مدلول الآية · قراءة داخليّة من الجذور والسياقآل عِمران١٤١
وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١
◈ روابط الآية
◈ خلاصة المدلول
الآية تضع فعلين إلهيين في مسار مشترك وإن كانا متعاكسين في أثرهما: وَلِيُمَحِّصَ — تنقية المؤمنين مما شابهم — ووَيَمۡحَقَ — إذهاب نفع الكافرين وأثرهم إذهابًا تامًا. الفاعل في كليهما الله، واللام في ﴿لِيُمَحِّصَ﴾ تربط هذا كله بغاية ما سبقها في الآية السابقة من تداول الأيام والمسّ والشهادة. المؤمنون لم يُذكروا معرَّفين بالألف واللام بل بالاسم الموصول «الَّذِينَ ءَامَنُواْ» — جماعة يُعيَّنها فعلها، لا لقب جاهز. الكافرون جاؤوا بالألف واللام: ﴿ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ — وصف قائم ثابت. هذا التقابل يجعل التمحيص صالحًا لمن لا يزال في طريق الإيمان وفيه ما يحتاج نقاء، بينما المحق مقرَّر لمن صارت الغطاية صفتهم.
◈ كيف وصلنا إلى المدلول
⌄
تبدأ الآية بـ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ وهذه الواو عاطفة واللام لام الغاية.
- لو أُسقطت اللام لصارت الجملة إخبارًا عن فعل وقع، لكن اللام تجعلها غاية مقصودة تُعلَم مسبقًا: تداول الأيام بين الناس، والمسّ بالقرح، وإتاحة الشهادة — هذه الأحداث لها غايتان مدمجتان يجمعهما «الواو» في هذه الآية: التمحيص والمحق في آنٍ واحد.
التمحيص (محص) لا يعني هنا كنس المؤمنين أو إزالتهم، بل تنقيتهم: يُزاح ما شاب قلوبهم من تردد أو ضعف أو دخل غير خالص، ويبقى الجوهر.
- فعل ﴿يُمَحِّصَ﴾ بصيغة التفعيل يحمل معنى التكثير أو الإحكام في الفعل — ليس نظرة عابرة بل غربلة جذرية.
- والتمحيص متعدٍّ إلى «الَّذِينَ ءَامَنُواْ»: جماعة تعريفها الدخول في الإيمان، لا جماعة أُغلق عليها الوصف.
- هذا الفتح في التعريف يُبقي باب الشدة والبلاء مفتوحًا على من كان إيمانه يحتمل التنقية.
في المقابل، المحق (محق) يتعدى إلى ﴿ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ بأل التي تجعل الكفر صفة ثابتة لطائفة.
- المحق ليس إهلاكًا بالمعنى الظاهر فحسب؛ بل إذهاب النفع والأثر والبركة حتى لا يبقى منه شيء ذو جدوى.
- هذا يُميِّز ﴿يَمۡحَقَ﴾ عن «يُهلِك» أو «يُعذِّب»: الإهلاك قد يترك أثرًا أو قوة، والمحق يذهب الشيء من داخله.
- السياق في آل عمران 140 ذكر ﴿ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ وأن الله يريد أن يعلم الذين آمنوا ويتخذ منهم شهداء، ثم جاءت هذه الآية لتُبيِّن أن التداول نفسه — حتى حين يكون فيه ألم وهزيمة ظاهرة — ليس عشوائيًا بل مقصود لغايتين دقيقتين متزامنتين.
الفاعل ﴿ٱللَّهُ﴾ يأتي بين الفعلين في الآية موضعًا وسطًا بين ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ و﴿وَيَمۡحَقَ﴾.
- هذا الموضع الوسط للفاعل يربط الفعلين بفاعل واحد، ويجعلهما وجهين لإرادة إلهية لا طرفين منفصلين.
- التمحيص لا يكون بغير إرادة الله، والمحق لا يكون بغير إرادته.
- كلاهما تحت اسم الجلالة الذي يتضمن الألوهية الواحدة الكاملة التي لا شريك فيها.
التقابل البنيوي في الآية دقيق: ﴿يُمَحِّصَ﴾ مع «الَّذِينَ ءَامَنُواْ» — جماعة مبنية على فعل ماضٍ يعيّنها، و﴿يَمۡحَقَ﴾ مع ﴿ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ — جماعة معرَّفة بالألف واللام في وصف راسخ.
- هذا التوازي يُفصح أن التمحيص فعل رحيم بجماعة في طريق، والمحق فعل حسم لجماعة أغلقت على نفسها بابها.
- لم تقل الآية بالجمع المعرَّف مباشرة بل قالت «الَّذِينَ ءَامَنُواْ» — لأن المؤمنين إذا عُرِّفوا بالألف واللام جاؤوا وصفًا مستقرًا، أما هنا فالتمحيص يطال من حقق الإيمان لكنه لا يزال يحتمل الغربلة والتصفية.
السياق في الآيات التالية (142) يُكمل: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ — أي أن التمحيص ليس مجرد إزالة شوائب داخلية، بل هو أيضًا إظهار ما في النفوس: الجهاد والصبر اللذان تكشفهما البلاءات.
