الفُروق الدَقيقَة بَين جذور الإنفاق والعطاء في القُرءان الكَريم
تِسعَة جذور يَجمَعها القارِئ السَريع تَحت لَفظ واحِد: «العَطاء» أَو «الإنفاق».
لكن القُرءان يَفصِلها بِبِنيَة هَرَميَّة دَقيقَة.
رزق هو الأَصل المَوهوب، فِعل إلَهيّ غالِبًا، يَسبِق ويُغَذّي كل ما بَعدَه: ﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾.
نفق فِعل بَشَريّ صَريح — إخراج المال إلى وِجهَة مَقصودَة (نَفَذَ بِيَد المالِك إلى مَكانٍ آخَر).
صدق هُنا في بُعدِه الفَريد: الصَدَقَة، البَذل الذي يُصَدِّق دَعوى الإيمان (الاسم نَفسه مَأخوذ من «الصِدق»).
زكو فَريضَة مَوقوتَة تُطَهِّر المال وَتُنَمّي النَفس — هَيكَل تَعَبُّديّ غَير اختياريّ.
عطو فِعل المُناوَلَة المُباشَرَة بِاليَد (الإسراء 20، التوبة 58، الكَوثَر 1).
وهب تَمليك مَجّانيّ بِلا عِوَض، اسم «الوَهَّاب» صِفَة لِله، وغالِب مَواضِعِه إلَهيّ.
كرم سَخاء مَع رِفعَة وَشَرَف — صِفَة المُعطي وَالعَطاء مَعًا، لا مُجَرَّد بَذل.
منن إنعام مَع تَذكير: مَحمود من الله، مُفسِد بَين البَشَر (يُبطِل الصَدَقَة في البقرة 264).
ءثر بُعد الإيثار: تَقديم الغَير على النَفس مَع وُجود الحاجَة، قِمَّة الهَرَم في الحَشر 9.
الحَقل في قَولات يَضُمّ 24 جَذرًا؛ اختَرنا التِسعَة المَركَزيَّة لِبِنيَة «الأَصل/الفِعل/المِعيار/الذُروَة»، وَتَركنا نعم وَنفع وَفضل وَفدي وَنَظائرها لِأَنّها تَنتَمي إلى مَدارات النِعمَة وَالجَزاء المُستَقِلَّة.
الجذور الدَلاليَّة في الحَقل
اضغط أيّ جَذر لِعَرض تَحليله الكامِل: الجَوهَر · المُمَيِّز · مَدى الاستِخدام · شَواهِد جَوهَريَّة · اختبار الاستِبدال.
الإنفاق: بَذلُ المالِ عِبادَةً بِقَيدِ الوِجهَةِ في سَبيلِ الله
الجَوهَر
الإنفاقُ في فَرعِ العِبادَةِ نَفاذُ المالِ بِيَدِ المالِكِ إلى وِجهَةٍ مَقصودَة، يَتَلازَمُ مَعَه قَيدُ الوِجهَة ﴿فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وقَيدُ المَصدَر ﴿مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ﴾. هو فِعلٌ عِباديٌّ مَدعوٌّ إليه، يُضاعَفُ أَجرُه ويُخلِفُه الله، ويُقابِلُه البُخلُ مُقابَلَةً صَريحَة.
المُمَيِّز
يَفتَرِقُ «نفق» العِباديُّ عَن سائرِ جُذورِ الحَقل: «زكو» نَماءٌ وتَطهيرٌ بِنِسبَةٍ مُقَدَّرَةٍ مَخصوصَة، و«صلي» هَيئَةٌ بَدَنيَّةٌ مَوقوتَة، و«صوم» إِمساكٌ زَمَنيّ، و«حجج» و«عمر» نُسُكٌ مَكانيٌّ مُؤَقَّتٌ بِالبَيت، و«ذبح» و«ذكو» تَوجيهُ الحَيَوانِ بِالاسمِ والآلَة، و«قلد» شَعائرُ تَأمين، و«ءدي» إِيصالُ الحَقِّ إلى أَهلِه. أَمّا الإنفاقُ فَبَذلٌ مالِيٌّ نافِذٌ مُوَجَّه، أَوسَعُ من الزَكاةِ المُقَدَّرَة وأَعَمُّ من الصَدَقَةِ المُتَطَوَّعَة، يَجمَعُ السِرَّ والعَلانيَةَ واللَيلَ والنَهار، ولا يَختَصُّ بِهَيئَةٍ ولا وَقتٍ ولا مَكان.
