جَذر جزي في القُرءان الكَريم — ١١٨ مَوضعًا

الحَقل: الثواب والأجر والجزاء · المَواضع: ١١٨ · الصِيَغ: ٤٩

التَعريف المُحكَم لجَذر جزي في القُرءان الكَريم

جزي: أن يقع شيءٌ موقعَ شيءٍ ويسدّ مسدَّه ويقوم مقامه على جهة المقابلة الموافِقة — إمّا مقابلةً للعمل بما يناسبه خيرًا أو شرًّا (الفرع الغالب)، وإمّا قيامَ نفسٍ مقامَ أخرى لتكفيَ عنها وتُغنيَها (المنفيُّ يومَ القيامة).

الخُلاصَة الجَوهَريّة

«جزي» أن يقوم شيءٌ مقام شيءٍ ويسدّ مسدَّه على جهة الموافقة: فمرّةً يقوم الجزاءُ مقامَ العمل فيقابله بما يناسبه — ثوابًا للمحسن أو عقابًا بمثل السيّئة — ومرّةً تقوم نفسٌ مقامَ نفسٍ لتكفيَ عنها وتُغنيَها، وهو ما يَنفيه القرآن عن يوم القيامة. فليس الأصل مجرّد العطاء، بل وقوعُ المقابل الموافق لما سبق، أو نيابةُ شيءٍ عن شيء.

المَفهوم القُرءانيّ لجَذر جزي

الجذر «جزي» في القرآن الكريم يدور على معنًى جامعٍ واحد: وقوعُ شيءٍ موقعَ شيءٍ يسدّ مسدَّه ويقوم مقامه، على جهة المقابلة الموافِقة. وهذا الأصل الواحد يتفرّع عن نفسه فرعين كلاهما مندرجٌ تحته بلا انفكاك:

الفرع الغالب — مقابلةُ العمل بما يناسبه: أن يقع على العامل من الثواب أو العقاب ما يوافق ما عمل، خيرًا كان أو شرًّا. هذا يستوعب جزاء الإحسان ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾ (الرحمن 60)، وجزاء الإساءة بالمماثلة ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ (الأنعَام 160)، ومنه المسلك المالي في «الجزية» المأخوذة عن يدٍ مقابلةً لحالٍ مخصوصة (التوبَة 29).

الفرع الثاني — قيامُ نفسٍ مقامَ نفسٍ لتكفيَ عنها: وهو ما يَرِد منفيًّا في يوم القيامة ﴿لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا﴾ (البَقَرَة 48 و123) و﴿لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔا﴾ (لقمان 33). هنا الجزاء يقع «عن» الغير لا «على» الفاعل، وليس وراءه عملٌ سابق يُجازَى صاحبُه عليه، بل المراد أن تَنوب نفسٌ عن أخرى فتكفيَها وتُغنيَها — وهذا عينُ معنى «قيام الشيء مقام الشيء».

فالأصل واحد: شيءٌ يقوم مقام شيءٍ ويوافِقه؛ مرّةً يقوم الجزاءُ مقامَ العمل فيوافقه ثوابًا أو عقابًا، ومرّةً تقوم نفسٌ مقامَ نفسٍ فتكفيَ عنها. وقد انتظم هذا المدلول 118 موضعًا عبر 49 صيغة قرآنية متمايزة، كلٌّ منها يكشف زاويةً من المعنى الجامع دون أن ينفكّ عنه.

الآية المَركَزيّة لِجَذر جزي

الأنعَام 160

﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾

هذه الآية تجمع طرفَي المقابلة في نظمٍ واحد: مَن جاء بالحسنة قُوبِل بأضعافها فضلًا، ومَن جاء بالسيّئة قُوبِل بمثلها عدلًا لا يُزاد عليه. وقولُه ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ يُبرز جوهر الجذر: الجزاء وقوعُ المقابِل الموافق على قدر العمل، فيظهر فيه قيدُ المماثلة الذي يميّز «جزي» عن سائر حقله.

المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة

صيغ الجذر القرآنيّة 49 صيغة متمايزة بالرسم العثمانيّ (مجموعها 118 موضعًا)، مصنّفةً وظيفيًّا:

— صيغة المضارع المسندة إلى ضمير المتكلّمين (الجزاء الإلهيّ): نَجۡزِي (19)، نَجۡزِيهِ (1)، نُجَٰزِيٓ (1). — صيغة المضارع المبنيّ للمجهول المسندة إلى المجزيِّ: تُجۡزَوۡنَ (9)، يُجۡزَوۡنَ (3)، يُجۡزَىٰٓ (2)، يُجۡزَ (1)، يُجۡزَى (1)، تُجۡزَىٰ (1)، تُجۡزَىٰٓ (1)، يُجۡزَىٰهُ (1)، لِتُجۡزَىٰ (1)، وَلِتُجۡزَىٰ (1). — صيغة المضارع المبنيّ للمعلوم في سياق الغاية واللام (ليقع الجزاء): لِيَجۡزِيَ (5)، لِّيَجۡزِيَ (2)، لِيَجۡزِيَهُمُ (2)، لِيَجۡزِيَكَ (1)، يَجۡزِي (3)، وَيَجۡزِيَهُمۡ (1)، وَيَجۡزِيَ (1)، تَجۡزِي (2). — صيغة المضارع المؤكَّدة أو المستقبَلة (الوعد والوعيد): وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ (3)، وَلَنَجۡزِيَنَّ (1)، سَيُجۡزَوۡنَ (2)، وَسَيَجۡزِي (1)، وَسَنَجۡزِي (1)، سَنَجۡزِي (1)، سَيَجۡزِيهِم (1)، سَيَجۡزِيهِمۡ (1). — صيغة الماضي (الجزاء الواقع): جَزَيۡنَٰهُم (2)، جَزَيۡتُهُمُ (1)، وَجَزَىٰهُم (1). — صيغة اسم الفاعل (قيام نفسٍ مقام نفس): جَازٍ (1). — صيغة المصدر/الاسم «جَزاء» منوَّنًا أو مضافًا (المقابِل بوصفه شيئًا): جَزَآءُ (11)، جَزَآءَۢ (7)، جَزَآءٗ (7)، جَزَآؤُهُمۡ (3)، جَزَآؤُهُم (2)، جَزَٰٓؤُاْ (3)، وَجَزَٰٓؤُاْ (1)، جَزَٰٓؤُهُۥٓ (1)، جَزَٰٓؤُهُۥ (1)، جَزَٰٓؤُهُۥۚ (1)، فَجَزَآؤُهُۥ (1)، فَجَزَآءٞ (1)، جَزَآؤُكُمۡ (1)، جَزَآءً (1)، ٱلۡجَزَآءَ (1). — صيغة «الجِزية» المعرَّفة (المسلك المالي): ٱلۡجِزۡيَةَ (1).

ملاحظة الرسم: «جَزَٰٓؤُاْ» (بالواو المهموزة على الخنجريّة) تخصّ سياق العقوبة العَدليّة بالمماثلة، و«جَزَآء» (بالألف الصريحة) تشمل العطاء والثواب والعقوبة معًا.

المَواضع القُرءانيّة لِجَذر جزي

ورد الجذر في 118 موضعًا ضمن 109 آيات فريدة، وتتوزّع مسالكه الدلاليّة على أربعة:

(1) مقابلة العقاب بالمماثلة: وهو المسلك الذي يَظهر فيه قيد «المثل» صريحًا، كقوله في الأنعَام 160 ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ وغافر 40 ﴿مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾، وقوله في الشورى 40 ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَا﴾، ويونس 27 ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا﴾؛ ومنه جزاء المعتدين بما يوافق فعلهم في المائدة 33 والحشر 17.

(2) جزاء الثواب: وهو إيقاع الخير على المحسن والصابر والشاكر، كاللازمة ﴿وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (الأنعَام 84، يُوسُف 22، القَصَص 14، الصَّافَات 80 وما بعدها)، وقوله في الإنسَان 12 ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا﴾، والفُرقَان 75 ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾.

(3) الكفاية والإغناء عن الغير: وهو قيام نفسٍ مقام نفسٍ لتكفيَ عنها، ولا يَرِد إلا منفيًّا في سياق يوم القيامة: البَقَرَة 48 و123 ﴿لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا﴾، ولقمان 33 ﴿لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔا﴾، وفيها صيغة اسم الفاعل المنفردة «جَازٍ».

