قَ
قَولات
موسوعة جذور القرءان

التَفاعُل والحَرَكَة والنَشاط البَشَريّ · التَواصُل والمَعرِفَة · حَقل #10

الفُروق الدَقيقَة بَين جذور الإخبار والتبليغ والنبأ في القُرءان الكَريم

سَبعَة جذور تَدور كُلّها حَول «نَقل الخَبَر» — من إيفاد الرَسول بِمَهمَّة (رسل، 429 آيَة)، إلى النَبَأ العَظيم ذي الشَأن (نبء، 160 مَوضِعًا، مَلزوم بِالتَبَيُّن)، البِشارَة التي يَظهَر أَثَرها في البَشَرَة فَورًا (بشر)، التَبليغ كَإيصال تامّ لِالرِسالَة بِلا نَقص (بلغ — ﴿وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥ﴾ المائدة 67)، الخَبَر كَمَعرِفَة بِبَواطِن الأُمور (خبر، 88٪ صِفَة إلَهيَّة «الخَبير» مَقرونَة بِاللَطيف والبَصير)، القَصَص كَتَتَبُّع الأَثَر وَحِكايَة بِالتَفصيل (قصص — يوسف 3 ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ﴾)، وَأَخيرًا البَثّ كَنَشر عَلَنيّ حِسّيّ بِلا قَناة لَفظيَّة (بثث، 9 مَواضع فَقَط، لا يَستَعمِله القُرءان لِنَقل خَبَر مَنطوق إِطلاقًا).

القارِئ السَريع يَخلِطها لِأَنّها تَتَجاوَر في آيات الأَنبياء وَتَلقّي الوَحي، لَكِنّ القُرءان يُفَرِّق بَينَها بِطَبَقات دَقيقَة.

الأَعراف 101 وَهود 120 وَحدَهما تَجمَعان ثَلاثَة جذور في آيَة واحِدَة ﴿نَقُصُّ … مِنۡ أَنۢبَآءِ … رُسُلُهُم﴾ — القَصّ بِنيَة، النَبَأ مادَّة، الرَسول حامِل.

الحَقل في قَولات يَضُمّ 12 جَذرًا؛ اختَرنا السَبعَة المُحَوريَّة، وَتَركنا (وجه، بعث، سوق، كهن، حري) لِأَنّها إِمّا مَقاصِد جانِبيَّة أَو حُقول مُستَقِلَّة (بعث في حَقل البَعث، سوق في الحَرَكَة).

القَولة الجامِعَة: لا تَرادُف، بَل طَبَقات (إيفاد → تَبليغ → نَبَأ بِشأن → بِشارَة بِأَثَر → خَبَر بِباطِن → قَصَص بِتَفصيل → بَثّ بِنَشر).

7جذور دلاليّة 0مِحوَر مُضادّ 6اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة

الجذور الدَلاليَّة في الحَقل

اضغط أيّ جَذر لِعَرض تَحليله الكامِل: الجَوهَر · المُمَيِّز · مَدى الاستِخدام · شَواهِد جَوهَريَّة · اختبار الاستِبدال.

إيفادٌ موجَّهٌ بوظيفةٍ من جهةٍ مُرسِلة إلى مقصد

الجَوهَر

«رسل» هو توجيهُ شيءٍ أو شخصٍ من مرسِلٍ إلى مقصدٍ لينفِّذ بلاغًا أو أثرًا أو أمرًا أو مهمّة. الجامعُ المحكمُ في كل مواضعه: انتقالٌ مأمورٌ موجَّه لغايةٍ — لا حركةَ عبثٍ ولا سكونَ حبس. ولذلك صحّ إطلاقه على الرسل البشريّين وعلى الرياح والملائكة والسماء والعذاب والمُوفَد لمهمّةٍ دنيويّة.

المُمَيِّز

يفترق «رسل» عن «نبء» بأنّ النبأ مضمونُ الخبر ذاته أو حاملُه بوصفه ذا مقامٍ مخصوص، أما «رسل» فيُبرز جهةَ الإيفاد والوظيفة والوجهة؛ ويُذكران متمايزَين عطفًا في الحج 52 ﴿مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ﴾. ويفترق عن «بشر» بأنّ البِشارة وظيفةٌ جزئيّة من وظائف المُرسَل (تَبشيرًا وإنذارًا) لا الإيفاد نفسه. ويفترق عن «بلغ» بأنّ البلاغَ يُثبت وصولَ المضمون إلى غايته، أما «رسل» فيُثبت إيفادَ حاملِه من جهةٍ مرسِلة. ويفترق عن «خبر» و«قصص» و«بثث» بأنّ هذه تتعلّق بمضمونٍ يُحكى أو يُفرَّق، بينما «رسل» يتعلّق بحامِلٍ مأمورٍ موجَّه إلى مقصد.

