مدلول الآية · قراءة داخليّة من الجذور والسياقالنَّبَإ٢٣
لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا ٢٣
روابط الآية
خلاصة المدلول
تثبت الآية مصير الطاغين بعد أن جُعلت جهنم لهم مرصادًا ومآبًا في الآيتين قبلها: هم فيها ماكثون مكثًا طويلًا منظورًا إلى مدّته لا إلى غايته. ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ اسم فاعل يصف حالهم القائم في الدار لا حدثًا ماضيًا ولا تأبيدًا مجرّدًا، و«فِيهَآ» تردّ الظرف إلى جهنم المؤنثة الحاضرة في السياق فتجعلها وعاءً يحبس المكث لا جهةً تُنسب إليها، و«أَحۡقَابٗا» جمعٌ منكَّر يصوّر المدة أزمنةً طويلة متعاقبة قابلة للامتداد لا غايةً مضبوطة ولا عددًا محصورًا. فالآية لا تكتفي بإثبات الخلود، بل تعرضه من جهة طول مدّته وتعاقب أحقابه داخل الدار؛ وما يتبعها من نفي البرد والشراب يفصّل طبيعة هذا المكث: عذابٌ في وعاء لا قرار فيه ولا سكن، وجزاءٌ موافق لمن كذّب بالحساب.
كيف وصلنا إلى المدلول
⌄
المدخل الصحيح إلى هذه الآية ليس لفظ «أَحۡقَابٗا» وحده، بل موقعها من سلسلة متصلة.
- فقد بُنيت قبلها صورة اليوم: ﴿يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا﴾، ثم تفتّحت السماء وسُيّرت الجبال سرابًا، ثم حُسم مصير صنفٍ بعينه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا﴾ ﴿لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا﴾.
- فجاء اسم الفاعل ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ حالًا من «ٱلطَّٰغِينَ» يصف حالهم في مآبهم الذي هو جهنم؛ وهذا الربط النحويّ حاسم: ليست الآية تعريفًا عامًّا للّبث، بل وصفٌ لحال قومٍ معيّنين في دارٍ معيّنة أُحكم تعيينها قبل.
القَولة الأولى في الترتيب ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ على جذر «لبث»، واختيارها يكشف عن دقّةٍ في بناء المعنى.
- فاختيار ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ هنا يوجّه النظر إلى المكث من جهة مدّته لا إلى الطول وحده؛ فالمدة في هذا السياق تتعيّن بما أضيف إليها، وقد أضيفت إلى «أَحۡقَابٗا» فامتدّت.
- وتضيء هذا المعنى آيتا تقصير المدّة: ﴿كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَهَا لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا﴾ و﴿لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ — هناك يُقلَّل الزمن استقصارًا للدنيا، وهنا يُمدّ أحقابًا.
- فلو قُرئ ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ على أنه طولٌ وحده لا جهةُ مدّةٍ لتوهّم القارئ تعارضًا، أما هنا فالمدة تتعيّن بما أضيف إليها.
- وقد أُضيفت هنا «أَحۡقَابٗا» فطالت المدة وامتدّت.
ولو وُضع ﴿خَٰلِدِينَ﴾ موضع ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ لبرز الدوام المطلق وضاع تصوير الزمن متعاقبًا متجدّدًا حقبًا بعد حقب؛ ولو وُضع «سَٰكِنِينَ» انقلب المعنى إلى قرارٍ وطمأنينة وهو نقيض حال أهل النار التي يفصّلها ما بعدها.
- واختيار صيغة اسم الفاعل هنا يثبت حالًا ثابتًا مستمرًّا لا فعلًا انقضى ولا متوقَّعًا.
القَولة الثانية «فِيهَآ» على جذر «في»، وزاويته الاحتواء داخل ظرفٍ محيط.
- والضمير «ها» يردّ المرجع إلى مؤنثٍ حاضر في السياق هو ﴿جَهَنَّمَ﴾، فتصير جهنم نفسها وعاء المكث لا مجرّد جهةٍ يُنسب إليها العذاب.
- ولو قيل ﴿عِندَهَا﴾ أو «لَدَيۡهَا» لصار المكث بجوار جهنم لا في جوفها فيضيع معنى الاحتواء داخل المرصاد؛ ولو حُذف الظرف لانقطعت صلة اللبث بالدار التي بُنيت في الآيتين قبله.
- و«في» هنا تُحكم اللبث داخل المرصاد والمآب، فلا يبقى وصفًا معلّقًا بل مكثًا في وعاء معيّن.
- ويؤكّد هذا التعيين عَودُ ﴿فِيهَا﴾ مؤنثًا على المرجع نفسه في ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا﴾، فيتّحد مجال اللبث ومجال نفي الذوق في دارٍ واحدة.
القَولة الثالثة «أَحۡقَابٗا» على جذر «حقب»، وهي بؤرة الزمن في الآية.