مَدى الاستِخدام
في فَرعِ العِبادَة: الإنفاقُ المالِيُّ المُؤمِنيُّ المَدعوُّ إِليه بِقَيدِ الوِجهَة ﴿فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ و﴿ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِ﴾، وبِقَيدِ المَصدَر ﴿مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ﴾ و﴿مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُم﴾، وبِقَيدِ المَحَبَّة ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وبِقَيدِ الاعتِدال ﴿لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ﴾. يَجمَعُ السِرَّ والعَلانيَةَ واللَيلَ والنَهار، ويُضاعَفُ أَجرُه، ويُخلِفُه الله. خارجَ هذا الفَرع: النِفاقُ القَلبيُّ والنَفَقُ المَكانيُّ ليسا من العِبادَة.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾
﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾
اختبار الاستِبدال
لو استُبدِلَ في ﴿لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (مُحمد 38) بِـ«لِتُزَكُّوا» لَانكَسَرَ المَعنى لِأَنَّ الزَكاةَ مُقَدَّرَةٌ بِنِسبَةٍ، والإنفاقُ هُنا دَعوَةٌ مَفتوحَةٌ بِلا حَدّ يُقابِلُها البُخلُ لا تَركُ نِصاب. ولو استُبدِلَ بِـ«لِتَتَصَدَّقوا» لَضاقَ المَعنى لِأَنَّ «نفق» يَستَوعِبُ الإنفاقَ على الأَهلِ والزَوجَةِ في ﴿لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦ﴾ (الطَّلاق 7) وهي ليست صَدَقَة. ولو استُبدِلَ بِـ«لِتُصَلُّوا» أَو «لِتَصوموا» لَانتَقَلَ من بَذلِ المالِ إلى هَيئَةٍ بَدَنيَّةٍ أَو إِمساكٍ زَمَنيّ، وهو غَيرُ المَطلوبِ في السياق. مُقابَلَةُ ﴿فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُ﴾ تُثَبِّتُ أَنَّ الضِدَّ المُطابِقَ هو البُخل، فَهو إِذًا بَذلٌ مالِيٌّ عِباديٌّ مُوَجَّه.
إيصال نَصيب مَخصوص إلى جِهَة بِعَينِها بِفِعل التَسليم
الجَوهَر
عطو يَدُلّ على تَمكين جِهَة من نَصيب أَو فِعل بِعَينِه: غالبًا بِإيصال عَطاء من مُعطٍ إلى مُتَلَقّ، ويَأتي في فَتَعاطى بِمَعنى إقبال الفاعِل على فِعل يَتَناوَله لِنَفسه. الجامِع انتِقال الشَيء أَو الفِعل إلى يَد فاعِلَة أَو مُتَلَقّيَة.
المُمَيِّز
يَفتَرِق عَن نفق بِأَنّ الإنفاق يُبرِز إخراج المال من جِهَة المُنفِق، أَمّا عطو فيُبرِز وُصول المُعطى إلى جِهَة بِعَينها. ويَفتَرِق عَن وهب بِأَنّ الهِبَة تُبرِز خُلوص المِنحَة، أَمّا العَطاء فقَد يَكون جِزيَة أَو صَدَقَة أَو جَزاء أَو وَعدًا. ويَفتَرِق عَن منن بِأَنّ المَنّ يُبرِز جِهَة المُعطي وفَضله، أَمّا عطو فيُبرِز فِعل التَسليم نَفسه. ويَفتَرِق عَن كرم بِأَنّ الكَرَم وَصف ذاتيّ، أَمّا عطو حَدَث انتِقال.