- هذا يعني أن ﴿يُمَحِّصَ﴾ يشمل التنقية والكشف معًا: الخروج بما صفا بعد أن بانت حقيقة كل نفس.
- الآية 141 إذًا جسر بين 140 (التداول والمسّ والشهادة) و142 (شرط دخول الجنة بالجهاد والصبر).
◈ أثر كلّ جذر في بناء المدلول
⌄
هذه الخريطة تفصل أثر كل جذر في الآية ثم تجمعها: الجذور هنا هي محص، ءله، ذو، ءمن، محق، كفر. المقصود ليس إعادة تعريف الجذور، بل بيان كيف تدخل كل مادة في بناء مدلول الآية.
جذر محص1 في الآية
مدلول الجذر: محص يدل على تنقية الباطن بإزالة ما يشوبه حتى يخلص ويصفو.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «محص» هنا في 1 موضع/مواضع: وَلِيُمَحِّصَ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «النجاة والخلاص الطهارة والوضوء» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: محص يدل على تنقية الباطن بإزالة ما يشوبه حتى يخلص ويصفو.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: - محص ≠ سلم — سلم خلوصٌ ابتداءً وانقيادٌ سالم، أمّا محص فخلوصٌ يَحصل بعد إزالة شوبٍ كان قائمًا، فهو نتيجة عملٍ لا حالٌ سابقة.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة وَلِيُمَحِّصَ: - الجذر الأقرب: طهر - مواضع التشابه: كلاهما يتّصل بإزالة ما لا يليق وبلوغ حال الصفاء. - مواضع الافتراق: طهر أعمّ في النظافة والبراءة من الدنس الحسّيّ والمعنويّ، أمّا محص فيختصّ بتصفية الباطن عبر الابتلاء والكشف. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر ءله1 في الآية
مدلول الجذر: «ءله» يدلّ على جهة الألوهيّة التي يُقصَد إليها بالعبادة والدعاء والقَسَم، وحقُّها في القرآن مقصورٌ على «الله» وحده لأنّه الخالق المالك الحيّ القيّوم وما عداه من «آلهة» يُذكَر لإبطال دعواه بنفي الخلق والملك والنفع عنه.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «ءله» هنا في 1 موضع/مواضع: ٱللَّهُ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الألوهيّة والتوحيد الشرك والعبادة غير الله» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «ءله» يدلّ على جهة الألوهيّة التي يُقصَد إليها بالعبادة والدعاء والقَسَم، وحقُّها في القرآن مقصورٌ على «الله» وحده لأنّه الخالق المالك الحيّ القيّوم وما عداه من «آلهة» يُذكَر لإبطال دعواه بنفي الخلق والملك والنفع عنه.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: الجذر وجه القرب الفرق عن «ءله» --------- ربب السيادة على المربوب «ربّ» يُبرز التدبير والتربية والمِلك ويُضاف لكلّ شيء (ربّ العالمين، ربّ المشرق).
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة ٱللَّهُ: في ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ﴾ (البقرة 163) لو وُضِع «ربّ» مكان «إله» — «وربُّكم ربٌّ واحد» — لانتقل الكلام من حصر جهة العبادة إلى تقرير وحدة المُدبِّر. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر ذو1 في الآية
مدلول الجذر: ذو يدلّ على تعيين ذاتٍ أو جماعةٍ بلاحقٍ يكشفها: صلةٍ بعد اسم موصول (الذي والذين والتي)، أو إضافةٍ وصفيّة بعد ذو وذات، أو إشارةٍ في اسم الإشارة ذا، أو لقبٍ في النداء يا ذا؛ فيشمل كلّ ما يدور في هذا الباب من تعريف المرجع بما يتّصل به.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «ذو» هنا في 1 موضع/مواضع: ٱلَّذِينَ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «أسماء موصولة ومبهمة الضمائر وأسماء الإشارة» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: ذو يدلّ على تعيين ذاتٍ أو جماعةٍ بلاحقٍ يكشفها: صلةٍ بعد اسم موصول (الذي والذين والتي)، أو إضافةٍ وصفيّة بعد ذو وذات، أو إشارةٍ في اسم الإشارة ذا، أو لقبٍ في النداء يا ذا.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: الجذر وجه القرب الفرق عن ذو --------- ما الإحالة المحتاجة إلى بيان ما تفتح مضمونًا أو شيئًا غير مسمّى، وذو يعيّن ذاتًا أو جماعة بصلتها.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة ٱلَّذِينَ: في الفاتحة 7 لا تقوم ما مقام الذين؛ لأنّ الموضع يتحدّث عن جماعة معرفة بصلة الإنعام لا عن مضمون مبهم. وفي الرحمن 27 لا يقوم الذي مقام ذو؛ لأنّ ذو الجلال صيغة إضافة وصفيّة لا صلة فعليّة. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر ءمن1 في الآية