مَدى الاستِخدام

إلَهيٌّ في الغالب الأعمّ (المرسِل هو الله): يَشمل إرسالَ الرسل البشريّين والملائكة والرياح والسماء بالمطر، وكذلك إرسالَ العذاب والآيات على المكذِّبين، وإطلاقَ الشياطين على الكافرين، وإرسالَ الناقة فتنة. ويأتي بشريًّا في إيفادِ شخصٍ لمهمّةٍ دنيويّة (وارد السيّارة، رسول الملك، الحاشرون). فهو محمودٌ في مقام الرحمة والبلاغ والبشرى، ومذمومٌ أثرُه على المُرسَل إليه في مقام العذاب والفتنة والتسليط.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡ﴾
إبراهيم 4الشاهد المحوريّ — يجمع عناصر الجذر الأربعة في آيةٍ واحدة: المرسِل (الله)، والمرسَل (رسول)، وجهة القصد (قومه)، والمهمّة (التبيين).
﴿مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ﴾
فاطر 2تثبيت التقابل البنيويّ الصريح بين الإرسال (إطلاقٌ نحو الوجهة) والإمساك (حبسٌ عن الوجهة) في آيةٍ واحدة.
﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ﴾
فاطر 1يُثبت أنّ «رسل» لا يختصّ بالبشر — فالملائكة رسل بالوصف نفسه، لأنّ الجامع هو الإيفاد الموجَّه لا طبيعة المُرسَل.

اختبار الاستِبدال

في إبراهيم 4 ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡ﴾، لو استبدلنا «أَرۡسَلۡنَا» بـ«بَلَّغنا» (من جذر بلغ)، ينكسر المعنى لأنّ «بلغ» يُثبت وصولَ المضمون إلى الغاية، فيصير المعنى أنّ المضمون وصل قومَه ابتداءً بلا حامل، وهذا يُلغي قولَه ﴿مِن رَّسُولٍ﴾ ووظيفةَ التبيين عَبره. ولو استبدلناها بـ«بَعَثنا» (من جذر بعث)، يبرز معنى الإقامة أو الإنهاض من سكون دون جهة قصد ولا وظيفة بلسان القوم، فينكسر سياقُ ﴿بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡ﴾ الذي يقتضي إيفادًا موجَّهًا إلى مقصدٍ بوظيفةٍ مأمورة.

النَبَأ — الخَبَر العَظيم النافِع من عالِم الغَيب

الجَوهَر

نَقل الخَبَر العَظيم النافِع من عالِمه إلى من لا يَعلَمه. يَستَلزِم ثَلاثًا: (1) فَرق مَعرِفيّ بَين المُخبِر وَالمُخبَر، (2) ثِقَل وَشَأن في المَعلومَة، (3) قَناة تَعريف مُوَثَّقَة مَصدَرها عالِم الغَيب. ولِذا اشتُقَّ «النَبيّ» — حامِل النَبَأ الإلَهيّ — من نَفس الجِذر، وَتَلازَم في القرءان مَع «الغَيب» في 8 آيات أَبرَزها صيغة ﴿أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَ﴾ المُكَرَّرَة 3 مَرّات.

المُمَيِّز

ما يُفارِق به «نبء» سائر جُذور الإِخبار: (أ) العَظَمَة وَالشَأن — لا يُسَمَّى نَبَأً إلا ما له ثِقَل (﴿ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ النَبَإ 2، ﴿نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ﴾ ص 67، ﴿لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞ﴾ الأَنعام 67). (ب) المَصدَر الغَيبيّ — حَصر صَريح في ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ﴾ (فاطر 14) و﴿نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ (التَّحريم 3). (ج) الاستِلزام التَبَيُّنيّ — ﴿إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ﴾ (الحُجُرات 6). (د) إِنتاج وَظيفَة — «النُبُوَّة» مَلَكَة تَنتَقِل في الذُرّيَّة (الحَديد 26)، وَ«النَبيّ» لَقَب مَن يَحمِل النَبَأ. الجِذر فاعِليّ بَحت (لا صيغة مَفعول «مَنبوء»).

