قَ
قَولات
موسوعة جذور القرءان

مدلول الآية · قراءة داخليّة من الجذور والسياقالغَاشِية٣

الجزء 30صفحة 5922 قَولتين2 حقلين

خلاصة المدلول

مدلول الآية أن الوجوه الخاشعة يومئذٍ تحمل على ظاهرها علامتَين متلازمتَين: هيئة عمل قائم وكلفة نصب ظاهرة، وكلتاهما لا تدلّان على نجاة بل على خسران. ﴿عَامِلَةٞ﴾ تجعل الوجه صاحبَ أثر عمل منسوب إليه، لكن مجرد الانتساب للعمل لا يُعطي قبولًا لأن الآية لا تذكر مفعولًا ولا غاية ولا ثمرة. ثم تأتي ﴿نَّاصِبَةٞ﴾ مباشرةً بلا عطف فتقيّد ذلك العمل بكلفة قائمة من داخله، لا عارضة من خارج. بذلك تصوّر الآية عملًا ظاهره بذل وحركة ومآله نصب وخضوع، ثم يفصّل السياق التالي ما يؤول إليه: نار حامية وشراب وطعام لا يغني. وهذا المآل يجعل ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾ علامة خسران لا شهادة مدح.

كيف وصلنا إلى المدلول

تدخل الآية من جارتها السابقة مباشرةً: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ﴾ تحمل ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾ على أنها صفتان لتلك الوجوه، لا جملة مستقلة تعرّف العمل أو النصب تعريفًا عامًا.

  • هذا الحمل حاكم على القراءة كلها: فليست الآية إخبارًا عن أصحاب مهن أو أعمال في الدنيا، بل مشهد وجوه في يوم الغاشية يظهر عليها أثر عمل انتهى إلى كلفة دون ثمرة نجاة.

حذف الفعل الصريح والمفعول والغاية كلها دالّ: لم يقل النصّ «تعمل» بفعل مضارع يصف حدثًا متجددًا، ولم يذكر ما عملت ولِمَن.

  • جاء بدلًا من ذلك باسم فاعل مؤنث منكّر.
  • اسم الفاعل يثبت الهيئة ويلزمها الوجه، والتنكير يتركها بغير تعيين لعمل صالح مخصوص أو صنعة نافعة بعينها، والتأنيث يوافق «وجوه» في السياق ويربط الصفة بها ربطًا نحويًا محكمًا.
  • بهذا لا تصبح ﴿عَامِلَةٞ﴾ وصفًا ممدوحًا بل مجرد مرئيّ على الوجه: أثرُ عملٍ حُمِل عليه ثم لم يظهر منه قبول.

الأثر المنتسب إلى صاحبه في هذه الآية ليس أثر قبول، بل أثر يحمله الوجه في هيئة خضوع وكلفة.

  • في هذه الآية يظهر العمل في حالته المحبطة: وجهٌ يحمل أثر عمل لكن لا يظهر على ذلك الأثر قبول، وينتظر أصحابه النار لا الأجر.
  • لذلك لو عوملت ﴿عَامِلَةٞ﴾ كتعريف عام لجذر عمل لضاع القيد الحاكم: أن العمل هنا مقيَّد بالنصب ومآله العذاب، وليس شاهدًا مادحًا على الأثر المجزيّ.

تأتي ﴿نَّاصِبَةٞ﴾ بلا واو عطف، فلا يُقرأ الاثنان صفتَين منفصلتَين بل يقرأ النصّ هيئةً مركّبةً: «عمله نصبٌ».

  • صيغة ﴿نَّاصِبَةٞ﴾ هنا تحمل كلفة قائمة في صاحبها، لا إقامة خارجية ولا حصة مقسومة.
  • ومما يضبط هذا أن السورة نفسها تأتي بـ﴿نُصِبَتۡ﴾ للجبال، فيظهر أن الفرق بين الصيغتين سياقيٌّ وبنيويٌّ: ﴿نَّاصِبَةٞ﴾ حال قائم في صاحبه، و﴿نُصِبَتۡ﴾ إقامة لشيء منظور.

