جَذر علم في القُرءان الكَريم — ٨٥٤ مَوضعًا

الحَقل: الآية والمعجزة والبرهان · المَواضع: ٨٥٤ · الصِيَغ: ١٩٥

التَعريف المُحكَم لجَذر علم في القُرءان الكَريم

علم يدل على انكشاف محقق يثبت به الشيء ويمتاز: علم الله المحيط، وعلم البشر المكتسب، والتعليم، والمعلوم المحدد، والعالمون بوصفهم خلقا ظاهرا مميزا تحت ربوبية الله.

الخُلاصَة الجَوهَريّة

الجذر أوسع من المعرفة الذهنية وحدها؛ فهو انكشاف وثبوت وتمييز. لذلك يجمع يعلم وعليم وعلم وتعليم ومعلوم وعالمين في أصل واحد هو ظهور الشيء على وجه ينفي الخفاء.

المَفهوم القُرءانيّ لجَذر علم

يدور الجذر «علم» في القرآن على أصلٍ جامع: انكشافٌ محقَّق يثبت به الشيء فيمتاز عمّا سواه ويخرج من الإبهام. والمسحُ الكامل لكلّ مواضعه يكشف أنّ هذا الأصل ينبسط على خمسة مسالك ليست معانيَ منفصلة، بل وجوهٌ للزاوية الواحدة:

الأوّل، علم الله المحيط الذي لا يفلت منه غيبٌ ولا ظاهر: ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام 59)، وهو انكشافٌ تامّ ثابت لا يكتسبه ولا يفقده.

الثاني، علم البشر المكتسب المتغيّر؛ يُنفى عند خروج الإنسان من بطن أمّه ﴿لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا﴾ (النحل 78)، ثمّ يثبت بالتعلُّم، ثمّ قد يُسلَب في أرذل العمر ﴿لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔا﴾ (النحل 70) — فهو انكشافٌ يطرأ ويزول.

الثالث، التعليم، وهو نقل هذا الانكشاف إلى متلقٍّ؛ إلهيٌّ مباشر ﴿عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ (الرحمن 2)، أو بشريٌّ بين الناس ﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ﴾ (البقرة 102).

الرابع، المعلوم، وهو الشيء المحدَّد المضبوط الخارج من الجهالة: ﴿فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ﴾ (الحج 28)، ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ﴾ (الحجر 38).

الخامس، العالَمون، وهو الخلق الظاهر المميَّز تحت ربوبية الله ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة 2)، ومنه «الأعلام» للجبال البارزة ﴿كَٱلۡأَعۡلَٰمِ﴾ (الشورى 32). وهذا الفرع الأخير هو محكّ التعريف: ظاهرُه بعيدٌ عن الإدراك الذهنيّ، لكنّه لا ينفصل عن الأصل، لأنّ الجامع ليس «المعرفة» وحدها بل الظهور على وجهٍ ينفي الخفاء — والعالَمُ والمَعْلَمُ كلاهما بارزٌ مميَّز. بهذا يستوعب الأصلُ الواحد المسالكَ الخمسة من غير ترادفٍ ولا انفصال.

الآية المَركَزيّة لِجَذر علم

البقرة 31 وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ

المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة

ينتظم الجذر في أبوابٍ صرفيّة، يثبت كلٌّ منها وجهًا من الأصل: - الثلاثيّ المجرَّد «عَلِمَ / يَعۡلَمُ»: حصول الانكشاف أو ثبوته — أكثر الأبواب ورودًا (يَعۡلَمُونَ ثمّ يَعۡلَمُ في صدارة الرسوم). - التفعيل «عَلَّمَ»: نقل العلم إلى متلقٍّ — ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ﴾ (العلق 5). - التفعُّل «تَعَلَّمَ»: تَلقِّي العلم — ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا﴾ (البقرة 102). - الصفات المشبَّهة والمبالغة: «عَالِم» (الفاعل)، «عَلِيم» (المبالغة، أكثر صيغة بوصفٍ إلهيّ)، «عَلَّام» (أقصى المبالغة، مخصوصة بالغيوب: عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ). - اسم المفعول «مَعۡلُوم»: الشيء المحدَّد المضبوط — ﴿أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ﴾ (الحج 28)؛ والمصدر «عِلۡم». - الجمع المخصوص «ٱلۡعَٰلَمِين»: الخلق الظاهر؛ و«ٱلۡأَعۡلَٰم»: الجبال والمعالم البارزة — ﴿كَٱلۡأَعۡلَٰمِ﴾ (الشورى 32). - المبنيّ للمجهول: ﴿وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ﴾ (الأنعام 91)، ﴿عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ﴾ (النمل 16)، ﴿لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ﴾ (النور 31) — قِلّةٌ لها دلالة: العلم يُتلقَّى من فاعلٍ غير مذكور.