مَدى الاستِخدام

160 مَوضِعًا في 151 آية فَريدة و47 سورة. 4 فُروع دلاليّة: (1) النَبيّ كَحامِل النَبَأ الإلَهيّ 70+ مَوضِعًا (44٪)، (2) النَبَأ كَخَبَر عَظيم 30+، (3) فِعل الإِنباء بِصيغ فَعَّلَ وَأَفعَلَ وَاستَفعَلَ 40+، (4) النُبُوَّة كَوَظيفَة 5. أَعلى تَركيز في الأَحزاب (18 مَوضِعًا، 11.3٪) ثُمَّ آل عِمران (14) وَالبَقَرَة (11). نَمَط بِنيَويّ مُكَرَّر: ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ 7+ مَرّات بِنَفس البِنيَة في سُور مُختَلِفَة — نَبَأ الله القِيامِيّ يَكشِف الأَعمال. صيغ فَريدة: ﴿وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ﴾ (يونس 53) صيغة استَفعَلَ وَحيدَة، ﴿نَبَّأَتۡ﴾ (التَّحريم 3) الصيغة المُؤَنَّثَة الوَحيدَة، ﴿نَّبَإِيْ﴾ (الأَنعام 34) بِالياء.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾
آل عمران 44ربط النَبَأ بِالغَيب وَالوَحي صَريحًا — يَكشِف القَناة المَعرِفيَّة لِالنَبَأ.
﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ﴾
النبا 2صيغة ﴿النَبَإ العَظيم﴾ تُؤَكِّد ثِقَل الشَأن — لا يُسَمَّى نَبَأً إِلّا ما لَه عِظَم.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُم فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾
الحجرات 6النَبَأ يَستَوجِب التَبَيُّن — لِأَنّ ثِقَله يُنتِج فِعلًا قَد يُصيب قَومًا بِجَهالَة.

اختبار الاستِبدال

اختِبار الاستِبدال بِـ«خبر» (الإِخبار العامّ) على 3 شَواهِد فاصِلَة: (1) في آل عِمران 44 لَو قُرِئَت «أَخبار الغَيب» بَدَل ﴿أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ﴾ لَزال الثِقَل المَعرِفيّ الذي يَحمِله النَبَأ — الخَبَر مُطلَق يَأتي من أَيّ مَصدَر بَشَريّ أَو إِلَهيّ، أَمّا النَبَأ فَمَخصوص بِمَصدَر عالِم بِالغَيب. (2) في النَبَإ 2 ﴿ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ لا تَقبَل «الخَبَر العَظيم» — البَعث وَالقِيامَة شَأن كُلِّيّ يَستَدعي النَبَأ لا الخَبَر. (3) فاطر 14 ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ﴾ تَجمَع الجِذرَين عَمدًا في تَفريق صَريح: الخَبير هو العالِم بِالشَيء (صِفَة)، وَالنَبَأ هو نَقل عِلمِه (فِعل). كُلّ رَسول نَبيّ، وَلَيس كُلّ نَبيّ رَسولًا (الحَجّ 52) — ولا يُقال «خَبير» في مَوضِع «نَبيّ». الخُلاصَة: «خبر» يُغَطّي الإِخبار، «نبء» يُغَطّي الإِخبار الثَقيل من مَصدَر غَيبيّ مَع وَظيفَة تَأسيسيّة.

البِشارَة: خَبَرٌ يَظهَر أَثَرُه في المُتَلَقّي قَبل تَمام الواقِعَة

الجَوهَر

البِشارَة في الجَذر مَبنيَّة عَلى مُباشَرَة الانكِشاف: خَبَرٌ يَصِل بِلا حائِل فَيَبرُز أَثَرُه في النَفس والوَجه فَورًا. تَأتي بِالخَير في الأَكثَر، وَقَد تَأتي تَهَكُّمًا في سياق العَذاب فَتَكون «بِشارَة» بِالشَكل لا بِالحَقيقَة.

المُمَيِّز

بشر ليس مُطلَق الإعلام (خبر) ولا مُجَرَّد التَبليغ (بلغ)؛ بَل خَبَرٌ ذو أَثَرٍ ظاهِرٍ في المُتَلَقّي. ويُقابِله نذر في باب الرَسالَة فَقَط: البَشير يُظهِر خَيرًا مُقبِلًا، والنَذير يُظهِر عاقِبَةً مُنذِرَة. واقتِران ﴿بَشيرًا وَنَذيرًا﴾ في وَصف الرَسول يَحفَظ التَكامُل لا التَرادُف.

مَدى الاستِخدام

123 مَوضِعًا في 119 آيَة، بِـ61 صيغَة مُتَمايِزَة. أَبرَز الصِيَغ في باب الخَبَر: وَبَشِّرِ 11، وَبُشرى 5، يَستَبشِرون 5، بَشيرًا 4، مُبَشِّرين 3، فَبَشِّرهُم 3. البِشارَة بِالجَنَّة لِلمؤمنين، والبِشارَة التَهَكُّميَّة بِالعَذاب لِلكافِرين والمُنافِقين، واقتِران بَشير ونَذير في وَصف الرِسالَة.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ﴾
البَقَرَة 119الزاوية المَركَزيَّة في الباب الرَسوليّ: البِشارَة إظهار خَيرٍ مُقبِل، يُقابِلها الإنذار إظهار عاقِبَة. تَكامُل لا تَرادُف.
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ﴾
النَّحل 58البِشارَة هنا بِما لا يُسَرّ به المُبَشَّر: الأَثَر يَظهَر فَورًا في الوَجه (اسوِداد)، فَالعِبرَة بِظُهور الأَثَر لا بِالسُّرور وَحدَه.
﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾
البَقَرَة 25البِشارَة بِالجَنَّة: خَبَرٌ مُقبِل يَظهَر أَثَرُه في النَفس قَبل تَمام الواقِعَة، النَموذَج الأَتَمّ لِلباب الخَيريّ.

