الفُروق الدَقيقَة بَين جذور أَسماء مَوصولَة وَمُبهَمَة في القُرءان الكَريم
حَقل «الأَسماء المَوصولَة والمُبهَمَة» يَجمَع سَبعَة جذور تَدور حَول وَظيفَة الإحالَة دون التَعيين الكامِل لِالمُحال إلَيه: تَفتَح خانَة دلاليَّة يُكمِلها السياق أَو الإِضافَة أَو الصِلَة.
القُطب الأَوَّل (الإبهام المَفتوح) يَنتَظِم في ثَلاثَة جذور تَختَلِف في حُدود الإحالَة: «ما» الأَوسَع (تُحيل إلى شَيء وحَدَث وصِفَة وزَمَن، تَستَوعِب العاقِل وغَيره)، و«شيء» المُتَعَيِّن المَوجود القابِل لِالإحالَة (أَعَمّ الأَسماء وُجودًا — يَجوز إطلاقه على الله نَفسه في الأَنعام 6:19)، و«ذو» الذي لا يَستَقِلّ بَل يَتَّصِل بِما بَعدَه إِضافَةً تُعَرِّفه (ذو القَرنَين، ذو الجَلال).
والقُطب الثاني (الإبهام الكَمّيّ) يَتَوَزَّع على ثَلاثَة جذور تَفتَح خانَة العَدَد: «كلل» الإِحاطَة الشامِلَة المُستَغرِقَة لا يَفلِت مِنها شَيء، و«بعض» الجُزء غَير المُستَغرِق من كُلٍّ مَذكور أَو مُقَدَّر، و«كم» أَداة تَفتَح خانَة العَدَد لِلسُؤال أَو التَكثير الخَبَريّ.
أَمّا «مثل» فَيُغايِر الجَميع: لا يُبهِم المَوصوف بَل يَستَدعي نَظيرًا يُحال إِلَيه صورَةً كاشِفَةً أَو مُعادِلًا مُساويًا.
تَتَقاطَع هذه الجذور السَبعَة في القُرءان تَقاطُعًا غَنيًّا — 848 آيَة يَجتَمِع فيها جَذران أَو أَكثَر — لِأَنَّها كُلَّها أَدَوات إحالَة لا أَجسام دلاليَّة مُستَقِلَّة.
القَولَة الجامِعَة: «اللُغَة لا تُحيل إلى المَعنى مُباشَرَةً بَل تَفتَح خانَة يُغلِقها السياق، وكُلّ جَذر من هذه السَبعَة يَفتَح الخانَة بِحُدود مُختَلِفَة».
والاقتِرانات السِتَّة الآتيَة تَكشِف كَيف يَتَوَزَّع الإبهام بَين الكَمّ والتَعيين والنَظير في آيَة واحِدَة.
الجذور الدَلاليَّة في الحَقل
اضغط أيّ جَذر لِعَرض تَحليله الكامِل: الجَوهَر · المُمَيِّز · مَدى الاستِخدام · شَواهِد جَوهَريَّة · اختبار الاستِبدال.
فَتح مَحَلّ دلاليّ غَير مُسَمّى يَغلِقه السياق
الجَوهَر
«ما» أَداة إبهام وفَتح: تَفتَح مَوضِعًا في الكَلام لا تُسَمّيه من ذاتها، ثُمَّ يُحَدِّده ما بَعدَه أَو ما يُصاحِبه. تَجتَمِع تَحت أَصل واحِد سِتّ وَظائف تَركيبيَّة: النافِيَة، الموصولَة، الاستِفهاميَّة، المَصدَريَّة، الشَرطيَّة، التَعَجُّبيَّة.
المُمَيِّز
تُفارِق «ذو» الذي يُعَرِّف ذاتًا بِصِلَتها، وتُفارِق «مَن» المُختَصَّة بِالعاقِل، وتُفارِق «الذي» الذي يُعَيِّن مَرجِعًا موصولًا مُعَرَّفًا. «ما» أَوسَع أَدَوات الإبهام: تَشمَل غَير العاقِل والمَضمون والنَفي والاستِفهام، وتَترُك المَرجِع أَفتَح وأَقَلّ تَسميَة.