التوزيع الإحصائيّ: عدد الصيغ المعيارية في ملف الكلمات 195. أكثرها ورودًا: عليم: 106، يعلمون: 81، يعلم: 71، العالمين: 61، علم: 60، تعلمون: 56، أعلم: 55، العليم: 32، العلم: 28، عليما: 22، واعلموا: 18، عالم: 13، تعلم: 9، معلوم: 9. وأكثر الرسوم القرآنية: يَعۡلَمُونَ: 80، يَعۡلَمُ: 62، ٱلۡعَٰلَمِينَ: 60، أَعۡلَمُ: 55، تَعۡلَمُونَ: 53، عَلِيمٞ: 40، عَلِيمٌ: 33، ٱلۡعَلِيمُ: 27.

المَواضع القُرءانيّة لِجَذر علم

إجمالي المواضع 854 صيغة في 728 آية فريدة، عبر 195 صيغة معيارية. ومرورُ التعريف عليها جميعًا لم يكشف موضعًا شاذًّا يخالفه؛ وتتوزّع على المسالك الخمسة:

- علم الله المحيط: أوسع المسالك؛ نحوُ ثلثَي الإسناد في الجذر لفاعلٍ إلهيّ — إحاطةٌ لا يخرج عنها غيبٌ ولا ظاهر، صفةً (عَلِيم، ٱلۡعَلِيمُ) أو فعلًا (يَعۡلَمُ). ممثِّلُه ﴿لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام 59). - علم البشر المكتسب: انكشافٌ يطرأ على الإنسان ويزول، يُثبَت أو يُنفى؛ يكثر في صيغتَي «يَعلَمون / لا يَعلَمون» مقامَ تقرير أو نفي دعوى. ممثِّلُه ﴿لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا﴾ (النحل 78). - التعليم: نقل الانكشاف؛ إلهيٌّ ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة 31)، وبشريّ ﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ﴾ (البقرة 102). - المعلوم: الشيء المحدَّد المضبوط الخارج من الجهالة، نحو ﴿أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ﴾ (الحج 28). - العالَمون والأعلام: الخلق الظاهر المميَّز والمعالم البارزة — نحوُ ثلاثٍ وستّين موضعًا، ممثِّلُها ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة 2).

ويتركّز الجذر في السور المدوَّنة بكثافةٍ ظاهرة: البقرة في الصدارة (102 موضعًا)، تليها الأنعام (44)، فآل عمران (40)، فيوسف (33)، فالتوبة (32) — وهي سورٌ يكثر فيها مقام الاحتجاج وبيان علم الله وردِّ دعوى المعرفة على المخالفين.

القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر

القاسم المشترك هو الانكشاف المثبت للتمييز. فإذا كان الشيء معلوما فقد خرج من الإبهام، وإذا علمه الإنسان أو علمه الله ثبت في جهة الإدراك أو الإحاطة، وإذا ذكر العالمون ظهر الخلق بوصفه مميزا معلوما.

