢٨، ومحتاجٌ يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ﴾سورة القَصَص٢٤.
من وعد الفقر إلى عدل التوزيع
أول المحاور أن الفقر لا يُترك ذريعةً لوقف الخير. فالوعد الذي ينسب الفقر إلى الشيطان لا يقابله وعد بمالٍ مجرد، بل ﴿وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗا﴾سورة البَقَرَة٢٦٨. ويأتي خوف العيلة في سورة التوبَة٢٨، وفقر المقبلين على النكاح في سورة النور٣٢، وعدم وجدان النكاح في سورة النور٣٣، في نسقٍ واحد: لا يُبنى القرار على الخوف بوصفه حكمًا نهائيًا على المستقبل. وفي الجهة الأخرى، يرسم سورة آل عِمران١٠ و١١٦ وسورة المُجَادلة١٧ وسورة الحَاقة٢٨ وسورة اللَّيل١١ وسورة المَسَد٢ تكرارًا حاسمًا: المال والأولاد والكسب لا يغنون عند الله شيئًا؛ فالموضوع لا يَعِد بأن المال يزيل كل افتقار، بل ينقض توهّم كفايته النهائية.
والمحور الثاني هو الفقير بوصفه حاضرًا في بنية الإنفاق، لا عنوانًا عابرًا. فالصدقة تُؤتى الفقراء سورة البَقَرَة٢٧١، وتكشف سورة البَقَرَة٢٧٣ فئةً لا تسأل الناس إلحافًا وتُعرف بسيماها؛ فيلزم أن يتجاوز الإنفاق ظاهر الطلب. ثم يوسّع سورة التوبَة٦٠ جهات الصدقات، ويصل سورة الحج٢٨ الأكل بإطعام البائس الفقير، ويضع سورة الحَشر٨ الفقراء المهاجرين في موضع طلب الفضل والرضوان. وتأتي قاعدة المال العامة: ﴿كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡ﴾سورة الحَشر٧؛ فالمسألة ليست إحسانًا منفصلًا عن حركة المال، بل منعٌ لدورانه المنغلق.
والمحور الثالث هو نزع الامتياز عن الغنى والفقر عند الحكم. ففي مال اليتيم لا يبيح الغنى الأكل ولا يمنع الفقر المعاش المعروف، بل يرد الأمر: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾سورة النِّسَاء٦. وفي الشهادة بالقسط لا يصير وصف أحد الخصمين مرجّحًا: ﴿إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْ﴾سورة النِّسَاء١٣٥. ويؤكّد سورة التوبَة٩٣ أن وصف الأغنياء قد يدخل في موضع مؤاخذة، فلا يحمل الغنى في الآيات حكمًا أخلاقيًا ثابتًا لذاته.
والمحور الرابع أن نسبة الغنى إلى الخلق قابلة للانخداع والاستغناء والبخل، أما غنى الله فلا يتأثر بإعراضهم. فقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡ﴾سورة الزُّمَر٧، وقوله ﴿وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾سورة التغَابُن٦، يضعان افتقار الناس إلى الله بإزاء غناه عنهم. ومن ثمّ لا يكون البخل في سورة مُحمد٣٨ نقصًا في جانب الله، بل عودًا على البخيل نفسه. وتظهر دعوى القلب في سورة آل عِمران١٨١ منقوضةً حين يقال إن الله فقير والناس أغنياء؛ إذ تقلب الآيات تلك النسبة التي جعلتها سائر الشواهد مستقرةً على خلافها.
حدود الجوار في تدبير المال
يتصل «الإسراف» بالموضوع من جهة مال اليتيم؛ إذ يجتمعان في سورة النِّسَاء٦، لكن زاوية الإسراف تضبط مجاوزة الحد في الأكل والتصرف، كما في ﴿وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾سورة الأنعَام١٤١، بينما يواجه الغنى والفقر موقع المتصرف وحال المستحق وافتقار الجميع. ويتصل «الكيل والميزان» بالعدل في الأموال، لكنه يركّز الوفاء بالقسط: ﴿وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِ﴾سورة الأنعَام١٥٢؛ أما موضوعنا فينزع الهوى عن الشهادة بين غني وفقير سورة النِّسَاء١٣٥ ويبحث مسار المال إلى الفقراء.
والطمع يرصد طلب الزيادة، كما في ﴿ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ﴾سورة المُدثر١٥، والبطر يرصد موقفًا من المعيشة يفضي إلى الخروج أو الهلاك، كما في سورة الأنفَال٤٧ وسورة القَصَص٥٨. أما البخل فيلتقي بموضوعنا عند الامتناع عن البذل: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ﴾سورة التوبَة٧٦؛ غير أن الغنى والفقر يرسمان أيضًا حال المتلقي ومصدر الإغناء ومصير المال. ويقع موضوعا «البخل» و«البخل - الكرم» على هذا الفعل، فيما يميّز «التبذير» نثر المال عن موضعه: ﴿وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا﴾سورة الإسرَاء٢٦. فلا يغني واحد من هذه الألفاظ عن الآخر، وإن اجتمعت في سؤال التصرف في الرزق.
خريطة الموضوع بين التركز والامتداد
تضم البيانات 47 آية موثقة للموضوع: منها 19 محوريّة و28 ذات صلة. ويظهر التركز في البَقَرَة (5)، والنِّسَاء (4)، والتوبَة (4)، وآل عِمران (4)، والحج (2). وهذه الخريطة لا تجعل الحضور المالي محصورًا في آيات الصدقة؛ فالبَقَرَة تجمع وعد الفقر والصدقات والفقراء، والنِّسَاء تجمع صيانة المال والقسط، والتوبَة تجمع العيلة والصدقات والإغناء، وآل عِمران يبرز فيها نفي إغناء المال والأولاد ودعوى الغنى، والحج يصل الرزق بإطعام البائس الفقير.
وتكشف الآيات ذات الصلة امتدادًا آخر لا تراه القراءة الخطية للمحور الاجتماعي وحده: يتكرر وصف الله بالغني الحميد في مواضع متفرقة، ويتكرر نفي إغناء المال، ويتكرر الاستغناء بوصفه حالةً للإنسان. لذلك تبقى آيات التوزيع ضرورية، لكنها تتحرك داخل قاعدة أوسع: المال ميدان عمل، لا أصل الاستقلال.
خيوط تفتحها المقابلة
يفتح الموضوع خيط «الفضل»؛ فهو حاضر مع الإغناء في سورة التوبَة٢٨ و٧٤ وسورة النور٣٢، ومع الإنفاق في سورة البَقَرَة٢٦٨، فيربط العطاء بما لا يملكه الإنسان استقلالًا. ويفتح خيط «الأمانة» في مال اليتيم سورة النِّسَاء٦، وخيط «القسط» في الشهادة سورة النِّسَاء١٣٥، وخيط «الصدقات» في سورة البَقَرَة٢٧١ وسورة التوبَة٦٠. كما يصل إلى البخل مباشرةً في سورة مُحمد٣٨، وإلى منع احتكار التداول في سورة الحَشر٧. هذه الخيوط تحفظ للمقابلة بين الغنى والفقر امتدادها: من حقيقة الافتقار، إلى ضبط المال، إلى إنصاف من يمرّ به المال أو يحتاج إليه.