- وتضيء آية موسى هذا المعنى: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا﴾؛ فهناك يأتي «حُقُبٗا» مع المضي طلبًا لغاية، وهنا تأتي «أَحۡقَابٗا» مع اللبث في جهنم.
- في هذه الآية يصير الجمع المنكّر تصويرًا لأزمنة طويلة متعاقبة لا تُضبط بعدد ولا تُغلق بغاية منظورة، ويناسب جماعة الطاغين واتصال مكثهم.
- ولو وُضع ﴿سِنِينَ﴾ أو ﴿أَيَّامٗا﴾ لتحدّد العدّ وضاع التتابع المفتوح؛ ولو وُضع «دَهۡرٗا» لأُريد الزمن الغامر كلّه لا قطعةٌ طويلةٌ منه متعاقبة؛ ولو وُضع ﴿أَمَدٗا﴾ لأُبرزت المسافة إلى غاية، والآية لا تضرب غاية.
وبهذا تتكامل الثلاث: ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ تثبت المكث حالًا قائمًا منظورًا إلى مدّته، و«فِيهَآ» تحبسه في جهنم وعاءً واحدًا، و«أَحۡقَابٗا» تمدّه أزمنةً متعاقبة بلا غاية منظورة.
- ثم يفصّل السياق بعدها نوع هذا المكث: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا﴾ ﴿إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا﴾، ثم يرسم موافقة الجزاء للعمل: ﴿جَزَآءٗ وِفَاقًا﴾، ثم يكشف العلّة: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا﴾.
- فاللبث الطويل في أحقابٍ متعاقبة جزاءٌ موافقٌ لمن أنكر الحساب الذي يقطع كل مدة ويضرب لكل أمرٍ غاية.
- فالآية لا تصف خلودًا مجرّدًا، بل خلودًا مُعايَنًا من جهة طول مدّته وتعاقب أحقابه داخل دار الجزاء.
أثر كلّ جذر في بناء المدلول
⌄
هذه الخريطة تفصل أثر كل جذر في الآية ثم تجمعها: الجذور هنا هي لبث، في، حقب. المقصود ليس إعادة تعريف الجذور، بل بيان كيف تدخل كل مادة في بناء مدلول الآية.
جذر لبث1 في الآية
مدلول الجذر: لبث = مكث أو تمهل في مكان أو حال من جهة مدة مقدّرة أو ملحوظة. - الماضي «لبث/فلبث/لبثوا/لبثت» يثبت مدة وقعت: يوم، بعض يوم، سنين، ألف سنة إلا خمسين عامًا، أو بضع سنين. - الخطاب «لبثتم/لبثت» يكثر في سؤال المدة وتصحيح تقديرها. - المضارع «يلبثون/يلبثوا» يغلب في القصر والنفي: إلا قليلًا، إلا ساعة.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «لبث» هنا في 1 موضع/مواضع: لَّٰبِثِينَ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «التمادي والاستمرار الوقوف والقعود والإقامة» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: لبث = مكث أو تمهل في مكان أو حال من جهة مدة مقدّرة أو ملحوظة. - الماضي «لبث/فلبث/لبثوا/لبثت» يثبت مدة وقعت: يوم، بعض يوم، سنين، ألف سنة إلا خمسين عامًا، أو بضع سنين.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: - لبث ≠ مكث: بينهما قرب، لكن لبث في هذه المواضع أكثر التصاقًا بسؤال المدة وتقديرها وتصحيحها.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة لَّٰبِثِينَ: - «كم لبثت» لا تساوي «كم سكنت» لأن السؤال هنا عن مدة شعورية ثم تصحيحها. - «فلبث في السجن بضع سنين» لا تساوي «عاش في السجن» لأن المقصود مدة مكثه في حال السجن لا حياته مطلقًا. - «ما تلبثوا بها إلا يسيرًا» لا تساوي «ما أقاموا بها» فقط. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر في1 في الآية
مدلول الجذر: في تَنسِب ما قبلها إلى ما بعدها نسبةَ استقرارٍ في محلّ: يكون الثاني محلًّا يَثبُت فيه الأوّل أو يَجري فيه — مكانًا حسّيًّا أو حالًا معنويّةً أو زمنًا أو أمرًا يقع فيه الكلام والحكم أو جماعةً يكون بينها أو ذاتًا تُلتَمس فيها العبرة. والإحاطةُ من جميع الجهات صورةٌ من صور المحلّ لا حدٌّ فيه، وليس في الأداة حدثُ إدخال.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «في» هنا في 1 موضع/مواضع: فِيهَآ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «حروف الجر والعطف» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: والإحاطةُ من جميع الجهات صورةٌ من صور المحلّ لا حدٌّ فيه، وليس في الأداة حدثُ إدخال.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: الجذر وجه القرب الفرق عن في الشاهد ------------ على علاقة إسناد على استعلاء أو حمل، وفي نسبةٌ إلى محلٍّ يَثبُت فيه الشيء أو يَجري فيه.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة فِيهَآ: في سورة البَقَرَة ١٠ ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ لا تقوم على مقام في لأنّ المرض داخل القلوب لا فوقها. وفي سورة البَقَرَة ١١ ﴿لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ لا تقوم من مقام في لأنّ الفساد واقع داخل الأرض لا خارجا منها ولا مبتدئا منها. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر حقب1 في الآية
مدلول الجذر: حقب قرءانيًا هو زمن طويل متتابع يُستحضر بوصفه واحدًا من سلسلة أزمنة ممتدة؛ أي مدة لا يُقصد بها مجرد طولها، بل طولها مع قابلية الامتداد إلى ما بعدها واستمرار الحال خلالها.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «حقب» هنا في 1 موضع/مواضع: أَحۡقَابٗا. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الليل والنهار والأوقات» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: حقب قرءانيًا هو زمن طويل متتابع يُستحضر بوصفه واحدًا من سلسلة أزمنة ممتدة؛ أي مدة لا يُقصد بها مجرد طولها، بل طولها مع قابلية الامتداد إلى ما بعدها واستمرار الحال خلالها.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: الجذر المفهوم الفارق عن حقب الشاهد ----------------------------------- أمد مدى بين حاضر ونهاية حقب يبرز تعاقب الأزمنة الطويلة، لا مجرد المسافة إلى غاية .