مُقارَنَة جَذر علم بِجذور شَبيهَة

الجذروجه الفرق
عرفعرف تمييز بعد ملابسة أو أثر، وعلم أوسع في ثبوت الانكشاف.
بينبين إظهار وإفصاح، وعلم حصول الانكشاف أو ثبوته.
شعرشعر إدراك خفي دقيق، وعلم انكشاف محقق.
ظنظن إدراك غير محكم، وعلم إدراك ثابت.
جهلجهل غياب الانكشاف، وعلم ثبوته.

اختِبار الاستِبدال

لو وُضع «ظنّ» موضع «علم» في إحاطة الله ﴿لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام 59) لانكسر اليقين المطلق، إذ يصير الانكشاف التامُّ مجرَّد ترجيحٍ غير محكم.

ولو وُضع «بيَّن» موضع «علَّم» في تعليم آدم الأسماء ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ﴾ (البقرة 31) لتحوّل التعليمُ إلى مجرّد إظهار، بينما الآية تثبت حصولَ العلم في آدم بعد التعليم لا مجرّد عرضِه عليه.

ولو وُضع «عرَّف» موضع «علَّم» في ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ﴾ (العلق 5) لاختلّ المعنى: «عرَّفه» يفيد التمييز بعد ملابسةٍ أو سابق عهد، أمّا «علَّمه» فيفيد إنشاء العلم من حال انتفائه — والآية صريحةٌ في النفي السابق «مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ».

الفُروق الدَقيقَة

الفروق بين صيغ الجذر دقيقةٌ وقابلة للاختبار بالنصّ: - «عِلۡم» (المصدر المجرَّد) يثبت أصل الانكشاف من غير تقييدٍ بفاعلٍ معيَّن — ﴿وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ﴾ (آل عمران 18). - «عَلِيم» (الصفة الثابتة) يثبت الإحاطة وصفًا لازمًا للموصوف — ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ (الحجرات 13). - «عَلَّامُ ٱلۡغُيُوبِ» (المبالغة القصوى) لا يأتي مطلقًا، بل مضافًا إلى «الغيوب» حصرًا في كلّ مواضعه — المائدة 109، والمائدة 116، والتوبة 78، وسبأ 48 — فهي صيغةٌ مخصوصةٌ بأخفى ما يُعلَم. - «مَعۡلُوم» (اسم المفعول) ينقل الجذر من جهة الفاعل إلى جهة المنفعل، فيثبت تحديدَ الشيء وضبطَه لا فعلَ العلم. - «ٱلۡعَٰلَمِين» (الجمع المخصوص) يثبت ظهور الخلق وتميُّزه تحت الربوبية لا الإدراك الذهنيّ. وهذه الفروع لا تترادف، لكنّها جميعًا تعود إلى الانكشاف المحقَّق المثبت للتمييز.

الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه

هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الآية والمعجزة والبرهان · التعليم والبيان والتفسير · الفهم والإدراك والوعي.

يعبُر الجذر «علم» ثلاثة حقول متجاورة: الآية والبرهان والعلامة (ومنه «العلامات» الهادية والمَعْلَم البارز)، والتعليم والبيان (ومنه «علَّم» و«يُعلِّمهم الكتاب»)، والفهم والإدراك والإحاطة (ومنه «يَعلَم» و«عَلِيم»). والثقل الإحصائيّ للجذر — 854 موضعًا — واقعٌ في فرع الإدراك والإحاطة، إذ نحوُ ثلثَي الإسناد فيه لعلم الله المحيط. أمّا الحقل المُسنَد «الآية والمعجزة والبرهان» فيلتقط الفرع الأضعف عددًا (العلامة والدليل)؛ ولذلك صِيغ التحليلُ على أصل العلم نفسه — الانكشاف والتمييز — لا على البرهان وحده، حتى لا يُقصَر الجذرُ على طرفه الأقلّ ورودًا.

