الفُروق الدَقيقَة بَين جذور الطهارة والوضوء في القُرءان الكَريم
ثَمانيَة جذور تَلتَقي في حَقل الطَهارَة، يَظُنّها القارِئ مُتَرادِفَة عَلى مَعنى «النَظافَة»، وَالقُرءان يُفَرِّق بَينها بِطَبَقات تَوزيعيَّة لا تَتَبادَل.
﴿طهر﴾ (31 مَوضِعًا) هُو الجَذر الجامِع: رَفع المانِع لِتَهيئَة المَوضِع لِالقُرب — يَتَّسِع لِالحِسّيّ والمَعنَويّ تَحت قَيد واحِد، فَيَشمَل البَدَن (المائدة 6) والثياب (المدثر 4) والبيت (البقرة 125) والقُلوب (المائدة 41) والمال بِالصَدَقَة (التوبة 103) والأَزواج والصُحُف وَصفًا كَريمًا (البقرة 25، البينة 2).
﴿غسل﴾ (4 مَواضِع) إِزالَة بِالماء صَبًّا عَلى عُضو — إِجراء جُزئيّ مَخصوص، يَدخُل تَحت الطُهر كَجُزء لا كَمُرادِف (المائدة 6 تَجمَع ﴿فَٱغۡسِلُواْ﴾ ثُمَّ ﴿فَٱطَّهَّرُواْ﴾ في آيَة واحِدَة، فَلَو كانا واحِدًا لَكان تَكرارًا).
﴿مسح﴾ (15 مَوضِعًا) إِمرار اليَد عَلى سَطح بِلا إِسالَة ماء — أَخَفّ من الغَسل، يَلزَم في الوُضوء لِالرَأس والأَرجُل ﴿وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ﴾، وَيَستَقِلّ بِفَرع آخَر هُو لَقَب المَسيح لِعيسى ابن مَريم لا صِلَة لَه بِفِعل الطَهارَة.
﴿يمم﴾ (11 مَوضِعًا) القَصد إلى بَديل عِندَ فَقد الأَصل — في الطَهارَة: قَصد الصَعيد الطَيِّب عِندَ فَقد الماء (يُمسَح بِه لا يُغسَل) — وَيَتَّصِل بِفَرع آخَر هُو اليَمّ كَمَوضِع مائيّ لِالإلقاء (طه 39).
﴿جنب﴾ (33 مَوضِعًا) الحال البَدَنيَّة المُوجِبَة لِالاغتِسال — حاجِز مُؤَقَّت يَمنَع القُرب من الصَلاة حَتّى يُرفَع بِالاغتِسال أَو التَيَمُّم، وَيَتَّسِع لِفَرع الجانِب والمُجانَبَة والاجتِناب (الزمر 17).
﴿نجس﴾ (مَوضِع واحِد، التوبة 28) وَصف ذات ثابِت لِالمُشرِكين، يُمنَع بِه القُرب من المَسجِد الحَرام — لا يُرفَع بِغُسل وَلا بِتَيَمُّم بَل بِزَوال السَبَب (الشِرك).
﴿تفث﴾ (مَوضِع واحِد، الحج 29) شَعَث الإحرام النُسُكيّ الَّذي يُقضى بِفِعل النُسُك لا بِالماء — حال مَخصوصَة بِالحاجّ.
﴿غوط﴾ (مَوضِعان، النساء 43 والمائدة 6) كِنايَة بِالمَوضِع المُنخَفِض عَن الحَدَث المُوجِب لِالطَهارَة — جامِع بَين جنب وَالغوط في الآيَتَين كَحالَتَين مُتَمايِزَتَين لا مُتَرادِفَتَين.
القَولَة الجامِعَة: لا تَرادُف، بَل نِظام تَوزيع بِالفِعل والحال: غَسل/مَسح فِعلان عَلى عُضو، تَيَمُّم بَديل، طُهر غايَة جامِعَة، جَنابَة/غائِط حالان مُؤَقَّتَتان تُرفَعان، تَفَث حال نُسُكيَّة تُقضى، وَنَجَس وَصف ثابِت لا يُرفَع بِأَداة طَهارَة بَل بِزَوال سَبَبِه.