(4) الجزية الماليّة: وهو ما يُؤخذ من أهل الكتاب مقابلةً لحالٍ مخصوصة، وانفرد به التوبَة 29 ﴿حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾.

والأبرز عددًا هو مسلكا الثواب والعقاب، إذ هما الفرع الغالب على الجذر، بينما مسلكا الكفاية والجزية محدودان لكنّهما أصيلان في معناه.

القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر

الرابط الفعليّ بين كلّ مواضع الجذر أنّ شيئًا يقوم فيها مقام شيءٍ ويسدّ مسدَّه على جهة الموافقة. فحيث كان جزاء عملٍ، قام الثوابُ أو العقابُ مقامَ العمل ووافقه على قدره — حتى صرّح القرآن بالمماثلة ﴿إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ ﴿بِمِثۡلِهَا﴾. وحيث كان نفيُ الكفاية، أُريد ألّا تقوم نفسٌ مقامَ نفسٍ يوم القيامة فتغنيَ عنها. فالمشترَك ليس «الردّ على الفاعل» وحده، بل ما هو أعمّ منه: قيامُ المقابِل مقامَ ما يقابله موافِقًا له، سواء كان المقابِلُ جزاءَ عملٍ أو نفسًا تنوب عن نفس.

مُقارَنَة جَذر جزي بِجذور شَبيهَة

ينتمي «جزي» إلى حقل «الثواب والأجر والجزاء»، ويُقارَن بأقرب جذوره مقارنةً جوهريّة:

- جزي ≠ ءجر: «جزي» يربط المقابِل بالعمل على جهة الموافقة، وقد يكون شرًّا صريحًا ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ (الأنعَام 160)، ويستوعب الجزيةَ المأخوذةَ (التوبَة 29) ونيابةَ النفس عن النفس (لقمان 33). أمّا «ءجر» فعطاءٌ مستحقٌّ موعودٌ على عملٍ مرضيٍّ لا يكون عقابًا؛ ولذلك جاء «الأجر» مع العفو في الشورى 40 ﴿فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾ في مقابل «جزاء السيّئة».

- جزي ≠ ثوب: «ثوب» رجوعٌ بالشيء غالبًا في جانب الخير، كقوله ﴿فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ﴾ (المائدة 85). أمّا «جزي» فيستوعب الحدّين معًا — الثوابَ والعقابَ — على جهة المقابلة المماثِلة.

- جزي ≠ فوز: «فوز» إدراكُ المطلوب والنجاةُ من المكروه، وهو حالُ مَن أحسن، كقوله ﴿أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ (المؤمنُون 111). أمّا «جزي» فهو وقوعُ المقابِل نفسِه بصرف النظر عن كونه فوزًا أو خِزيًا ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ﴾ (البَقَرَة 85).

- جزي ≠ سعد: «سعد» وصفٌ لحال المجزيِّ خيرًا (السعادة)، أمّا «جزي» فهو الفعلُ المُوقِع لذلك المقابِل، لا الحالُ الناتجة عنه.

اختِبار الاستِبدال

الجذر الأقرب هو «ءجر». وموضع التشابه بينهما يَظهر فيما يعود على العامل بعد عمله الصالح؛ قارِن ﴿لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ﴾ (إبراهِيم 51) بقوله ﴿وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (النَّحل 97) حيث جُمع اللفظان فعلًا واسمًا، فبدا «جزي» قريبًا من «ءجر» في باب الثواب.

لكنّ الاستبدال يَنكسر في موضعين قاطعين: الأوّل في فرع العقاب ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ﴾ (النِّسَاء 93)، إذ لا يصحّ «أجرُه جهنّم» لأنّ «ءجر» لا يكون عقابًا. والثاني — وهو الأقطع — في فرع الكفاية ﴿لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا﴾ (البَقَرَة 48) و﴿هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔا﴾ (لقمان 33)، إذ لا يقوم «ءجر» مقام «جزي» بتاتًا في معنى «أن تكفيَ نفسٌ عن نفسٍ وتنوبَ عنها» — فهذا المعنى لا يحمله «ءجر» ولا غيرُه من الحقل.

