جَذر بعر في القُرءان الكَريم — ٢ مَوضعًا
التَعريف المُحكَم لجَذر بعر في القُرءان الكَريم
«بعر» في القرءان: وَحدَةُ كَيلٍ ووَحدَةُ حِملٍ في سياقِ التِّجارَة، اسمٌ مَخصوصٌ للبَعير الواحدِ بِما هو حامِلٌ ومَكيلٌ به. لم يَرِد إلَّا مُضافًا إليه «كَيل» (يوسف ٦٥) أو «حِمل» (يوسف ٧٢)، ولم يُذكَر لِذاتِه قَطّ.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
«بعر» = البَعير وَحدَةً للكَيل ولِلحِمل في سياقِ المُبادَلَة. مَوضِعان فقط، كلاهُما في يوسف وفي مَقطَعٍ واحدٍ مُتَّصِل: «كَيۡلَ بَعِيرٖ» (٦٥) و«حِمۡلُ بَعِيرٖ» (٧٢). صيغةٌ واحدَة بالتَّنوين المَجرور.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر بعر
جذر «بعر» في القرءان جذرٌ نادرُ الورود (مَوضِعان فقط)، انفَرَدَت بِهِ سورةُ يوسف وحدَها، وفي مَقطَعٍ مُتَّصِلٍ واحد: قِصَّةِ ذَهابِ إخوة يوسف إلى مِصرَ في الكَيلَة الثانية. صيغته الوَحيدَة هي «بَعِير» المنوَّن مَجرورًا في كلا المَوضِعَين، وهو وَصفُ الحَيَوان المُحَمَّل الذي يُكال له ويُحمَل عليه. في يوسف ٦٥ ﴿وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ﴾ يأتي «بَعِير» مَوحَدةً للكيلِ، أي مِقدارُ ما يَحمِلُه بَعيرٌ واحد، فاستُعمِلَ مِعيارًا للكَمّيَّة. وفي يوسف ٧٢ ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ﴾ يُجعَلُ «بَعِيرٌ» تَحَمُّلًا للجَزاء، أي حُمولةُ بَعيرٍ واحدٍ من الطَّعام جَزاءً لِمَن يَأتي بصواع المَلِك. الجامِع بَين المَوضِعَين أنَّ «البَعير» في القرءان ليس مُجَرَّد حَيَوان يُذكَرُ لِذاتِه، بَل هو وَحدَةُ كَيلٍ ووَحدَةُ حِمل في سياقِ التَّعامُل الاقتصاديّ بَين الإخوَة والمَلِك. ولا يَرِد «بَعير» إلَّا مُضافًا إليه قَبلَه «كَيل» أو «حِمل» — فهو دائمًا في القرءان مَقياسٌ لا مَوصوفٌ. ولَمَّا كان البَعير في طَبيعَتِه أَكبَرَ الحَيَوانات الأَليفة المُسَخَّرَة لِنَقل الأَحمال، صَلَحَ في القرءان أن يَكونَ المِعيارَ الذي تُقاسُ به أَحمالُ التِّجارَة، فجاء استِعمالُه على هذا الوَجهِ الواحِد دون غَيرِه.
الآية المَركَزيّة لِجَذر بعر
الآية المَركَزِيَّة: ﴿قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ﴾ (يوسف ٧٢). تَكشِف الآية الجَوهَر الاقتصاديَّ للجذر: «بَعِيرٌ» جَزاءٌ مُحَدَّدٌ بِكَمّيَّةِ ما يَحمِله، فالبَعير وحدَةُ قياسٍ للجَزاء كما كان في الآية ٦٥ وحدَة قياسٍ للكَيل. والـ«حِمل» في الآية مُضافٌ إلى «بَعير» إضافَةَ المِقدار إلى المِعيار، تَمامًا كما يُقال «كَيل بَعير»: ما يَحمِله بَعيرٌ واحدٌ بِكَيلٍ.