مَنهَج تَحليل جَذر علم

احتاج الحكمُ على «علم» أن يُفصَل أوّلًا صيغتا «ٱلۡعَٰلَمِين» و«ٱلۡأَعۡلَٰم» — نحوُ ثلاثٍ وستّين موضعًا ظاهرُها بعيدٌ عن المعرفة الذهنيّة (الخلق والجبال) — ويُختبَر التعريفُ عليها قبل غيرها؛ لأنّها أخطرُ ما يكسر أصلًا يُبنى على «المعرفة» وحدها. فلمّا صمد عليها التعريفُ بِحملها على «الظهور والتمييز» — العالَمُ خلقٌ بارزٌ مميَّز، والأعلامُ جبالٌ بارزة — تبيّن أنّ الأصل الجامع هو الانكشافُ والظهور لا الإدراك الذهنيّ، فاختير على هذا الوجه. ثمّ رُوجعت بقيّةُ المسالك عبر صيغها الكبرى — يَعۡلَم، عَلِيم، عَلَّمَ، مَعۡلُوم — فاطّردت كلُّها تحت الأصل نفسه.

الجَذر الضِدّ

الجذر الضد: جهل.

التَّقابل البِنيوي: «علم» في القرآن انكشاف محقَّق يثبت به الشيء ويمتاز، و«جهل» انقطاع هذا الانكشاف الهادي عن الفاعل حتى يظهر أثره في حكم أو طلب أو فعل. فليس التَّقابل بين معرفة وذهول محايد، بل بين إدراك يضبط الفعل وغيابٍ لهذا الضَّبط ينكشف في تصرُّف صاحبه. لذلك يأتي «علم» مسنَدًا إلى الله محيطًا (عَلِيم، يَعلَم) أو إلى البشر مكتسَبًا (تَعلَّموا، عَلَّم)، ويأتي «جهل» وصفًا لقومٍ ظهر جهلُهم من فعلهم (تَجهَلون، الجاهِلون) أو قيدًا لفعل يوجب توبةً (بِجَهَالة) أو حالًا جماعيَّة تظهر في الحكم والظَّن والتَّبرُّج والحميَّة (الجاهليَّة).

الآية المركزيَّة للتَّقابل: ﴿قَالَ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ﴾ (الأحقاف 23). تجمع الآية في نَفَسٍ واحد بين حصر العلم اليقيني عند الله وبين وصف القوم بالجهل من جهة فعلهم، فلا يُفهم «تَجهَلون» إلا في مقابلة «العِلم عند الله».

ويُؤكِّد هذا التَّقابل ستُّ آيات أخرى يجتمع فيها الجذران: هود 46 ﴿فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ — الجهل هنا سؤال على غير علم. ويوسف 89 ﴿هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ﴾ — استرجاع علم بعد فعلٍ ظهر فيه الجهل. والنِّساء 17 ﴿لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ﴾﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ — الجهالة قيدٌ لفعل السُّوء يقابله علم الله المحيط. والبقرة 273 ﴿يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ﴾﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾. وآل عمران 154 ﴿ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ﴾﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. والفتح 26 ﴿حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ﴾﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا﴾. ففي كلِّ موضع يثبت الله العلم لنفسه ويُسنَد الجهل إلى القوم بفعلٍ أو ظنٍّ أو حكم.

اختبار الاستبدال: لو وُضع «جَهِلَهم» موضع ﴿يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ﴾ في البقرة 273، لتحوَّل المعنى إلى مجرَّد فقدان معلومة، بينما النصُّ يبرز حكمًا خاطئًا على ظاهر حال الفقراء؛ فالجاهل في الآية ناظرٌ يحكم، لا غافلٌ ساكن. ولو وُضع «يَجۡهَلونَ» موضع ﴿لَا يَعۡلَمُونَ﴾ في الزُّمَر 9 ﴿هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾، لانكسرت المقابلة، لأن «الذين لا يَعلَمون» وصف لقومٍ في مقام التَّفضيل، أمَّا «الجاهلون» فوصفٌ لقوم ظهر منهم فعل الجهل أو حكمه.

ملاحظة على «لا يَعلَمون»: هذه الصيغة في القرآن نفي للعلم المحقَّق لا مرادفة للجهل اللَّفظي. وقد ترد في وصف الكفَّار ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾، وقد ترد في وصف الإنسان عند خروجه من بطن أمِّه ﴿لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا﴾ (النحل 78)، وقد ترد في وصف من لم يُؤتَ العلم ﴿لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآ﴾ (البقرة 32). فهي تنفي حصول الانكشاف، ولا تشترط ظهور أثره في فعل. أمَّا «الجاهلون» و«تَجهَلون» فيشترط ظهور الفعل أو الحكم.

