مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر فرح في القُرءان الكَريم — 22 موضعًا
جواب مباشر
دلالة جذر فرح في القرءان
دلالة جذر «فرح» في القرءان: الفرح في القرءان: استجابة وجدانية لما يراه صاحبه سارًّا أو موافقًا له؛ ولا يلزمها كبر أو نسبة العطاء إلى النف… ← التعريف الكامل
ورد الجذر 22 موضعًا، في 14 صيغة في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «الحزن والفرح والوجدان». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر فرح من شواهد القرءان وحده.
الصِيَغ المُسجَّلة ·14
عَرض كُلّ الصِيَغ (14)
التَعريف المُحكَم لجَذر فرح في القُرءان الكَريم
الفرح في القرءان: استجابة وجدانية لما يراه صاحبه سارًّا أو موافقًا له؛ ولا يلزمها كبر أو نسبة العطاء إلى النفس. يُحمد بالأمر به أو بسياق القبول والجزاء، كما في سورة يُونس ٥٨ وآل عمران ١٧٠ وسورة الرَّعد ٣٦ وسورة الرُّوم ٤–٥. ويُذم بالنهي أو بقرائن البغي والفخر والمخالفة والفرح بغير الحق، كما في سورة القَصَص ٧٦ وسورة الحدِيد ٢٣ وسورة غَافِر ٧٥. ووصف الفرح بالنعمة لا يكفي وحده للحكم عليه. ويقابله الحزن سياقيًّا في سورة آل عِمران ١٧٠، والأسى في سورة الحدِيد ٢٣؛ ولا تثبت بذلك ضدية لفظية مطّردة.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
الفرح استجابة وجدانية لما يراه صاحبه سارًّا أو موافقًا له، دون لزوم الانتفاخ أو الظهور. في مواضع الجذر الـ٢٢: أربعة مواضع محمودة بالسياق، وخمسة عشر موضعًا في سياقات النهي أو الذم، وثلاثة تصف الفرح ضمن تقلّب الأحوال دون حكم مستقل عليه. يدخل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ﴾ (سورة القَصَص ٧٦) في سياق البغي والكنوز، فلا يعم كل فرح. وتشمل المواضع المحمودة الفرح بفضل الله ورحمته ووحيه ونصره (سورة آل عِمران ١٧٠، سورة يُونس ٥٨، سورة الرَّعد ٣٦، سورة الرُّوم ٤–٥). ويقابله الحزن سياقيًّا في سورة آل عِمران ١٧٠، و﴿تَأۡسَوۡاْ﴾ في سورة الحدِيد ٢٣.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر فرح
جذر «فرح» في القرءان يدلّ على استجابة وجدانية لما يراه صاحبه سارًّا أو موافقًا له. يدخل فيه الفرح بالعطاء والوحي والنصر، وبما لدى الجماعة، وبالقعود، وبسوء يصيب الغير. لا يلزم معناه انتفاخ النفس أو ظهور أثر على الجوارح أو نسبة العطاء إلى النفس؛ فهذه قيود لا تحمل جميع مواضعه.
يرد النهي في ﴿إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ﴾ (سورة القَصَص ٧٦). سياقه بغي قارون وكنوزه، ثم الأمر بالإحسان والنهي عن الفساد، ثم قوله إنما أوتيه على علم عنده (سورة القَصَص ٧٦–٧٨). فلا يُعمَّم نفي المحبة على كل فرح، ولا يُستبدل به حكم مطلق بالبغض. وفي ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ (سورة الحدِيد ٢٣) تقابل بين الفائت والمُؤتى. وتربطه الآيتان المحيطتان بسبق الكتاب والاختيال والفخر والبخل (سورة الحدِيد ٢٢–٢٤).
ويأتي الأمر في ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ﴾ (سورة يُونس ٥٨). ويأتي الخبر المحمود في ﴿يَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ (سورة الرُّوم ٤)، ومتعلقه نصر الله في الآية التالية. ومنه ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ﴾ (سورة آل عِمران ١٧٠)، و﴿يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾ (سورة الرَّعد ٣٦). هذه الشواهد تنقض جعل الكبر أو نسيان المنعم جزءًا لازمًا من المعنى.
ومن الذم الصريح ﴿ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ (سورة غَافِر ٧٥). أمّا وصف الفرح بالريح الطيبة أو الرحمة فلا يستقل بمدح أو ذم لمجرد متعلقه؛ إذ يَرِد ضمن تقلّب الأحوال والاستجابة لها (سورة يُونس ٢٢–٢٣، سورة الرُّوم ٣٦، سورة الشُّورى ٤٨). فالقدر الجامع هو الاستجابة الوجدانية، والحكم يُستفاد من السياق. ولا تثبت هذه المواضع حدًّا يفصل الفرح عن السرور بالانتفاخ، أو يحصر الاستبشار في خبر منتظر؛ فالاستبشار يتعلق أيضًا بنعمة وفضل (سورة آل عِمران ١٧١).
