التمكين وأثر النعمة
يحدّ النص التمكين بأنه جعلٌ في الأرض أو في الدين يفضي إلى قدرةٍ ظاهرة أو أمنٍ أو تصرّف، لا أنه مجرد بقاءٍ في موضع. فهو منسوب في آياته إلى الله: ﴿مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ (سورة الأنعَام ٦)، و﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ﴾ (سورة الأعرَاف ١٠). فالنص يقرن التمكين بما يَظهر في الأرض من معايش، ولا يتركه معنى منزوع الأثر. لكنه لا يجعله حكمًا بالبقاء ولا علامة رضا منفردة؛ فالذين مُكّنوا وأجريت من تحتهم الأنهار أُهلكوا بعد ذلك ﴿فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ﴾ (سورة الأنعَام ٦)، وفي مقابلة ذلك يأتي التنبيه ﴿قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ (سورة الأعرَاف ١٠). فموضع الأنعام يجمع سعة التمكين والمطر والأنهار ثم الإهلاك في آية واحدة، بينما يذكر موضع الأعراف المعايش ثم يقلل الشكر؛ وبذلك لا يستوي ظهور النعمة مع الوفاء بما يقتضيه ظهورها.
تمكين يوسف وسعة التبوؤ
ويتسع المشهد لتمكين شخصٍ ثم لعمله في الأرض. ففي قصة يوسف يرد أولًا ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ﴾ (سورة يُوسُف ٢١)، ثم يعاد الفعل مقرونًا بأثره ﴿يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُ﴾ (سورة يُوسُف ٥٦). فالتكرار داخل السورة يكشف انتقالًا من الإخبار بالتمكين إلى سعة التبوؤ، مع بقاء الإسناد مقيدًا بالرحمة: ﴿نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُ﴾ (سورة يُوسُف ٥٦). وفي موضع آخر لا يكون الأثر استقرارًا فقط، بل غلبة على خيانة: ﴿فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡ﴾ (سورة الأنفَال ٧١).
مكانة المكين وفعل التمكين
ويفصل السياق في يوسف بين وصف المكانة وبين فعل التمكين. فالملك يقول له: ﴿إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ﴾ (سورة يُوسُف ٥٤)، فتجتمع في العبارة مكانةٌ وأمانة، ثم تأتي آية التمكين بعد ذلك بالفعل المسند إلى الله وبسعة التبوؤ. فلا يذوب الوصف «مكين» في الفعل «مكّنا»: الأول يصف منزلته لدى الملك في ذلك اليوم، والثاني يقرر تصرفه في الأرض، وتلحقه الرحمة وعدم إضاعة أجر المحسنين. كما أن تعليم تأويل الأحاديث في الموضع الأول سابق في الذكر على التبوؤ في الموضع الثاني، فيظهر أن التمكين هنا لا يقتصر على حيازة موضع، بل يجاوره علمٌ ثم سعةُ تصرف.
أدوات التمكين والعمل المشترك
ويعرض القرءان للتمكين أدواتٍ ومسؤوليةً معًا. فصاحبه في الكهف أوتي سعةً لا تُفهم من دعوى مجردة: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا﴾ (سورة الكَهف ٨٤). ثم يصف ما عنده بقوله ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا﴾ (سورة الكَهف ٩٥). والأداة إذن لا تنفصل عن فعلٍ يعالج به حاجةً بين الناس. والفرق بين الموضعين أن الأول يذكر الإيتاء عامًا بصيغة «من كل شيء سببًا»، ثم لا يجعل الثاني ذلك كافيًا وحده، بل يطلب الإعانة بالقوة ليجعل الردم؛ فالسعة المعطاة تنتهي في العبارة إلى عمل مشترك محدد، لا إلى استغناء صاحبها عن الناس. ويصرح النص بما يَظهر من الممكّنين: ﴿أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾ (سورة الحج ٤١). فهذه أربعة أفعال متعاطفة بعد شرط التمكين، تجمع إقامة العبادة وإيتاء الزكاة والأمر والنهي، وتعين ما لا يتركه التمكين بلا أثر.
تمكين المستضعفين وأمن الحرم
ولا يحصر النص التمكين في فردٍ أو في موردٍ أرضي. ففي المستضعفين وعد بالفعل نفسه: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ (سورة القَصَص ٦)، ويجيء هذا الوعد مع إراءة فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون؛ فيتصل تمكين هؤلاء بما ينقلب على الجهة التي كانت تحذر منهم. وفي الحرم يرد الأمن والرزق دليلين مشهودين: ﴿أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ﴾ (سورة القَصَص ٥٧). والفرق بين آيتي القصص أن الأولى وعدٌ للمستضعفين في الأرض، والثانية استفهامٌ عن تمكين حاصل لحرم آمن؛ وفي الثانية يقترن الأمن بجباية الثمرات، فلا يكون الأمن معنى مجردًا مفصولًا عن الرزق.
ثم يجيء وعدٌ يصرح بتمكين الدين، ويجمع بين الاستخلاف والأمن والعبادة: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗا﴾ (سورة النور ٥٥). فاقتران الدين بالأمن والعبادة يميز هذا الوجه من التمكين عن مجرد امتلاك الموارد. والآية لا تبدأ بالتمكين معزولًا، بل بوعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف، ثم تتوالى فيه لامات التوكيد: الاستخلاف، وتمكين الدين، وتبديل الخوف أمنًا. وبعد هذا التدرج تحصر العبادة في نفي الإشراك، ثم تجعل الكفر بعد ذلك فاصلاً؛ لذلك لا يصح جعل الأمن وحده اسمًا جامعًا لكل ما في الوعد.
حدود التمكين ومآله
ويمنع النص تحويل التمكين إلى حصانة؛ إذ يقول عن قوم سابقين: ﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ﴾ (سورة الأحقَاف ٢٦)، ثم ينفي نفع أدواتهم عند الجحود: ﴿فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ﴾ (سورة الأحقَاف ٢٦). فالمقارنة لا تذكر قوة مبهمة فقط، بل تسمي السمع والأبصار والأفئدة قبل نفي إغنائها؛ وتقييد النفي بالجحود بالآيات يبين أن وجود الأدوات ليس هو الحائل دون العاقبة. وبذلك تتحدد الصورة القرءانية: قدرةٌ وأمنٌ وأسبابٌ وتصرّف، لكن معها شكرٌ وعبادةٌ وإصلاح، ولا تدفع آثارها عن صاحبها إذا قابل الآيات بالجحود. أما ﴿فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ﴾ (سورة المؤمنُون ١٣) و﴿فِي قَرَارٖ مَّكِينٍ﴾ (سورة المُرسَلات ٢١) فهما وصفان لمستقر النطفة، فلا يدخلان في هذا البناء؛ وكذلك وصف المكانة في ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ﴾ (سورة التَّكوير ٢٠) يغاير عرض فعل التمكين وآثاره.