الفُروق الدَقيقَة

فروقٌ دقيقة قابلة للاختبار تميّز «جزي» عمّا سواه:

- اختبار المماثلة: «جزي» وحده في حقله يقبل لفظ «المثل» صريحًا مقترنًا به ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا﴾ ﴿سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَا﴾؛ فحيثما قُيِّد المقابِلُ بمساواة العمل في القدر فالجذر «جزي».

- اختبار الاتجاهين: «جزي» يَصلح للخير والشرّ معًا في نظمٍ واحد ﴿لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى﴾ (النَّجم 31)، بخلاف «ءجر» و«ثوب» اللذين يغلب عليهما جانبُ الخير.

- اختبار الكفاية (الفرق الفاصل): «جزي» وحده في القرآن كلّه يحمل معنى «قيام نفسٍ مقام نفسٍ لتكفيَ عنها»؛ فحيثما صحّ في الموضع معنى «تكفي/تغني عن» فالجذر «جزي» لا غيره، كما في البَقَرَة 48 ولقمان 33. وهذا المعنى يفصل «جزي» عن كلّ الحقل، إذ لا «ءجر» ولا «ثوب» ولا «فوز» يَرِد في باب الإغناء عن الغير.

- اختبار المسلك المالي: «جزي» وحده تفرّع منه اسمٌ خاصّ — «الجِزية» — للمأخوذ مقابلةً لحالٍ مخصوصة (التوبَة 29)، ولا نظير له في بقيّة الحقل.

الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه

هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الثواب والأجر والجزاء.

يقع «جزي» في حقل «الثواب والأجر والجزاء»، ويمثّل فيه المحورَ الجزائيَّ ذا الاتجاهين: فهو الجذرُ الذي يُوقِع المقابِلَ على العمل ثوابًا أو عقابًا مقيَّدًا بالموافقة والمماثلة، فلا يَنحاز إلى جانب الخير وحده كما يميل «ءجر» و«ثوب». ويتفرّع منه داخل الحقل مسلكان لا يشاركه فيهما غيرُه: الجزيةُ الماليّةُ المأخوذةُ عن يدٍ (التوبَة 29)، والكفايةُ بقيام نفسٍ مقامَ نفسٍ المنفيّةُ يوم القيامة (البَقَرَة 48، لقمان 33). فموقع الجذر في الحقل موقعُ المقابلة العادلة المقيَّدة بالقدر، يفصله عن «الأجر» الذي هو عطاءٌ موعود، وعن «الفوز» الذي هو إدراكُ الغاية.

مَنهَج تَحليل جَذر جزي

كشف المسحُ الكلّيّ لمواضع الجذر الـ118 أنّ الحدّ المقتصر على «الردّ على فاعل العمل» — وإن استوعب المسلكَ الغالب — يسقط عند ﴿لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا﴾، إذ لا فاعلَ هناك يُجازَى ولا عملَ سابقًا، بل المراد نيابةُ نفسٍ عن نفسٍ وكفايتُها. فدلّ ذلك على أنّ الأصل الجامع أعمقُ من «المجازاة»: هو «قيام الشيء مقام الشيء على جهة الموافقة». والبصيرة المنهجيّة هنا أنّ صيغةً واحدةً منفردة — اسم الفاعل «جَازٍ» الذي لم يَرِد إلا مرّةً واحدة — هي المفتاح الذي يكشف الفرعَ الثاني للجذر؛ فالصيغة النادرة لا تُهمَل، بل قد تكون أصدقَ دلالةً على حدود المعنى من الصيغة الغالبة.

الجَذر الضِدّ

الجذر الضدّ في فرع العقاب: «عفو». ويتجلّى التقابل نصًّا في الشورى 40 ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾؛ فالآية تجمع الجذرين في نظمٍ تقابليٍّ واحد: «جزاءُ السيّئة بمثلها» مقابلَ «العفو والإصلاح». فالجزاء مقابلةُ السيّئة بما يساويها، والعفو إسقاطُ تلك المقابلة. ويُلحَظ في موضعٍ آخر ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُ﴾ (المائدة 95) أنّ العفو يقابل إيقاعَ المقابِل العقابيّ.

وحدّ التقابل: «عفو» ضدٌّ لـ«جزي» في فرع العقاب خاصّةً، لا في معناه الجامع كلّه؛ إذ «جزي» يستوعب الثوابَ أيضًا، والعفو لا يقابل الثواب. فالتقابل جزئيٌّ مقصورٌ على مسلك العقوبة بالمماثلة.