الآية المَركَزيّة لِجَذر فرح
سورة القَصَص ٧٦ ﴿إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ﴾. تمثل الآية الفرح المنهي عنه في سياق البغي والكنوز، على لسان قوم قارون. ويتبعها الأمر بابتغاء الآخرة والإحسان والنهي عن الفساد، ثم رد قارون بنسبة ما أوتي إلى علم عنده (سورة القَصَص ٧٧–٧٨). هذه القرائن تفسر وجه الإنكار في هذا الموضع، ولا تجعل نسبة العطاء إلى النفس معنى كل فرح. ويُقرأ هذا الشاهد مع الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته في سورة يُونس ٥٨؛ فلا تكفي آية النهي وحدها لبناء الحد الجامع.
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
| الصيغة | العدد | الوظيفة |
|---|---|---|
| ﴿فَرِحُواْ﴾ | ٣ | فعل ماضٍ مسند إلى جماعة؛ يتعلق بما أوتوا في سورة الأنعَام ٤٤، وبالرحمة في سورة الرُّوم ٣٦، وبالعلم في سورة غَافِر ٨٣. |
| ﴿فَرِحُونَ﴾ | ٣ | وصف جمع مرفوع؛ حال عند التولي في سورة التوبَة ٥٠، وخبر عن كل حزب في سورة المؤمنُون ٥٣ وسورة الرُّوم ٣٢. |
| ﴿تَفۡرَحُونَ﴾ | ٢ | مضارع مسند إلى جماعة المخاطبين؛ للفرح بالهدية في سورة النَّمل ٣٦، وللفرح بغير الحق في سورة غَافِر ٧٥ ضمن خبر عن حال ماضية. |
| ﴿فَرِحَ﴾ | ٢ | فعل ماضٍ؛ يتقدم فاعله الجمع في سورة التوبَة ٨١، ويسند إلى ضمير الإنسان في سورة الشُّورى ٤٨، فلا يدل إفراده على وحدة الفارح دائمًا. |
| ﴿وَفَرِحُواْ﴾ | ٢ | ماضٍ للجماعة مع واو العطف؛ بالريح الطيبة في سورة يُونس ٢٢، وبالحياة الدنيا في سورة الرَّعد ٢٦. |
| ﴿يَفۡرَحُونَ﴾ | ٢ | مضارع للجماعة؛ في سياق وعيد على الفرح بما أتوا وحب الحمد في سورة آل عِمران ١٨٨، وفي سياق قبول المنزل في سورة الرَّعد ٣٦، فلا تختص الصيغة بالذم. |
| ﴿تَفۡرَحُواْ﴾ | ١ | مضارع للجماعة منصوب بحذف النون، معطوف تحت تعليل لكيلا في سورة الحدِيد ٢٣؛ يفيد صرفهم عن الفرح المذكور، وليس أمرًا مباشرًا بصيغة النهي. |
| ﴿تَفۡرَحۡۖ﴾ | ١ | مضارع للمخاطَب المفرد مجزوم بلا الناهية؛ خطاب لقارون في سورة القَصَص ٧٦. |
| ﴿فَرِحِينَ﴾ | ١ | وصف جمع منصوب على الحال للذين قُتلوا في سبيل الله؛ يتعلق بفضل الله في سورة آل عِمران ١٧٠، ولا تحمل الصيغة بذاتها معنى الفخر. |
| ﴿فَلۡيَفۡرَحُواْ﴾ | ١ | مضارع للجماعة مجزوم بلام الأمر؛ أمر بالفرح بفضل الله ورحمته في سورة يُونس ٥٨. |
| ﴿لَفَرِحٞ﴾ | ١ | وصف مفرد مؤكد باللام، خبر عن الإنسان عند النعماء، مقترن بفخور في سورة هُود ١٠. |
| ﴿يَفۡرَحُ﴾ | ١ | مضارع مفرد في لفظه يتقدّم الفاعل الجمع، المؤمنون؛ خبر عن فرح مستقبل بنصر الله في سورة الرُّوم ٤–٥. |
| ﴿يَفۡرَحُواْ﴾ | ١ | مضارع للجماعة مجزوم جوابًا للشرط؛ بالسيئة التي تصيب المؤمنين في سورة آل عِمران ١٢٠. |
| ﴿ٱلۡفَرِحِينَ﴾ | ١ | وصف جمع معرّف منصوب مفعولًا به ليحب؛ ورد نفي المحبة عنه في خطاب قارون وسياق بغيه في سورة القَصَص ٧٦. |
تتوزع المواضع الـ٢٢ على ١٤ صيغة كتابية، مع إبقاء اللواصق، لا على ١٤ بناءً صرفيًّا مستقلًّا. تجمع الاستعمالات الماضي والمضارع والخبر والأمر والنهي، ويبرز فيها إسناد الفعل والوصف إلى الجماعة. لا تظهر بين هذه الصيغ صيغة مصدر صريحة أو صيغة مفعول. ويتحدد الحكم من المتعلق والسياق؛ فلا تُجعل صيغة الجمع أو التعريف علامة مستقلة على المدح أو الذم.
التَجميع الصَرفيّ الآليّ لِصيَغ جَذر فرح بِالأَوزان
صيغ الجَذر «فرح» بِرَسمها التَوقيفيّ، مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع). العَدَد أَعلى كُلّ بِطاقَة تَقريبيّ لِأَنَّ التَجميع آليّ؛ والجَرد الكامِل في شَريط «الصِيَغ المُسجَّلة» أَعلى الصَفحَة.
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر فرح
تتوزع مواضع الجذر الـ٢٢ على مجموعات بحسب المتعلق، مع فصل الحكم السياقي عن مجرد ورود الفرح.