مَدى الاستِخدام
يَتَوَزَّع على العَطاء الإلهيّ (الكَوثَر، خَلق كُلّ شَيء، الرِزق، الجَزاء غَير المَجذوذ)، والعَطاء البَشَريّ (الجِزيَة في التَوبَة 29، الصَدَقات في التَوبَة 58، البَذل ثُمَّ القَطع في الليل 5/النَجم 34)، وزاويَة فَريدَة في القَمَر 29 بِصيغَة فَتَعاطى (إقبال الفاعِل على فِعله).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا﴾
﴿وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ﴾
﴿فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾
اختبار الاستِبدال
في التَوبَة 58 ﴿فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ﴾، لو استَبدَلنا «أُعطوا» بِـ«أُنفِقَ عَلَيهم» (نفق) لَانكَسَر المَعنى لِأَنّ الإنفاق يُبرِز إخراج المال من المُنفِق لا وُصول النَصيب المُحَدَّد لِلمُتَلَقّي. ولو استَبدَلناها بِـ«وُهِبوا» (وهب) لَتَضَمَّن خُلوص المِنحَة، والصَدَقات هُنا نَصيب مَحسوب لا هِبَة خالِصَة. عطو وَحدَه يَضبِط حَرَكَة وُصول الجُزء المَخصوص إلى آخِذه.
عَطاء واصِل إلى مُحتاج قابِل لِلانتِفاع، من جِهَة رازِقَة لا من ذاتِه
الجَوهَر
الرزق في القرآن عَطاء يَنتَفِع بِه المَرزوق في قيام حَياتِه أَو صَلاح حالِه، يَأتيه من جِهَة رازِقَة لا من ذاتِه وَحدَه. يَشمَل الطَعام والشَراب والمال والذُرّيَّة ورزق الجَنَّة، ويَسَع الدابَّة التي لا تَكسِب واليَتيم في القِسمَة وأَهل الجَنَّة. القاسِم المُشتَرَك أَنّ المُعطى يَصِل إلى مُحتاج قابِل لِلانتِفاع.
المُمَيِّز
يَفتَرِق عَن «كسب» بِأَنّ الكَسب فِعل الطالِب وتَحصيل العَبد، والرزق ما يَصِل إليه من جِهَة أُخرى. وعَن «سعي» بِأَنّ السَعي حَرَكَة الطَلَب لا الواصِل المُنتَفَع بِه. وعَن «ورث» بِأَنّ الإرث انتِقال مِلك بِسَبَب نَسَب أَو فَناء مالِك، لا إمداد قيام حَياة. وعَن «فيء» و«غنم» و«نفل» بِأَنَّها تَخصيصات شَرعيَّة لِأَموال مُعَيَّنَة في سياق قِتاليّ، بَينَما الرزق عامّ يَسَع الدابَّة والجَنين وأَهل الجَنَّة. وعَن «فلح» بِأَنّ الفَلاح نَتيجَة نَجاح ومَآل خَير لا عَين العَطاء الواصِل.
مَدى الاستِخدام
الرازِق في القرآن: الله وَحدَه (الرَزّاق، خَير الرازِقين، يَرزُق مَن يَشاء)، والأَوثان مَنفيّ عَنها الرزق صَريحًا (العَنكبوت 17). المَرزوق: الإنسان مُؤمِنًا وكافِرًا، الدَوابّ التي لا تَحمِل رِزقَها، أَهل الجَنَّة، اليَتامى في القِسمَة. المَرزوق بِه: ثَمَرات وماء وطَيِّبات، رزق مَعلوم في الآخِرَة، مال يُنفَق مِنه. السياقات: رزق الدُنيا المُنزَّل، رزق الآخِرة الدائم، رزق الإنفاق، بَسط الرزق وقَدرُه بِالمَشيئَة، تَقابُل الرزق والإمساك. 123 مَوضِعًا في 109 آيَة.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾
﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾
﴿أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي يَرۡزُقُكُمۡ إِنۡ أَمۡسَكَ رِزۡقَهُۥۚ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال رزق بِكَسب ولا سَعي في مَواضِعِه: في ﴿لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا﴾ الدابَّة لا تَكسِب أَصلًا، فالاستِبدال يَنقُض الآيَة. في ﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ المُنفَق مِنه واصِل من الله، ولَو قيل «وَمِمَّا كَسَبوا يُنفِقون» لانتَقَل الإسناد إلى العَبد وانكَسَرَت فاصِلَة صِفات المُؤمِنين. في ﴿ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ﴾ البَسط والقَدر صِفَة الواصِل لا الكاسِب. القاعِدة: رزق يُسَمّى من زاويَة الوُصول إلى المُحتاج القابِل لِلانتِفاع، وكَسب من زاويَة فِعل الطالِب — فالاستِبدال يُغَيِّر زاويَة الإسناد ويُفقِد الآيَة دلالَتَها.