مَدى الاستِخدام
تَنتَظِم في 2499 مَوضِعًا داخِل 1807 آيَة عَبر 56 صيغَة رَسم. أَكثَر الصيغ: ما (1000)، وما (625)، بما (293)، مما (111)، إنما (108). تَقتَرِن نَصّيًّا أَكثَر ما تَقتَرِن بِجَذر «قول» (540 آيَة) ثُمَّ «علم» (356) ثُمَّ «ربب» (294).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾
﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾
﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ﴾
اختبار الاستِبدال
لا تُستَبدَل «ما» بِـ«الذي» في الاستِفهام والنَفي والشَرط والتَعَجُّب. ولا تُستَبدَل بِـ«مَن» في غَير العاقِل والمَضمون: ﴿لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ لا تَقبَل «مَن» لِأَنَّها لِغَير العاقِل. ولا تُستَبدَل بِـ«ذو» الذي يَلزَمه إضافَة لِصِفَة أَو صِلَة تُعَرِّف ذاتًا.
تعيين الذات بصلة أو وصف أو إشارة بعدها
الجَوهَر
الجذر يجمع أربعة مسالك إحاليّة تشترك في أنّ الذات لا تُسمّى مجرّدةً بل تُعرَّف بما يلحقها: الموصول (الذي، الذين، التي) بصلة فعليّة، وذو وذات بإضافة وصفيّة، واسم الإشارة ذا، والنداء يا ذا باللقب. في كلّ حال لا تستقلّ الذات بنفسها بل تُعرَّف بلاحقها.
المُمَيِّز
ذو يعيّن ذاتًا أو جماعة معرفة بصلة أو وصف لاحق، بخلاف ما التي تفتح مضمونًا غير مسمّى، وشيء الذي يُحال على موجود مبهم بلا تخصيص، وكلل التي تستغرق الجميع، ومثل الذي يقيم مماثلة، وبعض الذي يقتطع جزءًا، وكم التي تُبهم العدد. ذو وحده يُعرِّف بلاحقٍ يكشف الذات.
مَدى الاستِخدام
1584 موضعًا في 1331 آية، بأربعة مسالك: موصوليّ (الذين 810، الذي 267، التي 57، وهو الجمهرة الساحقة)، وإضافيّ بذو وذات (ذو 25، ذي 19، ذات 17)، وإشاريّ بذا (16)، ونداء يا ذا (موضعان في يا ذا القرنين). وتدخل تعبيرات اصطلاحيّة مثل ذات بينكم وبذات الصدور.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾
﴿وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾
﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا﴾
اختبار الاستِبدال
في «ذو الفضل العظيم» لا تصحّ مكان ذو لا ما ولا شيء ولا كلل ولا بعض؛ لأنّ ذو تُلصق وصفًا بذاتٍ معرفة، بينما ما تفتح مضمونًا غير مسمّى، وشيء يُبهم الموجود، وكلل تستغرق، وبعض تقتطع. وكذلك في «الذي خلقكم» لا تنوب عنها ما لأنّ الصلة هنا تخصّ ذاتًا عاقلة لا مضمونًا.
المُتَعَيِّن المَوجود القابِل لِلإحالَة — أَعَمّ الأَسماء وُجودًا
الجَوهَر
«شيء» اسم لِكُلّ مُتَعَيِّن يَصلُح أن يُذكَر ويُحال عَلَيه ويَجري عَلَيه الحُكم. هو أَعَمّ الأَسماء المُبهَمَة وُجودًا: يَستَوعِب كُلّ مَوجود مَعلوم، ومَعَه «شيئًا» نَكِرَة تَنفي أيّ مُتَعَيِّن مَهما قَلّ. خُصوصيَّتُه أنَّه يُثبِت الشَيئيَّة (وَصف كَونِه شَيئًا) لا مُجَرَّد الإحالَة عَلَيه.