(١) الفرح في سياقات الذم المتصلة بالعطاء والدنيا والفخر والعمل والعلم والفرح بغير الحق: تسعة مواضع في ثماني آيات. في ﴿إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ﴾ و﴿لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ﴾ (سورة القَصَص ٧٦) موضعان للجذر، يحيط بهما ذكر البغي والإحسان والفساد. وفي ﴿إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ﴾ (سورة هُود ١٠) قرن الفرح بالفخر بعد النعماء. وترد ﴿وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ (سورة الرَّعد ٢٦) مع بيان قلة متاعها في الآخرة. وفي ﴿لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ﴾ (سورة آل عِمران ١٨٨) يقترن الفرح بحب الحمد بما لم يفعلوا والوعيد. وفي سورة الأنعَام ٤٤ يسبق الفرحَ بما أوتوا نسيانُ التذكير، ويعقبه الأخذ بغتة وقطع دابر الظالمين. ومن هذه المجموعة ﴿ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ (سورة غَافِر ٧٥). وفي ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ (سورة غَافِر ٨٣) يقابل فرحهم مجيءَ الرسل بالبينات ويقترن بالاستهزاء وعاقبته. وفي ﴿وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ (سورة الحدِيد ٢٣) يتلو صرفهم عن الفرح نفي المحبة عن المختال الفخور.
(٢) الفرح بما يصيب المؤمنين من سوء: موضعان في آيتين. ﴿إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ﴾ (سورة آل عِمران ١٢٠) في سياق البغضاء والكيد. و﴿وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ﴾ (سورة التوبَة ٥٠) بعد ذكر المصيبة وقولهم إنهم أخذوا أمرهم من قبل. كلاهما في سياق ذم هذه الاستجابة.
(٣) الفرح بالقعود: موضع في آية. ﴿فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ (سورة التوبَة ٨١) يتصل بكراهة الجهاد والتثبيط والوعيد. فلا يصنف فرحًا بمصيبة تصيب المؤمنين، لأن متعلقه المصرح به مقعدهم.
(٤) الفرح في سياق التفرق: موضعان في آيتين. ﴿كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ (سورة المؤمنُون ٥٣، سورة الرُّوم ٣٢) يتكرر باللفظ نفسه بعد ذكر تقطع الأمر أو تفريق الدين. وجه الذم مستفاد من السياقين، وليس من صيغة الجمع وحدها.
(٥) الفرح بالهدية: موضع في آية. ﴿بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ﴾ (سورة النَّمل ٣٦) ضمن رد سليمان على إمداده بالمال، وتفضيله ما آتاه الله. يُدرج في سياق الإنكار لهذه المقابلة، ولا يثبت منه ذم كل فرح بهدية أو أنه فرح بالتحزب.
(٦) الفرح المحمود بالسياق: أربعة مواضع في أربع آيات تحمل الجذر. ﴿فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ﴾ و﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ﴾ (سورة يُونس ٥٨) يحددان الأمر ومتعلقه بعد الموعظة والشفاء والهدى. وفي ﴿يَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ (سورة الرُّوم ٤) خبر عن فرح بنصر الله في سياق الوعد، ويتصل متعلقه في سورة الرُّوم ٥. وفي ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ﴾ (سورة آل عِمران ١٧٠) خبر عن الذين قُتلوا في سبيل الله، بعد إثبات حياتهم ورزقهم عند ربهم. وفي ﴿يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ﴾ (سورة الرَّعد ٣٦) فرح بالمنزل، يقابله إنكار بعضه. فلا تُحصر هذه المواضع في آيتين، ولا تُحوّل أخبارها كلها إلى أوامر.
(٧) وصف الفرح ضمن تقلّب الأحوال: ثلاثة مواضع في ثلاث آيات. ﴿فَرِحُواْ بِهَا﴾ (سورة يُونس ٢٢) يتعلق بريح طيبة، ثم يأتي عاصف ودعاء، وتتلو النجاةَ عودةٌ إلى البغي في سورة يُونس ٢٣. لا يثبت ذلك مدحًا صريحًا للفرح أو أن العاصف نتيجة ذنب هو الفرح. وفي ﴿وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ﴾ (سورة الرُّوم ٣٦) يقابل الفرحَ قنوطٌ عند السيئة. وفي ﴿فَرِحَ بِهَا﴾ (سورة الشُّورى ٤٨) وصف الفرح بالرحمة، ثم الكفر عند السيئة. تُقرأ هذه الاستجابات معًا، دون مساواة وصف الفرح بالأمر به أو نقل الحكم على الانقلاب إلى أصل الانفعال.
الحصيلة: تسعة مواضع، ثم اثنان، ثم واحد، ثم اثنان، ثم واحد في المجموعات ذات السياق المذموم؛ مجموعها خمسة عشر موضعًا في أربع عشرة آية. ومع المواضع المحمودة الأربعة والمواضع الوصفية الثلاثة يبلغ العدد ٢٢ موضعًا في ٢١ آية. سورة القَصَص ٧٦ تضم موضعين؛ وسائر الآيات موضعًا لكل آية. هذه قسمة سياقية، ولا تعني أن كل فرح خارج المدح الصريح ناشئ من نسبة النعمة إلى النفس.