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
تَصرَّفَت «بعر» في القرءان كلِّه في صيغةٍ واحِدَةٍ فقط هي «بَعِير» على وَزن «فَعيل»، وَرَدَت في كلا المَوضِعَين بالتَّنوين المَجرور (بَعِيرٖ)، ولم تَرِد في صيغةٍ أُخرى البَتَّة: لا جَمعَ ولا مُؤَنَّثَ ولا اسمَ فاعِلٍ ولا فِعلَ. هذه ظاهرَةٌ مُلفِتَة: جذرٌ بصيغةٍ واحِدَةٍ ووَزنٍ واحِدٍ وحالَةٍ إعرابيَّةٍ واحِدَةٍ في القرءان كلِّه. والإضافَة قَبلَه إمَّا «كَيل» (يوسف ٦٥ ﴿كَيۡلَ بَعِيرٖۖ﴾) وإمَّا «حِمل» (يوسف ٧٢ ﴿حِمۡلُ بَعِيرٖ﴾)، وهذا يُؤَكِّد أنَّ «بَعِير» في النَّمَط القرءانيِّ كلِمَةٌ تَأتي لِتَكونَ مِعيارًا لا مَوصوفًا. ولا يُذكَرُ في القرءان لا «الإبِل» ولا «الجَمَل» في هذَين المَوضِعَين، مع أنَّهما يَردان في القرءان عُمومًا (الإبِل في الغاشِيَة ١٧ والأَنعام ١٤٤، والجَمَل في الأَعراف ٤٠ والمُرسَلات ٣٣)، فالقرءان فرَّقَ بَينَ الحَيَوان نَفسِه (الإبِل، الجَمَل) وبَينَ البَعير بِما هو وَحدَةٌ في المُبادَلَة، وخَصَّ «بَعير» بسياقِ الكَيلِ والحِمل وحدَه. هذا التَّخصيصُ البِنيَويُّ لِلصيغة على هذا الوَجهِ المَخصوصِ مِمَّا يُميِّز هذا الجذرَ في القرءان.
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر بعر
الموضع الأَوَّل يوسف ٦٥ ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ﴾ — السِّياقُ هنا قَولُ إخوَةِ يوسف لِأَبيهم بَعدَ عَودَتِهم من المِصرِ في الرِّحلَة الأُولى، يَطلُبون منه أن يُرسِلَ مَعَهم أَخاهم في الرِّحلَة الثانية. والتَّقابُل اللَّفظِيُّ بَين «كَيۡلَ بَعِيرٖۖ» و«كَيۡلٞ يَسِيرٞ» تَقابُلٌ عَجيب: زِيادَةُ كَيلِ بَعيرٍ كامِلٍ شيءٌ كَبيرٌ في ذاتِه، ولَكِنَّه «يَسير» على المَلِك بَل بِسَبَبِ ذَهابِ أَخيهم. فالبَعير معيارٌ كَبيرٌ نِسبيًّا (لِأنَّه أَكبَرُ ما يَحمِل) لكنَّه يَسيرٌ بالنِّسبَةِ لِما يُرجى من الفائدَة. الموضعُ الثاني يوسف ٧٢ ﴿قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ﴾ — السِّياقُ مَشهَدُ التَّفتيش بَعدَ ما جَعَلَ يوسفُ السِّقايَةَ في رَحلِ أَخيه (يوسف ٧٠ ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ﴾). والإعلانُ هنا عن جَزاءٍ مَوصوفٍ بِـ«حِمۡلُ بَعِيرٖ» — حُمولَةُ بَعيرٍ كاملٍ من الطَّعام مُكافأَةً لِمَن يَأتي بالصُّواع. مَلاحَظَة بِنيَويَّة: المَوضِعان مَرتَبِطان في النَّسَق القرءانيّ، فالأَوَّل (٦٥) ذِكرُ بَعيرٍ زِيادةً بِسَبَب الأَخ، والثاني (٧٢) ذِكرُ بَعيرٍ مُكافَأَةً بِسَبَبِ المَلِك — كأنَّ النَّصَّ يَعرِض دَورَتَين تِجارِيَّتَين: واحدَةً يُربَحُ فيها بَعير، وأُخرى يُجعَلُ فيها بَعير. وكلاهما في سياقِ سَفَرِ الإخوَة في «العير» (يوسف ٧٠ ﴿أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ﴾)، فبَيَّنَ القرءانُ أنَّ «العير» (القافِلَة) و«البَعير» (وَحدَة الحِمل) مُتَلازِمان في سياقِ السَّفَرِ التِّجاريّ، رَغمَ أنَّهما من جذرَين مُختَلِفَين. هذان المَوضِعان فقط في القرءان كلِّه.