مدلول الجذر: «ءمن» دخولٌ في سكونٍ موثوقٍ يرفع الخوفَ والارتيابَ ويُثبِّت الاعتماد؛ يتفرّع في مسارَين متمايزَين: أمنٌ من الخوف الحسّيّ — ومنه الأمانةُ التي يثبت عندها الاعتماد، والأمينُ الموثوق — وإيمانٌ بالغيب والرسالات يُسكِن من الارتياب فيُثمر العمل. والجامع بينهما اطمئنانٌ موثوقٌ يُسكِن النفس، لا يفشل هذا التعريف في موضعٍ من مواضع الجذر.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «ءمن» هنا في 1 موضع/مواضع: ءَامَنُواْ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الإيمان والتصديق» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «ءمن» دخولٌ في سكونٍ موثوقٍ يرفع الخوفَ والارتيابَ ويُثبِّت الاعتماد.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يفترق «ءمن» عن «صدق» بأنّ الصدق مطابقةُ الخبر للواقع، أمّا الإيمان فاعتمادٌ وتسليمٌ يتجاوز مجرّد المطابقة.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة ءَامَنُواْ: لو أُبدِل «الإيمان» بـ«التصديق» في كلّ موضع لفات معنى الركون والاعتماد والعملِ بمقتضى ما آمن به — والقرآن يفرّق بينهما إذ جعل الإيمان فعلًا قلبيًّا، ﴿وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ﴾ (الحجرات 14). فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر محق1 في الآية
مدلول الجذر: محق يدل على الإذهاب الكامل للشيء حتى لا يبقى منه نفع ولا أثر ولا بركة؛ وهو في القرآن نقيض الإرباء (النمو) ونقيض التمحيص (الإبقاء على الجوهر). محق الربا: إفقاده بركته ونفعه. محق الكافرين: إزالتهم الكاملة.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «محق» هنا في 1 موضع/مواضع: وَيَمۡحَقَ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «النقص والضياع الموت والهلاك والفناء» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: محق يدل على الإذهاب الكامل للشيء حتى لا يبقى منه نفع ولا أثر ولا بركة؛ وهو في القرآن نقيض الإرباء (النمو) ونقيض التمحيص (الإبقاء على الجوهر). محق الربا: إفقاده بركته ونفعه. محق الكافرين: إزالتهم الكاملة.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: - أتلف: الإتلاف تخريب. المحق إذهاب النفع والأثر حتى لا يبقى شيء نافع. - محو: المحو إزالة ما كان مكتوباً أو موجوداً. المحق إذهاب النفع والبركة حتى لا ينتفع منه أحد.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة وَيَمۡحَقَ: - يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ ≠ يُهلك الله الربا: الإهلاك يطال الشيء ذاته، والمحق يُذهب نفعه وبركته. - وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ مقابل وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّذِينَ ءَامَنُواْ: التمحيص يُبقي الجوهر، المحق يُزيل الكل. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر كفر1 في الآية
مدلول الجذر: كفر: سَترُ الشَّيء وتَغطيَتُه — يَكون سَتر الحَقّ بالإنكار وسَتر النِّعمَة بالجُحود (وهذا الكُفر العَقَديّ والشُّكريّ، والمَسار الأَكبَر في القرآن)، أَو سَتر السَّيِّئَة بالحَسَنَة (التَّكفير)، أَو التَّبَرُّؤ بسَتر العَلاقة، أَو سَتر البَذر بالتُّراب (الكُفَّار الزُّرَّاع) — أَصل واحد للجذر يَنتَظِم تَحته كل المَسالك.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «كفر» هنا في 1 موضع/مواضع: ٱلۡكَٰفِرِينَ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الكفر والجحود والإنكار» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: ويُستثنى من هذا الأصل لفظٌ واحد شارَك الرسمَ ولم يشارك المعنى: ﴿كَافُورًا﴾ [76:5] اسمُ عَينٍ (مِزاج كأس الأبرار) لا اشتقاقٌ من ستر الحقّ.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: وفيما عدا هذين الموضعين يجيء الفعل نفسه معدًّى بالباء ﴿كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ﴾ في أربعة مواضع: الأنعام 1، والرعد 5، وإبراهيم 18، والملك 6.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة ٱلۡكَٰفِرِينَ: الآية: «وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ» (إبراهيم 7). - لو استُبدل «كَفَرۡتُمۡ» بـ«جَحَدتُم»: «ولَئن جَحَدتُم إنَّ عَذابي لَشَديد». فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
اجتماع هذه الجذور يصنع مدلول الآية من الحركة بين جذورها وصيغها وسياقها. فكل جذر يضيف حدًا، ثم تأتي الصيغ والترتيب والاستبدال لتبيّن أي حد هو أصل المعنى وأي حد يقيّده أو يوسعه.
◈ شبكة الاستبدال لكلّ قَولة
6 قَولات · مُختبَرة كاملةً⌄
لو وُضع بدلها ﴿يُطَهِّرَ﴾ لانحصر المعنى في إزالة الدنس الظاهر دون أن يُحكم الفعل في الباطن. لو وُضع «يَنتَقي» لصار الإلهيّ منتقيًا لمن صفا بالفعل دون أن يكون الفعل هو أداة النقاء. التفعيل في ﴿يُمَحِّصَ﴾ يجعل الفعل نفسه — أي البلاء — هو الذي يُنجز التنقية لا أن التنقية تسبقه.