- الصِيَغ: 14 صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: فَرِحُواْ.
- أَبرَز الصِيَغ: فَرِحُواْ (3) فَرِحُونَ (3) يَفۡرَحُونَ (2) فَرِحَ (2) وَفَرِحُواْ (2) تَفۡرَحُونَ (2) يَفۡرَحُواْ (1) فَرِحِينَ (1)
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
القاسم الجامع بين مواضع الجذر: استجابة وجدانية لما يراه صاحبه سارًّا أو موافقًا له. أمّا الحكم الأخلاقي والظهور على الجوارح فليس أيٌّ منهما لازمًا لهذا المعنى.
(أ) يأتي الفرح بما حصل في عامة المواضع، ويأتي الأمر به في ﴿فَلۡيَفۡرَحُواْ﴾ (سورة يُونس ٥٨) بعد ذكر الموعظة والشفاء والهدى والرحمة. ويأتي خبرًا عن المستقبل في ﴿وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ (سورة الرُّوم ٤). فالوعد يحدد زمن الفرح بنصر آتٍ، ولا يجعل وقوع المتعلق وقت الخطاب شرطًا لمعنى الجذر. (ب) تتنوع المتعلقات: ﴿فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ﴾ (سورة الأنعَام ٤٤)، و﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ (سورة غَافِر ٨٣)، و﴿كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ (سورة المؤمنُون ٥٣). وليس المتعلق دائمًا عطاءً لصاحبه؛ ففي ﴿وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَا﴾ (سورة آل عِمران ١٢٠) يتعلق الفرح بما يصيب الغير. ولا يلزم أن ينسب العطاء إلى نفسه؛ ففي ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ﴾ (سورة آل عِمران ١٧٠) نُسب العطاء إلى الله صراحة. (ج) اقتران الفرح بالفخر في سورة هُود ١٠، وورود الاختيال والفخر مع النهي في سورة الحدِيد ٢٣، قرينتان على حال مذمومة. لا تثبتان أن الانتفاخ أو الأثر الظاهر ثابت في كل فرح؛ إذ تخلو أخبار الفرح بالفضل والوحي من التصريح بهما (سورة آل عِمران ١٧٠، سورة الرَّعد ٣٦).
مُقارَنَة جَذر فرح بِجذور شَبيهَة
تتبيّن صلات الفرح بجيرانه في حقل «الحزن والفرح والوجدان» من مواضع اجتماعها. هذه فروق سياقية تسمح بالتقارب والترادف، ولا تثبت تطابق الألفاظ أو حدودًا فاصلة في جميع الاستعمالات.
| الجذر | وجه الشبه | وجه الافتراق | الشاهد |
|---|---|---|---|
| بشر | كلاهما يدل على استجابة وجدانية لما يُرى سارًّا. | في الآية يتعلق الفرح بما آتاهم الله، والاستبشار بالذين لم يلحقوا بهم؛ لكن الاستبشار يتعلق أيضًا بنعمة وفضل في الآية التالية، فلا ينحصر في خبر منتظر. | ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ (سورة آل عِمران ١٧٠). ﴿يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ﴾ (سورة آل عِمران ١٧١). |
| حزن | كلاهما من حقل الانفعال النفسي. | الفرح مثبت للذين قُتلوا في سبيل الله؛ ونفي الخوف والحزن وارد في مضمون استبشارهم بالذين لم يلحقوا بهم، فلا يصح الجزم باتحاد مرجع الوصفين. | ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ (سورة آل عِمران ١٧٠). |
| سوء | يجتمعان في وصف صلة الإنسان بما يناله من أحوال. | الفرح استجابة للرحمة، والسيئة حال يظهر معها القنوط؛ فهي مقابل سياقي للرحمة، وليست ضدًّا لفظيًّا للفرح. | ﴿وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ﴾ (سورة الرُّوم ٣٦). |
| مرح | يجتمعان في تعليل العذاب ضمن سياق المتكبرين. | قُيّد الفرح بغير الحق وعُطف عليه المرح؛ فهما متجاوران في الذم، ولا يثبت هذا الشاهد وحده تخصيص المرح بالمشي أو جعل الفرح انتفاخًا. | ﴿ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ﴾ (سورة غَافِر ٧٥). |
| فخر | يجتمعان وصفين للإنسان عند النعماء بعد الضراء. | يبين الفرح استجابته للنعماء، ويضيف الفخر وصفًا مذمومًا مقترنًا بها؛ ولا يلزم هذا الوصف كل فرح، بدليل الفرح بالفضل. | ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ﴾ (سورة هُود ١٠). |
اختِبار الاستِبدال
اختبار الاستبدال في سورة القَصَص ٧٦ ﴿لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ﴾ يوضح حدود الاستدلال، ولا ينشئ نصًّا بديلًا أو معنى لازمًا للجذر.