نَتيجَة تَحليل جَذر جزي

«جزي» يدلّ على أن يقع شيءٌ موقعَ شيءٍ ويقوم مقامه على جهة المقابلة الموافِقة: إمّا مقابلةً للعمل بما يناسبه خيرًا أو شرًّا، وإمّا قيامَ نفسٍ مقامَ أخرى لتكفيَ عنها. وقد انتظم هذا المعنى الجامع 118 موضعًا قرآنيًّا عبر 49 صيغة متمايزة، فاستوعب فرعَي الجذر معًا — مقابلةَ العمل (الثواب والعقاب والجزية) والكفايةَ عن الغير — دون موضعٍ شاذٍّ يكسر الحدّ ودون تناقضٍ بين الفرعين.

شَواهد قُرءانيّة من جَذر جزي

شواهد كاشفة تغطّي فروع الجذر وتنوّع صيغه:

— فرع الكفاية والإغناء عن الغير — - البَقَرَة 48 ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ﴾ - لقمان 33 ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾

— فرع المقابلة بالمماثلة — - الأنعَام 160 ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ - الشُّوري 40 ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾

— فرع الجزية الماليّة — - التوبَة 29 ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾

— فرع الثواب — - الإنسَان 12 ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا﴾ - البَينَة 8 ﴿جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ﴾

— فرع العقاب — - النِّسَاء 93 ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا﴾ - الكَهف 106 ﴿ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾

— لازمة الجزاء الإلهيّ — - الصَّافَات 80 ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ - الرَّحمٰن 60 ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾

لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر جزي

1. هيمنة صيغة المضارع المسند إلى ضمير الجمع «نَجۡزِي» — ١٩ مرة: صيغة «نَجۡزِي» (نون التعظيم الإلهيّة) ترد ١٩ مرة من ١١٨ (نحو ١٦٪) — أعلى الصيغ تكرارًا. والنمط أنّ فعل الجزاء يُسند في الغالب إلى الله بصيغة الجمع التعظيميّة، فيتثبَّت أنّ الجزاء فعلٌ ربّانيّ خالص لا يُنازَع فيه أحد.

2. اقتران لازم بـ«بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ» — ١٨ موضع اقتران مع «بِمَا»: الكلمة «بِمَا» تجاور الجذر ١٨ مرة (الأعلى اقترانًا)، ومعها «كَانُواْ» ٩ مرّات. والنمط أنّ الجزاء في القرآن مَربوطٌ بالعمل المُكتسَب الفعليّ (سببيّة صريحة)، لا بالنسب ولا بالادّعاء — وهو ما يفسّر نفيَ الكفاية في البَقَرَة 48 ولقمان 33: لمّا انتفى العملُ الذاتيّ يومئذٍ، انتفى أن تَنوب نفسٌ عن نفس.

3. «كَذَٰلِكَ نَجۡزِي» — لازمة بنائيّة متكرّرة (١٦ مرة): «كَذَٰلِكَ» ترد ١٦ مرة قرب الجذر، تكوّن لازمةً تختم قصص الأنبياء والمكذِّبين: ﴿وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (الأنعَام 84، يُوسُف 22، القَصَص 14، الصَّافَات 80 و105 و110 و121 و131). والنمط أنّ الجزاء سُنّةٌ ثابتة معطوفةٌ على الواقعة المَحكيّة.

4. اقتران ملازم بـ«ٱلۡمُحۡسِنِينَ» — ١١ موضعًا: الجذر يجاور «ٱلۡمُحۡسِنِينَ» ١١ مرة، أعلى نسبة لوصفٍ معيّن. والنمط أنّ الإحسان هو الوصف الأبرز الذي يَستحقّ الجزاء بنصّ النظم القرآنيّ.

5. «ٱلۡجِزۡيَة» انفردت بمرّة واحدة: صيغة «ٱلۡجِزۡيَةَ» بمعنى الجزية الماليّة وردت مرّة واحدة (التوبَة 29) — انفرادٌ دلاليّ يفصل المسلك الماليّ عن المسلك الجزائيّ الأخرويّ الذي هيمن على الجذر.