ترتيب القولتين ضرورة: لو جاءت ﴿نَّاصِبَةٞ﴾ وحدها لاحتملت تعبًا من أسباب مجهولة.

  • ولو بقيت ﴿عَامِلَةٞ﴾ وحدها لاحتملت العمل الصالح المجزيّ.
  • اجتماعهما يجعل الثانية قيدًا للأولى: عملٌ نتيجته نصبٌ، ونصبٌ سببه عملٌ.
  • هذا التكامل ينعكس مباشرةً على ما بعد الآية: نار حامية وعين آنية وطعام لا يسمن، وهو تفصيل المآل الذي أشارت إليه ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾ بالإجمال.

المقابلة الكبرى في السورة تسند هذا كله: الوجوه الخاشعة العاملة الناصبة في مقابل الوجوه الناعمة لاحقًا.

  • ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾ تقع في نصف المشهد الأول فتكون علامة فارقة: الفرق بين وجه الخسران ووجه النعيم ليس في مجرد الحال الداخلية بل في أثر العمل ومآله.

أثر كلّ جذر في بناء المدلول

هذه الخريطة تفصل أثر كل جذر في الآية ثم تجمعها: الجذور هنا هي عمل، نصب. المقصود ليس إعادة تعريف الجذور، بل بيان كيف تدخل كل مادة في بناء مدلول الآية.

جذر عمل1 في الآية
عَامِلَةٞ
الفعل والعمل والصنع 360 في المتن

مدلول الجذر: «عمل» هو فعلٌ مؤثرٌ يصدر عن عامل، وتثبت له نسبةٌ إلى صاحبه وأثرٌ في الحساب أو الشهادة أو النتيجة، ويتسع كذلك للعمل ولايةً على أمر قائم ﴿وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا﴾، وللعمل كدحًا ونصبًا ظاهرًا ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾. ولا يساوي مطلق الفعل لأن الفعل قد يكون حدثا عارضا، أما العمل ففيه نسبة إلى العامل وأثر يبقى أو يُحكم عليه.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «عمل» هنا في 1 موضع/مواضع: عَامِلَةٞ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الفعل والعمل والصنع» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: «عمل» هو فعلٌ مؤثرٌ يصدر عن عامل، وتثبت له نسبةٌ إلى صاحبه وأثرٌ في الحساب أو الشهادة أو النتيجة، ويتسع كذلك للعمل ولايةً على أمر قائم ﴿وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا﴾، وللعمل كدحًا ونصبًا ظاهرًا ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يفترق عمل عن أقرب جيرانه في حقل الفعل والعمل والصنع بما يلي: الجذر وجه الشبه وجه الافتراق الشاهد ------------ حبط كلاهما يتصل بأعمال لها مآل.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة عَامِلَةٞ: في سورة الزَّلزَلة ٧ ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ﴾: لو أُبدِل «يعمل» بـ«يفعل» لضاع معنى الأثر الموزون المحسوب الذي يُرى يوم الجزاء، إذ الفعل حدثٌ عارضٌ قد لا يَبقى له أثرٌ، والعمل أثرٌ ثابتٌ يُشهَد. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

جذر نصب1 في الآية
نَّاصِبَةٞ
الحساب والوزن 33 في المتن

مدلول الجذر: نصب: قيامُ شيءٍ أو أثرٍ في جهةٍ مخصوصة حتى يتعيّن موضعه ويظهر أثره. فليس هو مجرّد علوٍّ كالرفع، ولا مجرّد تفريقٍ كالقِسمة. ومنه النصيب: حصّةٌ قائمةٌ متعيّنةٌ لصاحبها. ومنه النَّصَب: كلفةٌ تقوم بالبدن أو العمل. ومنه النُّصُب والأنصاب: شيءٌ منصوبٌ يتعلّق به فعل. ومنه نصبُ الجبال أو الإقبال على العمل: إقامةٌ ظاهرةٌ أو توجّهٌ إليها.

وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «نصب» هنا في 1 موضع/مواضع: نَّاصِبَةٞ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الحساب والوزن» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: نصب: قيامُ شيءٍ أو أثرٍ في جهةٍ مخصوصة حتى يتعيّن موضعه ويظهر أثره. فليس هو مجرّد علوٍّ كالرفع، ولا مجرّد تفريقٍ كالقِسمة. ومنه النصيب: حصّةٌ قائمةٌ متعيّنةٌ لصاحبها.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: الجذر وجه الشبه وجه الافتراق الشاهد ------------ قسم توزيع الحصص في مقامٍ واحد «القِسمة» حدثُ التفريق نفسه يُحضَر ويُباشَر.

كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة نَّاصِبَةٞ: اختبار الاستبدال يبيّن أثر اللفظ في السياق. لو استُبدلت «نَصِيبٞ» في قوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ﴾ سورة النِّسَاء ٧ بـ«حظّ»، لفات معنى الحصّة المتعيّنة لصاحبها. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.

اجتماع هذه الجذور يصنع مدلول الآية من الحركة بين جذورها وصيغها وسياقها. فكل جذر يضيف حدًا، ثم تأتي الصيغ والترتيب والاستبدال لتبيّن أي حد هو أصل المعنى وأي حد يقيّده أو يوسعه.

شبكة الاستبدال لكلّ قَولة

2 قَولتين · مُختبَرة كاملةً
استبدال ﴿عَامِلَةٞ﴾جذر عمل

لا تقوم «فاعلة» مقامها لأن الفعل أعم في وقوع الحدث ولا يلزم منه أثر منسوب لصاحبه وقابل للمحاسبة. ولا تقوم «ساعية» لأن السعي يبرز الحركة والقصد، أما ﴿عَامِلَةٞ﴾ تثبت هيئة عمل له أثر ظاهر، ثم تتركه مقيّدًا بالنصب. ولا تقوم «كاسبة» لأن الكسب يبرز التحصيل لصاحبه، والآية تنفي ثمرة نافعة بما يأتي بعدها من مآل.

استبدال ﴿نَّاصِبَةٞ﴾جذر نصب

لا تقوم «لاغبة» لأن اللغوب أثر باطن لاحق، أما ﴿نَّاصِبَةٞ﴾ كلفة قائمة من داخل العمل نفسه. ولا تقوم «مجهدة» لأنها تصف شدة عامة دون ربطها بفرع الجذر الذي يجمع بين قيام الأثر وثباته في صاحبه. ولو استبدلت بـ«مؤلمة» تحوّل المعنى إلى إحساس طارئ، والنصب هنا حال قائم ملازم للعمل يظهر على الوجوه.

لطائف وثمرات

  • العمل لا يمدح بذاته

    الآية تجعل العمل محتاجًا إلى أثره ومآله. هنا لا يظهر أثر قبول أو أجر، بل يظهر نصب على الوجوه ثم مآل عذاب.

  • النصب ليس تعبًا منفصلًا

    ﴿نَّاصِبَةٞ﴾ لا تضيف شعورًا عارضًا، بل تصف العمل نفسه بأنه مولِّد للكلفة القائمة على الوجه.

  • الآية تقرأ في مشهد وجوه لا منفردة

    من دون ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ﴾ تضيع جهة الحمل، ومن دون النار والسقي والطعام بعدها يضعف معنى الخسران، ومن دون الوجوه الناعمة لاحقًا تضيع المقابلة الكبرى.

روابط موسوعيّة من الآية

لا توجد وحدات موسوعية أخرى مرتبطة بهذه الآية في البيانات الحالية.

قرائن بناء المدلول

  • الحمل على الوجوه يحدد جهة المعنى

    الآية لا تُقرأ إلا بعد ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ﴾. ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾ صفتان لوجوه لا جملتان مستقلتان، والتأنيث والتنكير في كليهما يوثّق هذا الحمل. هذا يمنع قراءتهما كتعريف عام أو إخبار عن أصحاب أعمال في الدنيا.