لو استُبدل الفرح بالاستبشار لم يثبت أن المنهي عنه يفقد معنى الانتفاخ؛ إذ لم يثبت الانتفاخ جزءًا من أصل الفرح. وفي سورة آل عِمران ١٧٠–١٧١ يجتمع الفرح والاستبشار، ويتعلق كلاهما بالفضل. يثبت التقارب، ولا يثبت تطابق اللفظين أو إباحة كل استبشار في جميع السياقات. لو استُبدل بالسرور لم يجز الجزم بأن النهي يفقد معناه، أو أن السرور خالٍ من الكبر بذاته. لا تقدم هذه الآية مقارنة لفظية بين الجذرين تحمل هذا الحكم الشامل. لو استُبدل بالطغيان لتغيّر اللفظ الذي تعلق به النهي، ولا يصح بناء تسلسل حتمي من الفرح إلى الطغيان. فقد وصف النص قارون بالبغي قبل حكاية النهي عن فرحه (سورة القَصَص ٧٦)، فلا يُقال إنه يُلام على بداية تسبق كل تجاوز.
المتيقن أن النهي يتوجه إلى فرح قارون في سياق بغيه وكنوزه، ثم دعوته إلى الإحسان وترك الفساد (سورة القَصَص ٧٦–٧٧). ونسبته ما أوتي إلى علم عنده قرينة لاحقة في كلامه (سورة القَصَص ٧٨)، لا جزء لازم من معنى الفرح في كل موضع. ويظل الفرح بفضل الله ورحمته مأمورًا به في سورة يُونس ٥٨.
الفُروق الدَقيقَة
تظهر الفروق الدقيقة من المتعلق وقرائن السياق، لا من تحميل الجذر حكمًا ثابتًا.
(أ) الفرح بفضل الله ورحمته مأمور به في ﴿فَلۡيَفۡرَحُواْ﴾ (سورة يُونس ٥٨). لكن نسبة العطاء إلى الله ليست معيارًا كافيًا للمدح؛ فالنهي في سورة الحدِيد ٢٣ يتعلق بما آتاهم، والرحمة في سورة الرُّوم ٣٦ وسورة الشُّورى ٤٨ من الله أيضًا. يُقرأ الأمر بعد الموعظة والشفاء والهدى، والنهي مع الاختيال والفخر، ووصف الرحمة مع القنوط أو الكفر عند السيئة.
(ب) الفرح بسيئة تصيب المؤمنين يظهر في سياق البغضاء والكيد: ﴿إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ﴾ (سورة آل عِمران ١٢٠). وفي سورة التوبَة ٥٠ يتكرر النمط مع مصيبة تصيب المخاطَب. يحدد السياقان أصحابه ووجه ذمه، ولا يثبتان حصر إمكان هذا الفرح في صنف من الناس خارج هذين السياقين.
(ج) ﴿كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ (سورة المؤمنُون ٥٣، سورة الرُّوم ٣٢) يتكرر باللفظ نفسه في سياق التفرق. يسبقه ذكر الأمة الواحدة في المؤمنون، والنهي عن الشرك في الروم. يثبت التكرار تقارب الحال المذمومة، مع اختلاف السياقين، ولا يجعل التحزب لازمًا لكل فرح بما لدى الإنسان.
(د) ﴿لَفَرِحٞ فَخُورٌ﴾ (سورة هُود ١٠) يجمع الفرح والفخر في وصف الإنسان بعد النعماء. ويستثني السياق الذين صبروا وعملوا الصالحات (سورة هُود ١١). الفخر قرينة ذم هنا، وليس شرطًا لكل فرح مذموم؛ فالفرح بسيئة تصيب المؤمنين مذموم بقرائن العداوة والكيد (سورة آل عِمران ١١٨–١٢٠).
(هـ) في ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ (سورة الحدِيد ٢٣) يتوازى الأسى على الفائت والفرح بالمُؤتى تحت تعليل سبق الكتاب. ويتلوهما نفي المحبة عن المختال الفخور، ثم ذكر البخل (سورة الحدِيد ٢٣–٢٤). فلا يُستخرج من التوازي وحده ذم كل حزن وفرح، ولا تعريفهما بأنهما غلو ينافي الزهد.
(و) ﴿فَرِحَ بِهَا﴾ (سورة الشُّورى ٤٨) يلتقي تركيبًا مع ﴿فَرِحُواْ بِهَا﴾ (سورة الرُّوم ٣٦، سورة يُونس ٢٢). لكن المتعلق في يونس ريح طيبة، وفي الموضعين الآخرين رحمة. يلي الفرح في يونس عاصف وخوف ودعاء، ثم نجاة وبغي؛ وفي الروم يقابل الفرحَ قنوطٌ عند السيئة، وفي الشورى كفرٌ عندها. الاشتراك التركيبي لا يثبت أن الفرح نفسه سبب هذه التحولات أو أنه ذم مستقل.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الحزن والفرح والوجدان.
في حقل «الحزن والفرح والوجدان»، يدل الفرح على استجابة وجدانية تتنوع متعلقاتها وأحكامها. وتُضبط صلاته بالجذور القريبة بالشواهد، دون ترتيب الانفعالات في الشدة أو الصفاء من غير دليل.
- «بشر»: يجتمع الاستبشار والفرح في سورة آل عِمران ١٧٠، ويتعلق الاستبشار بنعمة وفضل في سورة آل عِمران ١٧١؛ فلا يُحصر في خبر منتظر، ولا يُحكم بأنه أخف من الفرح مطلقًا.
- «سر»: التقارب مع السرور لا يثبت أن السرور خالٍ من الانتفاخ وأن الفرح يتضمنه. لا تكفي شواهد الفرح وحدها لإقامة هذا الفصل العام بين الجذرين.