لو وُضع «يُهلِكَ» لاحتمل إهلاك الشيء مع بقاء أثره أو بقاء اسمه. لو وُضع «يُدَمِّرَ» لاحتمل تدمير البناء الظاهر. المحق يذهب النفع والبركة من الداخل حتى لا يبقى ما يُنتفع به، وهذا أشمل في دلالة الإفضاء إلى انعدام الأثر، لا الذات فحسب.
لو جاء بدلها: يُمَحِّص الله المؤمنين — أي بالجمع المعرَّف بأل — لأشار إلى جماعة مستقرة الوصف لا تحتاج في ظاهر الأمر إلى تنقية داخلية، فالمؤمنون بهذا التعريف جماعة جاهزة. أما الصيغة الواردة «الَّذِينَ ءَامَنُواْ» فتُبقي التمحيص نافذًا على من دخل في الإيمان لكن فيه ما يحتمل الغربلة.
لو جاء «الَّذِينَ كَفَرُواْ» — تعريف بالفعل — احتمل الآية أن الكفر وقع ثم قد ينقطع. أما ﴿ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ بأل فيجعل الصفة ملازمة، وهذا يناسب المحق الذي هو إذهاب ما لا رجعة فيه.
◈ عرض باقي اختبارات الاستبدال (1)⌄
لو جاء مكانه وصف جزئي كـ«القوي» أو «القادر» لانحصر التمحيص والمحق في جهة من جهات القدرة. اسم الجلالة ﴿ٱللَّهُ﴾ يُسبغ على الفعلين مرجعًا تامًا: الجهة الإلهية الواحدة التي تملك التمحيص والمحق معًا ولها الإرادة الكاملة في كليهما.
◈ كلّ قَولات الآية ودورها6 قَولات⌄
◈ لطائف وثمرات
⌄
- البلاء لا يكون عبثًا في هذا السياق
الآية تربط تداول الأيام بين الناس — بما فيه من خسارة وألم — بغاية مزدوجة: تنقية وإذهاب. ما بدا مصادفة أو عقوبة يُعاد تأطيره في الآية كوسيلة ذات مقصد.
- التمحيص للمؤمنين مقرون بالإيمان الفعلي لا بمجرد الانتماء
الجماعة التي يطالها التمحيص هي «الَّذِينَ ءَامَنُواْ» — من دخل في الإيمان بوصفه فعلًا واعتمادًا. هذا يجعل استحقاق التمحيص مرتبطًا بالإيمان الحقيقي لا بمجرد الاسم.
- التقابل بين الجماعتين بنيويٌّ ودلاليٌّ في آنٍ
التمحيص للذين آمنوا (موصول يُعيِّن بالفعل) والمحق للكافرين (أل تُلصق الوصف). هذا التقابل في بنية التعريف يُبيِّن أن الآية لا تتحدث عن مجموعتين عشوائيتين بل عن مسارين مختلفين في درجة الثبات على الوصف.
- تقابل الصيغتين: تفعيل مقابل مجرد
﴿يُمَحِّصَ﴾ صيغة تفعيل للمؤمنين، ﴿يَمۡحَقَ﴾ صيغة مجردة للكافرين. التفعيل يحمل الإحكام والتكثير — كأن تنقية المؤمنين تستدعي عناية وإحكامًا، بينما محق الكافرين يقع بفعل مباشر بلا مراحل.
- مرسوم الفاعل الوسط يوحّد الغايتين
لو حُذف ﴿ٱللَّهُ﴾ من الآية لصحّت نحوًا بضمير مستتر، لكن الذكر الصريح بين الفعلين يجعل التمحيص والمحق مرتبطين بإرادة واحدة مذكورة — الجملة ليست عطف فعلين مستقلين بل غاية واحدة تحمل وجهين.
- تكرار «الَّذِينَ ءَامَنُواْ» في الآيتين 140 و141
في الآية 140: ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، وفي 141: ﴿وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. الصيغة ذاتها تتكرر في موضعين متتاليين مع اللام وفاعل مشترك — وهذا يجعل المعرفة الإلهية والتمحيص غايتين متوازيتين لتداول الأيام في هذا السياق الموضعي.
◈ روابط موسوعيّة من الآية
⌄
◈ قرائن بناء المدلول
⌄
- اللام تحوّل الفعلين إلى غاية لا تقرير
﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ تحمل لام الغاية. هذا يعني أن تداول الأيام بين الناس في الآية السابقة — المسّ والقرح والشهادة — لم يكن مصادفة أو عقابًا مجردًا، بل وسيلة لغاية مقصودة: التمحيص والمحق. الغاية تجعل الشدة ذات معنى عميق لا مجرد فعل تاريخي.
- تقابل بنية التعريف: موصول مقابل أل الجنسية
«الَّذِينَ ءَامَنُواْ» جماعة تُعرَّف بفعلها الماضي — بابها مفتوح للتنقية لأن الوصف جاء من داخل الفعل لا من اسم جامد. ﴿ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ جماعة بأل التعريف التي تُلصق الصفة بهم إلصاقًا — وإذ كان الكفر ستر الحق وتغطيته صفة لازمة، فالمحق هو المآل.