  • الاقتران بلا عطف يجعل النصب قيدًا للعمل

    لو فصلتهما واو لصار كل منهما وصفًا مستقلًا قابلًا للفهم منفردًا. حذف العطف يجعل الثانية تقيّد الأولى فورًا: عملٌ نتيجته نصبٌ لا ثواب. وهذا يمنع قراءة ﴿عَامِلَةٞ﴾ كمدح مستقل للعمل.

  • غياب الفعل والمفعول والغاية

    الآية بنيت على اسمَي فاعل لا على فعل مضارع. هذا ينقل القراءة من حدث متجدد إلى هيئة ثابتة مشهودة على الوجه. ولا مفعول للعمل ولا غاية تظهر معه، فيبقى العمل معلّقًا بلا ثمرة مذكورة.

  • السياق يفصّل المآل

    ما بعد الآية: نار حامية، وعين آنية، وطعام لا يسمن ولا يغني من جوع. هذا تفصيل لما أجملته ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾ من مآل العمل المقيّد بالنصب. والوجوه الناعمة بعد ذلك تكمل المقابلة.

الرسم والهيئة

المحسوم وغير المحسوم
  • رسم ﴿عَامِلَةٞ﴾ وهيئتها

    الفرق المؤثر في الآية هو التأنيث والتنكير لا الرسم الصامت؛ التأنيث يربطها بالوجوه، والتنكير يتركها بلا تعيين لعمل بعينه. بهذا تصير ﴿عَامِلَةٞ﴾ هيئة ظاهرة على الوجوه لا تعريفًا عامًا للعمل. هذه القَولة لم ترد في المصحف إلّا في هذا الموضع — ﴿عَامِلَةٞ﴾ صورةٌ واحدة بلا نظيرٍ ثانٍ يُقابَلها. وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.

  • رسم ﴿نَّاصِبَةٞ﴾ وهيئتها

    تختلف ﴿نَّاصِبَةٞ﴾ هنا عن ﴿نُصِبَتۡ﴾ في الصيغة والوظيفة؛ الأولى حال كلفة قائمة في الوجوه من جهة العمل، والثانية إقامة للجبال داخل السورة. الشدة في أولها مرتبطة بوصل التنوين الذي قبلها في القراءة، وهي قرينة هيئة لا حكم دلالي مستقل.

  • ازدواج النكرتين المتجاورتين بلا عطف

    المحسوم بنيويًا أن الآية قولتان نكرتان مؤنثتان بلا واو عطف بينهما. هذا التركيب يجعل الثانية قيدًا للأولى لا صفة مستقلة، فيتكون معنى مركّب: عمله نصب. ولا يظهر من الرسم وحده فرق دلالي زائد وراء هذا الالتحام التركيبي.

إحصاءات الآية واستنباطات عابرة للصفحات

2قَولات الآية
2جذور مميزة
2حقول دلالية
جذور متكررة
7آيات السياق
وصلات موسوعية
30الجزء
592صفحة المصحف

مخططات سريعة

توزيع جذور الآية

عمل 1
نصب 1

حقول الآية

الفعل والعمل والصنع 1
الحساب والوزن 1

أكثر جذور السياق حضورًا

لا توجد نافذة سياق كافية.

الجذور في الآية

بيان مختصَر داخل الصفحة
جذر عمل1 في الآية · 360 في المتن
الفعل والعمل والصنع

«عمل» هو فعلٌ مؤثرٌ يصدر عن عامل، وتثبت له نسبةٌ إلى صاحبه وأثرٌ في الحساب أو الشهادة أو النتيجة، ويتسع كذلك للعمل ولايةً على أمر قائم ﴿وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا﴾، وللعمل كدحًا ونصبًا ظاهرًا ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾. ولا يساوي مطلق الفعل لأن الفعل قد يكون حدثا عارضا، أما العمل ففيه نسبة إلى العامل وأثر يبقى أو يُحكم عليه. وأثر العمل ليس ثابتا بإطلاق: قد يثبت، وقد يُقبل، وقد يُحبط، فالكفر يحبطه ﴿حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ﴾ ويُضلّه ﴿أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