ثبوت المطابقة للحق في القول والعهد والبذل والتصديق
الجَوهَر
جذر يدور على تحقق المطابقة للحق وثبوتها، بحيث يوافق القول أو الدعوى أو العهد أو البذل ما يجب أن يوافقه. لا يقتصر على الخبر، بل ينتظم خمسة مسارات: صدق القول والدعوى، وتصديق الوحي والكتب، وصدق العهد والوعد والعمل، والصدقة والتصدق، ومقام الصدّيق ورابطة الصديق. الجامع: ثبوت الموافقة لا مجرد عدم الكذب.
المُمَيِّز
صدق ليس مرادفًا لـ«ءمن»: الإيمان دخول في التصديق والالتزام، والصدق معيار مطابقة الدعوى، ولذلك أُمر المؤمنون أن يكونوا «مع الصادقين» بعد التقوى (التوبة 119). وليس مرادفًا لـ«وفي»: الوفاء أداء العهد كاملًا، والصدق مطابقة الفعل لما عوهد عليه (الأحزاب 23). وليس مرادفًا لـ«قرر»: التقرير إثبات الحكم، والصدق ثبوت المطابقة في القول والعمل. وليس مرادفًا لـ«حق»: الحق هو الثابت نفسه، والصدق مطابقة القول/الفعل له (النساء 122).
مَدى الاستِخدام
155 موضعًا في 144 آية، 74 صيغة مرسومة. أوسع العناقيد: صيغ التحدي ﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ في 28 آية، وصيغ التصديق بما بين يديه أو بما معهم، وصيغ الصدقة والتصدق، وصيغ الصدّيق/الصديق. صيغة التفضيل «أصدق» لم ترد إلا مرتين، وكلتاهما في حق الله (النساء 87 والنساء 122).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾
﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا﴾
﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِ﴾
اختبار الاستِبدال
في ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ التوبة 119، لو استُبدل «الصادقين» بـ«المؤمنين»، لانكسر المعنى لأن الخطاب أصلًا للذين آمنوا؛ فالمطلوب بعد الإيمان معيّة الصادقين الذين ثبتت مطابقة دعواهم. ولو وُضع «الموفين» مكانها، لضاقت الدلالة إلى أداء العهد فقط، وفات صدق القول والتصديق بالوحي. الصدق هنا معيار جامع لا يقوم غيره مقامه.
الزَكاة: فَريضَة مَوقوتَة تُطَهِّر المال وَتُنَمّي النَفس
الجَوهَر
زكو يَجمَع في زاوية واحِدَة بَين التَطهير وَالنَماء: إزالَة ما يَعلَق بِالمال أَو النَفس مِن حَقّ أَو خَبَث، فَيَظهَر الصَلاح وَيَزداد. الزَكاة لَيست عَطاءً عابِرًا بَل عِبادَة مَخصوصَة، وَتَأثيرها مُزدَوَج: تُطَهِّر المُعطي وَتُزَكّيه مَعًا.
المُمَيِّز
نفق بَذلٌ عامّ لِالمال في وُجوهه، وَصدق إعطاء يُصَدِّق دَعوى الإيمان، وَعطو مُناوَلَة لِالشَيء. أَمّا زكو فَهو وَحده يَجمَع: (1) الفَريضَة المَوقوتَة المُقَدَّرَة المَقرونَة بِالصَلاة (البقرة 43، البينة 5)، (2) أَثَر التَطهير ﴿تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة 103)، (3) النَماء في النَفس ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ (الشمس 9). الإنفاق قَد يَكون تَطَوُّعًا، وَالزَكاة رُكن.
مَدى الاستِخدام
59 مَوضِعًا في 56 آية فَريدَة، تَتَوَزَّع عَلى ثَلاثَة مَسالِك: الزَكاة عِبادَة ماليَّة (الغالِب، أَكثَره مَقرون بِالصَلاة)، التَزكية فِعل إنشاء صَلاح (مِن الله وَرَسوله)، وَالزَكاء وَصفًا (أَزكى طَعامًا، نَفسًا زَكيَّةً، غُلامًا زَكيًّا). يَمتَدّ بَين حَقلَي «الإنفاق وَالعَطاء» وَ«الطَهارَة وَالنَماء».