الجذور الدَلاليَّة في الحَقل
اضغط أيّ جَذر لِعَرض تَحليله الكامِل: الجَوهَر · المُمَيِّز · مَدى الاستِخدام · شَواهِد جَوهَريَّة · اختبار الاستِبدال.
رفع المانع لِتَهيئَة الموضع لِلقُرب أَو الكرامَة
الجَوهَر
الجَذر يَدور كله على معنى واحد: رفع المانع الذي يحول دون صلاح الموضع للقرب أو القبول أو الوصف الكريم. يَتسع لِلحسي والمعنوي معًا تحت قَيد واحد، فيَشمل تطهير البيت والبدن والقلب والمال والأَزواج والصُحف والثياب والشَراب.
المُمَيِّز
يَفترق عَن «غسل» بِأَنه أَعم منه (المائدة 6 تَجعل الغسل جزءًا من التطهر: ﴿فَٱغۡسِلُواْ﴾ ثم ﴿فَٱطَّهَّرُواْۚ﴾). ويَفترق عَن «مسح» بِأَن المسح إِمرار اليَد بِالماء أَو بِغيره عَلى عُضو مَحدود، بَينما الطُهر فِعل كُلي يَرفع المانع كله. ويَفترق عَن «يمم» بِأَن التيمم بَديل عِند فَقد الماء بِالصَعيد الطَيب، أَما الطُهر فَهو الأَصل والغايَة. ويَفترق عَن «جنب» و«نجس» بِأَنهما يَصفان الحال المانعَة، والطُهر هو رفعها.
مَدى الاستِخدام
حِسي ومَعنوي مَعًا. حِسيًا: البَدَن (المائدة 6، البقرة 222)، الثياب (المدثر 4)، البيت (البقرة 125، الحج 26)، الماء أَداةً (الفرقان 48، الأَنفال 11). مَعنويًا: القُلوب (المائدة 41، الأَحزاب 53)، المال بِالصَدَقَة (التوبة 103، المجادلة 12)، الذات المُصطَفاة من شُبهَة الكُفر (آل عمران 42، 55)، الأَزواج والصُحف والشَراب وَصفًا كَريمًا (البقرة 25، البينة 2، الإنسان 21).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا﴾
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾
﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِح استِبدال طهر بِغسل: المائدة 6 تَجمَع الفِعلَين في آيَة واحدَة فَلَو كانا مُتَرادِفَين لَكان تَكرارًا. ولا يَصِح استِبدال طهر بِمسح: المسح إِمرار جُزئي عَلى عُضو، والطُهر فِعل كُلي يَرفع المانع. ولا يَصِح في «أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ» (البقرة 25) ولا «صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ» (البينة 2) لِأَن السياق وَصفي كَريم لا حِسي. ولا يَصِح في «وَطَهَّرَكِ» (آل عمران 42) لِأَن السياق اصطفاء من شُبهَة الكُفر لا غَسل بَدَن.
إِسالَةُ الماءِ على العُضوِ أَو ما يَنتَسِبُ إلى هذا الجَريان
الجَوهَر
غسل يَدُلّ على جَريان سائِل على الشَيء أَو المَوضِع حَتّى يَصيرَ مَحَلًّا لِلاغتِسال أَو يُخَلِّفَ ما يَخرُجُ عَنهُ من أَثَره. يَجمَع شِقًّا سائِليًّا مُباشَرًا في فِعل الاغتِسال وَالوُضوء، وَشِقًّا مُنتَسِبًا إلَيهِ كَالمَوضِع (مُغتَسَل) وَالأَثَر الخارِج (غِسلين).