ملاحظة على «الجاهليَّة»: ترد أربع مرَّاتٍ في القرآن، وكلُّ موضع منها يُقابِله إثبات علم الله أو حكم الله: آل عمران 154 ﴿ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ﴾ مقابل ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾؛ والمائدة 50 ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَ﴾ مقابل ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا﴾؛ والأحزاب 33 ﴿تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰ﴾ مقابل أمر الله ورسوله؛ والفتح 26 ﴿حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ﴾ مقابل ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا﴾. فالجاهليَّة في القرآن حالٌ جماعيَّة تخرج عن مقتضى علم الله، لا مجرَّد جهل فردي.

خلاصة دلاليَّة: «علم» إثبات لانكشاف الحقِّ في الإحاطة الإلٰهيَّة وفي الإدراك البشري الذي يضبط الفعل؛ و«جهل» انقطاع هذا الانكشاف الهادي حتى يظهر أثره في الفاعل بحكمٍ أو طلبٍ أو فعلٍ أو وصفٍ. ولذلك يتقابل الجذران في القرآن تقابلًا بنيويًّا لا لفظيًّا فقط: علم الله مقابل ظنِّ الجاهليَّة، حكم الله مقابل حكم الجاهليَّة، علم الحقِّ مقابل سؤال الجاهلين، علم العاقبة مقابل فعل الجاهلين.

نَتيجَة تَحليل جَذر علم

ينتظم الجذر إذا حمل على انكشاف محقق: الله عليم ويعلم، والإنسان يتعلم أو لا يعلم، والأشياء تكون معلومة، والعالمون خلق ظاهر مميز. وبهذا لا تنفصل صيغة العالمين عن أصل التمييز والظهور.

شَواهد قُرءانيّة من جَذر علم

الشواهد الكاشفة مأخوذة من نص الآيات الداخلي، وكل شاهد يبرز وجها من المعنى الجامع: - ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة 31) — التعليم الإلهيّ المباشر. - ﴿لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآ﴾ (البقرة 32) — علم البشر مكتسب لا أصيل. - ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾ (البقرة 129) — التعليم النبويّ. - ﴿لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام 59) — حصر علم الغيب لله. - ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾ (الأنعام 73) — شمول علم الله الخفيَّ والظاهر. - ﴿وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ﴾ (يوسف 76) — تفاوت العلم وارتقاؤه. - ﴿لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا﴾ (النحل 78) — انتفاء العلم البشريّ في أصله. - ﴿وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ﴾ (النحل 16) — العلامة دليلًا هاديًا. - ﴿فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ﴾ (الحج 28) — المعلوم شيئًا محدَّدًا مضبوطًا. - ﴿عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ﴾ (النمل 16) — العلم يُتلقَّى مبنيًّا للمجهول. - ﴿هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (الزمر 9) — بنية التفضيل بين العالم وغيره. - ﴿وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖ﴾ (المجادلة 11) — العلم رفعةً للمؤمنين. - ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْ﴾ (فاطر 28) — صيغة «العُلَماء». - ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ (المائدة 109) — صيغة المبالغة القصوى مخصوصةً بالغيب. - ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ﴾ (العلق 5) — إنشاء العلم من حال انتفائه. - ﴿رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة 2) — العالَمون خلقًا ظاهرًا تحت الربوبية.

لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر علم

ضخامة عدد المواضع تجعل تعريف الجذر محتاجا إلى أصل واسع لا ينهار أمام العالمين أو المعلوم. وكثرة يعلمون وتعلمون تبين أن الجذر يكثر في مقام اختبار دعوى المعرفة لا في مقام الإخبار المجرد فقط.