تكملة البيان: «عمل» هو فعلٌ مؤثرٌ يصدر عن عامل، وتثبت له نسبةٌ إلى صاحبه وأثرٌ في الحساب أو الشهادة أو النتيجة، ويتسع كذلك للعمل ولايةً على أمر قائم ﴿وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا﴾، وللعمل كدحًا ونصبًا ظاهرًا ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾. ولا يساوي مطلق الفعل؛ لأن الفعل قد يكون حدثا عارضا، أما العمل ففيه نسبة إلى العامل وأثر يبقى أو يُحكم عليه. وأثر العمل ليس ثابتا بإطلاق: قد يثبت، وقد يُقبل، وقد يُحبط، فالكفر يحبطه ﴿حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ﴾ ويُضلّه ﴿أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾. وهو يشمل الصنعة ذات الأثر المادي لا الفعل التكليفي وحده، كعمل الجن في ﴿يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ﴾، ويشمل كذلك العمل الجاري في المعاش ﴿يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ﴾.

حد الجذر: هو فعل منسوب إلى صاحبه، له أثر في الجزاء أو الشهادة أو النتيجة، وقد يَرِد ولايةً على أمر أو كدحا ونصبا حالا؛ فلا ينحصر في العمل الموزون للجزاء وحده.

فروق قريبة: يفترق عمل عن أقرب جيرانه في حقل الفعل والعمل والصنع بما يلي: الجذر وجه الشبه وجه الافتراق الشاهد ------------ حبط كلاهما يتصل بأعمال لها مآل. العمل هو المنسوب إلى عامله، والحبط إسقاط أثر تلك الأعمال لا إيقاعها. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ سورة آل عِمران ٢٢ فعل كلاهما يدل على وقوع أمرٍ منسوب إلى فاعل. في الشاهد عمل المؤمنين مقيّد بالصالحات، بينما الفعل مسند إلى الله في قوله ﴿يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ سورة الحج ١٤ سعي كلاهما يتصل بفعل المؤمن في الصالحات.

اختبار الاستبدال: في سورة الزَّلزَلة ٧ ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ﴾: لو أُبدِل «يعمل» بـ«يفعل» لضاع معنى الأثر الموزون المحسوب الذي يُرى يوم الجزاء، إذ الفعل حدثٌ عارضٌ قد لا يَبقى له أثرٌ، والعمل أثرٌ ثابتٌ يُشهَد. وفي سورة التوبَة ١٠٥ ﴿فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ﴾: لو أُبدِل «عملكم» بـ«كسبكم» لتحوّل العمل من فعلٍ يراه صاحبُه وهو يُمارِسه إلى نتيجةٍ محصَّلةٍ بعد فراغه، فيضيع البُعد الزمنيّ الحاضر الذي يُلازم رؤية الله للعمل قبل الجزاء.

فتح صفحة الجذر الكاملة
جذر نصب1 في الآية · 33 في المتن
الحساب والوزن

نصب: قيامُ شيءٍ أو أثرٍ في جهةٍ مخصوصة حتى يتعيّن موضعه ويظهر أثره. فليس هو مجرّد علوٍّ كالرفع، ولا مجرّد تفريقٍ كالقِسمة. ومنه النصيب: حصّةٌ قائمةٌ متعيّنةٌ لصاحبها. ومنه النَّصَب: كلفةٌ تقوم بالبدن أو العمل. ومنه النُّصُب والأنصاب: شيءٌ منصوبٌ يتعلّق به فعل. ومنه نصبُ الجبال أو الإقبال على العمل: إقامةٌ ظاهرةٌ أو توجّهٌ إليها. ويشهد لإقامة الجبال في موضعها قوله: ﴿وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ﴾ سورة الغَاشِية ١٩.

