جَذر ءنف في القُرءان الكَريم — ٣ مَوضعًا

الحَقل: الجسد والأعضاء · المَواضع: ٣ · الصِيَغ: ٣

التَعريف المُحكَم لجَذر ءنف في القُرءان الكَريم

«ءنف» في القرءان: المُتَقَدِّمُ النَّاتِئُ المُتَّصِلُ بِما يَليه — جَسَدًا (الأَنف ناتِئُ مُقَدَّم الوَجه) وزَمَنًا (آنِفًا اللَّحظَةُ الأَخيرَة المُتَّصِلَة بالحاضِر). الجذر يَجمَع البُعدَين تَحت مَعنَى البُروز في المُقَدِّمَة.

الخُلاصَة الجَوهَريّة

«ءنف» = المُقَدَّمَة النَّاتِئَة المُتَّصِلَة بِما بَعدَها. الـ٣ مَواضع: «الأَنف بالأَنف» في القِصاص (المائدَة ٤٥)، «آنِفًا» اللَّحظَة المُتَّصِلَة بالحاضِر (مُحَمَّد ١٦). الجَسَدِيّ والزَّمَنيّ يَتَّحِدان في مَعنى البُروز في المُقَدِّمَة.

المَفهوم القُرءانيّ لجَذر ءنف

جذر «ءنف» في القرءان جذرٌ نادرُ الورود (٣ مَواضع في آيَتَين فَريدَتَين فقط، ٣ صيغ مُتَفَرِّقَة) لكنَّه يَكشِف بِنيَةً دلاليَّةً مُتَّحِدَةً تَجمَع المَكان والزَّمَن. مَدارُه على مَعنىً واحِدٍ مُجَرَّد: المُتَقَدِّم الناتِئ من الشيء، سَواءٌ في الجَسَد أم في الزَّمَن. في الجَسَد «الأَنف» هو العُضو النَّاتِئُ في مُقَدَّم الوَجه، الَّذي يَتَقَدَّم سائِرَ المَلامِح بُروزًا، فَيَكون دَليلَ الوَجه ومُقَدِّمَتَه. وفي الزَّمَن «آنِفًا» هو الزَّمَنُ النَّاتِئُ في مُقَدَّم الحاضِر، أيِ اللَّحظَةُ الأَخيرَةُ السابِقَةُ مُباشَرَةً على وَقتِ الكَلام، فَتَكون «آنِفًا» مُقَدِّمَةً مُتَّصِلَةً بالحاضِر لا فاصِلَ بَينها وبَينه. ففي المائدَة ٤٥ ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞ﴾ يَأتي «الأَنف» في ثَلاثَة مَواقِعَ من سُلَّم القِصاص: «النَّفس» (الكُلِّيَّة)، ثُمَّ أَعضاءُ الوَجه بِتَرتيبٍ بِنيَويّ — العَين أَوَّلًا (الإدراك)، ثُمَّ الأَنف (التَّنَفُّس والشَّمّ والمَلمَح المُتَقَدِّم)، ثُمَّ الأُذُن (السَّماع)، ثُمَّ السِّنّ (الإمساك والقَطع)، ثُمَّ الجُروح بِعَطفٍ عامٍّ. مَوقِع «الأَنف» وَسَطُ السُّلَّم بَين العَين والأُذُن، بَين أَدوات الإدراك. وفي مُحَمَّد ١٦ ﴿قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ﴾ تَأتي صيغَة «آنِفًا» منصوبَةً على الظَّرفيَّة الزَّمَنيَّة، في خِطاب مُتَطاوِلين على ما سَمِعوه من النَّبيّ، يَسأَلون أَهل العِلم: «ماذا قال السَّاعَةَ — تَوًّا — في اللَّحظَة الَّتي خَرَجنا فيها؟» — استِفهامُ تَجَهُّلٍ يَكشِف انقِطاعَ الفَهم لا انقِطاعَ السَّماع. الجامِع البِنيويّ بَين الجَسَدِيّ والزَّمَنيّ: كِلاهُما ناتِئٌ مُتَقَدِّمٌ في حَيِّزِه — الأَنفُ ناتِئٌ في مُقَدَّم الوَجه، وآنِفًا ناتِئٌ في مُقَدَّم الحاضِر مِنَ الماضي. لِذلك جاء الجذرُ في القرءان مُتَوَزِّعًا بَين بُعدَين، وفي كِلَيهِما يَدُلّ على المُقَدَّمَة المُتَّصِلَة بِما هُوَ بَعدَها.