المُمَيِّز
غسل فِعلٌ سائِلٌ جارٍ على العُضو، بِخِلاف طهر الذي هو الحالَةُ الجامِعَة وَالغايَة (المائدة 6: ﴿فَٱغۡسِلُواْ﴾ ثُمَّ ﴿لِيُطَهِّرَكُمۡ﴾)، وَبِخِلاف مسح الذي هو إمرارُ اليَدِ على العُضو بِلا إسالَة (﴿فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ﴾ ثُمَّ ﴿وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ﴾)، وَبِخِلاف يمم الذي بَدَلٌ عِندَ فَقدِ الماء.
مَدى الاستِخدام
4 مَواضِع في 4 آيات بِأَربَع صِيَغ فَريدَة: الاغتِسالُ من الجَنابَة (النساء 43)، وَغَسلُ أَعضاءِ الوُضوء (المائدة 6)، وَالاغتِسالُ البارِد لِأَيّوب (صٓ 42)، وَالغِسلينُ طَعامُ أَهل النار (الحاقة 36) بِوَصفِهِ أَثَرًا خارِجًا مُنتَسِبًا إلى البابِ نَفسِه.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾
﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنۡ غِسۡلِينٖ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدالُ غسل بِمسح لِأَنَّ الآيَةَ نَفسَها (المائدة 6) جَمَعَت بَينَهُما في فِعلَين مُتَغايِرَين: ﴿فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ﴾ إسالَةٌ بِالماء، ﴿وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ﴾ إمرارٌ بِاليَدِ بِلا إسالَة؛ فَلَو تَبادَلا لَانتَفَى التَمييزُ التَشريعيّ. وَلا يَصِحّ استِبدالُهُ بِطهر لِأَنَّ الغَسلَ فِعلٌ وَالطَّهارَةَ غايَتُهُ (﴿فَٱغۡسِلُواْ﴾ … ﴿لِيُطَهِّرَكُمۡ﴾)، فَالوَسيلَةُ لا تَقومُ مَقامَ النَتيجَة.
إمرار على سطح مَخصوص ولَقَب المَسيح، لا صِلَة مُباشِرَة بِالعَفو
الجَوهَر
الفعل يَدُلّ على إمرار مُتَّصِل بِسَطح أَو عُضو مَخصوص، لا غَسل ولا تَطهير عامّ. ولَفظ المَسيح اسم قُرءانيّ مُلازِم لِعيسى ابن مَريم. لا يَثبُت من النَصّ الداخِليّ جامِع اشتِقاقيّ لازِم بَين الفَرعَين.
المُمَيِّز
صِلَة الجَذر بِحَقل العَفو والمَغفِرَة غَير مُباشِرَة. مسح لا يَرِد في القُرءان بِمَعنى مَحو الذَنب أَو العَفو عَنه؛ مَواضِعُه إمّا فِعل إمرار حِسّيّ على عُضو (وُضوء، أَو في ص 33) أَو لَقَب المَسيح لِعيسى ابن مَريم. خِلافًا لِعفو/غفر/صفح الَّتي تَتَّصِل بِحَطّ الذَنب صَريحًا، مسح يَبقى في الحِسّيّ والعَلَميّ.
مَدى الاستِخدام
فَرعان مَحفوظان: (1) فِعل المَسح على الوَجه واليَد والرَأس (النساء 43، المائدة 6) أَو على السوق والأَعناق (ص 33). (2) اسم المَسيح لِعيسى ابن مَريم في المَواضِع العَقَديَّة (آل عمران، النساء، المائدة، التوبة). لا مَوضِع يَربِط الجَذر بِمَحو الذَنب أَو العَفو.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾
﴿إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ﴾
﴿رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ في القُرءان استِبدال مسح بِـعفو أَو غفر أَو صفح في أَيّ مَوضِع. مَواضِع المَسح إمّا حِسّيَّة (وُضوء/إمرار) أَو عَلَميَّة (المَسيح)، ولا يَقبَل أَيُّها مَعنى حَطّ الذَنب. كَذلِك لا يَصِحّ استِبدال عفو/غفر بِـمسح؛ الجَذران مُتَباعِدان في الحَقل الدلاليّ القُرءانيّ.