اختبار الاستِبدال

في ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ لا يَصِحّ استِبدالها بِـ«وَأَنبِئ» (نبء) ولا «وَأَخبِر» (خبر) ولا «وَبَلِّغ» (بلغ)؛ لِأَنّ الإنباء كَشفُ خَبَرٍ خَطيرٍ مَستور، والإخبار إعلامٌ مُطلَق، والتَبليغ إيصالٌ مَحضٌ لِالأَمانَة. البِشارَة وَحدها تَجمَع: خَبَرٌ + ظُهور أَثَرٍ فَوريّ في المُتَلَقّي. ولِذا في النَحل 58 تَأتي «بُشِّرَ» مَع الأُنثى لا «أُنبِئ»، لِأَنّ المَقصود رَصد الأَثَر الظاهِر في الوَجه.

بلغ: وُصول الشَيء إلى حَدِّه المَقصود زَمَنًا أَو عُمرًا أَو مَكانًا أَو أَمرًا

الجَوهَر

بلغ هو وُصول الشَيء إلى حَدِّه المَقصود: حَدّ زَمان أَو عُمر أَو مَكان أَو أَمر. وَمنه البَلاغ لأَنَّه إيصال الرِسالَة إلى المُخاطَب حَتى تَقومَ الحُجَّة. يَنتَظِم بَين بُلوغ الآجال وَالأَشُدّ، وَبُلوغ الأَمكِنَة، وَبَلاغ الرِسالات، وَتَمام الأَمر.

المُمَيِّز

بلغ يُبرِز الوُصول إلى حَدّ أَو غايَة مُعتَبَرَة يَتَرَتَّب عَليها تَغَيُّر حُكم أَو نَفاذ أَمر، بِخِلاف ءتي/جيا (مُجيء الفاعِل أَو الحَدَث)، وَلقي (التِقاء بِطَرَف)، وَوجد (إصابَة الشَيء)، وَقدم (تَقَدُّم في المَكان أَو الزَمَن)، وَحضر (نَقيض الغَياب)، وَورد (الوُصول إلى ماء أَو مَوضِع وارِد). بلغ وَحدَه يَحمِل مَعنى استيفاء الحَدّ الذي يُعتَدّ بِه في النَصّ.

مَدى الاستِخدام

77 وُقوعًا في 73 آيَة، بِـ38 صيغَة قياسيَّة وَ50 صورَة رَسميَّة. أَربَعَة أَبواب: بُلوغ أَجَل زَمَنيّ (﴿بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ﴾، يَبلُغ الكِتاب أَجَلَه)، وَبُلوغ أَهليَّة (﴿بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ﴾، ﴿بَلَغَ ٱلۡحُلُمَ﴾، يَبلُغ أَشُدَّه)، وَبُلوغ مَكان وَغايَة (﴿أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ﴾، بَلَغ مَغرِب الشَمس)، وَبَلاغ الرِسالَة (﴿بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾، ﴿أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾، ﴿بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦ﴾).

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا﴾
الكهف 60بُلوغ المَكان بِوَصفه غايَة المَسير المَقصودَة — لا مُجَرَّد إتيان أَو حُضور، بَل وُصول إلى الحَدّ المَنشود.
﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾
الإسراء 34بُلوغ الأَشُدّ حَدّ أَهليَّة يَتَرَتَّب عَليه تَغَيُّر الحُكم. لا يَصِحّ هُنا «أَتى/جاء/قَدِم أَشُدَّه» لأَنَّ المُراد استيفاء الحَدّ.
﴿وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾
الطلاق 3«بالِغ أَمرِه» — نَفاذ الأَمر إلى تَمامه وَغايَته المُقَدَّرَة. بلغ هُنا إنجاز كامِل، لا مُجَرَّد تَوَجُّه.

اختبار الاستِبدال

في ﴿حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥ﴾ لا يَستَقيم «حَتى يَأتي/يَلقى/يَجِد أَشُدَّه» لأَنَّ المَعنى وُصول إلى حَدّ أَهليَّة مُعتَبَر. وَفي ﴿بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦ﴾ لا يَستَقيم «آتٍ أَمرَه» لأَنَّ المُراد نَفاذُه إلى تَمامه. وَفي ﴿أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ﴾ لا يُكتَفى بِـ«آتيَ/أَقدَمَ» لأَنَّ السِياق غايَة مَسير لا مُجَرَّد حُضور. الفارِق ثابِت: بلغ يَشتَرِط استيفاء الحَدّ، وَإخوَتُه في الحَقل تَكتَفي بِأَصل الوُصول أَو الحُضور.