الآية المَركَزيّة لِجَذر ءنف

الآيَة المَركَزِيَّة: ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞ﴾ (المائدَة ٤٥). تُجَلِّي هذه الآيَةُ الجَسَدِيَّ من الجذر في سياقِ تَشريعٍ، وتَكشِف عن مَوقِعِه البِنيويّ في سُلَّم الأَعضاء: الأَنفُ يَلي العَينَ ويَتَقَدَّم الأُذُنَ، فهو في مُقَدَّم الوَجه بَين أَدوات الإدراك. والصِّيغَتان «وَٱلۡأَنفَ» و«بِٱلۡأَنفِ» في آيَةٍ واحِدَة تَكشِفان عن صيغَة المُقابَلَة المُحكَمَة في القِصاص: كلُّ عُضوٍ بِمِثلِه، فالأَنفُ ليس قابِلًا للاستِبدال بِغَيرِه من الأَعضاء.

المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة

تَصرَّفَت «ءنف» في القرءان في ٣ صيغ مُتَفَرِّقَة، كلُّ صيغَةٍ مَرَّةً واحِدَة، تُمَثِّل ٣ بِنىً مُختَلِفَة: (١) اسمُ العُضو مُعَرَّفًا بـ«أل» في حالَة النَّصب «وَٱلۡأَنفَ» (المائدَة ٤٥) — مَفعولٌ مَعطوفٌ على «النَّفس»، يَدُلّ على العُضو نَفسِه باعتِبارِه مَحَلَّ الجِنايَة. (٢) اسمُ العُضو مُعَرَّفًا بـ«أل» في حالَة الجَرّ بالباء «بِٱلۡأَنفِ» (المائدَة ٤٥) — يَدُلّ على العُضو باعتِبارِه ثَمَنَ القِصاص ومُقابِلَه. وَوُرود الصيغَتَين في آيَةٍ واحِدَة بِنَصبٍ ثُمَّ جَرٍّ يَكشِف عن صيغَة المُماثَلَة الكامِلَة في التَّشريع. (٣) ظَرفُ زَمانٍ مَنصوبٌ مُنَوَّنٌ «ءَانِفًاۚ» (مُحَمَّد ١٦) — على وَزن «فاعِلًا»، بِناءٌ يَدُلّ على فاعِلِ الإيناف، أيِ الزَّمَنِ المُتَقَدِّم النَّاتِئ في حاضِر الكَلام. الانتِقال البِنيويّ من العُضو الجَسَديّ إلى الظَّرف الزَّمَنيّ في القرءان لَيس انتِقالًا إلى جذرٍ آخَر، بَل تَفَرُّعٌ دَلاليّ على نَفسِ الجَوهَر: المُقَدَّمَة النَّاتِئَة. لاحِظ أنَّ «الأَنف» جاء مَعرِفَةً (بـ«أل»)، و«آنِفًا» جاء نَكِرَةً مُنَوَّنَة — فالجَسَد مَعهودٌ يُشار إليه، والزَّمَن مُبهَمٌ يَنشَأ من سياقِه. كذلك لم يَرِد للجذر فِعلٌ مُتَصَرِّفٌ ولا مَصدَرٌ ولا اسمُ فاعِلٍ مُستَقِلّ — كلُّ صيغَةٍ نَوعٌ مُكتَفٍ في وَظيفَتِه.