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
يَجمَعُ المَوضعَين أربَعَةُ عَناصِر: (١) السورَةُ الواحِدَة — كلاهما في يوسف، ولا يَرِد «بَعير» في غَيرِها. (٢) المَقطَعُ الواحِد — يوسف ٦٥-٧٢ مَقطَعٌ مُتَّصِلٌ في قِصَّة الكَيلَة الثانية. (٣) الصِّفَةُ الواحِدَة — كلاهما «بَعِيرٖ» مَجرورٌ منوَّن. (٤) الإضافَةُ قَبلَه — في كِلَيهما اسمٌ مُضافٌ إلى «بَعير» يُحَدِّد الكَمّيَّة (كَيل، حِمل). ويُضافُ إلى ذلك الجامِعُ الدَّلاليُّ: البَعير معيارٌ لِلكَمّيَّة في سياقِ المُبادَلَة، لا مَوصوفٌ بِذاتِه. فالنَّمَطُ القرءانيُّ يَستَخدِمُ «بَعير» كَأَداةِ قياسٍ لا كَكائِنٍ يُحكى عَنه. هذه الإحالَةُ المُتَكَرِّرَة لِلجذر إلى وَظيفَةِ القياسِ تُؤَكِّد خَصُّوصِيَّتَه في القرءان.
مُقارَنَة جَذر بعر بِجذور شَبيهَة
«بعر» يُقارَن بثَلاثَة جذور قَريبَة في حَقل الأَنعام: «إبِل»، و«جمل»، و«نعم/أَنعام». (١) «إبِل» بِمَعنى الحَيَوان وَرَدَ مَرَّتَين (الغاشِيَة ١٧ ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ﴾، والأَنعام ١٤٤ ﴿وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ﴾)، ووَرَدَ بِصيغَة «أَبَابيل» مَرَّةً ثالِثَةً (الفيل ٣) في انفِراد دلاليّ آخَر، وكلاهما يَدُلَّان على الحَيَوانِ نَفسِه بِما هو خَلقٌ ومَزِيَّةٌ، لا بِما هو وَحدَةُ حِمل. (٢) «جمل» يَرِد في الأَعراف ٤٠ ﴿حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِ﴾ في سياقِ مُحالٍ مَجازيّ، وفي المُرسَلات ٣٣ ﴿كَأَنَّهُۥ جِمَٰلَتٞ صُفۡرٞ﴾ في سياقِ تَشبيهٍ لِشَرَر النار. فالجَمَل في القرءان رمزٌ، والبَعير معيار. (٣) «أَنعام» يَدُلُّ على جِنسِ المَواشي بِأَكمَلِها (الإبِل والبَقَر والغَنَم)، فيشمَل الأَفرادَ المَتَعَدِّدَة، بينما «بَعير» مُفرَدٌ يَخُصُّ واحِدًا بِعَينِه. الفَرقُ الجَوهَريّ: البَعير في القرءان وَظيفَتُه قياسيَّةٌ تِجاريَّة، الإبِلُ خَلقيَّةٌ آيَتيَّة، الجَمَلُ مَجازيٌّ تَشبيهيّ، والأَنعامُ تَسخيريَّةٌ نِعمَتِيَّة. لذلك تَخَصَّصَ «بَعير» بسياقِ الكَيل والحِمل في يوسف وحدَه.
اختِبار الاستِبدال
إن أبدلتَ «بَعِيرٖ» في يوسف ٧٢ بـ«جَمَلٍ» فقُلتَ «وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ جَمَلٍ» — يَفقِد المَعنى التَّخصيصَ بسياقِ المُبادَلَة، فالجَمَل لا يُكال له ولا يُكال به في القرءان بَل يُذكَرُ في سياقاتِ التَّمثيل. وإن أبدلتَه بـ«إبِلٍ» فقُلتَ «حِمۡلُ إبِلٍ» — يَفقِد المَعنى التَّفرُّدَ، فالإبِل جنسٌ لا فرد، فلا يَصلُحُ معيارًا واحدًا للجَزاء. وإن أبدلتَه بـ«حَيَوانٍ» فقُلتَ «حِمۡلُ حَيَوانٍ» — لا يَتَحَدَّد الحَجمُ، فقد يكون شاةً أو بَقَرَة لا تَحمِل ما يَحمِله البَعير. لِذَلِك انفَرَدَ «بَعير» بِكَونِه: مُفرَدًا (لا جنسًا) + مَخصوصًا بسياقِ التِّجارَة (لا الخَلق ولا التَّمثيل) + كَبيرَ الحُمولَة (يَصلُحُ معيارًا).