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾
﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾
اختبار الاستِبدال
صَريح. لا يَصِحّ استِبدال «الزَكاة» بِـ«الصَدَقَة» أَو «النَفَقَة» في ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾؛ فَالزَكاة فَريضَة مُقَدَّرَة مَقرونَة بِالصَلاة، وَالصَدَقَة قَد تَكون تَطَوُّعًا. وَلا يَصِحّ استِبدال ﴿يُزَكِّيهِمۡ﴾ (البقرة 129، الجمعة 2) بِـ«يُنفِق عَلَيهِم» لِأَنّ التَزكية إنشاء صَلاح في النَفس بِالآيات وَالتَعليم، لا بَذل مال. وَ﴿أَزۡكَىٰ طَعامًا﴾ (الكهف 19) لا يُبدَل بِـ«أَكثَر» أَو «أَنفَع»: الزَكاء صَفاء وَنَقاء، لا مِقدار.
الكَرَم رِفعَة قَدر وصِيانَة مَقام، لا مُجَرَّد بَذل عَطاء
الجَوهَر
كرم في القُرءان هو علو القَدر مَع الصِيانَة من الدَناءَة؛ فإذا كان فِعلًا فهو رَفع وإحسان يُثبِت لِلمُكرَم حُرمَة ومَكانَة، وإذا كان وَصفًا فهو نَفاسَة وشَرَف ومُلاءَمَة تَليق بِالمَقام. لا يَنحَصِر في العَطاء المالي؛ بل يَجمَع بَين علو القَدر، وصِيانَة المَقام، وإكرام المُعامَلَة، ونَفاسَة الشَيء المَوصوف.
المُمَيِّز
كرم أَوسَع من العَطاء والبَذل: لو حَضَر مَعنى البَذل وَحدَه لما فَسَّر «قَولًا كَريمًا» ولا «كِتابًا كَريمًا» ولا «رَسولًا كَريمًا» ولا «العَرش الكَريم». نفق/عطو/وهب تَدور على فِعل البَذل ومادَّة العَطاء، أَمّا كرم فيَصِف صِفَة المُعطي ورِفعَة المُعطى ومَقام الشَيء. الكَرَم يَخرُج المَوصوف من الدَناءَة إلى مَقام مُعتَبَر، ويَصِف العَرش والقُرءان والرَسول والصُحُف والوَجه — وهذه لا يَجوز فيها «وَهب» أَو «أَعطى» أَو «أَنفَق».
مَدى الاستِخدام
يَرِد في 47 مَوضِعًا في 46 آيَة بـ18 صيغَة. يَصِف: القَول (الإسراء 23)، الرِزق (الأنفال 4)، الكِتاب (النمل 29)، القُرءان (الواقعة 77)، الرَسول (الحاقة 40، التكوير 19)، العَرش (المؤمنون 116)، الزَوج النَباتيّ (لقمان 10، الشعراء 7، الحج 50)، المَقام (الشعراء 58، الدخان 26)، المَلائكَة والكَتَبَة (الإنفطار 11، عبس 16)، الصُحُف (عبس 13)، الأَجر (يس 11، الحديد 11/18)، ووَصف لِله (المؤمنون 116، الإنفطار 6، الدخان 49، العلق 3، الرحمن 27/78).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾
﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾
﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩﴾
اختبار الاستِبدال
في الإسراء 23 ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾، لو استَبدَلنا «كَريمًا» بِـ«مُنفَقًا» أَو «مَوهوبًا» أَو «مُعطًى» لانكَسَر المَعنى تَمامًا — لأَنّ القَول ليس مادَّة تُبذَل، بل مَقام يُحفَظ. وفي المؤمنون 116 ﴿رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ﴾ لا يَصِحّ «العَرش المَوهوب» ولا «المُنفَق»، لأَنّ الوَصف هنا لِنَفاسَة العَرش ورِفعَته لا لِبَذل شَيء. كذلك في الفجر 17 ﴿لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ﴾، الإكرام أَوسَع من الإنفاق عَلَيه؛ فقَد يُنفِق المَرء عَلى اليَتيم وهو لا يُكرِمه — أَي لا يَحفَظ مَقامَه ولا يَصونُه من الدَناءَة.