المُمَيِّز
يَفتَرِق عَن «ما» بِأنَّ «ما» إحالَة مَفتوحَة في التَركيب بِلا تَعيين بِاسم، أمّا «شيء» فيَجعَل المُحال عَلَيه مُعَيَّنًا بِوَصف الشَيئيَّة. ويَفتَرِق عَن «ذو» لِأنَّ «ذو» إضافَة وَصفيَّة (صاحِب كَذا)، و«شيء» اسم المُتَعَيِّن نَفسِه. ويَفتَرِق عَن «كلّ» لِأنَّ «كلّ» شُمول جَماعيّ، و«شيء» مُفرَد مُتَعَيِّن (وَيَجتَمِعان في «كُلّ شَيء»). ويَفتَرِق عَن «بَعض» لِأنَّ «بَعض» حِصَّة من جِنس، و«شيء» مُتَعَيِّن قائِم بِنَفسِه. ويَفتَرِق عَن «مِثل» لِأنَّ «مِثل» نِسبَة مُشابَهَة، و«شيء» مَحَلّ مُستَقِلّ. ويَفتَرِق عَن «كَم» لِأنَّ «كَم» سُؤال عَن عَدَد، و«شيء» يُثبِت المَعدود الواحِد.
مَدى الاستِخدام
519 مَوضِعًا في 449 آيَة، بِأَربَعَة مَسالك: (1) «كُلّ شَيء» العامّ المُستَوعَب تَحت صِفَة إلَهيَّة جامِعَة (قَدير/عَليم/مُحيط/شَهيد) — وهو المَسلَك الأَكبَر. (2) «شَيئًا» النَكِرَة المَنفيَّة في سياق سُقوط الإغناء والجَزاء والضَرّ والعَقل — الشَيء عِند انفِصالِه عَن الله يُساوي العَدَم. (3) شَيء الجُزء أو الحَقّ أو الأَمر (حِصَّة مُعَيَّنَة من شَأن). (4) فَرع المَشيئة المُتَّصِل (يَشاء، شاء) يَربِط المُتَعَيِّن بِإرادَة وُقوعِه. أَكثَر الكَلِمات اقتِرانًا بِالجَذر في نافِذَة كَلِمَتَين: «كلّ» (92)، «مَن» (90)، «على» (76)، «الله» (51).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾
﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾
اختبار الاستِبدال
في ﴿عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ لَو وُضِع «ما» مَكان «شَيء» لاَنفَتَحَت الإحالَة بِلا تَعيين وسَقَطَت دَلالَة استيعاب المُتَعَيِّنات بِاسم الشَيئيَّة. وفي ﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ﴾ لَو وُضِع «بَعض» مَكان «شَيء» لاَقتَضى حِصَّة من جِنس الأَمر، أمّا «شَيء» فيَنفي أيّ مُتَعَيِّن من الأَمر مَهما قَلّ. ولَو وُضِع «ذو» لاَحتاج إلى مُضاف يَصِفُه (ذو كَذا)، و«شَيء» يَستَقِلّ بِنَفسِه اسمًا لِلمُتَعَيِّن.
الإحاطة الشاملة المستغرِقة التي تطوّق متعلَّقها فلا يفلت منه شيء
الجَوهَر
يدور «كلل» في القرآن على إحاطة جامعة لا على مجرّد كثرة عددية. ومنه «كل» للعموم، و«كلما» للتكرار المستغرق، و«كلتا/كلاهما» للاثنين معًا، و«الكلالة» للقرابة المحيطة الطرفية، و«كَلٌّ» للثقل الذي يحيط بحامله فيُعجزه. فالأصل الجامع: شمولٌ يطوّق متعلَّقه فلا يبقى منه جزء خارج الاعتبار.