المَواضع القُرءانيّة لِجَذر ءنف

للجذر ٣ مَواضِع في آيَتَين فَريدَتَين، تَفصِلُهما ٤٢ سورَةً ومَنطِقتان دَلاليَّتان مُتَباعِدَتان (التَّشريع، خِطاب المُتَطاوِلين على النَّبيّ). الموضِعان الأَوَّلان في المائدَة ٤٥ بصيغَتَي «وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ» — في سياق آياتِ التَّوراة وحُكمِها: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ﴾ (المائدَة ٤٤)، ثُمَّ ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ﴾ — فالأَنفُ هُنا في مُسلسَلِ القِصاص، يَأتي ثالِثًا بَعد النَّفس والعَين، وقَبل الأُذُن والسِّنّ والجُروح. ترتيبٌ مَعنىً: من الكُلِّيَّة (النَّفس) إلى أَعضاء الوَجه المُقَدَّمَة (العَين، الأَنف، الأُذُن)، إلى السِّنّ، إلى الجُروح. واقترانُ التَّشريع بـ«فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُ» يَكشِف أنَّ القِصاص حَقٌّ قابِلٌ للإسقاطِ بالعَفو، فَيَتَحَوَّل إلى كَفَّارَة. الموضِع الثالث في مُحَمَّد ١٦ بِصيغَة «ءَانِفًاۚ» — في سياق التَّعَجُّب من حال المُتَطاوِلين على ما يَسمَعون من النَّبيّ: ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ﴾. لاحِظ التَّسلسُل: «يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ» (السَّماعُ تامٌّ)، ثُمَّ «خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ» (الانفِصالُ المَكانيّ تامّ)، ثُمَّ «قَالُواْ ... مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ» (الاستِفهامُ بِأنَّهم لم يَدروا!) — استِفهامُ تَجَهُّلٍ في مَوضِعِ تَوَجُّبِ العِلم. ثُمَّ كَشفُ السَّبَب: ﴿طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾. فالأَنفيَّةُ في «آنِفًا» تُعَلَّم اتِّصال الكَلام بِزَمَن الخُروج، حَتَّى يَصير ادِّعاءُ النِّسيان فاضِحًا — فلا يُمكِن أن يَنسى الإنسانُ كَلامًا قيلَ تَوًّا إلَّا أن يَكون قَلبُه مَطبوعًا. ثَلاثَة مَواضع، في آيَتَين، في حَقلَين مُختَلِفَين تَمامًا (تَشريعٌ ثُمَّ خِطابُ التَّعَجُّب)، يَجمَعُهُما الجوهَرُ الواحِد: المُقَدَّمَة النَّاتِئَة المُتَّصِلَة بما بَعدَها — جَسَدًا أو زَمَنًا.

القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر

كلُّ مَواضِع «ءنف» تَشتَرِك في ثَلاثَة عَناصِر بِنيَويَّة: (١) البُروزُ في المُقَدِّمَة: الأَنفُ يَبرُز مُقَدَّم الوَجه بَين العَين والأُذُن، وآنِفًا يَبرُز مُقَدَّم الحاضِر بَين الماضي القَريب والكَلام الحاليّ. (٢) الاتِّصالُ بِما يَلي: الأَنفُ يَتَّصِل بِسائِر الوَجه فَيَكون مَدخَلَ التَّنَفُّس إلى الجَوف، وآنِفًا يَتَّصِل بِزَمَن الكَلام بِلا فاصِل مَلموس — فَلَو فُصِل لَصارَ «قَبلًا» أو «من قَبلُ». (٣) المَحَلِّيَّةُ المُحَدَّدَة لا الشِّياعِيَّة: الأَنفُ مَوضِعٌ واحدٌ مَخصوصٌ من الوَجه، وآنِفًا لَحظَةٌ واحِدَةٌ مَخصوصَةٌ من الزَّمَن — كِلاهُما يُشير إلى مَوقِعٍ مُحَدَّدٍ لا يُغني عَنه غَيرُه. وَفي المَوضِعَين معًا، يَأتي الجذرُ في خِطابٍ يُلزِم المُخاطَب بِالاعتِراف بالحَقيقَة المُجَسَّمَة (في القِصاص بِالعِوَض المُماثِل، وفي مُحَمَّد بِأنَّ الكَلامَ المَسموعَ تَوًّا لا يَجوز التَّجَهُّل به).