أكمل بيان الجذر داخل الصفحة

تكملة البيان: نصب: قيامُ شيءٍ أو أثرٍ في جهةٍ مخصوصة حتى يتعيّن موضعه ويظهر أثره. فليس هو مجرّد علوٍّ كالرفع، ولا مجرّد تفريقٍ كالقِسمة. ومنه النصيب: حصّةٌ قائمةٌ متعيّنةٌ لصاحبها. ومنه النَّصَب: كلفةٌ تقوم بالبدن أو العمل. ومنه النُّصُب والأنصاب: شيءٌ منصوبٌ يتعلّق به فعل. ومنه نصبُ الجبال أو الإقبال على العمل: إقامةٌ ظاهرةٌ أو توجّهٌ إليها. ويشهد لإقامة الجبال في موضعها قوله: ﴿وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ﴾ سورة الغَاشِية ١٩. وتُستثنى صيغة ﴿نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ﴾ من سورة يُوسُف ٥٦ من مدلول الجذر؛ فهي من الإصابة لا من النصب.

حد الجذر: جذر متعدّد الفروع، جامعه قيام الشيء أو الأثر في موضعه: نصيب قائم بالقسمة والفرض والكسب، ونَصَب قائم بالبدن من الكلفة، وأنصاب ونُصُب قائمة في الأرض أو متصوّرة هدفًا، ونصب للجبال أو إقبال على العمل بعد الفراغ. لا يصح اختزاله في التعب وحده ولا في الحصّة وحدها، ولا يصح إبقاء سورة يُوسُف ٥٦ داخله؛ لأن ﴿نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا﴾ ليست من هذا الباب.

فروق قريبة: الجذر وجه الشبه وجه الافتراق الشاهد ------------ قسم توزيع الحصص في مقامٍ واحد «القِسمة» حدثُ التفريق نفسه يُحضَر ويُباشَر. و«النصيب» اسمُ الحصّة الحاصلة بعد التفريق، مضافًا إلى مالكه ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ﴾ سورة النِّسَاء ٧ · ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ﴾ سورة النِّسَاء ٨ لغب كلفةٌ تُنفى عن دار الجزاء «النَصَب» يقع مثبَتًا واقعًا على أهله، ويقع منفيًّا عن أهل الجنّة. و«اللغوب» لا يَرِد إلّا منفيًّا في موضعَيه كليهما ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ﴾ سورة فَاطِر ٣٥ · ﴿لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا﴾ سورة الكَهف ٦٢ كفل مآلٌ يترتّب في سياق الشفاعة يجمع الشاهدُ الأوّل «النصيب» و«الكفل» عقب فعلٍ واحد هو الشفاعة، فلا يثبت منه أنّ سبق الفعل خاصّةٌ للكفل.

اختبار الاستبدال: اختبار الاستبدال يبيّن أثر اللفظ في السياق. لو استُبدلت «نَصِيبٞ» في قوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ﴾ سورة النِّسَاء ٧ بـ«حظّ»، لفات معنى الحصّة المتعيّنة لصاحبها. ولو استُبدل «نَصَبٞ» في قوله: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ﴾ سورة فَاطِر ٣٥ بـ«ألم»، لفات معنى الكلفة القائمة التي ينفيها النصّ، وحلّ لفظٌ لا يبيّن هذا الوجه. ولو استُبدلت «نُصِبَتۡ» في قوله: ﴿وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ﴾ سورة الغَاشِية ١٩ بـ«رُفِعَتۡ»، لاختلّ الوصف؛ فاللفظ يبيّن إقامة الجبال في موضعها، لا مجرّد العلوّ. ولو استُبدلت «ٱلۡأَنصَابُ» في قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ﴾ سورة المَائدة ٩٠ بـ«الأوثان»، لانتقل اللفظ إلى ما يوصَف بالعبادة، وفات وصف الشيء المنصوب في موضع الفعل.