المُمَيِّز
يفترق «كلل» عن «بعض» بأنّه طوقٌ شامل لا يترك خارجًا، بينما «بعض» جزءٌ مستلٌّ يترك ما عداه. ويفترق عن «ما» الموصولة بأنّه أداة استغراق لأفراد الباب لا اسم إشارة لمعنى موصول. ويفترق عن «ذو» بأنّه لا يثبت ملكية أو اتّصافًا بل يستوعب جميع الأفراد. ويفترق عن «شيء» بأنّه طوقٌ على الباب لا اسم لمفرد مبهم. ويفترق عن «مثل» بأنّه إحاطة لا تشبيه. ويفترق عن «كم» بأنّه استغراق محقَّق لا سؤال عن مقدار.
مَدى الاستِخدام
يرد الجذر في 379 موضعًا موزّعةً على 356 آية، في خمسة مسالك: العموم (كل/بكل/لكل) وهو الأغلب، والتكرار (كلما)، والتثنية الجامعة (كلتا/كلاهما)، والقرابة المحيطة (الكلالة)، والثقل العاجز (كَلٌّ). وكثيرًا ما يأتي في صيغة «بِكُلِّ شَيۡءٍ» و«عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ» مقترنًا باسم كمال إلهي (قدير/عليم/وكيل).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ يَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنَهُنَّ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا﴾
﴿وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾
﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾
اختبار الاستِبدال
لو وُضع «بعض» مكان «كل» في «إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا» (النساء 32) لانهارَت الإحاطة الإلهية وصار علمًا منقوصًا. ولو وُضع «كل» مكان «بعض» في «مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ» (النساء 32) لانهارَ مفهوم التفاضل، إذ لا يكون فضلٌ بين فريق على فريق إذا كان الكل على الكل. فالقرآن يستعمل «كل» حيث يطلب الإحاطة، و«بعض» حيث يطلب التجزئة، ولا يتبادلان الموضع.
النَظير الذي يُحيل إليه: صورةً كاشفة أو مُعادِلًا مُساويًا
الجَوهَر
يدور الجذر «مثل» على وضع شيء بإزاء شيء على جهة المماثلة، فيكون الثاني نظيرًا للأوّل: إمّا صورةً تكشف المعنى وتقيسه، وإمّا مُعادِلًا يساويه قدرًا أو حُكمًا. يجمع المثل المضروب الذي يبني صورة دالّة، والمماثلة المباشرة بين طرفين، والتمثال القائم المحسوس، والمفاضلة في «الأمثل»، والمِثل المُعادِل في الميراث والجزاء والقصاص. فحدّه الجامع أنّه يجعل الشيء معروفًا بنظيره: مرئيًّا بالصورة، أو مُقدَّرًا بالمُعادِل.
المُمَيِّز
في حقل «الأسماء الموصولة والمبهمة» يَفترِق «مثل» عن «ما» و«ذو» بأنّه لا يُحيل بالإبهام ولا بالإضافة، بل يُحيل بإقامة نظير قائم بإزاء الأصل؛ ويَفترِق عن «شيء» بأنّه لا يُشير إلى مَوجود مُبهَم، بل يَصنع علاقة قياس أو تَقدير بين طرفين؛ ويَفترِق عن «بعض» و«كلل» بأنّه ليس جزءًا ولا استيعابًا، بل مُعادِلًا مُساويًا أو صورةً مُقابِلَة؛ ويَفترِق عن «كم» بأنّه ليس استفهامًا ولا تكثيرًا عَدَديًّا، بل تَقدير بنظير. فحدّ التمييز: «مثل» وحده في الحقل يُثبِّت جِهَة النَظير، لا الإبهام ولا الجُزء ولا التَكثير.