الإحاطة بِبَواطِن الأُمور والإخبار بِها من مَعايَنَة

الجَوهَر

جَذر «خبر» يَدور عَلى الإحاطة بِالشَيء من داخِله — مَعرِفَة مُستَمَدَّة من مُلامَسَة الباطِن لا الاطِّلاع عَلى الظاهِر. «الخَبير» اسم لله يَجمَع عِلم البَواطِن لِأَنَّه الخالِق. «الخَبَر» مَعلومَة مَجلوبَة من مَصدَرِها المُباشَر بِالمُعايَنَة، و«الخُبر» إحاطَة كامِلَة تُؤَهِّل لِالفِعل المُتقَن وتُسَوِّغ الصَبر عَلى الظاهِر المُربِك.

المُمَيِّز

يَفتَرِق خبر عَن إخوَتِه في حَقل الإخبار: نبء = خَبَر عَظيم ذو شَأن وفائدَة لِمَن لم يَعلَم ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ النبأ 2؛ رسل = إرسال بِتَكليف وحَمل أَمانَة؛ بشر = إخبار يُغَيِّر بَشَرَة الوَجه فَرَحًا أو حُزنًا؛ بلغ = إيصال النَصّ إلى المُخاطَب حَتّى يَستَوعِبه؛ قصص = تَتَبُّع الأَثَر سَردًا مُرَتَّبًا؛ بثث = نَشر مُتَفَرِّق. أَمّا خبر فَيَنفَرِد بِكَون المَعرِفَة من الباطِن لا نَقل الظاهِر؛ ولِذا اقتَرَنَ بِـ«اللَّطيف» 4 مَرّات وبِـ«البَصير» في مُقابَلَة الظاهِر ﴿خَبِيرَۢا بَصِيرٗا﴾. الخَبَر قَد يَكون عاديًّا (﴿بِخَبَرٍ﴾ النمل 7) أَمّا النَبَأ فَلا يُسَمَّى نَبَأً إِلّا إذا كان ذا أَثَر.

مَدى الاستِخدام

52 مَوضِعًا في 15 صيغَة. صيغَة فَعيل (الخَبير ومُشتَقّاته) تَهيمِن بِـ46 مَوضِعًا (88٪) أَكثَرها صِفَةً إلهيَّة، مُقتَرِنَة بِاللَّطيف (4) والبَصير (3) والحَكيم (3) والعَليم (≈8)، وبِـ﴿بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ في حُدود 20 مَوضِعًا. الباقي: «خَبَر» مُفرَدًا 3 مَواضِع (النمل 7، القصص 29، الزَلزَلَة 4)، و«خُبر» مَصدَرًا مَوضِعان (الكَهف 68، 91)، و«أَخبار» جَمعًا 3 (التَوبَة 94، مُحَمَّد 31، الزَلزَلَة 4).

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾
الملك 14أَحسَم مَوضِع في تَعريف «الخَبير»: مَن خَلَق فَقَد أَحاطَ بِبَواطِن خَلقِه. اقتِران اللَّطيف (الواصِل إلى الدَقائق) بِالخَبير (العالِم بِها) يَكشِف جَوهَر الإحاطَة الداخِليَّة.
﴿إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا﴾
الإسراء 30مُقابَلَة الخَبير بِالبَصير تُؤَكِّد التَخصُّص: البَصير رُؤيَة الظاهِر، الخَبير إحاطَة بِالباطِن. لَو كان مُجَرَّد عِلم لَما احتاجَ مُقابَلَة البَصَر.
﴿سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ﴾
النمل 7الخَبَر هُنا لَيس أَيّ مَعلومَة، بَل ما يُجلَب مِن مَصدَر مُباشَر بِالمُعايَنَة. موسى لا يَنقُل سَماعًا بَل يَأتي بِخَبَرٍ مِن النار نَفسِها — وهو مَوضِع مُحَدِّد لِلتَمييز عَن «نَبَأ».

اختبار الاستِبدال

لا يَصِحّ إبدال «خبير» بِـ«عَليم» في ﴿وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ — اللَّطيف يَستَدعي الإحاطَة بِالدَقائق، والخَبير يَعلَمها من الداخِل؛ «عَليم» يَكسِر التَدَرُّج (دِقَّة الوُصول ← إحاطَة بِالباطِن). ولا يَصِحّ إبدال «خَبَر» بِـ«نَبَأ» في ﴿سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ﴾ — موسى لم يَعِد قَومَه بِنَبَأ عَظيم ذي شَأن، بَل بِمَعلومَة من مَوقِع المُعايَنَة. ولا يَصِحّ إبدال «خُبر» بِـ«عِلم» في ﴿لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا﴾ الكَهف 68 — «أَحَطۡتُ بِهِ عِلمًا» وارِد في النمل 22، لكن «خُبر» هُنا يَخصّ الإحاطَة من الداخِل التي تُسَوِّغ الفِعل، والعِلم وَحدَه لا يَكفي لِفَهم بَواطِن الخَضِر.