من لطائف الجذر أنّ صيغة «عَلَّامُ ٱلۡغُيُوبِ» — أقصى المبالغة — لا تأتي في القرآن إلّا مضافةً إلى «الغيوب» حصرًا في كلّ مواضعها، فاختُصّت أبلغُ صيغ العلم بأخفى ما يُعلَم؛ ومثلها «عَالِم الغَيب والشهادة» التي تجمع الخفيَّ والظاهر صيغةً تعريفيّة بعلم الله الشامل، نحو ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾ (الأنعام 73، والرعد 9، والحشر 22). فعلمُ الغيب في القرآن مقصورٌ على الله، حتى نُفِيَ صريحًا عن غيره ﴿لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ﴾ (سبأ 14).

ومن أبرز أنماطه أنّ صيغتَي «يَعۡلَمُونَ» و«لا يَعۡلَمُونَ» أكثرُ صيغتَين ورودًا، تتركّزان في خواتيم الآيات مقامَ تقريرٍ أو نفيِ دعوى المعرفة؛ فيتكرّر «لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ» تحسيرًا، و«وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ» نفيًا لعموم العلم — حتى صار النفيُ بهذه الصيغة بنيةً متكرّرة لردِّ دعوى الإحاطة على المخالفين.

أعلى السور تركيزا في هذا الجذر: البقرة: 102، الأنعام: 44، آل عمران: 40، يوسف: 33، التوبة: 32، المائدة: 29.

— لطائف إحصائيّة آليّة — • من أَكثَر الجُذور تَكرارًا في القُرآن — رَقم ١٦ بِـ٨٥٤ ورود. • دَلالة الإسناد: اللَّه يَفعَل هَذا الجَذر في ٣٦٣ مَوضِع — ٦٩٪ من إجماليّ ٥٢٥ إسناد. • تَركّز مِحوَريّ: ٩٢٪ من الإسنادات تَعود لِفاعِلي مِحوَر «إلهيّ» — ٤٨٤ من ٥٢٥. • تَنَوُّع صَرفيّ كَبير: ١٠١ شَكل صَرفيّ مُختَلِف في القُرآن. • اقتِران نَصّيّ: يَرِد مَع جَذر «قول» في ٢٣٠ آية. • اقتِران نَصّيّ: يَرِد مَع جَذر «ربب» في ١٢٩ آية. • اقتِران نَصّيّ: يَرِد مَع جَذر «ءمن» في ٩٩ آية. • حاضِر في ٤١ إيقاع مُتَكرّر (إيقاعات قَويّة/تامّة).

— الفاعِلون الأَبرَز — • أَبرَز الفاعِلين: اللَّه (٣٦٣)، الرَّبّ (١٠١)، الناس (٢٧). • تَوزيع مِحوَريّ: إلهيّ (٤٨٤)، المَخلوقات (٢٧)، المُؤمِنون (١٤).

— اقترانات مُصَنَّفَة — • اقتران مَوصوفيّ: «عَلِيمُۢ بِذَاتِ» — تَكَرَّر ١٢ مَرَّة في ١١ سورَة. • اقتران مَوصوفيّ: «أَعۡلَمُ بِمَن» — تَكَرَّر ٩ مَرّات في ٦ سُوَر. • اقتران مُتَلازِم تامّ: «عِلۡمُهَا عِندَ» — تَكَرَّر ٤ مَرّات في ٣ سُوَر. • اقتران نَتيجَة: «وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ» — تَكَرَّر ٣ مَرّات في ٣ سُوَر.

إحصاءات جَذر علم

  • المَواضع: ٨٥٤ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
  • الصِيَغ: ١٩٥ صيغة فَريدة.
  • أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: يَعۡلَمُونَ.
  • أَبرَز الصِيَغ: يَعۡلَمُونَ (٨٠) يَعۡلَمُ (٦٢) ٱلۡعَٰلَمِينَ (٦٠) أَعۡلَمُ (٥٥) تَعۡلَمُونَ (٥٣) عَلِيمٞ (٤٠) عَلِيمٌ (٣٣) ٱلۡعَلِيمُ (٢٧)