يقينٌ يَصِلُ الإيمانَ بالآخرة ويَفصلُه عن الظن
يقع اليقين في مسار وصف المؤمنين، لكنّ آياته لا تعرضه وصفًا ساكنًا معزولًا؛ إذ يَرِد الإيمان بما أُنزل مقرونًا بالحسم في الآخرة: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ﴾ سورة البَقَرَة ٤. والسؤال الذي تجمعه المادة هو: كيف ينتقل الإنسان من خبرٍ أو آيةٍ أو وعدٍ إلى موقف لا يوقفه الظن؟ فالجهة المقابلة تصف نفسها بقولها: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ﴾ سورة الجاثِية ٣٢. وبين الطرفين تظهر الآيات، والآخرة، ووعد الله، ثمّ النهاية التي يُسمّيها النص حقّ اليقين.
من اليقين المتعلّق إلى اليقين المكشوف
يحمل الجذر «يقن» موضوعه عبر ثمانية وعشرين قولة في ثمانية وعشرين آية، وبثلاث عشرة صيغة مصحفية متمايزة. وهذا الامتداد يمنع حصره في حالة نفسية عامة: فهو يقين بالآخرة، وبلقاء الرب، وبالآيات، وبالربوبية، وبما ينكشف في المصير.
تتبدّل الصيغ مع مواضع التعلّق: «يوقنون» و«توقنون» تصفان قومًا يتوجّه إليهم البيان أو النظر في الآيات، و«استيقنتها أنفسهم» تكشف حصول الأمر في النفس مع إمكان جحوده، و«مستيقنين» تصف نفي الاستيقان، بينما «حق اليقين» و«عين اليقين» و«علم اليقين» تضع اللفظ في أفق ما يُدرك ويُرى ويثبت. وتعضد الخلفية هذا الانتشار حين تقول: ﴿وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ﴾ سورة الذَّاريَات ٢٠؛ فالآيات لا تُذكر هنا منفصلة عن أهل اليقين، بل منسوبة إليهم.
الآخرة والآيات والحقّ: مسارات اليقين في المادة
اليقين بالآخرة ليس ملحقًا بالإيمان في هذه الآيات، بل علامة تتكرر في وصف من يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة: ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ﴾ سورة النَّمل ٣. وتعود الجملة نفسها في سورة لُقمَان ٤، فيثبت تلازم العمل الظاهر واليقين بالآخرة في موضعين. ويصل هذا اليقين بلقاء الرب من خلال تفصيل الآيات: ﴿لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ﴾ سورة الرَّعد ٢. لذلك يأتي الأمر بالصبر محروسًا بوعدٍ موصوف بالحق: ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ سورة الرُّوم ٦٠. فالآخرة والوعد والصبر تتساند في مواجهة من لا يوقنون.
والآيات نفسها تفتح طريقًا آخر: إراءة ملكوت السماوات والأرض تُذكر لبلوغ مقام الموقنين: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ﴾ سورة الأنعَام ٧٥. لكنّ ظهور الآية لا يساوي الاستجابة لها؛ إذ يجتمع الجحود مع استيقان النفس: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗا﴾ سورة النَّمل ١٤. وفي المقابل يُمدح من صبروا لاقتران ذلك بيقينهم بالآيات: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ سورة السَّجدة ٢٤. وتضع سورة النَّمل ٨٢ عدم اليقين بالآيات في مشهد وقوع القول، فيما يجعل سورة المُدثر ٣١ الاستيقان وازدياد الإيمان وارتفاع الارتياب متجاورةً في غاية واحدة. أمّا السؤال: ﴿أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ سورة الطُّور ٣٦، فيُظهر أن غياب اليقين يظل حاضرًا أمام آفاق الخلق نفسها.