- موضع الفاعل بين الفعلين يوحّد الإرادة
﴿وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ﴾ — الفاعل ﴿ٱللَّهُ﴾ مذكور مرة واحدة بين فعلين، وهذا الموضع يجعله فاعلًا لكليهما بإرادة واحدة: التمحيص والمحق ليسا فعلين مختلفي المصدر بل وجهان لإرادة إلهية متماسكة.
- التمحيص والمحق: متعاكسان في الأثر متحدان في الغاية
التمحيص يُبقي الجوهر بعد إزالة الشوائب، والمحق يُذهب الشيء من داخله. لكنهما هنا متصلان بواو العطف في جملة غاية واحدة. هذا يعني أن البلاء الواحد — تداول الأيام — يؤدي إلى نتيجتين في آنٍ: نقاء للمؤمنين وذهاب نفع الكافرين.
◈ الرسم والهيئة
المحسوم وغير المحسوم⌄
- رسم ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ بصيغة التفعيل
الكلمة مرسومة بصيغة التفعيل ﴿يُمَحِّصَ﴾ (بالتشديد على الحاء). هذه الصيغة تختلف عن مجرد «يَمۡحَصَ» لو وُجد — التفعيل يُفيد إحكام الفعل وتكثيره. وهذا التمييز بين ﴿يُمَحِّصَ﴾ للمؤمنين و﴿يَمۡحَقَ﴾ للكافرين بصيغة مجردة ملاحظة رسمية محسومة: الأولى تفعيل والثانية مجردة. الدلالة على التكثير والإحكام في التمحيص مقابل بساطة فعل المحق — ملاحظة بنيوية مسنودة بالرسم.
- رسم ﴿ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ بالألف القائمة
رسمت الكلمة ﴿ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ بألف قائمة فوق الكاف — وهذا الرسم التوقيفي الحفصي يُميِّز الصيغة. هذا أمر رسمي موثَّق في الخط العثماني لا حكم دلالي جديد منه، وهو ملاحظة رسمية لا تُضيف إلى الدلالة فوق ما تُقرّه بنية الكلمة.
◈ إحصاءات الآية واستنباطات عابرة للصفحات
⌄
◈ مخططات سريعة
⌄
توزيع جذور الآية
حقول الآية
أكثر جذور السياق حضورًا
لا توجد نافذة سياق كافية.
◈ الجذور في الآية
بيان مختصَر داخل الصفحة⌄
محص يدل على تنقية الباطن بإزالة ما يشوبه حتى يخلص ويصفو.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: في الموضعَين يرتبط التمحيص بالمؤمنين والقلوب والابتلاء. فالجذر لا يصف مجرّد تغيير، بل تغييرًا يزيل الشوب ويكشف الخالص من غيره — تنقيةٌ تُجريها يدُ الله على باطن جماعة الإيمان فتُظهر صادقها.
فروق قريبة: الجذر محص يَنتمي لحَقل «الإيمان والتصديق»، ويَتَمَيَّز عن جُذور الحَقل الأُخرى بزاويَته المَخصوصَة: - محص ≠ ءمن — ءمن يصف حالَ التصديق القائم في الذات، أمّا محص فهو فعل التنقية الذي يُجرى على هذا الإيمان ليكشف صادقه من مدخوله. - محص ≠ سلم — سلم خلوصٌ ابتداءً وانقيادٌ سالم، أمّا محص فخلوصٌ يَحصل بعد إزالة شوبٍ كان قائمًا، فهو نتيجة عملٍ لا حالٌ سابقة. - محص ≠ خبت — خبت سكونُ القلب وطمأنينته وانخفاضه لله، أمّا محص فحركة تمييزٍ تَفصل الخالص عن المشوب لا وصفُ سكون. - محص ≠ رسخ — رسخ ثباتُ العلم والإيمان واستقرارُه، أمّا محص فعمليّة تصفيةٍ تَسبق الثبات وتكشف من يَثبت ممّن لا يَثبت. الفَرق الجَوهري لـمحص ضِمن الحَقل: هو وحده فعل التنقية الكاشف الذي يزيل الشوب عن باطن المؤمن حتى يخلص ويصفو.
اختبار الاستبدال: - الجذر الأقرب: طهر - مواضع التشابه: كلاهما يتّصل بإزالة ما لا يليق وبلوغ حال الصفاء. - مواضع الافتراق: طهر أعمّ في النظافة والبراءة من الدنس الحسّيّ والمعنويّ، أمّا محص فيختصّ بتصفية الباطن عبر الابتلاء والكشف. - لماذا لا يجوز التسوية بينهما: لأنّ الموضعَين يربطان محص بالابتلاء والتمييز الداخليّ (وَلِيَبۡتَلِيَ ... وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡ)، لا بمجرّد الطهارة المطلقة.