مَدى الاستِخدام
ينتظم الجذر في 169 موضعًا داخل 148 آية فريدة بـ34 صيغة معياريّة و76 صيغة رسم، موزّعة على ستّة مسالك: المثل المضروب الإلهيّ للهداية والتحذير، والمماثلة بين الأقوام والأشخاص، واحتجاج المعارضين بـ«بشر مثلكم»، والمِثل المُعادِل في الميراث والجزاء والقصاص، والمُعادَلة العدديّة، والتمثال المحسوس مع المفاضلة في «الأمثل» و«المُثلى» و«المَثُلات» و«المثل الأعلى». ويرد فيه نفي المماثلة عن الله ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞ﴾.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ أَزۡوَٰجٗا يَذۡرَؤُكُمۡ فِيهِۚ لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾
﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾
﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾
اختبار الاستِبدال
في ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞ﴾ لا يصحّ استبدال «مثل» بـ«شبه» أو «وصف» أو «شكل»: فالنفي ليس عن مشابهة الملامح ولا عن وصف ولا عن قرابة هيئة، بل عن جهة النظير الجامع للصورة والمُعادِل. وفي ﴿فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ﴾ لا يصحّ إبدالها بـ«شبه» لأنّ المطلوب مُعادِل مُحكم في القدر لا مشابهة، ولا بـ«وصف» لأنّ المطلوب تقدير لا إخبار. وفي ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ لا يصحّ إبدالها بـ«الأوصاف» لأنّ المثل يبني صورة مقابلة تُقاس، والوصف يقف عند الإخبار المجرّد.
جزء غير مستغرق من كل مذكور أو مقدر
الجَوهَر
«بعض» جزء غير مستغرق من كل مذكور أو مقدر، يبرز علاقة الجزء بغيره تبعيضا أو تبادلا أو تفاضلا. زاويته الخاصة نفي الاستغراق: المذكور ليس الكل بل طرف أو جزء ضمن مجموع. ويبقى موضع «بعوضة» وحده اسما مفردا في العد الصرفي لا يحمل هذا التبعيض.
المُمَيِّز
يفترق عن «كلل» بأن «كلل» يفيد الاستغراق والإحاطة، أما «بعض» فيثبت عدم الاستغراق ويستل جزءا. ويفترق عن «شيء» لأن «شيء» اسم لكل موجود مفرد مبهم لا علاقة جزئية فيه، بينما «بعض» يقيم علاقة جزء بمجموع. ويفترق عن «مثل» لأن «مثل» يقيم نظيرا مساويا، بينما «بعض» يستل جزءا غير مساوٍ لمجموعه. ويفترق عن «كم» لأن «كم» استفهام أو خبر عن مقدار، بينما «بعض» علاقة لا تقدير كم فيها. ويفترق عن «ذو» لأن «ذو» إضافة وصفية للمالك بصفة، بينما «بعض» إضافة تبعيضية للجزء من كل. ويفترق عن «ما» لأن «ما» اسم مبهم عام يقبل التعيين بالصلة، بينما «بعض» مبهم في الكم محدد في العلاقة التبعيضية.
مَدى الاستِخدام
يرد الجذر في 158 موضعا ضمن 87 آية فريدة، على ثلاثة مسالك دلالية: التبعيض من كل (الكتاب، الوحي، الظن، الزمن)، والتبادل بين طرفين (الولاية، العداوة، الدفع)، والتفاضل برفع طرف على طرف (الرسل، الرزق، الدرجات). وأعلى السور ورودا: البقرة (18)، الأنعام (14)، النساء (11)، آل عمران (8)، الأنفال (8). وينضم موضع اسمي مفرد وحيد «بَعُوضَةٗ» (البقرة) خارج التبعيض.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾
﴿۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ﴾
﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يصح إبدال «بعض» بـ«كل» في ﴿بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ لانقلاب نفي الاستغراق إلى استغراق، فينهدم تقابل الإيمان بجزء والكفر بجزء. ولا يصح إبدالها بـ«فريق» في ﴿بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞ﴾ لأن «فريق» جماعة محددة الهوية، بينما «بعض» مبهم غير معين قابل للتبادل من كلا الطرفين. ولا يصح إبدالها بـ«مثل» في ﴿فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾ لأن «مثل» يقيم نظيرا مساويا فينهدم التفاضل المراد.
أَداة تَفتَح خانَة العَدَد لِلسُؤال أَو التَكثير
الجَوهَر
كم مَدخَل أَداتيّ غَير اشتِقاقيّ، يُحضِر مِقدارًا غَير مُفَصَّل أَمام المُخاطَب. يَأتي إِما لِلسُؤال عَن عَدَد أَو مُدَّة، وإِما لِتَقرير كَثرَة مُعتَبَرَة تَفتَح باب الاعتِبار.