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة أَحۡقَابٗا: - أمضي حقبًا: لو قيل "أمضي وقتًا" لفات معنى المضي في زمن طويل لا يُستثقل فيه القِصر. - لابثين فيها أحقابًا: لو قيل "أيامًا" أو "سنين" لفُقد معنى التتابع الطويل المفتوح. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
اجتماع هذه الجذور يصنع مدلول الآية من الحركة بين جذورها وصيغها وسياقها. فكل جذر يضيف حدًا، ثم تأتي الصيغ والترتيب والاستبدال لتبيّن أي حد هو أصل المعنى وأي حد يقيّده أو يوسعه.
شبكة الاستبدال لكلّ قَولة
3 قَولات · مُختبَرة كاملةً⌄
لو وُضع «خالدين» موضعها لبرز الدوام المطلق وضاع تصوير الزمن من جهة مدّته المتعاقبة فـ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ في هذه الآية يبرز مقدار المكث من جهة أحقابه، أما «خالدين» فيبرز الدوام دون نظرٍ إلى الأحقاب. ولو وُضع «ساكنين» لأُفيد القرار والطمأنينة، وهو نقيض حال أهل النار الذي يصدّقه نفي البرد والشراب بعده.
لو وُضع ﴿عِندَهَا﴾ أو «لَدَيۡهَا» لصار المكث بجوار جهنم لا في جوفها، فيضيع معنى الاحتواء داخل المرصاد الذي بُني قبل. ولو حُذف الظرف لانقطعت صلة اللبث بالدار المعيّنة، فيقرأ القارئ ﴿لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا﴾ وصفًا معلّقًا بلا وعاء. «في» تُدخل اللابثين في الدار نفسها وتحبس مكثهم داخل المرصاد لا بجواره.
لو وُضع «سنين» أو «أيامًا» لتحدّد العدّ وضاع التتابع المفتوح الذي تبرزه «أَحۡقَابٗا» هنا. ولو وُضع «دهرًا» لأُريد الزمن الغامر كلّه لا قطعةً متعاقبة منه. ولو وُضع «أمدًا» لأُبرزت المسافة إلى غاية، والآية لا تضرب غاية. «أَحۡقَابٗا» تجمع في هذه الآية طول المدة مع تعاقب الأزمنة وقابلية الامتداد دون تحديد؛ وهذا يوافق مقام من أنكر الحساب الذي يضرب الغايات.
لطائف وثمرات
⌄
- اللبث الطويل ليس خلودًا مجرّدًا
الآية تعرض المصير من جهة طول مدّته وتعاقب أحقابه، لا من جهة الدوام وحده. اختيار «لبث» على «خلد» يجعل القارئ يستحضر الزمن متجدّدًا حقبًا بعد حقب داخل الدار، ويمهّد لتفصيل نوع المكث في ما بعدها.
- الزمن غير محدود لأن لفظه منكَّر مفتوح
تنكير «أَحۡقَابٗا» وجمعها يمنعان تحديد مقدار كل حقب أو نهاية السلسلة؛ فالمدة ممتدّة مفتوحة الآخر. وهذا الانفتاح يوافق مقام من أنكر الحساب الذي يضرب الغايات ويقطع المدد.
- المكث محبوسٌ في الدار بحرف واحد
«فِيهَآ» تربط اللبث بجهنم المعيّنة قبله، فلا يُقرأ اللبث وصفًا عامًّا بل مكثًا في وعاء الدار التي جُعلت مرصادًا ومآبًا للطاغين. وتكرار ﴿فِيهَا﴾ في الآية التالية يوحّد الوعاء ويجعله مجال المكث ومجال العذاب معًا.