قَصدٌ إلى مادَّةٍ مَخصوصَةٍ، ومَوضِعٌ مائيٌّ يُلقى فيه
الجَوهَر
يمم في القُرءان مَدخَلٌ ذو شُعبَتَين: التَيَمُّم، وهو قَصدٌ مَخصوصٌ إلى شَيءٍ يُعمَل به (الخَبيث في الإنفاق، أو الصَعيد عِندَ فَقد الماء)؛ واليَمّ، وهو المَوضِع المائيّ الذي يُلقى فيه أو يَغشى أو يُنبَذ فيه. الجامِع الفِهرِسيّ هو التَوَجُّه إلى جِهَةٍ مَخصوصَة، فِعلًا أو مَوضِعًا.
المُمَيِّز
يَفتَرِق تيَمَّم عَن غَسَل ومَسَح وطَهَّر بِأَنَّه ليس فِعل تَطهيرٍ بِالماء، بَل قَصدٌ إلى بَديلٍ مَخصوص (الصَعيد) عِندَ فَقد الماء، ثُمَّ يُتبَع بِالمَسح لا بِالغَسل. كَما يَفتَرِق عَن مُطلَق القَصد بِأَنَّه مُقَيَّد بِمادَّةٍ مُعَيَّنَة لِالعَمَل.
مَدى الاستِخدام
11 وقوعًا في 10 آيات: 3 لِصيغ التَيَمُّم (البَقَرَة 267 في الإنفاق، النِساء 43 والمائدة 6 في بَدَل الوُضوء)، و8 لِاسم اليَمّ كُلُّها في قِصَّة موسى وفِرعَون (الإلقاء، الإغراق، الغَشي، النَبذ).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
﴿أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال تيَمَّم بِاغتَسَل أو طَهَّر: في البَقَرَة 267 المَقصود الخَبيث لا الماء، فَلا مَعنى لِـ«اغتَسَلوا الخَبيث»؛ وفي المائدة 6 والنِساء 43 الصَعيد جافٌّ يُمسَح به، والقُرءان نَفسه فَرَّق فَجَعَل الغَسل والمَسح لِلوُضوء بِالماء، والتَيَمُّم بِالصَعيد عِندَ فَقده، فَالاستِبدال يَنقُض البِنيَة التَشريعيَّة في الآيَة.
الناحِيَة وَالمُجانَبَة: جانِبًا وَهَيئَةً وَحالًا وَسُلوكًا
الجَوهَر
جنب يَدُلّ على الناحِيَة أَو إِبعاد الشَيء إلى ناحِيَة عَن مَركَز المُباشَرَة. مِنه جانِب المَكان ﴿مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ﴾، وَالجَنب البَدَنيّ ﴿وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾، وَحال الجَنابَة المُوجِبَة لِلتَطَهُّر ﴿وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْ﴾، وَفِعل الإِبعاد الأَخلاقيّ ﴿فَٱجۡتَنِبُوهُ﴾. فَالجامِع: جَعل الشَيء أَو النَفس في جانِب بَعيد عَن المُباشَرَة.
المُمَيِّز
في سياق الطَهارَة: جنب هو الحال المُوجِبَة لِلاغتِسال (الحاجِز المُؤَقَّت)، لا الفِعل المُطَهِّر نَفسه. طهر هو الغايَة وَالأَثَر (﴿لِيُطَهِّرَكُمۡ﴾)، وَغسل هو الإِجراء المائيّ المَطلوب. فَالآيَة ﴿وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْ﴾ تَجعَل جنب وَصف الحال، وَطهر الغايَة، وَالاغتِسال أَو التَيَمُّم وَسيلَتها.