مُقارَنَة جَذر ءنف بِجذور شَبيهَة

«ءنف» يُقارَن بثَلاثَة جذور قَريبَة دلاليًّا في كلٍّ من بُعدَيه: (١) في الجَسَد يُقارَن بـ«وجه»: الوَجهُ هو الكُلُّ المُقابِلُ للنَّاظِر، والأَنفُ جُزءٌ ناتِئٌ في مُقَدَّمَتِه — لِذلك جاء «وُجوهَهُمۡ» جامِعًا في الأنفال ٥٠ ومُحَمَّد ٢٧، ولم يَرِد «أَنفَهُم». (٢) في الزَّمَن يُقارَن بـ«قبل» (السابِق المُنفَصِل): «من قَبلُ» تَدُلّ على ما سَبَق بِفاصِلٍ مَلموس، أمَّا «آنِفًا» فَتَدُلّ على ما سَبَقَ بِغَير فاصِل مَحسوس. لو قال القرءانُ «مَاذَا قَالَ مِن قَبلُ» لَكانَ السُّؤالُ مَقبولَ النِّسيان لِبُعدِ الفاصِل، لكنَّ «آنِفًا» تَفضَح المُتَطاوِلين لِأنَّ السَّماعَ كانَ تَوًّا. (٣) في الزَّمَن أيضًا يُقارَن بـ«ساعَة» (اللَّحظَةُ الحاضِرَة): السَّاعَةُ تَدُلّ على الحاضِر نَفسِه، و«آنِفًا» تَدُلّ على ما يَسبِقُه مُباشَرَةً وَيَتَّصِل به. الفَرق الجَوهَريّ: «ءنف» وَحدَه يَجمَع البُعدَين الجَسَديّ والزَّمَنيّ تَحت مَعنى المُتَقَدِّمَة المُتَّصِلَة، بِخِلاف «وجه» المُختَصّ بالجَسَد، و«قبل» المُختَصّ بالفاصِل، و«ساعَة» المُختَصَّة بالحاضِر.

اختِبار الاستِبدال

إن أَبدلتَ «وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ» في المائدَة ٤٥ بـ«وَٱلۡوَجۡهَ بِٱلۡوَجۡهِ» يَضيع التَّخصيصُ والمُماثَلَةُ المَحَلِّيَّة، إذ الوَجهُ كُلٌّ لا يُقتَصُّ به جُزءٌ — فَالقِصاصُ يَستَلزِم مُماثَلَةَ المَحَلّ بالمَحَلّ. وإن أَبدلتَ «مَاذَا قَالَ ءَانِفًا» في مُحَمَّد ١٦ بـ«مَاذَا قَالَ مِن قَبلُ» يَضيع بُعدُ الاتِّصال بالحاضِر، ويُصبِح السُّؤالُ مَشروعًا (لِبُعدِ الفاصِل)، فَتَفقِد الآيَةُ بَلاغَ الفَضيحَة. وإن أَبدلتَه بـ«ٱلسَّاعَةَ» يَضيع بُعدُ السَّبق المُتَّصِل، وتَتَحَوَّل الدَّلالَة إلى الحاضِر نَفسِه لا إلى ما سَبَقَه تَوًّا.

الفُروق الدَقيقَة

ثلاث فُروق دَقيقَة في تَوزيع «ءنف» في القرءان: (١) الجذرُ في القرءان يَتَوَزَّع بَين بُعدَين يَبدوان مُتَباعِدَين (عُضو جَسَديّ، ظَرف زَمَنيّ) لكنَّهُما مُتَّحِدا الجَوهَر (المُقَدَّمَة النَّاتِئَة) — وَهَذا انفِرادٌ بِنيَويٌّ، إذ لا تَجِد جذرًا آخَر في حَقل الأَعضاء يَتَفَرَّع زَمَنيًّا بِهَذه الصُّورَة (العَين، الأُذُن، السِّنّ، الفَم — كلُّها جَسَديَّةٌ بَحتَة في القرءان). (٢) المَوضِعان الجَسَديَّان (المائدَة ٤٥) يَأتيانِ في تَشريعٍ نازِلٍ على بَني إسرائيل ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ﴾ — فالأَنفُ في القرءان لم يَرِد إلَّا في تَشريعٍ مُتَعَلِّقٍ بأهلِ الكِتاب، لا في تَشريعٍ مُبتَدَأٍ لِلمُؤمِنين. (٣) المَوضِع الزَّمَنيّ (مُحَمَّد ١٦) يَرِد في خِطابِ تَعَجُّبٍ يَفضَح الطَّبعَ على القَلب — فالنِّسيانُ بَعد دَقائقَ مُؤَشِّرٌ على عِلَّةٍ قَلبيَّةٍ لا سَمعيَّة. الجذرُ كاشِفٌ في كِلا المَوضِعَين عن خَلَلٍ بَنيَويّ (في الجَسَد بالاعتِداء، في القَلب بالطَّبع).

الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه

هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الجسد والأعضاء.

«ءنف» في حَقل «الجَسَد والأَعضاء». في هذا الحَقل، يَنفَرِد «ءنف» بِكَونِه الجذرَ الوَحيدَ المُسَمَّى لِعُضوٍ من أَعضاء الوَجه يَتَفَرَّع دلاليًّا إلى بُعدٍ زَمَنيّ في القرءان (آنِفًا). كذلك مَوقِعُه في سُلَّم القِصاص (المائدَة ٤٥) ثالِثًا بَعد النَّفس والعَين يَكشِف رُتبَتَه في تَرتيب الأَعضاء بِحَسَب التَّقَدُّم والإدراك. وفي حَقلٍ مُلاصِقٍ غَير مُسَمًّى (الزَّمَن والظُّروف الزَّمَنيَّة)، تَأخُذ صيغَة «آنِفًا» مَوقِعًا فَريدًا بِالتَّعبير عن «المُقَدَّمَة المُتَّصِلَة بالحاضِر» الَّتي لا يُؤَدِّيها لَفظٌ آخَر بِنَفس الدِّقَّة.

مَنهَج تَحليل جَذر ءنف

في تَحليل هذا الجذر اتُّبِعَت خَمسُ خُطواتٍ داخِلِيَّةٍ بَحتَة: (١) حَصرُ المَواضع الثَّلاثَة من قاعدة البيانات وقِراءَةُ كلِّ آيَةٍ بِتَمامِها مَع آيَتَين قَبلَها وآيَتَين بَعدَها لِفَهم السياق، (٢) الفَحصُ الدَّلاليّ للسُؤال الجَوهَريّ: هَل «الأَنف» العُضو و«آنِفًا» الزَّمَن جَذرٌ واحِد أم تَفَرُّعٌ؟ — والإجابَة: جَذرٌ واحِدٌ بِجَوهَرٍ مُشتَرَك (المُقَدَّمَة النَّاتِئَة)، يَدُلّ عَليه اتِّحادُ البِنيَة الصَّرفِيَّة (همزَةٌ ثُمَّ نونٌ ثُمَّ فاء)، (٣) رَصدُ الصِّيَغ الثَّلاثَة المُتَفَرِّقَة (مَنصوب، مَجرور، ظَرف) ودِلالَة كلِّ صيغَةٍ على وَجهٍ خاصّ، (٤) رَصدُ السياقَين (تَشريع التَّوراة، خِطاب المُتَطاوِلين)، (٥) اختِبار التَّعريف على المَواضع الثَّلاثَة بِلا استِثناء. لم يُستَخدَم أيُّ مَصدَرٍ خارِجيّ.