القَصُّ: تَتَبُّع الأَثَر وَعَرضُه مُطابِقًا بِتَفصيلٍ وَتَتابُع

الجَوهَر

القَصُّ في القُرءان اقتِفاءُ أَثَرٍ وَإِبرازُه عَلى وَجهٍ مُطابِق. يَجمَع مَعنَيَين مُتَلازِمَين: تَتَبُّع الأَثَر الحِسّيّ ﴿فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا﴾، وَحِكايَة الأَخبار بِالتَفصيل وَالتَتابُع ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ﴾. يَلتَقي الفَرعان في أَنَّ القَصَّ مَسارٌ مُتَتَبَّعٌ لا خَبَرٌ مَبتورٌ وَلا إِنباءٌ مُجمَل.

المُمَيِّز

قصص يُغايِر أَخَواتِه في حَقل الإخبار بِأَنَّه يُبرِز المَسارَ لا الذُروَة وَلا المَعرِفَة وَلا التَأثير. نبء يُبرِز شَأنَ الخَبَر وَوَزنَه ﴿نَبَؤُاْ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ﴾، وَخبر يُبرِز المَعرِفَة بِالباطِن وَالاطِّلاع ﴿سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ﴾، وَرسل يُبرِز الإِرسال وَتَبليغ مُرسِلٍ، وَبشر يُبرِز أَثَر الخَبَر في بَشَرَة المُخاطَب، وَبلغ يُبرِز وُصول الخَبَر إِلى مُنتَهاه، وَبثث يُبرِز انتِشارَه في الجِهات. أَمّا قصص فَيُبرِز تَتَبُّعَ الوَقائع بِتَرتيبِها وَتَفاصيلِها كَمَن يَقتَفي أَثَرًا، وَلِذا يَقتَرِن بِالحَقِّ وَالعِلم ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ﴾ ﴿نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ﴾.

مَدى الاستِخدام

ثَلاثَة فُروع داخِل القُرءان: (1) قَصُّ الخَبَر وَالنَبَأ وَالآيات (24 مَوضِعًا) كَقَصِّ أَنباء الرُسُل وَالأُمَم وَتِلاوَة الآيات؛ (2) قَصُّ الأَثَر الحِسّيّ (مَوضِعان) في ﴿قُصِّيهِۖ﴾ القصص 11 وَ﴿ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا﴾ الكهف 64؛ (3) القِصاص بِمَعنى مُقابَلَة الفِعل بِمِثلِه (4 مَواضِع) في القَتلى وَالحُرُمات وَالجُروح.

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ﴾
يوسف 3
﴿قُصِّيهِۖ﴾
القصص 11
﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ﴾
الاعراف 7

اختبار الاستِبدال

لا يَصِحُّ إِبدال قصص بِنبء أَو خبر أَو بلغ. في يوسف 3 ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ﴾ لَو أُبدِلَ بِـ«نُنَبِّئُكَ» لَسَقَطَ مَعنى التَفصيل وَالتَتابُع وَبَقِيَ مُجَرَّد إِبراز الشَأن. وَفي الكهف 64 ﴿ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا﴾ لا يُبدَل بِـ«خَبَرًا» لأَنَّ المَقصود اقتِفاء الأَثَر الحِسّيّ لا المَعرِفَة بِه. وَفي المائدة 45 ﴿وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ﴾ لا يَقوم مَقامَه «عُقوبَة» لأَنَّ القِصاص مُقَيَّد بِالمُماثَلَة لا مُطلَق الجَزاء. القَصُّ هو البَحر العَريض الذي يَستَوعِب مَسارَ الأَخبار، وَالنَبَأ ذُروَتُها، وَالخَبَر المَعرِفَة بِباطِنِها.

النَشر الحِسّيّ الواسِع لِما كان مَجموعًا أَو كامِنًا في أَصل

الجَوهَر

بثث في القُرءان 9 مَواضِع، يَجمَع ثَلاثَة مَسارات: نَشر الخَلق (دَوابّ وَناس) من أَصل واحِد إلى مَجال واسِع، وَإخراج المَكنون الوِجدانيّ في الشَكوى إلى الله، وَحالَة الانتِشار الكَثيف في مَشاهِد القيامَة وَالنَعيم. الجامِع: انتِقال من تَجَمُّع أَو كُمون إلى تَوزيع ظاهِر في فَضاء أَو جِهَة.

المُمَيِّز

بثث يَفتَرِق عَن نبء/بشر/بلغ/خبر/قصص/رسل في أَنَّه لا يَستَلزِم خَبَرًا مَنطوقًا وَلا مُخاطَبًا مُعَيَّنًا وَلا مَضمونًا قَوليًّا؛ بَل هو نَشر حِسّيّ كَونيّ (دَوابّ، ناس، فَراش، زَرابِيّ، هَباء) أَو إخراج وِجدانيّ (بَثّي وَحُزني). لا يَرِد في القُرءان ضِمن جَذر بثث استِعمال «بَثّ الخَبَر».