- «حبر»: صلته المقترحة بالنعيم لا تجعل الثبات حدًّا فارقًا عن الفرح؛ فالمقارنة الدلالية تحتاج شاهدًا من استعمال الجذر نفسه، ولا تستنتج من لفظ الفرح وحده.
- «مرح»: يعطف على الفرح بغير الحق في سورة غَافِر ٧٥، ضمن سياق المتكبرين. يثبت الاجتماع في الذم، ولا يثبت من هذا الموضع وحده أن المرح انتفاخ في المشي.
وتظهر المقابلة مع الحزن ضمن الاستبشار بالذين لم يلحقوا بهم في سورة آل عِمران ١٧٠، ومع الأسى على الفائت في سورة الحدِيد ٢٣. ويأتي البكاء مقابل الضحك عقب فرح المخلفين في سورة التوبَة ٨١–٨٢؛ فهو من اتصال الأحوال في السياق، لا ضد لفظي مباشر للفرح في الآية.
مَنهَج تَحليل جَذر فرح
يقوم التحليل على استقراء مواضع الجذر الـ٢٢ في ٢١ آية، مع قراءة ما قبل كل موضع وما بعده. يُفصل المعنى الوجداني عن الحكم السياقي: يثبت المدح بالأمر بالفرح، أو بوروده في سياق الجزاء والقبول ونصر الله؛ ولا يكفي إسناد العطاء إلى الله وحده.
بهذا المعيار، تقع أربعة مواضع في سياق محمود: سورة آل عِمران ١٧٠، سورة يُونس ٥٨، سورة الرَّعد ٣٦، سورة الرُّوم ٤–٥. وتقع خمسة عشر موضعًا في أربع عشرة آية ضمن النهي أو الذم وقرائنه، ومنها تكرار الجذر في سورة القَصَص ٧٦. وتبقى ثلاثة مواضع تصف الفرح ضمن تقلّب الأحوال دون حكم مستقل عليه: سورة يُونس ٢٢، سورة الرُّوم ٣٦، سورة الشُّورى ٤٨. لا تُجعل الريح العاصف ذنبًا للفرحين، ولا يُنقل ذم البغي بعد النجاة أو القنوط والكفر عند السيئة إلى أصل الفرح بلا دليل.
التمييز عن الاستبشار مقيد بآل عمران ١٧٠–١٧١، حيث يشتركان في التعلق بالنعمة والفضل. ولا يثبت من استبدال ذهني فرق شامل عن السرور أو الحبور دون شواهد تقارن الاستعمالات. ويتكرر ﴿كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ (سورة المؤمنُون ٥٣، سورة الرُّوم ٣٢) في سياق التفرق. ويجتمع جذر الفرح مع الحزن في آية واحدة من مواضعه، هي سورة آل عِمران ١٧٠، ومع الأسى في سورة الحدِيد ٢٣. هذا الاجتماع يثبت صلة سياقية، ولا يكفي لإثبات ضدية مطردة أو ندرة مقارنة بسائر الجذور.
الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر حزن)
الحزن مقابل قريب للفرح في حقل «الحزن والفرح والوجدان»، لكن الشاهد يثبت مقابلة سياقية لا ضدية لفظية مطّردة. ففي سورة آل عِمران ١٧٠ يُثبت الفرح بما آتاهم الله، ويرد نفي الخوف والحزن ضمن الاستبشار بالذين لم يلحقوا بهم. وفي سورة الحدِيد ٢٣ يتقابل الأسى على الفائت والفرح بالمُؤتى تحت تعليل سبق الكتاب.
ويتباين حكم الفرح نفسه بحسب السياق؛ فمنه المأمور به بفضل الله ورحمته، ومنه المنهي عنه مع البغي أو الاختيال والفخر. لا تكفي نسبة العطاء إلى الله للحكم بالمدح، ولا يثبت أن كل فرح مذموم يتضمن نسبة العطاء إلى النفس.
أما السوء فليس ضدًّا للفرح؛ ففي سورة الرُّوم ٣٦ يفرح الناس بالرحمة ويقنطون عند السيئة، وفي سورة آل عِمران ١٢٠ يفرح المعادون بسيئة تصيب المؤمنين. فالحزن مقابل رئيس في الحقل، والأسى مقابل في تركيب الفائت والمُؤتى، والسوء متعلق أو حال سياقية تختلف الاستجابة لها.
- الفرح ليس محمودا دائما في القرءان، ولذلك لا يكفي جعله نقيض الحزن مطلقا.
- التقابل في آل عمران يقوم على الفضل والبشارة التي ترفع الحزن.
أَضداد ثانَويَّة 1
- السوء ليس ضد الفرح، بل مادة تكشف نوع الفرح: رحمة يفرح بها الإنسان أو سيئة يفرح بها العدو.