مَدى الاستِخدام
يَستَخدِم القُرءان الجَذر في خَمسَة مَسالِك: (1) الجَنابَة المُوجِبَة لِلتَطَهُّر (النساء 43، المائدة 6)، (2) الجانِب المَكانيّ خاصَّةً جانِب الطور (مريم 52، القصص 29 وَغَيرهما)، (3) الجَنب البَدَنيّ هَيئَةً (السجدة 16، التوبة 35، الحج 36)، (4) الجار الجُنُب وَالصاحِب بِالجَنب وَالنَأي بِالجانِب (النساء 36، فصلت 51)، (5) الاجتِناب فِعلًا أَخلاقيًّا لِلطاغوت وَالرِجس وَالكَبائر وَقَول الزور (الزمر 17، الحج 30، النجم 32). لا يَستَخدِمه القُرءان لِلفَصل المُطلَق وَلا لِلهَجر.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾
﴿وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال جنب بِنجس وَلا بِطهر. نجس وَصف لِلذات (﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ﴾) لا حال عابِرَة تَرتَفِع بِالماء، بَل هي وَصف ثابِت؛ وَلَو قيل «وَإِن كُنتُم نَجَسًا فَٱطَّهَّرُواْ» لَأَفاد ذاتًا لا تَطهُر بِالاغتِسال. وَطهر هو الغايَة لا الحال؛ ﴿وَإِن كُنتُمۡ طاهِرين فَٱطَّهَّرُواْ﴾ تَناقُض. فَجنب وَحده يَحفَظ كَونه حالًا مُؤَقَّتَة قائِمَة بِالشَخص تَزول بِإِجراء مَخصوص.
نجس: وَصف دَنَس يوجِب المَنع من قُرب المَسجِد الحَرام
الجَوهَر
جَذر مُفرَد الوُرود في القُرءان (مَوضِع واحِد: التوبة 28)، جاء خَبَرًا عَن المُشرِكين. لا يَقِف الوَصف ساكِنًا، بَل يُرَتِّب حُكمًا عَمَلِيًّا: ﴿فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ﴾.
المُمَيِّز
نجس وَصف ثابِت لِذات يُفضي إلى مَنع القُرب من المَوضِع الحَرام؛ بِخِلاف جنب (حال عارِضَة تُرفَع بِالاغتِسال) وَتفث (شَعَث وَأَدران الإحرام تُقضى بِالتَطَهُّر). نجس وَحدَه يَقتَرِن بِالنَهي عَن القُرب لا بِفِعل رافِع.
مَدى الاستِخدام
مَوضِع واحِد فَقَط (التوبة 28)، بِصيغَة واحِدَة (نجس)، خَبَرًا عَن المُشرِكين، مُتعَلِّقًا بِالمَسجِد الحَرام. لا صيغَ فِعلِيَّة وَلا أَسماء أُخرى لِلجَذر في القُرءان.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال نجس بِجنب لِأَنَّ الجَنابَة حال عارِضَة تُرفَع بِالاغتِسال فَيَعود القُرب جائِزًا، بَينَما نجس في الآيَة وَصف ثابِت لِلمُشرِكين يوجِب المَنع. وَلا يَصِحّ بِرجس لِأَنَّ رجس يُستَعمَل في القُرءان وَصفًا واسِعًا لِلدَنَس المَعنَوِيّ في مَواضِع كَثيرَة بِلا تَرتيب لازِم لِمَنع القُرب من المَسجِد الحَرام؛ خُصوصِيَّة نجس هُنا في الرَبط الحَصرِيّ بَين الوَصف وَالحُكم المَكانِيّ.
تفث: مُتَعَلَّق نُسُكيّ يُقضى في الحَجّ
الجَوهَر
جَذر hapax لا يَرِد إلّا في الحج 29، مُضافًا إلى ضَمير الحُجّاج (تَفَثَهُم) ومَقرونًا بِفِعل القَضاء. النَصّ يُثبِته شَيئًا لَهُم يَلزَم قَضاؤه داخل النُسُك، ولا يُصَرِّح بِتَفصيل مادَّته خارج هذا التَرتيب.
المُمَيِّز
تفث مُتَعَلَّق نُسُكيّ مَخصوص يَكون قَضاؤه بِفِعل القَضاء لا بِالماء؛ غسل في القرءان مُقَيَّد بِالماء وَإِزالَة المادَّة عَن البَدَن أَو الثَوب، وَطهر يَدُلّ عَلى الغايَة العامَّة لِإِزالَة ما يَمنَع النَقاء. الآيَة لم تَذكُر ماءً ولا غَسلًا، بَل ذَكَرَت قَضاءً مَقرونًا بِالنَسك.