فتح صفحة الجذر الكاملة«ءله» يدلّ على جهة الألوهيّة التي يُقصَد إليها بالعبادة والدعاء والقَسَم، وحقُّها في القرآن مقصورٌ على «الله» وحده لأنّه الخالق المالك الحيّ القيّوم؛ وما عداه من «آلهة» يُذكَر لإبطال دعواه بنفي الخلق والملك والنفع عنه. والجذر لا يَنفَكُّ في القرآن عن صيغة الحصر ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا﴾ في 31 آية فريدة — فالتوحيد بنيتُه نفي الجنس كلِّه ثُمّ استثناء العَلَم وحده، لا تكرار العَلَم.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: زاوية الجذر استحقاقُ التألُّه: لا يصف عبادةً ولا ربوبيّةً ولا مُلكًا مجرّدًا، بل يُعيّن الجهة المقصودة بالعبادة ثمّ يحسم أنّ حقّها لله وحده. «الله» اسم عَلَم لا يُجمَع ولا يُثنّى (2686 موضعًا)، و«إله» اسم جنس يَقبل النفي والإثبات والتثنية (106 مواضع)، و«آلهة» جمع لا يَأتي إلّا لإبطال دعواه (36 موضعًا). كلّما ذُكِر «الله» ثبت كمالُ الألوهيّة، وكلّما ذُكرت «الآلهة» ظهر عجزُها.
فروق قريبة: الجذر وجه القرب الفرق عن «ءله» --------- ربب السيادة على المربوب «ربّ» يُبرز التدبير والتربية والمِلك ويُضاف لكلّ شيء (ربّ العالمين، ربّ المشرق)؛ و«إله» يُبرز جهة العبادة المقصودة ولا يَثبُت حقًّا إلّا لواحد. عبد العبادة «عبد» فعلُ المتعبِّد وحالُه، و«ءله» الجهةُ المعبودة نفسها؛ هذا فاعلُ التوجّه وذاك مقصودُه. ملك السلطان والحكم «ملك» يصف السلطان، و«ءله» يجعل السلطان أساسًا لاستحقاق العبادة لا غايةً في ذاته. طغو جهةٌ تُعبَد من دون الله «الطاغوت» جهةٌ مخصوصةٌ تُعبَد بالباطل من جهة تجاوزها الحدّ، و«ءله» الاسمُ الجامع للجهة المعبودة، يُختبَر بها حقُّها أو بطلانها. هوي جهةٌ تُعَيَّن للتألُّه باطلًا «الهوى» جهةٌ ذاتيّة فاسدة يَتّخذها المرءُ إلهًا (الفرقان 43، الجاثية 23)، و«ءله» الاسمُ الجامع لجهة التألُّه؛ الأوّل دافِع داخليّ، والثاني الموضع الذي يَنحرف إليه. شرك فعل اتّخاذ الآلهة «شرك» يُسَمّي الفعل الذي يُولِّد «الآلهة» (مع الله، من
اختبار الاستبدال: في ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ﴾ (البقرة 163) لو وُضِع «ربّ» مكان «إله» — «وربُّكم ربٌّ واحد» — لانتقل الكلام من حصر جهة العبادة إلى تقرير وحدة المُدبِّر؛ و«الربّ» يُضاف في القرآن لكلّ شيء (ربّ العرش، ربّ المشرقين)، فلا يُفيد وحده قصرَ التوجّه والعبادة على واحد. وفي ﴿أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ﴾ (النمل 60) لا يقوم «عبد» مقام «إله»؛ لأنّ المنفيّ مشاركةُ جهةٍ في استحقاق العبادة، لا وجودُ متعبِّد. فـ«إله» وحده يحمل معنى الجهة المقصودة بالتألُّه.
فتح صفحة الجذر الكاملةذو يدلّ على تعيين ذاتٍ أو جماعةٍ بلاحقٍ يكشفها: صلةٍ بعد اسم موصول (الذي والذين والتي)، أو إضافةٍ وصفيّة بعد ذو وذات، أو إشارةٍ في اسم الإشارة ذا، أو لقبٍ في النداء يا ذا؛ فيشمل كلّ ما يدور في هذا الباب من تعريف المرجع بما يتّصل به.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: زاوية الجذر هي التعريف باللاحق: صلة بعد اسم موصول، أو وصف بعد ذو وذات، أو إشارة في ذا. ولهذا يختلف عن ما التي تفتح مرجعًا غير مسمّى، وعن من التي تشير إلى العاقل أو المصدر بحسب السياق.
فروق قريبة: الجذر وجه القرب الفرق عن ذو --------- ما الإحالة المحتاجة إلى بيان ما تفتح مضمونًا أو شيئًا غير مسمّى، وذو يعيّن ذاتًا أو جماعة بصلتها. من الإحالة من تميل إلى العاقل أو الابتداء في باب آخر، وذو يبرز ذاتًا معرفة بوصف أو صلة. بعض التعيين الجزئي بعض يقتطع جزءًا من كلّ، وذو يعرّف مرجعًا بصفة أو صلة. كلل الشمول كلل يستغرق، وذو يحدّد ذاتًا مخصوصة بلاحقها.
اختبار الاستبدال: في الفاتحة 7 لا تقوم ما مقام الذين؛ لأنّ الموضع يتحدّث عن جماعة معرفة بصلة الإنعام لا عن مضمون مبهم. وفي الرحمن 27 لا يقوم الذي مقام ذو؛ لأنّ ذو الجلال صيغة إضافة وصفيّة لا صلة فعليّة.