- هذه العلاقة تحفظ الفرق بين الفرح المحمود والفرح المنتفخ المذموم.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر فرح
(١) سورة القَصَص ٧٦ ﴿لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ﴾ — نهي في خطاب قارون وسياق بغيه وكنوزه، لا حكم على كل فرح. (٢) سورة يُونس ٥٨ ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ﴾ — أمر بالفرح بعد ذكر الموعظة والشفاء والهدى والرحمة. (٣) سورة الحدِيد ٢٣ ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ — تقابل الفائت والمُؤتى تحت تعليل سبق الكتاب، يتلوه نفي المحبة عن المختال الفخور. (٤) سورة آل عِمران ١٧٠ ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ﴾ — فرح محمود للذين قُتلوا في سبيل الله، بعد إثبات حياتهم ورزقهم عند ربهم. (٥) سورة الرُّوم ٤ ﴿يَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ — خبر عن فرح مستقبل، ومتعلقه نصر الله في سورة الرُّوم ٥. (٦) سورة هُود ١٠ ﴿إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ﴾ — اقتران الفرح بالفخر في وصف مذموم، لا تعريف كل فرح بالفخر. (٧) سورة المؤمنُون ٥٣ وسورة الرُّوم ٣٢ ﴿كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ — تكرار لفظي في سياق التفرق، مع اختلاف ما يحيط به في السورتين. (٨) سورة غَافِر ٧٥ ﴿بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ — تعليل العذاب بالفرح المقيد بغير الحق، مع المرح في السياق نفسه.
الملاحَظات اللَطيفَة عَن جَذر فرح
(١) توزيع الحكم السياقي: من ٢٢ موضعًا، تقع ١٥ في سياقات النهي أو الذم، وأربعة في سياقات محمودة، وثلاثة في وصف الفرح ضمن تقلّب الأحوال دون حكم مستقل عليه. نسبها بالتقريب ٦٨٫٢٪ و١٨٫٢٪ و١٣٫٦٪. هذا توزيع مواضع الجذر وفق المعيار المذكور، ولا يثبت ندرة مقارنة بجذور أخرى أو ذم أصل الانفعال.
(٢) تكرار ﴿كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ في سورة المؤمنُون ٥٣ وسورة الرُّوم ٣٢ يربط الفرح بما لدى الأحزاب بالتفرق. اللفظ واحد، لكن السياق الأول يسبقه ذكر الأمة الواحدة، والثاني يسبقه النهي عن الشرك. يثبت ذلك تقارب الحال في السياقين دون إلغاء اختلافهما أو تعميم التحزب على كل فرح.
(٣) العطاء والفرح وتغيّر الحال: تتجاور هذه العناصر في أربعة مواضع، لكن ترتيبها ودلالتها يختلفان. في سورة الأنعَام ٤٤ يسبق الفتحَ نسيانُ التذكير، ثم يأتي الفرح والأخذ بغتة. وفي سورة يُونس ٢٢ يأتي العاصف بعد الريح الطيبة، ثم الدعاء والنجاة والبغي في الآية التالية. وفي سورة الرُّوم ٣٦ تقابل الرحمةَ سيئةٌ يظهر معها القنوط، وفي سورة الشُّورى ٤٨ يظهر معها الكفر. لا يدل هذا التجاور على أن العاصف سقوط أخلاقي، أو أن الفرح بالنعمة يؤذن غالبًا بمعصية.
(٤) اقتران الفرح بالفخر: ﴿لَفَرِحٞ فَخُورٌ﴾ (سورة هُود ١٠) جمع مباشر بين وصفين للإنسان. ويجتمع الجذران أيضًا في سورة الحدِيد ٢٣، حيث يتلو صرفهم عن الفرح نفي المحبة عن المختال الفخور. فالاقتران في آيتين من مواضع الفرح، مع اختلاف تركيب الجملتين. يثبت ذلك صلة الفخر بالفرح المذموم في هذين السياقين، ولا يجعله لازمًا لكل فرح.
(٥) ﴿فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ (سورة التوبَة ٨١) هو موضع الجذر الذي صُرّح فيه بالقعود متعلقًا للفرح. فهو فرح بالقعود عن الجهاد في سياق المخالفة، لا بعطاء مادي. وتوضحه ﴿وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (سورة التوبَة ٨١)، ثم وصف رضاهم بالقعود في سورة التوبَة ٨٣.
(٦) التوازي بين خطاب قارون وخطاب الفائت والمُؤتى:
- سورة القَصَص ٧٦: ﴿لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ﴾.
- سورة الحدِيد ٢٣: ﴿وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ﴾.
يجتمع فيهما صرف عن فرح يتلوه نفي المحبة، لكنهما لا يتطابقان حرفيًّا أو تركيبًا. خطاب قارون نهي مباشر، وأما الحديد فداخل تعليل سبق الكتاب. ويختلف الوصف بعد نفي المحبة؛ فلا يُسوّى نفيها بالبغض المطلق، ولا يُعمَّم الحكم على الفرح المأمور به.
(٧) الأمر ﴿فَلۡيَفۡرَحُواْ﴾ (سورة يُونس ٥٨) مضارع بلام الأمر، وهو موضع الأمر بالفرح بين المواضع الـ٢٢. أما مواضع الفرح المحمودة الأخرى فتأتي أخبارًا: عن الذين قُتلوا في سبيل الله، وعن قبول المنزل، وعن فرح المؤمنين بنصر الله. اختلاف الخبر والأمر ثابت في الصياغة، ولا يجعل الأخبار الثلاثة أوامر.
