رابطة السعي بالجزاء
تحدّ آيات السعي هذا الموضوع بالفعل المتجه وبأثره، لا بمجرد الحركة. فهي تجعله مما يتعلق به الجزاء: ﴿لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ﴾ (سورة طه ١٥)، وتقرر للإنسان حدًّا حاصرًا: ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (سورة النَّجم ٣٩). ثم لا يبقى السعي غائبًا أو مجهولًا، بل ﴿وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ﴾ (سورة النَّجم ٤٠)، ويوم يتذكر الإنسان ﴿مَا سَعَىٰ﴾ (سورة النَّازعَات ٣٥). فالنص يرسم رابطة متدرجة: سعي، ثم رؤية، ثم تذكر وجزاء.
والترتيب في موضعي النجم متجاور: نفي الاستثناء في الآية الأولى يحدد ما للإنسان، ثم تأتي الرؤية في الآية التالية متعلقة بسعيه نفسه؛ فلا ينتقل الكلام إلى لفظ آخر بين الحد وما يتبعه. أما موضع طه فيبتدئ بالجزاء ويصل إليه بعبارة ﴿بِمَا تَسۡعَىٰ﴾ (سورة طه ١٥)، فيجعل السعي متعلق الجزاء من الجهة الأخرى. وموضع النازعات لا يذكر الرؤية ولا الجزاء في العبارة المنقولة، بل يذكر التذكر: ﴿مَا سَعَىٰ﴾ (سورة النَّازعَات ٣٥). فالمتكرر هو نسبة السعي إلى صاحبه، والمتخلف هو اللفظ المصاحب له: جزاء في موضع، ورؤية في موضع، وتذكر في موضع.
تفاوت السعي المشكور
ولا يمنح اللفظ قيمة واحدة لمجرد كونه سعيًا؛ إذ يعلن ابتداءً: ﴿إِنَّ سَعۡيَكُمۡ لَشَتَّىٰ﴾ (سورة اللَّيل ٤). ومن هذا التشتت يظهر تقابل واضح بين وجهتين. فسعي يتجه إلى الآخرة، لكنه مشروط: ﴿وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ﴾ (سورة الإسرَاء ١٩)، وتكون خاتمته أن ﴿سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ١٩). ويجري اقتران الشكر مرة أخرى في الجزاء: ﴿وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا﴾ (سورة الإنسَان ٢٢)، وتظهر ثمرة الرضا في ﴿لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ﴾ (سورة الغَاشِية ٩). ويشهد له العمل الصالح مع الإيمان، إذ ﴿فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ﴾ (سورة الأنبيَاء ٩٤). كما يأخذ الأمر صورة عملية محددة حين يقال: ﴿فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَ﴾ (سورة الجُمعَة ٩)؛ فالاتجاه إلى الذكر يقابله ترك ما كان حاضرًا من البيع.
وتتغير الصيغة مع بقاء اتصالها بوجهة السعي. فالفعل المفرد في ﴿وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا﴾ (سورة الإسرَاء ١٩) يذكر الفاعل وفعلَه ومقصده في عبارة واحدة، ثم يأتي الاسم في ﴿سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ١٩) و﴿وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا﴾ (سورة الإنسَان ٢٢) ليقع عليه الوصف. وليس الوصف واحدًا في المواضع: فالشكر في الإسراء والإنسان، والرضا في الغاشية، ونفي الكفران في الأنبياء. كما أن الضمائر تتبدل بين المفرد والجمع والمؤنث: سعيه، وسعيهم، وسعيكم، ولسعيها؛ ومع هذا التبدل لا يفصل النص بين السعي وما يلحقه من وصف أو جزاء.
وفي موضع الجمعة لا يأتي الاسم ولا الماضي، بل صيغة الأمر ﴿فَٱسۡعَوۡاْ﴾ (سورة الجُمعَة ٩). وهي وحدها بين المواضع المذكورة التي تعقبها جهة بحرف إلى، ثم يتبعها أمر آخر بالترك: ﴿وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَ﴾ (سورة الجُمعَة ٩). ولذلك فالمقابلة هنا ليست بين سعي وسعي، بل بين التوجه إلى الذكر وترك البيع، بينما المقابلة في الإسراء بين سعي للآخرة ووصفه بالشكر.
السعي المفسد وحركة السياق
وفي الطرف المقابل، يكرر النص اقتران السعي بالفساد عبر سور متعددة: ﴿وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ﴾ (سورة البَقَرَة ١١٤)، و﴿سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا﴾ (سورة البَقَرَة ٢٠٥)، ثم ﴿وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا﴾ (سورة المَائدة ٣٣) و﴿وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗا﴾ (سورة المَائدة ٦٤). فليس كل اجتهاد محمودًا، بل تظهر غايته في الخراب والإفساد. ويزداد هذا الوجه بيانًا في السعي في الآيات معاجزة: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ﴾ (سورة الحج ٥١)، ثم يتكرر المعنى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ﴾ (سورة سَبإ ٣٨). وبين الوجهين حالة لا يزكيها ظن صاحبها، وهي ﴿ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا﴾ (سورة الكَهف ١٠٤). وبذلك يفرّق النص بين السعي الذي يوجّه إلى غاية ويقوّم بالإيمان والعمل والذكر، وبين حركة لا تدخل في هذا الباب؛ فإتيان الطير سعيا، وسعي الحية، وتخييل الحبال والعصي، وسعي النور أو مجيء الأشخاص أوصاف للحركة في سياقاتها، لا هي معيار الإنسان الذي تعرضه هذه الآيات للجزاء والرضا أو الضلال والعذاب.
ويتكرر في مواضع الفساد ظرف المكان ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٠٥)، (سورة المَائدة ٣٣)، (سورة المَائدة ٦٤)، لكنه لا يرد في سعي الخراب؛ إذ جاءت العبارة ﴿وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ﴾ (سورة البَقَرَة ١١٤). ويتبدل ما بعد الفعل كذلك: فالبقرة تجعل الإفساد غاية بقولها ﴿لِيُفۡسِدَ فِيهَا﴾ (سورة البَقَرَة ٢٠٥)، أما المائدة فتذكر الفساد بعد السعي: ﴿وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا﴾ (سورة المَائدة ٣٣). فالمقابل للسعي المشكور لا يثبت على تركيب واحد، وإن اجتمع في الخراب والفساد.
وفي آيتي المعاجزة يظهر اختلاف الصيغة بين الماضي والجمع المضارع: ﴿سَعَوۡاْ﴾ (سورة الحج ٥١) ثم ﴿يَسۡعَوۡنَ﴾ (سورة سَبإ ٣٨)، مع بقاء الجار والمجرور والوصف في الموضعين. أما الكهف فيجعل السعي اسمًا مضافًا إليهم: ﴿ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ﴾ (سورة الكَهف ١٠٤)، ويعقبه ذكر حسبانهم الإحسان. وهذا يختلف عن آيات الفساد التي تسمي الخراب أو الفساد، ويبين أن الضلال وصف للسعي مع بقاء صاحبه يحسب خلافه. ومن هنا يقف الحد عند المواضع التي تعرض السعي الإنساني في جهة أو وصف أو جزاء، ولا تتسع دائرته لكل لفظ يدل على حركة، كما تشهد الأمثلة المذكورة في آخر القسم.