مَدى الاستِخدام
مَوضِع واحِد في القرءان كُلِّه: الحج 29، صيغَة وَحيدَة (تَفَثَهُم)، ضِمن تَرتيب ثُلاثيّ في مَناسِك الحَجّ: قَضاء التَفَث ثُمَّ إيفاء النُذور ثُمَّ الطَواف بِالبَيت العَتيق.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال تفث بِجنب ولا بِنجس. جنب في القرءان حال طَهارَة مَخصوصَة تَرتَبِط بِالصَلاة وَالغُسل (النساء 43، المائدة 6)، وَنجس وَصف لِلمُشركين في سياق المَسجِد الحَرام (التوبة 28)؛ كِلاهُما لا يَقَع عَلَيه فِعل القَضاء النُسُكيّ المَقرون بِالإيفاء وَالطَواف. التَفَث وَحدَه هو الَّذي يُقضى ضِمن تَرتيب أَعمال الحَجّ.
الغائِط: الجِهَة المُنخَفِضَة كِنايَةً عَن الحَدَث المُوجِب لِلطَهارَة
الجَوهَر
غوط يَدُلّ عَلَى المَوضِع المُنخَفِض أَو المُستَتِر الَّذي يُجاء مِنه، فَيَكون المَجيء مِنه قَرينَةً عَلَى حالٍ تَستَدعي التَطَهُّر. ورد بِصيغَة اسميَّة واحِدَة (الغائِط) في مَوضِعَين تَشريعيَّين مُتَوازِيَين (النِّسَاء 43، المَائدة 6) داخل سياق نَواقِض الطَهارَة والتَيَمُّم. اللَفظ لا يَصِف عُضوًا، بَل يَصِف جِهَةً يُنسَب إليها المَجيء.
المُمَيِّز
غوط يُسَمّي الجِهَة المَكانيَّة الَّتي يُجاء مِنها (لا فِعلًا ولا عُضوًا ولا حالًا)، بَينَما جنب يَصِف الحال البَدَنيَّة الَّتي تَستَوجِب الاغتِسال ﴿وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْ﴾، وَتفث يَصِف شَعَث الإحرام الَّذي يَزول بِالقَضاء. فَغوط قَرينَة مَكانيَّة عَلَى الحَدَث، لا الحَدَث نَفسه ولا أَثَره.
مَدى الاستِخدام
مَوضِعان فَقَط في القُرءان كُلِّه (النِّسَاء 43، المَائدة 6)، كِلاهُما داخل سياق نَواقِض الطَهارَة والتَيَمُّم، بِصيغَة واحِدَة (الغائِط) وَدلالَة واحِدَة بِلا مَسالِك مُتَعَدِّدَة.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال غوط بِجنب لِأَنَّ جنب يَصِف الحال البَدَنيَّة الَّتي تَستَوجِب الاغتِسال، بَينَما غوط يُسَمّي الجِهَة المَكانيَّة الَّتي يُجاء مِنها — والقُرءان جَمَع بَينَهُما في الآيَتَين كَحالَتَين مُتَمايِزَتَين (﴿وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْ﴾ ثُمَّ ﴿أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ﴾)، فَلَو تَرادَفا لَما جُمِعا. ولا يَصِحّ استِبدالُه بِنجس لِأَنَّ نجس يَصِف الوَصف الحُكميّ، بَينَما غوط لا يَصِف ذاتًا بَل جِهَةً.
اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة — حَيث تَجتَمِع الجذور
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾
الآيَة المَركَزيَّة لِالحَقل كُلِّه — تَجمَع سِتَّة جذور من ثَمانيَة في نَصّ واحِد، وَتَكشِف نِظام التَوزيع بَينها بِأَجلى صورَة. ﴿فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ﴾ (غسل — إِسالَة ماء عَلى الوَجه واليَدَين، إِجراء كامِل بِالماء)، ﴿وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ﴾ (مسح — إِمرار بِلا إِسالَة، فِعل أَخَفّ مَخصوص بِالرَأس والأَرجُل بِالباء التَبعيضيَّة)، ﴿وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْ﴾ (جنب الحال + طهر الفِعل الجامِع: الجَنابَة حاجِز يَستَدعي تَطَهُّرًا كامِلًا لا غَسلًا جُزئيًّا)، ﴿أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ﴾ (غوط — كِنايَة بِالمَوضِع المُنخَفِض عَن حَدَث مُغايِر لِالجَنابَة)، ﴿فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ﴾ (يمم + مسح — القَصد إلى البَديل الجافّ يَتبَعه مَسح لا غَسل، لِأَنّ الصَعيد لا يُغتَسَل بِه)، ثُمَّ خِتام ﴿وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ﴾ (طهر مَرَّة ثانيَة كَغايَة جامِعَة لِكُلّ ما سَبَق). البِنيَة قاطِعَة لِالتَرادُف: لَو كان غسل وَمسح وَاحِدًا لَما اختَلَفَ التَكليف عَلى الوَجه واليَد ضِدّ الرَأس والأَرجُل في آيَة واحِدَة، وَلَو كان جنب وَغوط وَاحِدًا لَما عُطِفا بِأَو، وَلَو كان طهر مُرادِفًا لِلغَسل لَكان تَكرارًا في ﴿فَٱغۡسِلُواْ … فَٱطَّهَّرُواْ﴾. كُلّ جَذر يَعمَل في طَبَقَتِه: غسل إِجراء بِالماء، مسح إِجراء بِالإمرار، يمم قَصد إلى بَديل، جنب وَغائِط حالان مُوجِبَتان، وَطُهر غايَة كُلِّيَّة.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورٗا﴾
الآيَة الثانيَة الَّتي تَجمَع خَمسَة جذور من الحَقل في نَصّ واحِد، وَتُؤَكِّد نِظام التَوزيع الَّذي ظَهَر في المائدة 6 — مَع فارِق دِقّيق: الطُهر هُنا غائِب لَفظًا حاضِر مَعنًى. ﴿وَلَا جُنُبًا … حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْ﴾ (جنب + غسل — الحال المُوجِبَة لِلاغتِسال، وَالقَيد التَأقيتيّ ﴿حَتَّىٰ﴾ يَكشِف أَنّ الجَنابَة حاجِز يَزول بِالاغتِسال لا بِغَيره)، ثُمَّ ﴿أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ﴾ (غوط بِالعَطف ﴿أَوۡ﴾ يُفَرِّقُها عَن الجَنابَة كَحالَتَين مُتَمايِزَتَين)، ثُمَّ ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ﴾ (يمم + مسح — البَديل وَأَداتُه). الفارِق البِنيَويّ عَن المائدة 6: هُنا لا يَرِد طهر صَريحًا، بَل يَرِد فِعل ﴿تَغۡتَسِلُواْ﴾ — وَهَذا يَكشِف أَنّ الاغتِسال (الفِعل المَخصوص بِالجَنابَة) قَد يَقوم مَقام الطُهر اللَفظيّ في سياق رَفع الحاجِز، دون أَن يَنوب عَنه دائمًا. لَو قُرِئَ ﴿حَتَّىٰ تَطۡهُرُواْ﴾ بَدَل ﴿تَغۡتَسِلُواْ﴾ لَكان أَعَمّ من المَقصود — الجَنابَة لا تُرفَع بِأَيّ نَوع طَهارَة بَل بِنَوع مَخصوص هُو الاغتِسال. الباء في ﴿فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ﴾ تَكشِف قَيد المَسح: لا يَستَوعِب الوَجه كُلَّه كَالغَسل، بَل يَمَسّ بَعضَه. وَقَولُه ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٖ﴾ يَكشِف أَنّ الحاجِز (الجَنابَة) يَمنَع المُكث لا العُبور — قَيد لَيس في غَيرها من الحَواجِز.