روابط موسوعيّة من الآية
⌄
لا توجد وحدات موسوعية أخرى مرتبطة بهذه الآية في البيانات الحالية.
قرائن بناء المدلول
⌄
- موقع ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ من السلسلة يحدّد فاعلها
اسم الفاعل ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ منصوب حالًا من «ٱلطَّٰغِينَ» في ﴿لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا﴾؛ فالآية وصفٌ لحال هؤلاء في مآبهم لا حكمٌ مستقلّ. وقد سبق في ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا﴾ تعيينُ الدار، فجاء اللبث «فِيهَآ» عائدًا إليها.
- ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ يصف المكث هنا من جهة مدّته لا من جهة طولٍ مفروض
في ﴿كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَهَا لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا﴾ و﴿لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ تأتي صيغة اللبث مع تقصير الزمن، وهنا تمتدّ بأحقاب. فـ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ في هذه الآية يصف المكث من جهة مدّته، والمدة تتعيّن بما يُضاف إليها. هذا الفهم يرفع أي توهّم تعارض بين تقصير المدّة هناك وإطالتها هنا.
- صيغة اسم الفاعل تثبت حالًا قائمًا لا حدثًا ماضيًا ولا مستقبلًا
صيغة اسم الفاعل ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ لا تحكي فعلًا مضى ولا وعدًا منتظرًا، بل تعرض حالًا قائمًا للطاغين في الدار. لذلك تناسب مقام المصير المعروض: مكثٌ حاضر في الوصف، ممتدّ بالمدة التي تلحقه، لا خبرٌ عن مدةٍ انقضت.
- «حقب» بين المضي إلى غاية واللبث بلا غاية
في قوله ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا﴾ يأتي «حُقُبٗا» مع المضي طلبًا لغاية، وهنا تأتي «أَحۡقَابٗا» مع مكث أهل النار بلا غاية منظورة. فالمقابلة تبرز امتداد الزمن في السعي، وثقل الزمن في اللبث.
- التنكير والجمع في «أَحۡقَابٗا» يمنعان التحديد ويفتحان الامتداد
الجمع ناسب جماعة الطاغين وتعدّد الأحقاب، والتنكير منع بيان مقدار كلّ حقب أو نهاية السلسلة. فبقي المعنى على امتداد أزمنةٍ متعاقبة مفتوح آخرها، لا عددًا محدودًا ولا غايةً قريبة.
- ﴿فِيهَا﴾ في الآية التالية يصدّق مرجع «ها» ويوحّد المجال
عاد الظرف ﴿فِيهَا﴾ في ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا﴾ على ﴿جَهَنَّمَ﴾ نفسها، فاتّحد مجال اللبث ومجال نفي الذوق. هذا التكرار يصدّق أن مرجع «ها» في آية المكث هو جهنم، ويكشف أن الدار الواحدة هي وعاء المكث والعذاب معًا.
الرسم والهيئة
المحسوم وغير المحسوم⌄
- الألف الخنجريّة في ﴿لَّٰبِثِينَ﴾
كُتبت ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ بألفٍ خنجريّة فوق اللام (ٰ) بلا ألفٍ مكتوبة. هذه صورة رسمٍ ثابتة في الكتابة العثمانيّة لهذا النمط من أسماء الفاعل، والنطق واحد. هذه القَولة لم ترد في المصحف إلّا في هذا الموضع — ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ صورةٌ واحدة بلا نظيرٍ ثانٍ يُقابَلها. وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.
- «فِيهَآ» بصورة المدّ مقابل ﴿فِيهَا﴾ في الآية التالية — محسوم سببه صوتيًّا
انتهت «فِيهَآ» هنا بألفٍ تحمل المدّ (آ) لأن بعدها همزة قطعٍ في «أَحۡقَابٗا»، بينما جاءت ﴿فِيهَا﴾ في ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا﴾ بألفٍ صريحة لمجيء حرفٍ ساكن بعده. هذه القَولة رسمُها هيكلٌ واحدٌ في المصحف كلّه — ﴿فِيهَآ﴾ في ٢٩ موضعًا بلا صورةٍ ثانية. فلا تنويعَ رسميًّا يُقارَن هنا، وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.
- تنوين النصب في «أَحۡقَابٗا» — محسوم قياسًا
رُسم تنوين النصب بألفٍ بعد الباء «أَحۡقَابٗا» على القياس في المنصوب المنوَّن، كما في ﴿بَرۡدٗا﴾ و﴿شَرَابًا﴾ و﴿مَـَٔابٗا﴾ في السياق. صورةٌ قياسيّة لا تخصّ الجذر ولا تحمل أثرًا دلاليًّا مفردًا.