فتح صفحة الجذر الكاملة«ءمن» دخولٌ في سكونٍ موثوقٍ يرفع الخوفَ والارتيابَ ويُثبِّت الاعتماد؛ يتفرّع في مسارَين متمايزَين: أمنٌ من الخوف الحسّيّ — ومنه الأمانةُ التي يثبت عندها الاعتماد، والأمينُ الموثوق — وإيمانٌ بالغيب والرسالات يُسكِن من الارتياب فيُثمر العمل. والجامع بينهما اطمئنانٌ موثوقٌ يُسكِن النفس، لا يفشل هذا التعريف في موضعٍ من مواضع الجذر.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: المعنى الجامع هو الثقة الساكنة: المؤمن يركن إلى ما آمن به، والآمن يسكن من الخوف، والأمانة توضع حيث يثبت الاعتماد، والأمين من يُؤمَن جانبه في البلاغ أو الحفظ.
فروق قريبة: يفترق «ءمن» عن «صدق» بأنّ الصدق مطابقةُ الخبر للواقع، أمّا الإيمان فاعتمادٌ وتسليمٌ يتجاوز مجرّد المطابقة. ويفترق عن «سلم» بأنّ السلم براءةٌ من حربٍ أو عطب، أمّا الأمن فسكونٌ من الخوف بعد وجود مقتضيه. ويفترق عن «حفظ» بأنّ الحفظ فعلُ الصيانة، أمّا الأمانة فهي محلُّ الثقة فيما يُصان لا فعلُ صيانته. يفرّق القرآن في تعدية فعل «آمن» بين حرفين، فيختلف المعنى باختلاف الجارّ اختلافًا مطّردًا لا يَشِذّ عنه موضع. فإذا عُدّي بالباء كان إيمانًا بالمؤمَن به ذاتًا ومضمونًا: ﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الأعراف 158)، ﴿يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ (البقرة 3)؛ والمجرور بالباء في كلّ مواضعه شيءٌ يُعتقَد ويُركَن إليه: الله، واليوم الآخر، والآيات، والكتاب، والغيب. وإذا عُدّي باللام كان انقيادًا وتصديقًا للمُخبِر بخبره: ﴿ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡ﴾ (طه 71)، ﴿أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ﴾ (آل عمران 183)، ﴿وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ (الإسراء 93)؛ والمجرور باللام في كلّ مواضعه قائلٌ يُذعَ
اختبار الاستبدال: لو أُبدِل «الإيمان» بـ«التصديق» في كلّ موضع لفات معنى الركون والاعتماد والعملِ بمقتضى ما آمن به — والقرآن يفرّق بينهما إذ جعل الإيمان فعلًا قلبيًّا، ﴿وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ﴾ (الحجرات 14). ولو أُبدِل «الأمن» بـ«السلم» في ﴿وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ﴾ (قريش 4) لضاع رفعُ الخوف المخصوص، إذ السلمُ ضدُّ الحرب لا ضدُّ الخوف.
فتح صفحة الجذر الكاملةمحق يدل على الإذهاب الكامل للشيء حتى لا يبقى منه نفع ولا أثر ولا بركة؛ وهو في القرآن نقيض الإرباء (النمو) ونقيض التمحيص (الإبقاء على الجوهر). محق الربا: إفقاده بركته ونفعه. محق الكافرين: إزالتهم الكاملة.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: المحق في القرآن إزالة لا يعقبها شيء — ما يُمحَق لا يُنمى ولا يُنقَّى، بل يُذهَب من حيث الأثر والنفع. والتقابل الصريح بين يمحق ويُربي في آية واحدة يُحدد المفهوم بدقة: المحق نقيض النمو.
فروق قريبة: - أتلف: الإتلاف تخريب. المحق إذهاب النفع والأثر حتى لا يبقى شيء نافع. - محو: المحو إزالة ما كان مكتوباً أو موجوداً. المحق إذهاب النفع والبركة حتى لا ينتفع منه أحد. - زهق: الزهوق ذهاب كامل حتمي. المحق أشبه بإذهاب تدريجي يستأصل النفع حتى النهاية. - فنى: الفناء انعدام الوجود. المحق انعدام النفع والبركة وإن بقيت الصورة.
اختبار الاستبدال: - يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ ≠ يُهلك الله الربا: الإهلاك يطال الشيء ذاته، والمحق يُذهب نفعه وبركته. - وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ مقابل وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّذِينَ ءَامَنُواْ: التمحيص يُبقي الجوهر، المحق يُزيل الكل.