مَدى الاستِخدام

9 مَواضِع في 9 آيات: 5 لِبَثّ الخَلق (البقرة 164، النساء 1، لقمان 10، الشورى 29، الجاثية 4)، 1 لِبَثّ الوِجدان (يوسف 86)، 3 لِحالَة المَبثوث/المُنبَثّ (الواقعة 6، الغاشية 16، القارعة 4).

شَواهِد جَوهَريَّة

﴿وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗ﴾
النساء 1البَثّ بَعد الخَلق من نَفس واحِدَة: تَوزيع الكَثرَة البَشَريَّة من أَصل واحِد إلى مَجال واسِع.
﴿إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾
يوسف 86المَوضِع الوِجدانيّ الفَريد: البَثّ هُنا إخراج المَكنون الباطِنيّ في الشَكوى، مُقتَرِنًا بِالحُزن دون تَرادُف.
﴿كَٱلۡفَرَاشِ ٱلۡمَبۡثُوثِ﴾
القارعة 4صورَة الحالَة النِهائيَّة لِلانتِشار الكَثيف؛ لا فِعل نَشر إعلاميّ بَل تَناثُر حِسّيّ مَشهَديّ.

اختبار الاستِبدال

لا يُمكِن استِبدال بثث بِـنبء/بشر/بلغ/خبر/قصص/رسل في مَواضِعه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ﴾ لا يَقبَل «وَأَنبَأَ» وَلا «وَأَبلَغَ» لِأَنَّ المَنشور دَوابّ لا أَخبار. ﴿أَشۡكُواْ بَثِّي﴾ لا يَقبَل «نَبَئي» أَو «خَبَري» لِأَنَّ المَكنون وِجدانيّ لا مَضمون قَوليّ. وَفي الشورى 29 يَتَقابَل بثث صَريحًا مَع جمع: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ﴾.

اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة — حَيث تَجتَمِع الجذور

قصص + نبء + رسل هود 120
﴿وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾

الآيَة الأَكثَر تَركيزًا بِنيَويًّا في الحَقل: ثَلاثَة جذور في تَرتيب مُحكَم. ﴿نَّقُصُّ﴾ (قصص — البِنيَة، تَتَبُّع الأَثَر وَحِكايَتُه بِالتَفصيل) ثُمَّ ﴿أَنۢبَآءِ﴾ (نبء — المادَّة، الأَخبار العَظيمَة ذات الشَأن) ثُمَّ ﴿ٱلرُّسُلِ﴾ (رسل — الحامِل، المُوفَدون). كل جذر في طَبَقَتِه: القَصّ فِعل، النَبَأ مَضمون، الرَسول مَصدَر. لو قال «نُخبِرك بِأَخبار» لَفَقَد جانِبَين: تَتَبُّع التَفصيل (الذي يَحمِله قصص لا خبر) وَعَظَمَة الشَأن (التي يَحمِلها نبء لا خبر). وَلَو قال «نَقُصّ عَلَيك أَخبار المُرسَلين» لَنَقَل الحَدَث إلى مُجَرَّد إخبار باطِنيّ، فيما المَطلوب نَبَأ ذو ثِقَل ﴿نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ﴾ — التَثبيت يَستَوجِب نَبَأً لا مُجَرَّد خَبَر. التَرتيب نَفسه يَحكي: البِنيَة (قصص) تَحمِل المادَّة (نبء) عَن الحامِل (رسل).

قصص + نبء + رسل الاعراف 101
﴿تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾

الآيَة الثانيَة في القُرءان التي تَجمَع الجذور الثَلاثَة، لَكِن بِبِنيَة قَلب لِما في هود 120. هُنا القَصّ يَختار مِن أَنباء القُرى (لا أَنباء الرُسُل) — فَتَنَوَّع المَنظور: مَرَّة من جِهَة الرَسول، مَرَّة من جِهَة المُكَذِّب. تَلازُم ﴿أَنۢبَآئِهَا﴾ + ﴿رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ يَكشِف أَنّ النَبَأ يَحمِل عاقِبَة التَكذيب — وَلِذا اقتَرَن بِـ﴿يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ﴾. لو قُرِئَت «تِلكَ القُرى نَقُصّ عَلَيك مِن أَخبارها» لَفَقَدَت الآيَة ثِقَل المَصير المَوجود في «أَنباء» — الخَبَر مَعلومَة عَن الباطِن، النَبَأ شَأن يُغَيِّر القُلوب.

