الغيّ في مقابلة الرشد
يُحدِّد النص الغيَّ أولًا في موضعه المقابل للرشد: فقد تبيَّن الرشد من الغيّ، ثم يُذكر الكفر بالطاغوت والإيمان بالله والاستمساك بالعروة الوثقى في السياق نفسه (سورة البَقَرَة ٢٥٦). فليس الغيّ اسمًا محايدًا لكل اختلاف، بل جهة تقابل الرشد. ويُعاد هذا الحد في سورة الأعراف: قوم يرون سبيل الرشد فلا يتخذونه سبيلًا، ويرون سبيل الغيّ فيتخذونه، ويقرن النص ذلك بالتكذيب بالآيات والغفلة عنها (سورة الأعرَاف ١٤٦).
الإغواء والاتباع
ومن هذا الحد يظهر الإغواء فعلًا يدفع إلى تلك الجهة. ففي الأعراف يقع التهديد بالقعود للناس على الصراط المستقيم بعد قول المتكلم: ﴿فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ (سورة الأعرَاف ١٦)، وفي الحجر يقترن الوعد بالإغواء بالتزيين في الأرض (سورة الحِجر ٣٩)، ثم يرد الوعد نفسه في سورة ص مؤكدًا بلفظ الجميع (سورة صٓ ٨٢). غير أن هذا الاتساع لا يساوي سلطانًا مطلقًا؛ فالآية الأخرى تنفي السلطان عن العباد، وتصل الاستثناء باتباع الغاوين للمخاطَب: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ﴾ (سورة الحِجر ٤٢). فالنص يجمع عرض الإغواء واتباعه، ولا يمحو أحدهما الآخر.
ويكشف التكرار أن الغيّ ليس علاقةً بطرف واحد. فالمنسلخ من الآيات يتبعه الشيطان فيكون من الغاوين (سورة الأعرَاف ١٧٥)، والإخوان يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (سورة الأعرَاف ٢٠٢). وفي القصص يقول الذين حق عليهم القول إنهم أغووا آخرين كما غووا هم، ويتبرؤون منهم (سورة القَصَص ٦٣)، وفي الصافات يقر قوم: ﴿فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ﴾ (سورة الصَّافَات ٣٢). بذلك يثبت النص اجتماع الوصف في المُغوي ومن أغواه، مع بقاء التبرؤ ونفي العبادة في الآية نفسها، فلا تختزل الصلة في دعوى أن التابع كان يعاملهم معبودين.
وتعرض الآيات وجوهًا أخرى للغيّ تمنع حصره في هذا المشهد: إضاعة الصلاة واتباع الشهوات يفضيان إلى لقاء غيّ (سورة مَريَم ٥٩)، والعصيان يوصف بأن فاعله غوى بعد الأكل وظهور السوءات (سورة طه ١٢١)، والرجل الذي يعاود الاستنصار والاستصراخ يوصف بأنه لغوي مبين (سورة القَصَص ١٨). كما يذكر النص اتباع الغاوين للشعراء (سورة الشعراء ٢٢٤)، فيثبت نموذج اتباع آخر لا يطابق كل صور الإغواء السابقة.
أما العاقبة فتتكرر في سورة الشعراء: الجحيم تبرز للغاوين، ثم يكبكبون فيها (سورة الشعراء ٩٤). وفي الطرف المقابل يأتي النفي القاطع: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ﴾ (سورة النَّجم ٢). وهكذا يرسم القرءان الموضوع بحدٍّ وتقابلٍ وفعلٍ واتباعٍ وعاقبة: الغيّ في مقابل الرشد، والإغواء دعوة أو دفع إليه، والاتباع داخل في المشهد، والغاوي قد يوصف بفعله أو يكون تابعًا، والجحيم مذكورة للغاوين. وتبقى آية هود مانعةً من تسطيح هذا البناء؛ فهي تضع إرادة الإغواء بجانب النصح والرجوع إلى الرب (سورة هُود ٣٤)، فلا يجوز إسقاط هذا الموضع حين تجمع الآيات بين الخطاب والإغواء والاتباع.
ذكر الغاوين في مشهد الجحيم
ويُدقّق موضع الشعراء في صورة العاقبة ولا يكتفي بتقريرها. فالعبارة: ﴿وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِلۡغَاوِينَ﴾ (سورة الشعراء ٩١) تجعل الغاوين هم الجهة التي تبرز لها الجحيم، ثم تأتي آية الكَبْكَبة فتقول: ﴿فَكُبۡكِبُواْ فِيهَا هُمۡ وَٱلۡغَاوُۥنَ﴾ (سورة الشعراء ٩٤). فبين الموضعين انتقال من ظهور الجحيم للغاوين إلى جمعهم فيها مع آخرين أشارت إليهم الهاء في «هم». لذلك لا تجعل تسمية الغاوين اسمًا يستغرق كل من في المشهد بغير تمييز، بل تبقي لهم ذكرًا مخصوصًا داخل الجمع. وهذا ينسجم مع آية اتباع الشعراء: فالغاوون هناك أتباع، لا مجرد وصف للعاقبة؛ ومن ثم تصل الآيات بين هيئة اتباع قائمة في الدنيا وذكر مخصوص عند مشهد الجحيم، من غير أن تسمّي كل تابع في المواضع الأخرى باسم واحد.
صيغ الإغواء والغيّ
وفي القصص فرقٌ بين وصف فردٍ في واقعة قريبة وبين الكلام عن جماعة تقر بسلسلة الإغواء. فقوله لموسى: «إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞ» واقع في مخاطبة الرجل الذي عاد يستصرخ، فيحمل الوصف على حاله الظاهرة في تكرار النداء (سورة القَصَص ١٨). أما قول الذين حق عليهم القول: ﴿رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ﴾ (سورة القَصَص ٦٣)، فيرتب ثلاثة أمور متتابعة: إقرارهم بإغواء غيرهم، وردّ هذا الفعل إلى غيٍّ سبقهم، ثم تبرؤهم من دعوى العبادة. فالتشابه بين «أغويناهم» و«غوينا» ليس تكرارًا لفظيًّا؛ الأول فعلٌ متعدٍّ إلى آخرين، والثاني وصفٌ لما كانوا فيه هم، وبذلك يعرض النص انتقال الغيّ من غير أن ينفي موقع الفاعلين فيه.
تقابل الرشد والغيّ ونفي الضلال
والتقابل في أول الحزمة وآخرها يحدّ مجال اللفظ من جهتين. في البقرة يجيء الرشد والغيّ بعد بيان وعدم إكراه، ثم يذكر سبيل الاستمساك بالعروة الوثقى (سورة البَقَرَة ٢٥٦). وفي النجم لا يكتفي النص بنفي الغيّ، بل يقرنه بنفي الضلال: «مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ» (سورة النَّجم ٢). فاقتران النفيين هناك يغاير مقابلة الرشد والغيّ هنا: الأولى تعرض طريقين متقابلين، والثانية تنفي عن المخاطَب وصفين معًا. وبينهما تبقى آية الأعراف التي تجعل اختيار سبيل الغيّ بإزاء ترك سبيل الرشد، فيتساند التقابل والاختيار والنفي من دون أن يذوب أحدها في الآخر.