(٨) الباء ومتعلق الفرح: تظهر في ﴿فَرِحُواْ بِهَا﴾ (سورة الرُّوم ٣٦)، و﴿فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ﴾ (سورة الأنعَام ٤٤)، و﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم﴾ (سورة غَافِر ٨٣). وتظهر أيضًا في ﴿فَرِحَ بِهَا﴾ (سورة الشُّورى ٤٨)، و﴿وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ (سورة الرَّعد ٢٦)، و﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ﴾ (سورة آل عِمران ١٧٠). فالمتعلق المصرّح به يأتي بالباء في مواضع الجذر، وهي ليست علامة مدح أو ذم. ويُفهم من السياق في ﴿وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ﴾ (سورة التوبَة ٥٠)، و﴿لَا تَفۡرَحۡ﴾ (سورة القَصَص ٧٦). أما ﴿وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ (سورة الرُّوم ٤) فمتعلقه ملفوظ في الآية التالية: ﴿بِنَصۡرِ ٱللَّهِ﴾ (سورة الرُّوم ٥)، فلا يعد مثالًا على حذف المتعلق.
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر فرح في القرءان
(1) غَلَبَةُ الذَّمِّ على المَدح: 17 مَوضِعًا في الذَّمّ (77٪)، 5 في المَدح (23٪) — وهذا تَوزيعٌ نادِرٌ في القرءان لِجِذرٍ يَدُلُّ على انفِعالٍ بَشَريٍّ طَبيعيّ. يَكشِفُ موقِفَ القرءانِ مِن الفَرَحِ كَطاقَةٍ تَحتاجُ ضَبطًا.
(2) التَّكرارُ التامُّ ﴿كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ بِنَفسِ اللَّفظِ في سورة المؤمنُون ٥٣ وسورة الرُّوم ٣٢ — لا تَنوُّعَ في الصياغَة. هذا التَّكرارُ التامُّ يَكشِفُ نَمَطَ التَّحَزُّبِ المُلازِم لِلفَرَحِ بِما عِندَ النَّفس، ويُعَدُّ نَمَطًا قُرءانيًّا يَكشِفُ ثَباتَ الحُكم.
(3) النَّمَطُ الثُّلاثيُّ «نِعمَةٌ ↔ فَرَحٌ ↔ سَقطَة»: يَتَكَرَّرُ في 4 مَواضِع: سورة الأنعَام ٤٤ (نِعمَةٌ بَعدَ النِّسيانِ ثُمَّ أَخذٌ بَغتَةً)، سورة يُونس ٢٢ (ريحٌ طَيِّبَةٌ ثُمَّ ريحٌ عاصِف)، سورة الرُّوم ٣٦ (رَحمَةٌ ثُمَّ قُنوطٌ بِالسَّيِّئَة)، سورة الشُّورى ٤٨ (رَحمَةٌ ثُمَّ كُفر). فالفَرَحُ بِالنِّعمَةِ يَكونُ غالِبًا مُؤَذِّنًا بِسَقطَة.
(4) اقتِرانُ الفَرَحِ بِـ«فَخور»: ﴿لَفَرِحٞ فَخُورٌ﴾ (سورة هُود ١٠) — الجَمعُ الوَحيدُ في القرءانِ بَين «فرح» و«فخر». ولَفظَة «فَخُور» تُجاوِر «فرح» في مَوضِعَين فقط (وإن كانت تَرِد في القرءان كُلِّه 4 مَرّاتٍ): سورة هُود ١٠ و«مُختال فَخور» في سورة الحدِيد ٢٣ — وهَذا الجَمعُ الثاني يَأتي مَعَ نَهيٍ عَن الفَرَح. فَالفَرَحُ بِغَيرِ الحَقِّ والفَخرُ مَقرونانِ بِنيَويًّا.
(5) ﴿فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ﴾ (سورة التوبَة ٨١) — اللَّفظَةُ الوَحيدَةُ في القرءانِ بِنَصبِ المَفعولِ المُطلَقِ. الفَرَحُ هاهنا فَرَحٌ نِفاقيٌّ بِالقُعودِ عَن الجِهاد، ولا يَتَكَرَّرُ هذا التَّركيبُ في القرءانِ كُلِّه.
(6) التَّوازي اللَّفظيُّ بَين سورة الحدِيد ٢٣ وسورة القَصَص ٧٦: - سورة القَصَص ٧٦: ﴿لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ﴾ - سورة الحدِيد ٢٣: ﴿وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ﴾ بِنيَتانِ مُتَوازِيَتانِ بِالحَرف: نَهيٌ عَن الفَرَحِ + حُكمٌ بِبُغضِ اللهِ. تَكرارُ هذه البِنيَةِ في سورَتَين مَختَلِفَتَينِ يَكشِفُ ثَباتَ الحُكم.
مُقارَنات هذا الجَذر
فُروق المُتَطابِقات لِجَذر فرح
- الفَرَح ⟂ السُرور جَذر «سرر»الفرح هَزّةٌ ظاهرة سريعة تَتعلّق بشيءٍ أصاب الإنسان من خارجه فتَزول بزواله، ولذلك جاء أكثره مذمومًا إلّا ما قُيِّد بفضل الله، ويأتي مقرونًا بضدّه: إن أصابتهم حسنة فرحوا، وإن أصابتهم سيّئة قنطوا. أمّا السرور فبهجةٌ ساكنة تَملأ الباطن وتَستقرّ فيه، ولذلك كان وصفَ أهل الجنّة ومن يَ…