عَطاء يُبرِز فَضل المُعطي على المُتَلَقّي — مَحمود من الله، مُفسِد من البَشَر
الجَوهَر
منن لا يَعني مُطلَق العَطاء، بَل العَطاء حين يَظهَر مَعَه أَثَر الفَضل على عَلاقَة المُعطي بِالمُتَلَقّي. من الله فَضل ونَجاة وهِدايَة ورِزق مَحمود، ومن الإنسان دَعوى فَضل تُبطِل الصَدَقَة وتُلحِق الأَذى. وفي «غَيۡرُ مَمۡنُونٖ» تَنزيه لِلأَجر عَن كَدَر المَنّ ومُطالَبَته.
المُمَيِّز
يَفترِق منن عَن نفق/عطو/وهب بِأَنَّ تِلكَ تَصِف الإيصال أَو المَنح ابتداءً، بَينَما منن يُضيف بُعد إبراز الفَضل ونِسبَته إلى المُعطي. ولِذلك يَقتَرِن دائمًا بِـ«على + ضَمير المُتَلَقّي» (لا يَتَخَلَّف في أَيّ مَوضِع)، ويَجمَع المُعطي والمُتَلَقّي في عَلاقَة فَضل ظاهِرَة.
مَدى الاستِخدام
إلَهيّ غالِبًا إيجابيّ (فَضل، رِسالَة، هِدايَة، رِزق المَنّ والسَلوى، نَجاة المُستَضعَفين)، وبَشَريّ غالِبًا سَلبيّ (يُبطِل الصَدَقَة بِالبقرة 264، يُكَدِّر الإسلام بِالحجرات 17). وفي «فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ» (ص 39) ومحمد 4 فَرع التَصَرُّف في العَطاء المَقدور بَين الإطلاق والحَبس.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾
﴿هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾
اختبار الاستِبدال
في الحجرات 17 ﴿بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ﴾، لو استَبدَلنا «يَمُنُّ» بِـ«يُنفِق» أَو «يَهَب» لَفَقَدَ المَعنى بُعد إبراز الفَضل ونِسبَته إلى المُعطي؛ ويَتَحَوَّل من تَأكيد عَلاقَة فَضل ظاهِرَة (الله يَهَبكم الهِدايَة ويُذَكِّركم بِها رَدًّا على دَعواكم) إلى مُجَرَّد إيصال نِعمَة. والـ«وهب» في القُرءان يَأتي لِلهِبَة ابتداءً دون لازِم «على + ضَمير»، أَمّا «منن» فَلا يَنفَكّ عَن هذا التَركيب البِنيويّ.
وهب: تمليك مَجّانيّ بلا عِوَض، غالِبًا فِعل إلَهيّ ابتداءً
الجَوهَر
«وهب» إعطاء من جهة مالكة بلا معاوضة ظاهرة، غالبًا ابتداءً من الله أو استجابة لدعاء. يبرز صفة الواهب ومجانية العطاء وكون الموهوب نعمة مخصوصة.
المُمَيِّز
تختص الهبة عن نفق (إخراج مال في وجه) وعطو (مدّ وتسليم عام) ومنن (إنعام مع إظهار الفضل) وكرم (سعة الفضل وصفته): الهبة تَمليك مَجّانيّ بلا مقابل، يَبرُز فيها فعل المنح نفسه، ومتعلَّقها أعيان مخصوصة كالذرية والرحمة والحكم والمُلك لا الإنفاق المالي.
مَدى الاستِخدام
غالِبًا فِعل إلَهيّ: ذرية (إسحاق ويعقوب ويحيى)، رحمة، حُكم، مُلك، إناث وذكور. الاسم «الوهَّاب» صِفَة لِله ثلاث مرات. تأتي مرة واحدة من إنسان: هبة المرأة نفسها للنبي (الأحزاب 50).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾
﴿لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ﴾
اختبار الاستِبدال
في آل عمران 38 ﴿رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةً﴾، لو استُبدِلت «هب» بِـ«ارزقني» لانصَرَف المعنى إلى الإمداد والانتفاع المتجدد، ولو استُبدِلت بِـ«أنفق عليّ» لانكَسَر السياق لأنّ نفق متعلَّقه إخراج مال في وجه، أمّا الهبة فتُبرِز تَمليكًا مَجّانيًّا لعَين مخصوصة لا تُكتَسَب (الذرية) من «لَدُنك» مَحض الفضل.