الجَذر الضِدّ

الجذر الضِّدّ لِـ«ءنف» في القرءان هو «دبر»، وَهَو من أَنفَع التَّقابُلات في القرءان لِكَونه يُقابِل البُعدَين الجَسَديّ والزَّمَنيّ مَعًا في جذرٍ واحِد. التَّقابُل البِنيَويّ يَقوم على ثَمانِيَة أَوجُه نَصِّيَّة: (١) في الجَسَد: «الأَنف» مُقَدَّمُ الوَجه النَّاتِئ ﴿وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ﴾ (المائدَة ٤٥)، و«الدُّبر/الأَدبار» مُؤَخَّرُ البَدَن النَّاتِئ ﴿يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ (الأنفال ٥٠، مُحَمَّد ٢٧). فَمُسلسَلُ ضَرب المَلائكَة لِلكُفَّار في الموتِ يَجمَع طَرَفَي البَدَن: الوَجه (وفيه الأَنف) والأَدبار (المُقابِل التَّشريحيّ المُباشِر). (٢) في الزَّمَن: «آنِفًا» تَدُلّ على المُقَدَّمَة المُتَّصِلَة بِالحاضِر من الماضي ﴿مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ﴾ (مُحَمَّد ١٦)، و«إِدبار» في القرءان تَدُلّ على ما يَتَأَخَّر ويُعقِّب: ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ﴾ (المُدَّثِّر ٣٣) فَإدبارُ اللَّيل ذَهابُه إلى ما بَعدَ الحاضِر، ﴿وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ﴾ (قٓ ٤٠) فالإدبارُ ما يَلي السُّجود زَمَنيًّا، ﴿وَإِدۡبَٰرَ ٱلنُّجُومِ﴾ (الطُّور ٤٩) فإدبارُ النُّجوم ما يَأتي بَعد ظُهورِها. فَالتَّقابُل بَين «آنِفًا» (المُتَّصِل بِما قَبلُ الحاضِر) و«أَدبار» (المُتَّصِل بِما بَعدُ الحَدَث) تامٌّ في البُعد الزَّمَنيّ. (٣) في الاتِّجاه: «ءنف» اتِّجاه التَّقَدُّم والبُروز إلى الأَمام، و«دبر» اتِّجاه التَّأَخُّر والولاية إلى الخَلف ﴿وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ﴾ (التَّوبَة ٢٥). كِلاهُما اتِّجاهٌ مَكانيٌّ زَمَنيٌّ في آنٍ، فَالمُقَدِّم يَدُلّ على القُربِ من الحاضِر، والمُدبِر يَدُلّ على الانصِراف عنه. (٤) في الإسناد: لا يُسنَد «ءنف» في القرءان إلى الله أَبدًا (الأَنفُ عُضوٌ مَخلوق، وآنِفًا ظَرفُ مَخلوق)؛ كذلك «دبر» في صيغَة الإِدبار لا يُسنَد إلى الله، لكنَّه في صيغَة التَّدبير يُسنَد ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ﴾ (يونس ٣) — فَتَختَلِف الإسناداتُ بَين القُطبَين، ويَلتَقيان في الجَسَد والزَّمَن لا في فِعل التَّدبير. (٥) في الجَزاء: ضَربُ الأَدبار في الموتِ ﴿يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ (الأنفال ٥٠) يُلامِسُ الوَجهَ الَّذي فيه الأَنف، فَتَكون عُقوبَةُ الَّذي يَتَوَلَّى مُدبِرًا أن يُضرَبَ في وَجهِه (مَوضِعِ الأَنف) وفي دُبُرِه — فَالتَّقابُل التَّشريحيّ يَنعَكِس في صورَة العَذاب. (٦) في القَلب والإقبال: المَطبوعُ على قَلبِه (مُحَمَّد ١٦) يَنسى ما قِيلَ آنِفًا، فَيَكون قَلبُه مُدبِرًا عن الحَقّ ولَو كانَ بَدَنُه حاضِرًا — فالإدبارُ الباطِنُ يُحدِث النِّسيانَ الفَوريّ. (٧) في تَرتيب البَدَن: الوَجهُ مُقَدَّمٌ والأَدبارُ مُؤَخَّر، فَالأَنف في الوَجه يُقابِله الدُّبر في البَدَن — تَقابُلٌ تَشريحيٌّ صَريحٌ في النَّصّ القرءانيّ بِجَمعِ «الوُجوه والأَدبار» مَرَّتَين في القرءان (الأنفال ٥٠، مُحَمَّد ٢٧). (٨) في تَرتيب الزَّمَن: المُقَدِّم زَمَنًا «آنِفًا» يُقابِله المُؤَخَّر زَمَنًا «إِدبار» — لِذلك جاء «إِدۡبَٰرَ ٱلنُّجُومِ» (الطُّور ٤٩) و«إِدبار اللَّيل» (المُدَّثِّر ٣٣) و«أَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ» (قٓ ٤٠) كلُّها في زَمَنٍ يَلي حَدَثًا، تَقابُلًا للمَعنى الَّذي يَحمِله «آنِفًا» من سَبقٍ مُتَّصِل. ولَيس في القرءان آيَةٌ تَجمَع الجذرَين في نَصٍّ واحِد، فالبَراءَة في الإسناد تامَّة، لكنَّ التَّقابُلَ البِنيَويَّ مُحكَمٌ في البُعدَين معًا. وَهَذا تَفَرُّدٌ بَنيويّ: لَيس في حَقل الأَعضاء جذرٌ آخَر يُقابَل بِجَذرٍ يَجمَع له المُقابَلَة الجَسَديَّة والزَّمَنيَّة معًا — فَالعَين تُقابَل بالعَمى، والأُذُن بالصَّمَم، والسِّنّ بالعَتَه، لكن «الأَنف» وَحدَه يُقابَل بِجَذرٍ يَحمِل البُعدَين المُتَّحِدَين كَما يَحمِلُهُما هو.