الفُروق الدَقيقَة
ثلاثَةُ فُروقٍ دَقيقَة بَين «بعر» والجذور المُشابِهَة في القرءان: (١) «بَعير» يَتَخَصَّص بسورَةٍ واحدَة (يوسف) لا يَتَجاوَزُها، بينما «إبِل» و«أَنعام» يَتَوَزَّعان على سُوَرٍ مُتَعَدِّدَة. هذا التَّخَصُّص السورِيّ المُطلَق نادرٌ. (٢) «بَعير» في كلا مَوضِعَيه مَجرورٌ منوَّن، ولم يَأتِ مَرفوعًا ولا مَنصوبًا ولا مُعَرَّفًا بـ«ال» قَطّ — فالنَّمَطُ يَتَطَلَّب الجَرَّ بالإضافَة (إضافَة الكَيل أو الحِمل إليه). (٣) «بَعير» لا يَأتي في القرءان إلَّا مُتَأَخِّرًا في الإسناد (مُضافٌ إليه)، لا فاعِلًا ولا مَفعولًا، فالبَعير في النَّمَط القرءانيِّ موضوعٌ لا فاعِل. هذا يُغايِر «الإبِل» التي تأتي مَفعولَ نَظَرٍ في الغاشِيَة ١٧ ومَفعولَ خَلقٍ ضِمنيًّا.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الأنعام والحيوانات الأليفة.
«بعر» في حَقل «الأَنعام والحَيَوانات الأَليفة». لَكِنَّ التَّخَصُّص اللاحِظَ في القرءان يُلوِّن دَوره في الحَقل بِظِلٍّ خاصّ: فهو الحَيَوانُ الذي يُكالُ به ويُحمَلُ عليه، لا الذي يُذكَرُ لِخَلقِه (كالإبِل) ولا الذي يُؤكَلُ لَحمُه (كالأَنعام في الحَجّ ٢٨)، ولا الذي يُسَخَّرُ لِلرُّكوب فقط (كالخَيل في النحل ٨). فالبَعيرُ في الحَقل القرءانيّ تَجَلٍّ مَخصوصٌ لِجانِب «التَّسخير الاقتصاديّ»، وهو وَجهٌ من وُجوهِ نِعمَة الأَنعام كما في النحل ٧ ﴿وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ﴾.
مَنهَج تَحليل جَذر بعر
في تَحليل هذا الجذر اتُّبِعَت ٤ خَطوات: (١) حَصرُ المَوضِعَين كاملَين بنُصوصِ الآيات والسياق المُحيط (يوسف ٦٣-٧٦)، (٢) رَصدُ صيغَةٍ واحِدَة (بَعِير منوَّنًا مَجرورًا) ووَزنٍ واحِد (فَعِيل) في كلا المَوضِعَين، (٣) تَتَبُّع المُضاف إليه قَبل «بَعير»: «كَيل» في الأَوَّل و«حِمل» في الثاني، فاستُخلِصَ أنَّ «بَعير» وَحدَةُ قياسٍ في النَّمَط القرءانيّ، (٤) المُقارَنَة مع «إبِل» و«جمل» و«أَنعام» في القرءان كلِّه لِتَحديد التَّخصيصِ الدَّلاليّ. لم يُستَعمَل مَصدَرٌ خارجيّ.
الجَذر الضِدّ
الجذر الضِّدّ لِـ«بعر» في القرءان لَيس واحِدًا واضِحًا في النَّصّ مَوزونًا ضِدًّا لَفظيًّا، لِأنَّ «بعر» جذرٌ تِقنيٌّ-اقتصاديٌّ يَخُصُّ وَحدَة الكَيلِ والحِمل، فلا يُوضَعُ في تَقابُلٍ معجميٍّ صَريحٍ مع جذرٍ آخَر. لَكِنَّ التَّحليل البنيَويَّ لِسياقِ المَوضِعَين يَكشِفُ ضِدًّا دَلاليًّا حَقيقِيًّا في النَّصّ نَفسِه، يَتَّجِه نَحوَ قُطبَين: قُطبُ «صوع» (الصواع) — الوَحدَةُ الصَّغيرَة في مُقابِلِ الوَحدَةِ الكَبيرَة، وقُطبُ «وزن» أو «وعي» — وَحدَةُ المِيزانِ مُقابِلَ وَحدَةِ الكَيل. والأَوضَحُ في النَّصّ هو التَّقابُلُ بَين «صُوَاع المَلِك» (يوسف ٧٢ ﴿نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ﴾) و«حِمل البَعير» (يوسف ٧٢ ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ﴾) — مَوضِعٌ واحِدٌ يَجمَعُ بَين الأَصغَرِ مِكيالًا (الصواع) والأَكبَرِ مِكيالًا (البعير) في تَوازُنِ الجَزاء، فالصواعُ المَفقودُ يُجازى عليه بِحِمل بَعير. التَّقابُلُ هنا بِنيَوِيٌّ في النَّصّ: واحِدٌ صَغيرٌ في مَوضِعٍ مَلَكيٍّ مَفقودٍ، يُقابِلُه حِملٌ كَبيرٌ على ظَهرِ بَعيرٍ مَوعودٌ بِه. والصواع جذرٌ نادِرٌ هو الآخَرُ (لم يَرِد إلَّا في يوسف ٧٢ بصيغةٍ واحِدَة). فالتَّقابُل البنيَويّ في الآية الواحِدَة بَين «صوع» و«بعر» تَقابُلُ كَمّيَّةٍ ووَحدَة قياس. وَجهٌ آخَرُ من التَّقابُل: في يوسف ٦٥ ﴿وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ﴾ تَجِدُ مُقابَلَةً بَين «كَيل بَعير» (الكَبير) و«كَيل يَسير» (التَّخفيف منه) — جَدَلِيَّةٌ داخِليَّة تَكشِف أنَّ البَعير في النَّمَط القرءانيِّ يَستَدعي معه فِكرَة المُقارَنَة بَينَ كَبيرٍ ويَسيرٍ. وَجهٌ ثالِث: في سياقِ يوسف ٧٠ يَرِد ﴿أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ﴾ — العِيرُ القافِلَةُ المُتَحَرِّكَة، والبَعير الفَرد الواحدُ منها. فالتَّقابُلُ هنا بَين الجَمعِ المُتَحَرِّك (العير) والفَردِ المَحمول (البَعير) في نَفس المَقطَع. ولَكِنَّ التَّقابُلَ الأَوضَح والأَعمَقَ بِنيَويًّا في النَّصِّ يَبقى تَقابُلَ الوَحدَتَين: «صُواع» (يوسف ٧٢) للوَحدَة الصَّغيرَة، و«بَعير» (يوسف ٧٢ + ٦٥) للوَحدَة الكَبيرَة. وكِلتاهما في القرءان لا تَتَجاوَز سورَةَ يوسف، وكِلتاهما تَتَخَصَّصان في سياقِ كَيلٍ ومُبادَلَةٍ بَين الإخوَة والمَلِك. ومن وَجهِ التَّقابُلِ بَين سياقَي الكَيلَتَين: الكَيلَةُ الأُولى (يوسف ٥٩ ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ﴾) لم يُذكَر فيها «بَعير» بَل ذُكِرَ «جِهاز» مُجمَلٌ، أمَّا الكَيلَةُ الثانيَة فظَهَرَ فيها «بَعير» مَرَّتَين بِكَمالٍ تَفصيليّ — تَدَرُّجٌ بِنيَويٌّ من العامِّ المُجمَل إلى الخاصِّ المُحَدَّد، وهذا يُرَجِّحُ أنَّ «بَعير» يَأتي في القرءان حَيث يَكون التَّحديدُ الكَمّيُّ مَطلوبًا، فالضِّدُّ الدَّلاليُّ له هو الإجمال غَير المُحَدَّد (الجِهاز، المَتاع) — كلُّ ما يُذكَرُ بِلا قياسٍ كَمّيٍّ. وأَقوى التَّعبيراتِ القرءانيَّة عن الإجمال غَيرِ المُحَدَّد جذرُ «متع» (المَتاع) الذي ورد في يوسف ٦٥ نَفسِها ﴿فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ﴾ — فالمَتاع غَيرُ مَكيلٍ ولا مَحدودٍ بوَحدَة، والبَعير وَحدَةٌ مَكيلَة. التَّقابُلُ في الآية الواحدَة (يوسف ٦٥) بَين «مَتاع» المُجمَل و«كَيل بَعير» المُحَدَّد تَقابُلٌ بِنيَويٌّ صَريح. لِذَلِك يَكون الضِّدُّ الدَّلاليُّ لِـ«بعر» في القرءان مُرَكَّبًا من جِهَتَين: «صوع» (الوَحدَة المُقابِلَة في الحَجم) و«متع» (المَجموعُ غَيرُ المَكيل) — وكِلتاهما تَجتَمِعان مع «بَعير» في سياقاتٍ مُتَّصِلَة في يوسف.