ثمّ تعرض المادة ألفاظًا متجاورة لا ينبغي تحويلها إلى درجات مفترضة من خارجها. فهي تقول: ﴿كـَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ﴾ سورة التَّكاثُر ٥، ثم تقول: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ﴾ سورة التَّكاثُر ٧. فالنص ينتقل من العلم إلى الرؤية في سياق واحد، ويختم موضعين منفصلين بعبارة الحق: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ﴾ سورة الوَاقِعة ٩٥، و﴿وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلۡيَقِينِ﴾ سورة الحَاقة ٥١. إنّها شبكة ألفاظ تُبقي اليقين متصلًا بالعلم والرؤية والحق من غير اختزال أحدها في الآخر.
وتظهر المقابلة الأشدّ حين يُواجه اليقين بالشك والظن في خبر مخصوص: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا﴾ سورة النِّسَاء ١٥٧. فليس اليقين هنا مجرد لفظ إيجابي، بل حدٌّ يفصل العلم عن اتباع الظن، كما يفصل استيقان النفس عن الجحود، ويقابل نفي الاستيقان في سورة الجاثِية ٣٢.
اليقين بين الإيمان والهداية والشك والوعد
يلتقي اليقين بالإيمان في سورة البَقَرَة ٤، لكنّ عيّنة الإيمان أوسع في عرض الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ سورة البَقَرَة ٣. أمّا اليقين فيخصّص داخل ذلك الصلة بالآخرة والآيات والحق، فلا يستبدل أحد الموضوعين الآخر.
ومجاورة الشك والظن تُبرز حدّ اليقين من جهة النقيض: ﴿ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾ سورة البَقَرَة ١٤٧، و﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ سورة البَقَرَة ٧٨. فموضوع الشك أو الظن يرصد الريب واتباع الظن، بينما يرصد اليقين جهة الثبوت المتعلّق بالآخرة والآيات وما ينتهي إليه الأمر.
والهداية ترد طلبًا للطريق: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ سورة الفَاتِحة ٦، في حين يبرز اليقين فيمن ثبتت صلته بالآيات أو بالآخرة. والوعد يصرّح بالميعاد: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ سورة آل عِمران ٩، أمّا اليقين فيكشف أثر هذا الوعد في الصبر، كما في سورة الرُّوم ٦٠. وبذلك يكون الوعد مضمونًا مذكورًا، ويكون اليقين موقفًا يتصل به من داخل المادة.
توزّعٌ يربط التكرار بالمشهد
تجمع المادة ثمانية وعشرين آية موثقة: سبع عشرة محورية وإحدى عشرة ذات صلة. ويظهر التكرار في النمل بأربع آيات، حيث تجتمع الآخرة واستيقان النفس وعدم اليقين بالآيات؛ فيكشف ذلك أن اليقين هناك ليس صورة واحدة. وتليها الجاثية بثلاث آيات، وفيها مقابلة الوعد والساعة بالظن ونفي الاستيقان، إلى جانب الآيات في الخلق والبصائر.
وتحضر البقرة والسجدة والمدثر بآيتين لكل منها. ففي البقرة يتصل اليقين بالإيمان وببيان الآيات، وفي السجدة بالآيات ثمّ بمشهد الإقرار، وفي المدثر بالاستيقان وباليقين الآتي. هذا التوزع يجعل مسار الموضوع متحركًا بين البيان، والموقف، والمصير، بدل أن ينحصر في موضع واحد.
خيوطٌ تفتحها الآيات
يمتد اليقين إلى الإيمان لأنّ سورة البَقَرَة ٤ يجمعهما، وإلى الهداية لأنّ اليقين بالآيات يقترن بالهداية بالأمر في سورة السَّجدة ٢٤، وإلى الوعد لأنّ حقّ الوعد يستدعي الصبر في سورة الرُّوم ٦٠. ويمتد في الجهة الأخرى إلى الشك والظن، إذ تجعل سورة النِّسَاء ١٥٧ العلم واتباع الظن واليقين في مقابلة صريحة. كما يفتح اتصالُه بالآيات بابًا للنظر في الخلق والبصائر: ﴿هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ سورة الجاثِية ٢٠.