فتح صفحة الجذر الكاملة

القَولات (تفكيك ميكانيكيّ)

الترتيبالقَولة ↗الصيغةالجذر
1عَامِلَةٞعاملةعمل
2نَّاصِبَةٞناصبةنصب

السياق القريب (٥ قبل · ٥ بعد)

السياق القريب يضبط الآية من جهتين. من قبلها: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ﴾ توجب أن تُحمل ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾ على تلك الوجوه وصفًا لها يوم الغاشية، لا خبرًا عن أي عمل مطلق. ومن بعدها: ﴿تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ﴾ و﴿تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ﴾ و﴿لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ﴾ و﴿لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ﴾ تمنع قراءة العمل على أنه عمل صالح مجزيّ. ثم تظهر ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ﴾ لتكمل المقابلة: وجوه خاشعة عاملة ناصبة في مقابل وجوه ناعمة. هذا الإطار يجعل الآية الثالثة حلقة وسطى في مشهد الخسران لا جملة معزولة. وإذا أُسقط هذا السياق أمكن قراءة ﴿عَامِلَةٞ﴾ كمدح، وهو ما يمنعه الربط ببقية المشهد.

السياق الأوسع — موضع الآية في حجّة السورة

موضع الآية في حجّة السورة

يقيد وصف العمل بالنصب، فيمنع أن يفهم البذل وحده علامة نجاة ويصل الهيئة الخاشعة بالعاقبة التي ستنكشف بعدها.

حجّة السورة كاملةًالغَاشِية
الخيط الناظم للسورة

تبني سورة الغاشية حجةً واحدةً محكمة: خبرُ واقعةٍ شاملة لا يظل اسمًا مسموعًا، بل يكشف قسمةَ المآل على الوجوه ثم يردّها إلى مسارها. فالبداية تستوقف السامع بحديث الغاشية، ثم تجعل الخشوع والعمل الناصب والنار والسقيا والطعام العاجز عن الإغناء صورةً مترابطة لطرف خاسر. وفي الجهة المقابلة تظهر وجوه ناعمة راضية بسعيها، ويتسع لها مجال عالٍ خالٍ من اللاغية، وفيه عين جارية ومجلس مهيأ. وهكذا تثبت السورة أن الأثر الظاهر والمآل ليسا صورتين منفصلتين، بل ثمرة اتجاه تتبين عاقبته في القسمة.

ثم تعقد السورة أصل حجتها حين تنقل الحس من مشاهدة النعيم والعذاب إلى النظر في هيئة الخلق؛ فالسؤال عن الإبل والسماء والجبال والأرض يجعل المشهد المشهود دليلًا يطالب بالنظر لا مادةً عابرة. وعندئذ يحسم البناء وظيفة الخطاب: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ﴾، فلا إكراه، لكن لا انفلات من تبعة التولي والكفر بعد البيان. وينتهي المسار إلى جهة واحدة تجمع الإياب والحساب؛ وبذلك تختبر السورة القسمة في آثارها، وتؤسسها في الخلق المنظور، ثم تحسمها في مسؤولية الاختيار ومآله.