الإيثار: تقديم الغير على النفس في العطاء حتى مع الخصاصة
الجَوهَر
الجذر يجمع الأثر والإيثار تحت معنى التقدم والبقاء، وفي حقل الإنفاق يبرز بُعده الأخص: الإيثار، وهو اختيار تقديم الغير على النفس عند تزاحم الحاجة. هو قمة هرم العطاء؛ لأنه بذل مع وجود الحاجة عند الباذل نفسه، لا مع الفضل والسعة.
المُمَيِّز
يفترق الإيثار عن نفق وعطو وصدق بأنه ليس مجرد إخراج مال أو منح شيء، بل تقديم الغير على النفس في موضع الحاجة. النفق إخراج مما بيد، والعطو مدّ يد بالمنح، والصدقة بذل تطوع لله؛ أما الإيثار فاختيار وتفضيل عند تزاحم الباذل والمعطى، ولذا قُيّد في الحشر 9 بـ﴿وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞ﴾.
مَدى الاستِخدام
ورد الإيثار في حقل العطاء صريحًا في الحشر 9 (وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ)، كما جاء بمعنى التفضيل والاختيار في يوسف 91 (ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا) وطه 72 (لَن نُّؤۡثِرَكَ) والأعلى 16 (تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا). وللجذر معنى آخر هو الأثر المتروك والمسار المتبع (المائدة 46، الكهف 64، يس 12).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾
﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ﴾
﴿بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا﴾
اختبار الاستِبدال
في الحشر 9، لو استُبدلت ﴿وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ بـ«ويُنفِقون على إخوانهم» أو «ويُعطُون إخوانهم»، لانكسر بُعد التقديم على النفس عند تزاحم الحاجة، وصار المعنى مجرد بذل من فضل، ولفقد القيد ﴿وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞ﴾ مناطه؛ لأن نفق وعطو لا يستلزمان وجود الحاجة عند الباذل، أما الإيثار فمناطه تقديم الغير مع تحقق الحاجة في الذات.
اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة — حَيث تَجتَمِع الجذور
﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾
الآيَة التَعريفيَّة لِبِنيَة الإنفاق كُلِّه: ﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ — تَرتيب لا يَنعَكِس. الرِزق سابِق وَمَصدَرُه إلَهيّ (نون التَعظيم «رَزَقۡنَٰهُمۡ»)، النَفَقَة لاحِقَة وَفِعلُها بَشَريّ. «مِمَّا» (تَبعيضيَّة) تَكشِف قاعِدَة ثانيَة: الإنفاق من بَعض الرِزق، لا كُلِّه. لو كانا مُتَرادِفَين لاكتَفى الكَلام بِأَحَدِهِما. هَذا التَرتيب يَحكُم آيات مُتَعَدِّدَة (البقرة 254، النساء 39، الأنفال 3، الحج 35، فاطر 29، الشورى 38، الحديد 7، المُنافِقون 10 وَغَيرها) — قاعِدَة بِنيَويَّة لا استِثناء لَها.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾
ثَلاثَة جذور في آيَة واحِدَة تَكشِف قانونًا بِنيَويًّا فَريدًا: ﴿لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ﴾ — المَنّ يُبطِل الصَدَقَة لا الإنفاق العادي، لِأَنّ الصَدَقَة بُرهان صِدق الإيمان، وَالمَنّ يَنقُض البُرهان من داخِله. ثُمَّ التَشبيه ﴿كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ﴾ — لاحَظ تَحَوُّل اللَفظ من «صَدَقات» إلى «يُنفِق»: حِين يَفقِد البَذل بُعد التَصديق يَنزِل من «صَدَقَة» إلى مُجَرَّد «إنفاق» مَكسور. المَنّ في القُرءان مَحمود مِن الله لأَنّه يَكشِف الفَضل، مَذموم من البَشَر لأَنّه يُذِلّ المُتَلَقّي ويُبطِل البَذل.