المُمَيِّز
كم تَفتَح خانَة العَدَد ذاتها (كم لَبِثت، كم أَهلَكنا)، بَينَما ما/ذو/شيء أَدَوات إِبهام عامّ لا تَختَصّ بِجِهَة العَدَد؛ وكلل تَستَوعِب الأَفراد بِشُمول مُغلَق، ومثل يُحضِر النَظير، وبعض يَقتَطِع جُزءًا من كُلّ.
مَدى الاستِخدام
21 مَوضِعًا في 21 آيَة. يَأتي بِصيغَتَين مِعياريَّتَين (كم، وكم) وأَربَع صُوَر مَضبوطَة (كَمۡ، وَكَمۡ، وَكَم، كَم). يَدور عَلى السُؤال عَن المُدَّة (كم لَبِثت)، وَالتَكثير الاعتِباريّ (كم أَهلَكنا، كم أَرسَلنا، كم مِن مَلَك)، وَالمُوازَنَة العَدَديَّة (كم مِن فِئَة قَليلَة).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾
﴿قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾
﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ﴾
اختبار الاستِبدال
لا تَقبَل كم الاستِبدال بِعَدَد مُحَدَّد لِأَنَّها لا تُغلِق المِقدار؛ ولا بِـ«كَثير» لِأَنَّها أَداة تَفتَح التَقدير لا وَصف جاهِز؛ ولا بِـ«ما» لِأَنَّها تَختَصّ بِجِهَة العَدَد لا مُجَرَّد الإبهام.
اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة — حَيث تَجتَمِع الجذور
﴿أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾
هذه الآيَة تَجمَع خَمسَة جذور من السَبعَة في مَوضِع واحِد، فَتَكشِف بِنيَة الإبهام كامِلَةً في حِوار قُرءانيّ. «ذو» يَفتَتِح المَشهَد إِضافَةً (كَٱلَّذي) فَيُحيل إلى نَموذَج غَير مُسَمّى. «كم» تَفتَح خانَة العَدَد سُؤالًا (كَم لَبِثتَ) لا يَنتَظِر جَوابًا كَمّيًّا دَقيقًا بَل اعتِرافًا بِالجَهل. «بَعۡضَ يَوۡمٖ» يَستَجيب بِالجُزء غَير المُستَغرِق لِيَحفَظ التَواضُع في الإِخبار. ثُمَّ «كُلِّ شَيۡءٖ قَدير» تَختَتِم بِالإِحاطَة الشامِلَة الجامِعَة، فَيَتَحَوَّل الإبهام كُلُّه إلى يَقين. لَو وُضِع «أَيّ يَوم» مَكان «بَعۡضَ يَوۡمٖ» لَدَلَّ على استِفهام لا إِخبار، ويَكسِر بِنيَة الجَواب. ولَو وُضِع «على شَيءٍ قَدير» (بِحَذف كُلّ) لَدَلَّ على قُدرَة مُحَدَّدَة لا شامِلَة، وهذا يُفقِد المَشهَد ذِروَة الانتِقال من جَهل العَبد إلى عِلم الرَبّ. التَدَرُّج الدلاليّ في هذه الآيَة: ذو (إحالَة عامَّة) ← كم (سُؤال مَفتوح) ← بَعض (جَواب جُزئيّ) ← كُلّ شَيء (يَقين شامِل) — وهي بِنيَة لا تَتَكَرَّر بِهذه الكَثافَة في القُرءان.
﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾
الآيَة تَكشِف الفَرق الحاسِم بَين «مثل» و«كل». «مَثَلُ» يَفتَح إِحالَةً إلى نَظير كاشِف (إنفاق المؤمن ≈ حَبَّة مُضاعَفَة)، فالجَذر لا يُبهِم بَل يَستَدعي صورَة مُعادِلَة تَنقُل المَعنى المُجَرَّد إلى مَحسوس. ثُمَّ «كُلّ» يَدخُل لِيَحفَظ شُمول التَكرار: في كُلِّ سُنبُلَة، لا في بَعضِها. لَو وُضِع «شِبه الذين» مَكان «مَثَل الذين» لَدَلَّ على تَقارُب لا مُساواة، وهذا يُضعِف بَلاغَة التَعليم. ولَو وُضِع «في بَعض سُنبُلَة مِائة حَبَّة» لَكسَر صورَة الانتِظام البِنيَويّ في الحَبَّة الواحِدَة. ولَو وُضِع «في كُلِّ ما» (بِجَذر ما المُبهَم) لَكان لَغوًا لِأَنَّ السُنبُلَة مُتَعَيِّنَة لا مُبهَمَة. التَوزيع البِنيَويّ هنا: مَثَل (نَظير كاشِف) + كُلّ (شُمول لِالعَدَد) + شيء مُضمَر في الحَبَّة (المَوجود المُتَعَيِّن) + ذو الإحالَة في «الذين». التَركيب يُؤَدّي وَظيفَة تَعليميَّة فَريدَة: نَقل التَجريد المالي إلى صورَة زِراعيَّة مُضاعَفَة.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ﴾
الآيَة تَكشِف التَكامُل بَين «كُلّ» و«بَعض» في بِنيَة واحِدَة. «لِكُلِّ نَبِيٍّ» يُؤَسِّس قاعِدَة شامِلَة لا يَنفَلِت مِنها أَحَد من الأَنبياء، ثُمَّ «بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ» يَنزِل إلى داخِل الفِئَة المُعادِيَة لِيَكشِف تَواصُلًا جُزئيًّا بَين أَفرادها لا اجتِماعًا كُلِّيًّا. الجَذران «كلل» و«بعض» لا يَتَقابَلان هنا تَقابُل أَضداد، بَل يَتَكامَلان طَبَقَتَين: كُلّ يَحكُم القاعِدَة، بَعض يَحكُم العَلاقَة الداخِليَّة. «ما» المُكَرَّر (ما فَعَلوه، ما يَفتَرون) يَفتَح خانَة دلاليَّة مَفتوحَة لا تَتَحَدَّد إلا بِالسياق (الفِعل، الافتِراء). لَو وُضِع «لِبَعض نَبِيّ عَدُوًّا» لَدَلَّ على تَخصيص شاذّ يَكسِر القاعِدَة الإلَهيَّة في إرسال الرُسُل جَميعًا مَع مُعاناة. ولَو وُضِع «كُلُّهُم إِلىٰ كُلٍّ» مَكان «بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ» لَدَلَّ على شَبَكَة كامِلَة بَين كُلّ الشَياطين، وهذا يُضَخِّم العَدُوّ ويُفقِد دَلالَة التَوَزُّع الجُزئيّ في الإيحاء. التَدَرُّج: كُلّ (قاعِدَة) ← بَعض (آليَّة) ← ما (مَجال مَفتوح).
﴿وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا﴾
الآيَة تَكشِف الفَرق البِنيَويّ بَين «ما» و«بعض» و«كل» في مَوضِع تَشريعيّ. «ما فَضَّلَ» تَفتَح خانَة دلاليَّة لا تُحَدَّد ابتِداءً (المَفضول مُبهَم لِيَستَوعِب كُلَّ صُوَر التَفضيل: مال، قُوَّة، عِلم، نَسَب…). ثُمَّ «بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ» يُؤَسِّس قاعِدَة التَفاضُل بِالتَجزيء لا بِالاستِغراق — لا أَحَد مُفَضَّل في كُلّ شَيء، ولا أَحَد مَفضول في كُلّ شَيء. ثُمَّ «بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا» يَختَتِم بِالإِحاطَة الإلَهيَّة الشامِلَة، فَيَتَوازَن المَشهَد: تَفاضُل جُزئيّ بَين العِباد، وعِلم كُلِّيّ عِند الله. لَو وُضِع «كُلَّكُم على كُلٍّ» لَدَلَّ على تَفضيل مُطلَق يَكسِر العَدل في التَوزيع. ولَو وُضِع «بِبَعۡضِ شَيۡءٍ عَليمٗا» لَدَلَّ على عِلم جُزئيّ لله، وهذا نَقص بَيِّن. التَوزيع البِنيَويّ: ما (مَجال مَفتوح) ← بَعض/بَعض (تَجزيء بَيني) ← كُلّ شَيء (شُمول إلَهيّ). الثَلاثَة تَتَكامَل في بِنيَة قانونيَّة واحِدَة.