محاور السورة
  • خبر الغاشية وطرف الخسران﴿ هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ ﴾١سورة الغَاشِية﴿ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ ﴾٢سورة الغَاشِية﴿ عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ ﴾٣سورة الغَاشِية﴿ تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ ﴾٤سورة الغَاشِية﴿ تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ ﴾٥سورة الغَاشِية﴿ لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ﴾٦سورة الغَاشِية﴿ لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ﴾٧سورة الغَاشِية
    يفتح هذا المحور الخبر باسم الغاشية ثم لا يفسره بتعريف مجرد، بل يجعل الوجوه الخاشعة مدخلًا إلى سلسلة مترابطة: عمل مقرون بالنصب، ثم نار، فسقيا مؤذية، فطعام سلبت وظيفتاه. لذلك لا تكون العناصر صورًا متجاورة، بل برهانًا حسيًا على أن بذلًا لا يفضي إلى قبول ينتهي إلى حاجة لا تنقضي. ومن اكتمال هذا الطرف تنشأ ضرورة المحور التالي، إذ لا يظهر معنى القسمة إلا بإبراز الجهة المقابلة لها.
  • طرف النعيم وهيئة الإقامة﴿ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ ﴾٨سورة الغَاشِية﴿ لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ ﴾٩سورة الغَاشِية﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ﴾١٠سورة الغَاشِية﴿ لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ ﴾١١سورة الغَاشِية﴿ فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ ﴾١٢سورة الغَاشِية﴿ فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ ﴾١٣سورة الغَاشِية﴿ وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ ﴾١٤سورة الغَاشِية﴿ وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ ﴾١٥سورة الغَاشِية﴿ وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ ﴾١٦سورة الغَاشِية
    ينعطف الخطاب إلى وجوه ناعمة، لكن النعومة لا تبقى أثرًا بلا علة؛ إذ يصلها الرضا بسعيها قبل أن يفتح لها الجنة العالية. ثم يفصل الداخل: صفاء السمع، وعين جارية، وسرر وأكواب ونمارق وزرابي تتمايز هيئاتها. هذا الامتداد يحول النعيم من لفظ مجمل إلى مجال إقامة مكتمل. وبعد أن يبلغ الوصف اتساعه في المبثوث، يهيئ الحس للانتقال من عرض المآل إلى طلب النظر في العالم الذي يشهد لنظامه.
  • النظر في هيئة الخلق﴿ أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ﴾١٧سورة الغَاشِية﴿ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ﴾١٨سورة الغَاشِية﴿ وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ﴾١٩سورة الغَاشِية﴿ وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ﴾٢٠سورة الغَاشِية
    لا تترك السورة القسمة معلقة في صور الجزاء، بل تستدعي النظر إلى مخلوقات متتابعة وتسأل عن كيفية خلقها ورفعها ونصبها وتسطيحها. تتسع الحركة من الإبل إلى السماء والجبال ثم الأرض، فيتحول التلقي من الانفعال بالمشهد إلى قراءة هيئة الصنع. وهذا المحور يسلم مباشرة إلى التذكير: فبعد أن أقام أمام المخاطب وجوهًا منظورة للحجة، يصير الأمر بالتذكير إيقاظًا لما صار معروضًا للنظر لا إنشاءً لقهر جديد.
  • التذكير والتبعة والحساب﴿ فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ﴾٢١سورة الغَاشِية﴿ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ﴾٢٢سورة الغَاشِية﴿ إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ﴾٢٣سورة الغَاشِية﴿ فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ ﴾٢٤سورة الغَاشِية﴿ إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ﴾٢٥سورة الغَاشِية﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم ﴾٢٦سورة الغَاشِية
    يحدد الختام أن وظيفة المخاطب تذكير لا مصيطرة، فيحفظ مجال الاختيار بعد اكتمال الحجة المنظورة. ثم يخص التولي والكفر بالاستثناء، فينتقل من حد الوظيفة إلى تبعة الفعل، ومنه إلى العذاب المرتب. ولا يتوقف الحكم عند الوعيد؛ فالإياب يثبت جهة الانتهاء، ثم يفصل الحساب طورًا لاحقًا عليها. وبذلك يعيد هذا المحور جمع مشاهد السورة كلها في نهاية مسؤولة: بيان ظاهر، واختيار غير مكره، ومآل محسوم.
حركة الحجّة آية بعد آية

تبدأ الحركة بسؤال يفتح السمع لخبر شامل: ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ﴾، ثم يجعل الخبر مرئيًا على وجوه خاشعة تتلوها علامات العمل والنصب والعذاب والحاجة التي لا يسدها طعام. وبعد بلوغ هذا الطرف غايته، تنقلب الصورة إلى وجوه ناعمة راضية بسعيها، ويأخذ النعيم هيئة إقامة مفصلة لا مجرد وعد. عند ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ﴾ يصير الرضا مجالًا يحتوي صفاء السمع وجريان العين وإعداد المجلس، ثم يفتح اتساع المتاع باب النظر في الإبل والسماء والجبال والأرض. من هذه الشهادة المنظورة تأتي الفاء إلى التذكير، ويأتي نفي المصيطرة لئلا يتحول البيان إلى قهر. ثم يخصص التولي والكفر بالتبعة، فيتصل العذاب بالإياب، وينفصل الحساب طورًا أخيرًا يرد المسار كله إلى جهة الفصل.