فتح صفحة الجذر الكاملةكفر: سَترُ الشَّيء وتَغطيَتُه — يَكون سَتر الحَقّ بالإنكار وسَتر النِّعمَة بالجُحود (وهذا الكُفر العَقَديّ والشُّكريّ، والمَسار الأَكبَر في القرآن)، أَو سَتر السَّيِّئَة بالحَسَنَة (التَّكفير)، أَو التَّبَرُّؤ بسَتر العَلاقة، أَو سَتر البَذر بالتُّراب (الكُفَّار الزُّرَّاع) — أَصل واحد للجذر يَنتَظِم تَحته كل المَسالك. ويُستثنى من هذا الأصل لفظٌ واحد شارَك الرسمَ ولم يشارك المعنى: ﴿كَافُورًا﴾ [76:5] اسمُ عَينٍ (مِزاج كأس الأبرار) لا اشتقاقٌ من ستر الحقّ.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: الكُفرُ غِطاءٌ على الحَقّ: يَستُره العَبدُ بالجُحودِ كما يَستُر الزَّارعُ البَذرَ بِالتُّراب — ولِذلك سُمِّيَ الزَّارِعُ كافِرًا، وسُمِّيَ المُنكِرُ كافِرًا، وسُمِّيَ ما يَمحو السَّيِّئَة تَكفيرًا.
فروق قريبة: الجذر الفارق الجوهري ------ كفر سَتر الشَّيء وتَغطيَتُه، أَصل لُغَوي يَجمَع المَعاني الشَّرعيَّة جحد الإنكار مَع المَعرفَة، أَخصّ من الكُفر، يَفترض العِلم بالحَقّ شرك جَعل شَريك مَع الله، أَخصّ من الكُفر، يُلحَق به في حَقل العَقيدَة نفق إظهار خِلاف الباطن، يَلتَقي مَع الكُفر في الباطِن لكن يُظهر الإيمان فسق الخُروج عن الطَّاعَة، أَعَمّ من الكُفر، يَشمَل الكافِر والعاصي ضلل الخَطأ عن الحَقّ، يَخدم سياق الجَهل والانحِراف نكر الإنكار باللِّسان، أَخفّ من الكُفر، لا يَستلزم سَترًا قَلبيًّا يتّصل فعلُ ﴿كَفَرُواْ﴾ بمفعوله ﴿رَبَّهُمۡ﴾ نصبًا بلا حرف جرّ في موضعين اثنين لا ثالث لهما، كلاهما في سورة هود وفي ختام قصّتين متجاورتين: ﴿أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ﴾ (هود 60) و﴿أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ﴾ (هود 68). وفيما عدا هذين الموضعين يجيء الفعل نفسه معدًّى بالباء ﴿كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ﴾ في أرب
اختبار الاستبدال: الآية: «وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ» (إبراهيم 7). - لو استُبدل «كَفَرۡتُمۡ» بـ«جَحَدتُم»: «ولَئن جَحَدتُم إنَّ عَذابي لَشَديد». لاحتَمَل المَعنى لكنَّه يَنقل الإنكار إلى ضِدّ مَعروف بِخَصوصه (الجَحد إنكار مَع العِلم)، فَيُحَدِّد دائرة الأَثَر، وضاعَ شُمول الكُفر للجَهل والإنكار العَقَديّ. - لو استُبدل بـ«أَنكَرتُم»: «ولَئن أَنكَرتُم...». لاكتَفى المَعنى بالإنكار اللَّفظي، وضاعَ السَّتر القَلبي. - لو استُبدل بـ«لَم تَشكُروا»: «ولَئن لم تَشكُروا...». لانقَلَب التَّركيب من إثبات إلى نَفي، وضاعَ تَوكيد الفِعل السَّلبيّ. والكُفر فِعل وُجوديّ يَستُر، لا مُجَرَّد عَدَم شُكر. «كَفَر» وَحدَه يَجمَع: السَّتر + الإنكار + جُحود النِّعمَة + الفِعل الوُجوديّ السَّلبيّ. هذه الأَربَعة لا يَجمَعها بَديل واحد.
فتح صفحة الجذر الكاملة◈ القَولات (تفكيك ميكانيكيّ)
⌄
| الترتيب | القَولة ↗ | الصيغة | الجذر |
|---|---|---|---|
| 1 | وَلِيُمَحِّصَ | وليمحص | محص |
| 2 | ٱللَّهُ | الله | ءله |
| 3 | ٱلَّذِينَ | الذين | ذو |
| 4 | ءَامَنُواْ | آمنوا | ءمن |
| 5 | وَيَمۡحَقَ | ويمحق | محق |
| 6 | ٱلۡكَٰفِرِينَ | الكافرين | كفر |
◈ السياق القريب (٥ قبل · ٥ بعد)
⌄
الآية 140 ذكرت ثلاثة أمور في موضع واحد: تداول الأيام بين الناس، ومعرفة الله للذين آمنوا، واتخاذ الشهداء. ثم جاءت الآية 141 بـ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ لتُبيِّن أن هذا التداول له غاية مزدوجة: التنقية للمؤمنين والإذهاب للكافرين. الآية 142 تُكمل المقصود إذ تُنبئ بأن دخول الجنة مشروط بالعلم الإلهي بمن جاهد وصبر — وهذا العلم لا يظهر بغير بلاء يكشفه. السياق من 138 إلى 146 بنية متماسكة: بيان وهدى (138)، نهي عن الوهن (139)، تداول الأيام (140)، التمحيص والمحق (141)، شرط الجنة (142)، تمني الموت قبل لقائه (143) — الآية 141 مفصل البناء.
-
أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ
-
قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ
-
هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ
-
وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ
-
إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ
-
وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ
-
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ
-
وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ
-
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ
-
وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ
-
وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