﴿إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا﴾
آيَة قَصيرَة كَثيفَة تَجمَع أَربَعَة جذور في بِنيَة تَوحيديَّة. «الذي» (من ذو) يُحيل إلى الله صِلَةً لا اسمًا مُجَرَّدًا، فالإحالَة هنا بِالصِفَة لا بِالعَلَم. «كُلَّ شَيۡءٍ» يَجمَع الجَذرَين الأَوسَعَين في الحَقل في تَركيب واحِد: كُلّ يَدُلّ على الاستِغراق الشامِل، وشَيء يَدُلّ على المَوجود المُتَعَيِّن. اقتِران «كُلّ + شَيء» في القُرءان يَتَكَرَّر 282 مَرَّة، وهو التَركيب الأَكثَر استِخدامًا لِالإحاطَة الإلَهيَّة. ثُمَّ «عِلمٗا» تَختِم بِتَمييز الإِحاطَة: لَيست إِحاطَة كَمّيَّة (يَحوي) أَو مَكانيَّة (يُغَطّي)، بَل إِحاطَة عِلميَّة (يَعلَم). لَو وُضِع «وَسِعَ بَعۡضَ شَيۡءٍ» لَكسَر صفَة الإلَه (لا يَكون إلَهًا من يَجهَل بَعض الأَشياء). ولَو وُضِع «وَسِعَ كُلَّ ما عِلمٗا» (بِجَذر ما بَدَل شَيء) لَدَلَّ على إِحاطَة بِالأَجناس لا بِالأَفراد، وهذا يُضعِف دَلالَة التَعَيُّن. «كُلّ شَيء عِلمٗا» وَحدَه يَجمَع: استِغراق + تَعَيُّن + جِهَة الإِحاطَة (العِلم) — وهي صيغَة لا تُبدَل دون فَقد.
﴿وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ﴾
الآيَة تُمَيِّز «أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍ» عَن سائِر تَراكيب «كُلّ شَيء» في القُرءان. هنا الإِحاطَة لَيست بِالعِلم (كَطه 98) ولا بِالقُدرَة (كَالبقرة 259) بَل بِالإِتقان البِنيَويّ — كُلّ مَخلوق له بُنيَة دَقيقَة مُحكَمَة. «الذي» (من ذو) يُحيل إلى الله صِلَةً، و«صُنۡعَ ٱللَّهِ» يَستَدعي حَضور الفاعِل الإلَهيّ في كُلّ المَصنوعات. «ما تَفۡعَلون» تَختِم بِالمَفتوح الذي يَستَوعِب كُلّ أَعمال البَشَر تَحت الخِبرَة الإلَهيَّة. لَو وُضِع «أَتۡقَنَ بَعۡضَ شَيۡءٍ» لَكسَر صفَة الكَمال (لا يَكون مُتقِنًا من يُتقِن بَعضًا ويَدَع بَعضًا). ولَو وُضِع «أَتۡقَنَ كُلَّ ما» (بِجَذر ما) لَدَلَّ على إِتقان جِنسيّ لا فَردانيّ، وهذا يُضعِف دَلالَة الإِحكام في كُلّ فَرد. ولَو وُضِع «خَبيرٌ بِكُلِّ شَيۡءٍ» مَكان «بِما تَفۡعَلون» لَدَلَّ على إِحاطَة عامَّة، والمَقصود هنا تَخصيص خِبرَة الله بِأَفعال العِباد. التَدَرُّج: كُلّ شَيء (المَخلوقات كُلُّها) ← ما تَفعَلون (الأَفعال البَشَريَّة فِئَةً مَفتوحَة).