6. تركّز سوريّ متوازن — لا سورة تتجاوز ٧٪: الأنعَام ٨ آيات (نحو ٧٪)، يُوسُف ٧، الصَّافَات ٦ — توزّعٌ منتشر بلا هيمنة سورةٍ واحدة. والنمط أنّ الجزاء قانونٌ قرآنيّ عامّ لا يَختصّ بقصّةٍ معيّنة.

7. إحدى وثلاثون صيغة انفردت بالورود مرّة واحدة: «وَسَيَجۡزِي»، «فَجَزَآؤُهُۥ»، «سَنَجۡزِي»، «يُجۡزَ»، «جَازٍ»... كثرة الصيغ المنفردة (٣١ من ٤٩ = نحو ٦٣٪) تُظهِر مرونة الجذر في توليد صيغٍ سياقيّة متخصّصة على بنيةٍ صرفيّة واحدة.

8. «إِلَّا» تجاور الجذر ١٠ مرّات — أسلوب الحَصر: اقتران «إِلَّا» بالجزاء يكشف نمطين من الحصر: حصرُ الجزاء في مقابِله ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾ (الرحمن 60) و﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ﴾ (المائدة 33)، وحصرُ المماثلة في العقاب ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾. ويُلحَظ أنّ فرع الكفاية نفسَه إنّما يَرِد بصيغة النفي المطلق ﴿لَّا تَجۡزِي﴾ ﴿لَّا يَجۡزِي﴾ — فالجذر إذا أُريد به الإغناءُ عن الغير لم يَرِد إلا منفيًّا، تأكيدًا لاستقلال كلّ نفسٍ بعملها.

9. اسم الفاعل «جَازٍ» — صيغةٌ منفردةٌ كاشفة: لم يَرِد اسم الفاعل من الجذر إلا مرّةً واحدة ﴿وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ﴾ (لقمان 33)، وهي وحدها التي تنصّ على فرع «قيام نفسٍ مقام نفس». فهذه الصيغة النادرة هي المفتاح البنيويّ الذي يميّز الفرع الثاني للجذر عن فرعه الغالب.

— لطائف إحصائيّة آليّة — • دلالة الإسناد: الله يَفعل هذا الجذر في ٢٠ موضعًا — ٤٠٪ من إجماليّ ٥٠ إسنادًا. • تركّز محوريّ: ٥٠٪ من الإسنادات تعود لفاعلي محور «إلهيّ» — ٢٥ من ٥٠. • الفاعلون الأبرز: الله (٢٠)، المحسنون (١١)، النفس (٩). • اقتران نتيجة: «فَلَا يُجۡزَىٰٓ» تكرّر ٣ مرّات في ٣ سور.

— توقيف الرسم — • «جزاء» (٢٦) في مقابل «جزٰؤا» (٣) — الواو المهموزة مع الخنجريّة أو بدونها. «جَزَٰٓؤُاْ» (بالخنجريّة، ٤ مواضع) رسمُ العقوبة العَدليّة بالمماثلة: مبدؤها في الشورى 40 ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَا﴾، وتطبيقاتها في «جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ» و«جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ» (المائدة 29 و33، الحشر 17). أمّا «جَزَآء» بالألف الصريحة فالجزاء العامّ يشمل العطاء والثواب والعقوبة معًا.

إحصاءات جَذر جزي

  • المَواضع: ١١٨ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
  • الصِيَغ: ٤٩ صيغة فَريدة.
  • أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: نَجۡزِي.
  • أَبرَز الصِيَغ: نَجۡزِي (١٩) جَزَآءُ (١١) تُجۡزَوۡنَ (٩) جَزَآءَۢ (٧) جَزَآءٗ (٧) لِيَجۡزِيَ (٥) جَزَآؤُهُمۡ (٣) جَزَٰٓؤُاْ (٣)

الرَسم التَوقيفيّ — أَزواج جَذر جزي

  • جزاء ⟂ جزٰؤا (الواو المَهموزة (مَع/بِدون خَنجَريّة)): «جَزَٰٓؤُاْ» (الخَنجَريّة، 4 مَواضع) رَسم العُقوبَة العَدليّة بِالمُماثَلَة: مَبدَؤها في الشورى 40 «وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَا»، وَتَطبيقاتها الثَلاث في «جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ/ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ» (المَائدة 29،…