نَتيجَة تَحليل جَذر ءنف

نَتيجَة الاستِقراء: «ءنف» جذرٌ يَكشِف بِنيَةً دلاليَّةً مُتَّحِدَةً بَين الجَسَد والزَّمَن، جَوهَرُها المُقَدَّمَة النَّاتِئَة المُتَّصِلَة بِما يَليها. «الأَنف» (المائدَة ٤٥) ناتِئُ مُقَدَّم الوَجه، و«آنِفًا» (مُحَمَّد ١٦) ناتِئُ مُقَدَّم الحاضِر من الماضي. الجذر يُقابَل بِنيويًّا بِجَذر «دبر» الَّذي يَحمِل أيضًا البُعدَين معًا (الأَدبار والإدبار). كلُّ مَواضِعِه الثَّلاثَة تَخضَع لِهَذا النَّمَط بِلا استِثناء.

شَواهد قُرءانيّة من جَذر ءنف

الشَّواهد الثَّلاثَة كاملَةً تُغَطِّي البُعدَين: ﴿أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ﴾ (المائدَة ٤٥) — الأَنفُ الجَسَديّ في سُلَّم القِصاص؛ ﴿مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ (مُحَمَّد ١٦) — آنِفًا الزَّمَنيَّة في فَضح المُتَطاوِلين. شَواهد التَّقابُل مَع «دبر»: ﴿يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ (الأنفال ٥٠، مُحَمَّد ٢٧) — تَقابُلٌ تَشريحيّ في الوَجه والأَدبار، ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ﴾ (المُدَّثِّر ٣٣) و﴿وَإِدۡبَٰرَ ٱلنُّجُومِ﴾ (الطُّور ٤٩) — تَقابُل زَمَنيّ مَع «آنِفًا».

لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر ءنف

ملاحظات نَمَطيَّة من المَسح الكُلِّيّ للمَواضع الثَّلاثَة: (١) الجذر يَتَوَزَّع في القرءان بَين بُعدَين يَبدوان مُتَباعِدَين تَمامًا (عُضو جَسَديّ في تَشريع، ظَرف زَمَنيّ في خِطاب تَعَجُّب)، يَجمَعُهُما الجَوهَرُ الواحِد: المُقَدَّمَة النَّاتِئَة المُتَّصِلَة بما بَعدَها — وَهَذا تَفَرُّدٌ بِنيَويٌّ في حَقل الأَعضاء، إذ سائِر الأَعضاء (العَين، الأُذُن، السِّنّ، الفَم، الجَوف، الكَفّ) لا يَتَفَرَّع شَيءٌ منها زَمَنيًّا في القرءان. (٢) كلُّ صيغَةٍ في القرءان مُختَلِفَة (وَٱلۡأَنفَ، بِٱلۡأَنفِ، ءَانِفًا)، فَلا تَتَكَرَّر صيغَةٌ واحِدَة — وَكَأنَّ القرءان أرادَ أن يُريَك الجذر من ثَلاثَة وُجوهٍ بِنيَويَّة (نَصبٌ، جَرٌّ بالباء، ظَرفُ زَمان مُنَوَّن). (٣) المَوضِعان الجَسَديَّان (المائدَة ٤٥) يَجتَمِعان في آيَةٍ واحِدَة، فَالبُعدُ الجَسَديّ مُكتَنَزٌ في تَشريعٍ واحِد، أمَّا البُعدُ الزَّمَنيّ فَمُفرَدٌ في آيَةٍ مُستَقِلَّة — فَنِسبَةُ المَوضِعَين الجَسَديَّين إلى المَوضِع الزَّمَنيّ ٢:١، تُوازي ثِقَل البُعد الجَسَديّ في النَّمَط القرءانيّ. (٤) الجذرُ الجَسَديّ مَعرِفَةٌ بـ«أل» في كِلا المَوضِعَين («وَٱلۡأَنفَ»، «بِٱلۡأَنفِ»)، والجذرُ الزَّمَنيّ نَكِرَةٌ مُنَوَّنَة («ءَانِفًاۚ») — فَالعُضوُ مَعهودٌ يُشار إليه بَين النَّاس، والزَّمَنُ يُبهَم لِيَفهَمَه السَّامِع من قَريبَتِه (تَوًّا، السَّاعَة). (٥) المَوضِع الزَّمَنيّ في مُحَمَّد ١٦ مَقرونٌ بأَخطَر تَوصيفٍ في القرءان لِحال القَلب: ﴿طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ — فَالنِّسيانُ بَعد لَحظاتٍ آيَةُ الطَّبع. لِذلك جاءَ الجذرُ هنا «آنِفًا» لا «من قَبلُ» لِيَكون السُؤال فاضِحًا، فَلَو قِيلَ «من قَبلُ» لَبَرَّأَهم الفاصِل. (٦) المَوضِعان الجَسَديَّان (المائدَة ٤٥) في تَشريعٍ نازِلٍ على بَني إسرائيل، والمَوضِع الزَّمَنيّ (مُحَمَّد ١٦) في خِطاب مُنافِقين أو مَطبوعٍ على قُلوبِهم — فَالجذرُ في القرءان لم يَرِد في تَشريعٍ مُبتَدَأٍ لِلمُؤمِنين، ولا في وَصف صالِحين، بَل دائمًا في سياقٍ يَكشِف خَلَلًا في الجَسَد (بالاعتِداء) أو في القَلب (بالطَّبع). (٧) المَوضِعان الجَسَديَّان مُتَعاكِسان في الإعراب (نَصبٌ ثُمَّ جَرٌّ) في آيَةٍ واحِدَة — أُسلوبٌ بَنيَويّ مُكَرَّرٌ في كلِّ زَوج «النَّفس بالنَّفس»، «العَين بالعَين»، «الأَنف بالأَنف»، «الأُذُن بالأُذُن»، «السِّنّ بالسِّنّ» — تَكرارٌ بَنيَويٌّ يُلَقِّن المُماثَلَة بِالصَّوت قَبل المَعنى. (٨) سُلَّمُ القِصاص في المائدَة ٤٥ يَتَدَرَّج من الكُلِّيَّة (النَّفس) إلى الأَجزاء بِتَرتيبٍ مَلموس: العَين (الإدراك البَصَريّ) → الأَنف (التَّنَفُّس والمُقَدِّمَة) → الأُذُن (الإدراك السَّمعيّ) → السِّنّ (الإمساك) → الجُروح (العامّ) — وَالأَنفُ يَأخُذ المَوقِع الثَّاني في الوَجه بَين العَين والأُذُن، وَهَذا مَوقِعُه التَّشريحيّ الفِعليّ بَين أَدوات الإدراك.

إحصاءات جَذر ءنف

  • المَواضع: ٣ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
  • الصِيَغ: ٣ صيغة فَريدة.
  • أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: وَٱلۡأَنفَ.
  • أَبرَز الصِيَغ: وَٱلۡأَنفَ (١) بِٱلۡأَنفِ (١) ءَانِفًاۚ (١)