نَتيجَة تَحليل جَذر بعر
نَتيجَة الاستِقراء: «بعر» جذرٌ يَتَخَصَّص في القرءان بِكَونِه وَحدَةَ كَيلٍ ووَحدَةَ حِملٍ في سياقِ التِّجارَة بَين الإخوَة والمَلِك في يوسف. مَوضِعان فقط في صيغةٍ واحدَةٍ (بَعِير منوَّنًا مَجرورًا)، يُقابِلُه بِنيَويًّا «صُواع» (الوَحدَة الصَّغيرَة) و«مَتاع» (المُجمَل غَير المَكيل). الجذرُ آيَةٌ على دِقَّةِ القرءان في تَخصيص الكَلِمَة بِسياقِها الوَظيفيّ الواحِد.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر بعر
الشاهِدان كاملَين: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ﴾ (يوسف ٦٥) — البَعير معيارُ الزِّيادَة في الكَيل؛ ﴿قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ﴾ (يوسف ٧٢) — البَعير معيارُ الجَزاء على رَدِّ الصواع. شاهِدُ التَّقابُل البِنيَويّ: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ﴾ (يوسف ٧٠) — العِير قافِلَةُ البِعار.
لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر بعر
ملاحَظات نَمَطِيَّة من المَسح الكُلِّيّ للمَوضعَين والسياقاتِ المُحيطَة بِهِما: (١) الجذرُ مَنحصرٌ في سورَةٍ واحِدَةٍ (يوسف) ولَم يَتَجاوَزها قَطّ — تَخَصُّصٌ سُوَريٌّ مُطلَقٌ نادِر. (٢) الصِّيغَةُ واحِدَة (بَعِير) والوَزنُ واحِد (فَعِيل) والإعرابُ واحِد (مَجرورٌ منوَّن) في كلا المَوضِعَين — انتِظامٌ بِنيَويٌّ كامِل. (٣) في كلا المَوضِعَين اسمٌ مُضافٌ قَبل «بَعير» يَدُلُّ على القياس: «كَيل» في الأَوَّل و«حِمل» في الثاني — فالبَعير في القرءان لا يَأتي مُستَقِلًّا بَل دائمًا مُعَيَّنًا بِما يُكال له أو ما يُحمَل عليه. (٤) المَوضِعان مُتَلازِمان في مَقطَعٍ واحِد (يوسف ٦٥-٧٢): الأَوَّلُ زِيادَةُ بَعيرٍ بِسَبَب الأَخِ، والثاني جَزاءُ بَعيرٍ بِسَبَب الصواع — تَوازنٌ نَصِّيٌّ مَلحوظ. (٥) تَجتَمِعُ في المَقطَعِ نَفسِه ٣ وَحَدات قياسيَّة قرءانيَّة: «كَيل» (الجذر كيل، ١٧ مَوضِعًا في القرءان)، و«صُواع» (الجذر صوع، مَوضِعٌ واحِد في يوسف ٧٢ فقط)، و«بَعير» (مَوضِعان في يوسف فقط) — كأنَّ سورَة يوسف مَوسوعَةُ القرءان في وَحَدات الكَيل والمُبادَلَة. (٦) لا يَرِد «بَعير» في القرءان إلَّا في سياقِ تَفاعُلٍ بَشَريٍّ تِجاريّ، لا في سياقِ خَلقٍ (كالإبِل في الغاشِيَة ١٧) ولا في سياقِ تَشبيهٍ (كالجَمَل في الأَعراف ٤٠) — تَخَصُّصٌ وَظيفيٌّ صَريح. (٧) كَلِمَة «العير» (يوسف ٧٠ ﴿أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ﴾) من جذرٍ مُختَلِفٍ (عير) لَكِنَّها مُلازِمَةٌ لِسياقِ «بَعير» في القرءان، فالعير القافِلَةُ والبَعير وَحدَتُها — تَكاملٌ دلاليٌّ بَين جذرَين. (٨) في يوسف ٦٥ ﴿ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ﴾ بَيانٌ بَلاغيٌّ مُحكَم: زِيادَةُ كَيلِ بَعيرٍ (وَحدَةٌ كَبيرَة) تُوصَفُ بـ«يَسير» — تَخفيفُ الكَبيرِ في النَّصّ القرءانيّ يَأتي بسَبَبِ الفائدَةِ المَرجوَّة (ذَهابُ الأَخ)، فالكَبيرُ يَصيرُ يَسيرًا حِينَ يَكون لِغايَةٍ كُبرى.
إحصاءات جَذر بعر
- المَواضع: ٢ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
- الصِيَغ: ٢ صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: بَعِيرٖۖ.
- أَبرَز الصِيَغ: بَعِيرٖۖ (١) بَعِيرٖ (١)