إحصاءات الآية واستنباطات عابرة للصفحات
⌄
مخططات سريعة
⌄
توزيع جذور الآية
حقول الآية
أكثر جذور السياق حضورًا
لا توجد نافذة سياق كافية.
الجذور في الآية
بيان مختصَر داخل الصفحة⌄
لبث = مكث أو تمهل في مكان أو حال من جهة مدة مقدّرة أو ملحوظة. - الماضي «لبث/فلبث/لبثوا/لبثت» يثبت مدة وقعت: يوم، بعض يوم، سنين، ألف سنة إلا خمسين عامًا، أو بضع سنين. - الخطاب «لبثتم/لبثت» يكثر في سؤال المدة وتصحيح تقديرها. - المضارع «يلبثون/يلبثوا» يغلب في القصر والنفي: إلا قليلًا، إلا ساعة. - «تلبثوا» وارد في سورة الأحزَاب ١٤، ولذلك صُحح خطأ نفي ورود التفعّل.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
تكملة البيان: لبث = مكث أو تمهل في مكان أو حال من جهة مدة مقدّرة أو ملحوظة. - الماضي «لبث/فلبث/لبثوا/لبثت» يثبت مدة وقعت: يوم، بعض يوم، سنين، ألف سنة إلا خمسين عامًا، أو بضع سنين. - الخطاب «لبثتم/لبثت» يكثر في سؤال المدة وتصحيح تقديرها. - المضارع «يلبثون/يلبثوا» يغلب في القصر والنفي: إلا قليلًا، إلا ساعة. - «تلبثوا» وارد في سورة الأحزَاب ١٤، ولذلك صُحح خطأ نفي ورود التفعّل. - «لابثين» في سورة النَّبَإ ٢٣ يثبت المكث الطويل «أحقابًا» دون تحويل الجذر إلى خلد؛ فهو يبرز المدة من جهة أحقابها.
حد الجذر: «لبث» هو مكث منظور إلى مدته. قد تكون المدة قصيرة جدًا، وقد تطول إلى سنين أو أحقاب، لكنها تظل موضع تقدير وسؤال ومقارنة. لذلك كان خطأ الاقتصار على موضعين في سورة البَقَرَة ٢٥٩؛ الآية نفسها تحوي ثلاثة مواضع تصنع بنية السؤال والجواب والتصحيح.
فروق قريبة: - لبث ≠ مكث: بينهما قرب، لكن لبث في هذه المواضع أكثر التصاقًا بسؤال المدة وتقديرها وتصحيحها. - لبث ≠ سكن: السكن قرار وطمأنينة في موضع، أما اللبث فقد يكون في سجن، أو عذاب، أو حال انتظار، أو يوم حشر. - لبث ≠ خلد: الخلد يبرز الدوام، أما اللبث فيبرز مقدار المدة ولو طالت. - لبث ≠ عمر: العمر امتداد حياة، أما اللبث فمكث في حال أو مكان قد يكون داخل العمر أو بعده.
اختبار الاستبدال: - «كم لبثت» لا تساوي «كم سكنت»؛ لأن السؤال هنا عن مدة شعورية ثم تصحيحها. - «فلبث في السجن بضع سنين» لا تساوي «عاش في السجن»؛ لأن المقصود مدة مكثه في حال السجن لا حياته مطلقًا. - «ما تلبثوا بها إلا يسيرًا» لا تساوي «ما أقاموا بها» فقط؛ لأن القصر الزمني هو المقصود. - «لابثين فيها أحقابًا» لا تساوي «خالدين»؛ لأن اللفظ يبرز أحقاب المكث لا حكم الخلود.
فتح صفحة الجذر الكاملةفي تَنسِب ما قبلها إلى ما بعدها نسبةَ استقرارٍ في محلّ: يكون الثاني محلًّا يَثبُت فيه الأوّل أو يَجري فيه — مكانًا حسّيًّا أو حالًا معنويّةً أو زمنًا أو أمرًا يقع فيه الكلام والحكم أو جماعةً يكون بينها أو ذاتًا تُلتَمس فيها العبرة. والإحاطةُ من جميع الجهات صورةٌ من صور المحلّ لا حدٌّ فيه، وليس في الأداة حدثُ إدخال.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: زاوية الجذر هي نسبةُ الشيء إلى محلّه: شيء يَثبُت في حيّز أو يَجري فيه. والظرف المحيط يتنوّع دون أن تتغيّر الزاوية: مكان حسّيّ كالأرض والآذان، وحال معنوية كالطغيان والظلمات والمرض، وموضوع يقع فيه القول والقضاء كالاختلاف في الكتاب والجدال في الآيات، وزمن يقع فيه الفعل كالأيّام المعدودات واليومين. فكلُّ ما بعد في محلٌّ يَثبُت فيه ما قبلها أو يَجري فيه؛ ومن المحالّ ما لا وعاءَ فيه، كالجماعة ﴿أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ﴾ (سورة الحُجُرَات ٧)، والذاتِ التي تُلتَمس فيها العبرة ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ﴾ (سورة الأحزَاب ٢١).