﴿وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ﴾
التِقاء فَريد يَكشِف الفَرق بَين المُؤَسَّسَة (صَدَقَة) وَالفِعل (عَطاء): الصَدَقات هي المال الجَماعيّ الشَرعيّ، وَالعَطاء هو فِعل التَسليم بِاليَد لِفَرد بِعَينه. ﴿أُعۡطُواْ مِنۡهَا﴾ — العَطاء يَخرُج «مِن» الصَدَقات، فَهو سَهم من المَجموع. تَكرار «أُعۡطُوا/يُعۡطَوۡاْ» مَرَّتين مُتَتالِيَتَين يَفصِل الانفِعال البَشَريّ (الرِضا/السَخَط) عَن طَبيعَة الصَدَقَة المَوضوعيَّة. لو كانا مُتَرادِفَين لاكتَفت الآيَة بِأَحَدِهِما. الفَرق البِنيَويّ: صَدَقَة = حَقّ مُؤَسَّسيّ، عَطاء = مُناوَلَة شَخصيَّة.
﴿۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾
مَثَل بِنيَويّ يُكَرِّر قاعِدَة البقرة 3 بِأُسلوب التَقابُل: عَبد مَملوك ﴿لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ﴾ مُقابِل ﴿مَن رَّزَقۡنَٰهُ... فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ﴾. تَكرار «مِنَّا» مَع «رَزَقۡنَٰهُ» يَكشِف أَنّ القُدرَة على الإنفاق ذاتها رِزق إلَهيّ — لا فَضل لِالمُنفِق على المَرزوق. «مِنۡهُ» (لا «إيّاه») تُؤَكِّد التَبعيض: المُنفِق يَبذُل بَعض رِزقِه، لا كُلَّه. ﴿سِرّٗا وَجَهۡرًا﴾ تُظهِر أَنّ الإنفاق المَقبول لا يَتَغَيَّر بِتَغَيُّر الظَرف العَلَنيّ، بِخِلاف الصَدَقَة التي قَد يَختَلِف حُكمُها بِالإسرار وَالإعلان (البقرة 271).
﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾
آيَة واحِدَة تَجمَع الجُذور الثَلاثَة في تَدَرُّج زَمَنيّ مُحكَم: الأَمر بِالإنفاق ﴿أَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم﴾ (تَكرار قاعِدَة الرِزق السابِق)، ثُمَّ النَدَم عِند المَوت بِلَفظ مُختَلِف ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ (لا «فأُنفِق»). الانتِقال من «إنفاق» في الأَمر إلى «تَصَدُّق» في النَدَم كَشف بِنيَويّ: المَيِّت لا يَتَمَنّى الإنفاق المُجَرَّد، بَل البَذل الذي يَحمِل بُعد التَصديق — لِأَنّه أَدرَك أَنّ الصَدَقَة هي ما يَبقى أَثَرُه. ثُمَّ ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ يَرفَع الفِعل من السُلوك إلى الوَصف. لو كان «إنفاق» و«تَصَدُّق» مُتَرادِفَين لاكتَفت الآيَة بِأَحَدِهِما في المَوضِعَين.
﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾
الآيَة المَركَزيَّة لِقِمَّة الحَقل: الإيثار. لاحَظ أَنّ القُرءان لم يَستَخدِم «يُنۡفِقُونَ» ولا «يَتَصَدَّقُونَ» ولا «يُعۡطُونَ» — اختار «يُؤۡثِرُونَ» تَحديدًا، لِأَنّ القَيد ﴿وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞ﴾ يَنقُل الفِعل من الإنفاق العادي (من فَضل الرِزق، البقرة 3) إلى البَذل مَع الحاجَة الذاتيَّة عِند الباذِل. الإيثار هُنا لَيس فَضلًا ماليًّا بَل تَغليب الغَير عَلى النَفس وَقت التَزاحُم. ثُمَّ يَكشِف الضِدّ البِنيَويّ ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ﴾ — الشُحّ، لا البُخل، لِأَنّ البُخل مَنع البَذل، والشُحّ هَلَع داخِليّ يَمنَع حَتّى الرَغبَة في البَذل. هَذِه هي القِمَّة التي لا يَبلُغها صَدَقَة ولا نَفَقَة ولا عَطاء.