نبء + خبر + رسل التوبه 94
﴿يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾

المَوضِع الأَبرَز في القُرءان لِفَكّ التَرادُف بَين نبء وَخبر — يَجتَمِعان في جُملَة واحِدَة ﴿نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡ﴾. التَوزيع البِنيَويّ صَريح: «أَخبار» مادَّة (مَعلومات عَن بَواطِن المُنافِقين)، «نَبَّأَنا» فِعل النَقل (الإِبلاغ الرَسميّ ذو الشَأن). لَيس كل خَبَر يَصير نَبَأً — يَلزَم أَن يَنقُله مَن لَه شَأن (الله هُنا) وَيَترَتَّب عَلَيه عَمَل (﴿لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ﴾). وَتَكَرَّر الجَذر في خاتِمَة الآيَة ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ — نَبَأ القِيامَة. لو قُرِئَت «أَخبَرَنا الله من أَخبارِكُم» لَكان تَكرارًا فاسِدًا وَفَقَدَت لَحظَة التَثبيت الرَسميّ. الجَذران في طَبَقَتَين: خبر مَعرِفَة، نبء بَلاغ مُؤَثِّر.

نبء + رسل + بشر الاحزاب 45
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا﴾

آيَة كُلِّيَّة تَجمَع ثَلاثَة جذور في وَظائف لا تَتَبادَل: ﴿ٱلنَّبِيُّ﴾ (نبء — الصِفَة الذاتيَّة، حامِل النَبَأ الإلَهيّ)، ﴿أَرۡسَلۡنَٰكَ﴾ (رسل — الإجراء الإلَهيّ، الإيفاد بِمُهِمَّة)، ﴿مُبَشِّرٗا﴾ (بشر — الوَظيفَة الأُولى، إِظهار الأَثَر السارّ في المُتَلَقّي). التَدَرُّج بِنيَويّ: النَبَأ مادَّة (يَحمِله النَبيّ في ذاته)، الإِرسال إجراء (يَنقُله إلى المَوقِف)، البِشارَة وَالنِذارَة أَثَر (يَنطَبِع في المَخاطَب). لو قُرِئَت «يا أَيُّها الرَسول إنّا أَنبَأناكَ» لَكان تَكرارًا (الرَسول مُرسَل، النَبيّ نَبَّأَ بِالغَيب)، وَلَفَقَدَت الآيَة تَدَرُّج: صِفَة → فِعل → وَظيفَة. ثَلاثَة جذور، ثَلاث طَبَقات.

رسل + بلغ المائده 67
﴿۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾

الآيَة المَفصَليَّة لِفَكّ التَرادُف بَين رسل وَبلغ. الجَذران من نَفس الحَقل، لَكِنّهما في طَبَقَتَين: ﴿ٱلرَّسُولُ﴾ صِفَة الإيفاد (المُكَلَّف بِالمَهَمَّة)، ﴿بَلِّغۡ﴾ فِعل التَنفيذ التامّ. الجُملَة الفَريدَة ﴿وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥ﴾ تُقَرِّر قانونًا قُرءانيًّا: التَبليغ الناقِص = لا تَبليغ. هذا قَيد لا يوجَد في «أَرسَل» (الإِرسال يَتِمّ بِمُجَرَّد الإيفاد، التَبليغ لا يَتِمّ إِلّا بِالإيصال الكامِل). لو استُبدِل ﴿بَلِّغ﴾ بِـ«أَخبِر» أَو «أَنبئ» لَسَقَطَ شَرط التَمام (يُمكِن إخبار ناقِص يُجزِئ، لا تَبليغ ناقِص يُجزِئ). بلغ هُو الفِعل الوَحيد في الحَقل الذي يَحمِل قَيد «تَمام الحُجَّة».

رسل + بشر المائده 19
﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾

آيَة تَكشِف عَلاقَة رسل وَبشر بِنَصّ مُحكَم. ﴿رَسُولُنَا﴾ صِفَة الإيفاد (المُكَلَّف العامّ)، ﴿بَشِيرٞ﴾ صِفَة الوَظيفَة (مَن يُحدِث الأَثَر السارّ). الرَسول وِعاء، البَشير وَظيفَة في الوِعاء. تَلازُم بَشير وَنَذير في الحَقل (هُنا، البَقَرَة 119، النِساء 165، فاطر 24، الفُرقان 56، فُصِّلَت 4، سَبَأ 28، الأَحزاب 45) يَكشِف أَنّ البِشارَة لَيسَت ضِدّ النِذارَة بَل تَكامُل وَظيفيّ — كِلاهُما أَثَر في المُتَلَقّي، الفَرق في نَوع الأَثَر (سُرور أَو خَوف). لو قال «ما جاءنا من رَسول وَلا نَذير» لَفَقَدَت الآيَة المُقابَلَة الوَظيفيَّة المَطلوبَة (الرَسول حامِل عامّ، البَشير وَالنَذير وَظائف مَخصوصَة في الرَسول). كل بَشير رَسول، وَلَيس كل رَسول قَد يَتَمَيَّز بِبِشارَة مَخصوصَة دون نِذارَة.