فروق قريبة: الجذر وجه القرب الفرق عن في الشاهد ------------ على علاقة إسناد على استعلاء أو حمل، وفي نسبةٌ إلى محلٍّ يَثبُت فيه الشيء أو يَجري فيه. ﴿يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡ﴾ سورة الأنعَام ٣١ مِن جهة العلاقة مِن ابتداء أو خروج من مصدر، وفي بقاء داخل ظرف. ﴿فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ﴾ سورة الأعرَاف ٢٥ ءلى اتجاه ءلى انتهاء إلى غاية، وفي دخول في وعاء أو مجال. ﴿فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡ﴾ سورة آل عِمران ١٥٤ باء الملابسة الباء تلصق أو تستعين، وفي تحيط ظرفيا. ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِ﴾ سورة البَقَرَة ٤٥
اختبار الاستبدال: في سورة البَقَرَة ١٠ ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ لا تقوم على مقام في؛ لأنّ المرض داخل القلوب لا فوقها. وفي سورة البَقَرَة ١١ ﴿لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ لا تقوم من مقام في؛ لأنّ الفساد واقع داخل الأرض لا خارجا منها ولا مبتدئا منها. ويمتدّ الاختبار إلى مسلك الموضوع؛ فقوله ﴿يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ لا تقوم على ولا إلى مقام في، لأنّ الاختلاف موضوع يجري الحكم داخل دائرته لا غاية يُنتهى إليها. وكذلك مسلك الزمن في ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ﴾؛ فاليومان وعاء زمنيّ يقع فيه التعجّل، ولو وُضِعت إلى لانقلب المعنى إلى غاية بعد اليومين لا ظرفًا لهما.
فتح صفحة الجذر الكاملةحقب قرءانيًا هو زمن طويل متتابع يُستحضر بوصفه واحدًا من سلسلة أزمنة ممتدة؛ أي مدة لا يُقصد بها مجرد طولها، بل طولها مع قابلية الامتداد إلى ما بعدها واستمرار الحال خلالها.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: الجذر يصف "الطويل المتعاقب". لذلك لم يأت في القرءان لوقت قصير، ولا لغاية مضبوطة قريبة، بل لمدى يمكن أن يمضي فيه السائر طويلًا أو يلبث فيه الماكث أزمانًا متوالية.
فروق قريبة: الجذر المفهوم الفارق عن حقب الشاهد ----------------------------------- أمد مدى بين حاضر ونهاية حقب يبرز تعاقب الأزمنة الطويلة، لا مجرد المسافة إلى غاية ﴿بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗا﴾ سورة آل عِمران ٣٠ سنه وحدة حساب زمنية حقب ليس وحدة عددية مضبوطة ﴿ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ﴾ سورة الكَهف ٢٥ دهر الزمن الشامل الغامر حقب جزء طويل داخل الزمن، لا كلّه ﴿حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ﴾ سورة الإنسَان ١ أجل النهاية المضروبة حقب يركّز على امتداد المدة قبل النهاية أو دون بيانها ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ سورة الأعرَاف ٣٤
اختبار الاستبدال: - أمضي حقبًا: لو قيل "أمضي وقتًا" لفات معنى المضي في زمن طويل لا يُستثقل فيه القِصر. - لابثين فيها أحقابًا: لو قيل "أيامًا" أو "سنين" لفُقد معنى التتابع الطويل المفتوح.
فتح صفحة الجذر الكاملةالقَولات (تفكيك ميكانيكيّ)
⌄
| الترتيب | القَولة ↗ | الصيغة | الجذر |
|---|---|---|---|
| 1 | لَّٰبِثِينَ | لابثين | لبث |
| 2 | فِيهَآ | فيها | في |
| 3 | أَحۡقَابٗا | أحقابا | حقب |
السياق القريب (٥ قبل · ٥ بعد)
⌄
السياق القريب يضبط الآية من جهتين. قبلها بُني المصير في ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا﴾ ﴿لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا﴾، فعُيّنت الدار والصنف قبل وصف حالهم؛ فجاء ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ حالًا من الطاغين و«فِيهَآ» عائدًا إلى جهنم. وبعدها يفصّل نوع المكث في الآيتين: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا﴾ ﴿إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا﴾، فيتبيّن أن اللبث الطويل في أحقابٍ متعاقبة ليس سكنًا ولا قرارًا بل عذابٌ مستمرّ. ثم ﴿جَزَآءٗ وِفَاقًا﴾ يردّ طول المكث إلى موافقته لأعمالهم، و﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا﴾ يبيّن العلّة: أنكروا الحساب الذي يضرب لكل أمرٍ غاية، فجزاؤهم مكثٌ في أحقابٍ لا غاية لها. وأبعد في السياق القريب قبلها ﴿يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا﴾: جاؤوا أفواجًا ثم صار المآب واحدًا، وجاء اللبث جماعيًّا في ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ و«أَحۡقَابٗا» موافقًا لهذا التجميع.
-
يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا
-
وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا
-
وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا
-
إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا
-
لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا
-
لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا
-
لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا
-
إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا
-
جَزَآءٗ وِفَاقًا
-
إِنَّهُمۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا
-
وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابٗا
السياق الأوسع — موضع الآية في حجّة السورة
⌄
يثبت اللبث داخل ذلك المآب في أحقاب متعاقبة، فيجعل العذاب مقامًا ممتدًا لا لحظة عابرة قبل بيان ما يحرمون منه فيه.
حجّة السورة كاملةًالنَّبَإ⌄
تبني سورة النبأ حجّةً واحدة محكمة: النبأ الذي دار فيه التساؤل والاختلاف ليس مجالًا يبقى فيه القول متكافئًا، لأن ما يشهده المخاطبون من إعداد الأرض والجبال، وخلقهم، وتعاقب النوم والليل والنهار، وبناء العلو وإنزال الماء وإخراج النبات، يكشف نظامًا موجّهًا لا يترك الفصل بين الأعمال ومصائرها دعوى معلّقة. ثم تعقد السورة هذا الشاهد المتصل بميقات الفصل؛ فتجعل النبأ الذي بدأ سؤالًا جماعيًا حقيقةً تنقل الجماعة من اختلافها إلى حضورها، حيث يتبدل ما حسب ثابتًا من السماء والجبال، ويظهر أن كل مآب يوافق الحال التي سلكها صاحبه.
ويُحكم البناء بثلاث نقلات متتابعة: يوقف أولًا تداول الاختلاف بوعد العلم، ثم يسوق الشواهد المرئية حتى يثبت موعد الفصل، ثم يقسم المآل إلى جزاء الطاغين وعطاء المتقين، قبل أن يرد الجميع إلى رب السماوات والأرض والرحمن. وعندئذ لا يبقى اليوم وصفًا بعيدًا، بل يصير قرارًا يفتح الاختيار قبل انكشافه: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا﴾. فالخاتمة لا تضيف وعيدًا إلى الحجّة، بل تكشف نتيجتها الفردية: من لم يجعل للحساب موضعًا في رجائه، ولم يقبل الآيات، يواجه ما قدّمه حين يفوت موضع القول النافع.
- السؤال المردود إلى علم﴿ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ ﴾١سورة النَّبَإ﴿ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ ﴾٢سورة النَّبَإ﴿ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ مُخۡتَلِفُونَ ﴾٣سورة النَّبَإ﴿ كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ﴾٤سورة النَّبَإ﴿ ثُمَّ كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ﴾٥سورة النَّبَإيفتتح هذا المحور بحركة سؤال متبادل لا يسمّي موضوعه، ثم يعيّن النبأ العظيم ويجعل الاختلاف واقعًا في تلقيه لا في النبأ نفسه. ويأتي الردع والعلم الموعود ليغلقا بقاء هذا التداول حكمًا. ومن هذا الإيقاف يسلّم المحور إلى الشواهد التالية: فالحجّة لا تستطرد في الخصومة، بل تنقل المختلفين إلى ما هو قائم أمامهم.
- نظام الإعداد المشهود﴿ أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا ﴾٦سورة النَّبَإ﴿ وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا ﴾٧سورة النَّبَإ﴿ وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا ﴾٨سورة النَّبَإ﴿ وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا ﴾٩سورة النَّبَإ﴿ وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا ﴾١٠سورة النَّبَإ﴿ وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا ﴾١١سورة النَّبَإ﴿ وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا ﴾١٢سورة النَّبَإ﴿ وَجَعَلۡنَا سِرَاجٗا وَهَّاجٗا ﴾١٣سورة النَّبَإ﴿ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا ﴾١٤سورة النَّبَإ﴿ لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا ﴾١٥سورة النَّبَإ﴿ وَجَنَّٰتٍ أَلۡفَافًا ﴾١٦سورة النَّبَإيبني المحور برهان الإعداد من الأرض والجبال إلى الإنسان ونومه وأطوار يومه، ثم يرفعه إلى البناء العلوي والسراج والماء وآثار الإخراج والجنات. فلا تظهر النعم مفردات متناثرة، بل حلقات وظيفة متساندة. وحين يكتمل هذا النظام لا ينتهي إلى الامتنان وحده؛ إذ يسلّم مباشرة إلى الميقات الذي يجعل هذا الإعداد شاهدًا على الفصل المقبل.
- الميقات وانكشاف المآل﴿ إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ كَانَ مِيقَٰتٗا ﴾١٧سورة النَّبَإ﴿ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا ﴾١٨سورة النَّبَإ﴿ وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا ﴾١٩سورة النَّبَإ﴿ وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا ﴾٢٠سورة النَّبَإ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا ﴾٢١سورة النَّبَإ﴿ لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا ﴾٢٢سورة النَّبَإ﴿ لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا ﴾٢٣سورة النَّبَإ﴿ لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا ﴾٢٤سورة النَّبَإ﴿ إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا ﴾٢٥سورة النَّبَإ﴿ جَزَآءٗ وِفَاقًا ﴾٢٦سورة النَّبَإ﴿ إِنَّهُمۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا ﴾٢٧سورة النَّبَإ﴿ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابٗا ﴾٢٨سورة النَّبَإ﴿ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ كِتَٰبٗا ﴾٢٩سورة النَّبَإ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا ﴾٣٠سورة النَّبَإيعقد المحور يوم الفصل ميقاتًا، ثم يحوّله إلى حضور وتبدّل في السماء والجبال، فلا يبقى الثبات الدنيوي مأمنًا. بعد ذلك تعيّن جهنم مآب الطاغين، وتفصّل المكث والحرمان والبديل المؤلم، ثم ترد الجزاء إلى موافقته لترك رجاء الحساب والتكذيب وإحاطة الكتاب. وبإغلاق الزيادة في العذاب يهيّئ المحور المقابلة اللازمة مع مفاز المتقين.
- المفاز والعطاء المحسوب﴿ إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴾٣١سورة النَّبَإ﴿ حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا ﴾٣٢سورة النَّبَإ﴿ وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا ﴾٣٣سورة النَّبَإ﴿ وَكَأۡسٗا دِهَاقٗا ﴾٣٤سورة النَّبَإ﴿ لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا ﴾٣٥سورة النَّبَإ﴿ جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا ﴾٣٦سورة النَّبَإيفتح هذا المحور بعد انغلاق مصير الطاغين مفازًا مثبتًا للمتقين، ثم يملأه بمكان مثمر وصحبة متناسبة وكأس مكتملة، ويزيده صفاءً بنفي اللغو والكذاب. فلا يكون المقابل هربًا من العذاب فحسب، بل عطاءً منضبطًا بالجزاء والحساب. ومن تحديد العطاء ومصدره يسلّم المحور إلى بيان ربوبية من صدر عنه، ومنها إلى حدود الخطاب في يوم الفصل.
- الحق والاختيار والإنذار﴿ رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا… ﴾٣٧سورة النَّبَإ﴿ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ… ﴾٣٨سورة النَّبَإ﴿ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ… ﴾٣٩سورة النَّبَإ﴿ إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ… ﴾٤٠سورة النَّبَإيكشف المحور أن رب العطاء والحساب محيط بالسماوات والأرض وما بينهما، فلا يملك أحد ابتداء الخطاب منه، ولا ينفتح القول إلا بإذن وصواب. بهذا الانضباط يثبت اليوم حقًا، ويتحول ثبوته إلى مآب يمكن اتخاذه إلى الرب. ثم تختم السورة بالإنذار ومواجهة المرء ما قدمت يداه، فتجعل الاختيار السابق هو الفارق بين مآب متخذ وحسرة متأخرة.
تبدأ الحركة بفراغ السؤال في ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾، ثم تملؤه بتعيين النبأ واختلاف الجماعة فيه، قبل أن تقطع امتداد الاختلاف بوعد العلم. ولا تجيب السورة بعد ذلك بقول موازٍ، بل تعبر إلى الأرض المهيأة والجبال المثبتة والخلق والنوم والليل والنهار، ثم إلى البناء العلوي والسراج والماء والنبات؛ فتجعل ما يتصل بحياة المخاطبين شاهدًا متدرجًا. وعند اكتمال الشاهد تعقده في ﴿إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ كَانَ مِيقَٰتٗا﴾، فينقلب نظام العالم إلى مشهد حضور، وتظهر جهتا الجزاء: مرصاد الطاغين بما وافق تركهم الحساب وتكذيبهم، ومفاز المتقين بعطاء محسوب. ثم تضيق الحركة إلى ربوبية الرحمن وحدود الخطاب، وتبلغ مفصل الاختيار في ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا﴾، قبل أن تقفل بالإنذار والفرد الذي يرى ما قدّم.
يتحقق التصاعد في المطلع بتكرار الوعد بالعلم لا على صورة إعادة ساكنة، بل بانتقال رتبي ظاهر: ﴿كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ﴾ يردع استمرار الاختلاف، ثم تأتي ﴿ثُمَّ كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ﴾ لتجعل الردع الثاني منزلةً لاحقة لا صدى لفظيًا للأول. بهذا يتراكم القطع قبل أن تبدأ السورة عرض الشواهد، فيغدو الانتقال إلى النظام المشهود جوابًا محكمًا بعد حدّين من الوعيد.